المكتبة العقائدية » هبة السماء (لـ علي الشيخ)



الصفحة 85
كثيرة من العهد الجديد ويؤكد أنهم في ملكوت السموات، فلا أدري من أين جاءوا بمثل هذه الأقاويل ونسبوها زورا وتحريفا إلى السيد يسوع المسيح (عليه السلام) فهل يعقل أن يختار الله سبحانه في هذه الدنيا أنبياء وأولياء قضوا جل أعمارهم في طاعته وعبادته وقدموا أرواحهم وأنفسهم في سبيل تبليغ تعاليمه وهداية الناس إليه، فمنهم الخليل والكليم وغيرهما الكثير، وبعد موتهم يلقيهم في جهنم جزاء لخطيئة آدم (عليه السلام) وإلى أن يرسل المسيح (عليه السلام) ويخلصهم!!

وفي الواقع فأني وقفت متحيرا وذاهلا كيف كنت أقبل مثل هذه العقائد واعتبرها من الأمور المسلمة، ليس سوى أن الكنيسة قد اعتبرتها وقبلتها وأن كانت مخالفة للعقل والفطرة.

وأختم الحديث عن هذا الموضوع فأقول أن هذه العقيدة مخالفة للكتاب المقدس أيضا، إذ نجد عكس هذه المسألة تماما في كتاب العهد القديم، مثلا يقول حزقيل النبي (18: 20) من أخطأ فهو الذي يموت والابن لا يحمل خطيئة أبيه، وكذلك الأب لا يحمل خطيئة ابنه، فالبار سيحاسب على بره، والشرير سيحاسب على شروره. وغيرها الكثير، ولأني تعمدت الاختصار قدر الإمكان في هذا الكتاب اكتفي بهذا المقدار، على أني سأتوسع في البحث في هذا الموضوع في رسالة مستقلة بإذن الله، ونفرق هناك بين الخطيئة


الصفحة 86
الفردية والجماعية كما يزعم المسيحيون وكما يفسرون مثل هذه الكلمات في الكتاب المقدس.


الصفحة 87

من هو المسيح (ع)؟

السؤال المهم الذي يطرح في العقيدة المسيحية هو: من هو المسيح (عليه السلام) وللإجابة عن هذا السؤال نلجأ إلى الكتاب المقدس (العهد الجديد). فيعرف لنا المسيح (عليه السلام) بأنه (ابن الإنسان، ابن الله، الله المتجسد) فالعهد الجديد يعطي هذه الألقاب للمسيح (عليه السلام)، ونحن هنا بدورنا نستعرض هذه الأسماء لنرى هل نستطيع أن نوفق بين كل هذه الصفات والألقاب بأن تكون لكائن واحد لا غير؟

ابن الإنسان

من يطالع العهد الجديد بدقة يجد أن المسيح (عليه السلام) يؤكد على هذا اللقب له بصورة كبيرة، وأني هنا أقدم إحصاء بسيطا عن هذا اللقب في الأناجيل الأربعة: فقد ذكر المسيح (عليه السلام) حسب إنجيل متي هذا الاسم (27 مرة) لا حظ متي: (8: 21، 9: 6، 10: 23، 11: 19،


الصفحة 88
12: 8، 13: 32، 13: 41، 13: 37، 13: 40، 16: 14، 16: 27، 17: 9، 17: 12، 24: 28، 24: 40، 25: 13، 25: 31، 26: 1، 26: 23، 26: 46، 26: 64).

وحسب إنجيل مرقس (12 مرة) أنظر مرقس: (2: 10، 2:

28، 8: 31، 9: 10، 9: 31، 10: 33، 10: 44، 13: 25، 14: 21، 14: 41، 14: 62). وحسب إنجيل لوقا (21 مرة) أنظر لوقا: (5: 24، 6: 5، 7: 34، 9: 22، 9: 45، 11: 30، 12: 8، 2: 10، 6: 22، 9:

56، 9: 57، 12: 40، 17: 22، 17: 25، 17: 26، 17: 30، 18: 8، 18: 32، 19: 10، 21: 27، 21: 36، 22: 22، 22: 48، 22: 68).

وحسب إنجيل يوحنا (10 مرات) أنظر يوحنا (1: 51، 3:

31، 5: 27، 6: 27، 6: 53، 6: 63، 8: 28، 12: 23: 12: 34، 3:

14).

وأعتقد أن تأكيد المسيح (عليه السلام) على أنه ابن إنسان فيه دلالة وإشارة واضحة وجنبته الإنسانية، فإنه كان يمارس حياته العادية كباقي البشر، فهو يجوع ويعطش و ينام ويفرح ويتألم ويحتاج في حياته إلى الكثير من الأمور الأخرى، فهو بتأكيده هذا يريد أن يبين أنه لا يعدو كونه انسانا كسائر الناس، ولكنه يختلف عنهم بأنه نبي يوحى إليه، فهو على ارتباط مع السماء، كباقي الأنبياء.

ولكن المسيحيين يرون في هذا اللقب بعد آخر، وهو أن


الصفحة 89
المسيح (عليه السلام) شاركنا في حالتنا من الاتضاع والألم، ولكن بما أنه كان ابن الإنسان ذا الأصل السماوي، فهو آدم الجديد، رأس البشرية المجددة فهو آدم السماوي الذي يلبس القائمون من بين الأموات صورته (1).

ويعتقدون أن ابن الإنسان عبارة غامضة توحي بجانب من السمو العالق بشخصية المسيح (عليه السلام) وتحجبه في الوقت نفسه. فعبارة ابن الإنسان عند المسيحيين لها شمول أعمق بكثير مما نفترضه للوهلة الأولى، وهذه العبارة (حسب المسيحيين) عندما يتكلم بها يسوع المسيح (عليه السلام) فهو يريد أن يحقق بذلك ما كان مذكورا في العهد القديم، حسب رؤيا دانيال الذي يتحدث عن ابن الإنسان وعن القديم (يقصد به الله) محاكما جميع الناس والملوك (دنيا: 7).

فكان التقليد اليهودي واعيا للميزة الفائقة لابن الإنسان، ولوجوده السابق للعالم (2).

ولهذا فهم اليهود من خلال هذا اللقب أنه تجديف كما يذكر ذلك إنجيل متي: (متي: 26: 65:) (فأجاب رئيس الكهنة، وقال له أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله، قال له يسوع أنت قلت، وأيضا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان

____________

(1) معجم اللاهوت المسيحي: 33.

(2) المسيح في الفكر الاسلامي الحديث وفي المسيحية: 249.


الصفحة 90
جالسا عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء... فقال رئيس الكهنة قد جدف)، فكان من الواضح لهم أن يسوع كان يدعي أكثر من ذلك، إذ رفع نفسه إلى درجة الألوهية (1).

وفي الواقع فالانسان يبقى مندهشا عند سماعه لمثل هذا الكلام، فما معنى أن يكون المسيح (عليه السلام) انسانا وابن إنسان ولكنه الله في نفس الوقت وابن الله، نعم من الممكن أن يصل إلى درجة عالية من القرب الإلهي من خلال العبادة والطاعة لمولاه، فيقول للشئ كن فيكون، أما أن يكون الإنسان انسانا وإلها في آن واحد، فهو مما لا يحتمله العقل البشري.

ابن الله

أن الكنيسة تعتبر هذا اللقب هو السر الذي يشير إلى حقيقة المسيح (عليه السلام) وتصر على تسمية المسيح (عليه السلام) به. إذ من خلال قبول هذا اللقب للمسيح (عليه السلام) تكتمل فصول عقيدة الفداء والخلاص، وكذلك عقيدة الثالوث الأقدس، إذ أن المسيح (عليه السلام) في هذا الثالوث هو الاقنيم الثاني.

ومما يثير الدهشة أن المسيح (عليه السلام) لم يسم بهذا الاسم ولا مرة واحدة في الأناجيل الموافقة (متي، مرقس، لوقا)، بل كما رأينا فهو

____________

(1) نفس المصدر.


الصفحة 91
دائما يطلق على نفسه ابن الإنسان، وما تذكره الأناجيل لهذه التسمية (ابن الله) هو إما من تعبير الكاتب، أو يذكره نقلا عن لسان آخرين، بل كان كل الذي ذكره في بعض المواضع من هذه الأناجيل هو أنه يشير إلى الله سبحانه بكلمة أبي، والتي سوف نتعرض لها من خلال البحث.

نعم حسب إنجيل يوحنا فإنه يسمي نفسه (ابن الله) في ثلاثة مواضع، وكذلك يشير إلى نفسه بالابن وإلى الله بالأب في بعض كلامه، ويعتقد المسيحيون أن هذا اللقب ليس مجازيا في حق المسيح (عليه السلام) بل هو حقيقي.

وبعد تدوين العهد الجديد أعلنت ألوهيته بشكل علني ورسمي، فالإيمان المسيحي يعلن أن يسوع هو ابن الله، وهو الله ذاته (1).

ولكن بالرغم من هذا فهم يعتقدون أن الله الأب له امتيازات عن الابن السماوي له، (فإن كانت كرامة يسوع تجعله مساويا لله، فإن هذا لا يمنع الأب من الاحتفاظ بامتيازاته الأبوية، بشهادة المسيح (عليه السلام) نفسه، وشهادة كتبة العهد الجديد، فالأب مصدر كل الأشياء وغايتها، ولذا فالابن الذي لا يعمل إلا تبعا له سيخضع له في آخر الأزمنة، خضوعه لرأسه) (2).

والحديث عن ابن الله سيقودنا طبيعيا إلى البحث عن الثالوث الأقدس، ونقف هنا عند سر الأسرار (الثالوث الأقدس) ونبينه من

____________

(1) المسيح في الفكر الاسلامي: 233.

(2) معجم اللاهوت المسيحي: 24.


الصفحة 92
وجهة نظر المسيحيين. ثم نناقش مسألة (ابن الله) والتثليث معا إن شاء الله.


الصفحة 93

الثالوث الأقدس

أن عقيدة الثالوث الأقدس تعتبر السر الأول في العقيدة المسيحية، فهي الأساس الذي بنيت عليه المسيحية، كما أن التوحيد هو الأساس في الإسلام، فنحن في كل عمل كنا نقوم به نبدأ (باسم الأب والابن والروح القدس) وهو أول شئ تعلمته منذ نعومة أظفاري، فعند الأكل نبتدأ به، وعند الدخول إلى الكنيسة وعند الصلاة، ولهذا لا أعتقد أن هناك عقيدة مترسخة في نفس كل مسيحي كعقيدة التثليث، ولكن بالرغم من هذا ففهمها مشكل جدا، بل مستحيل فنحن نعتقد أن التثليث ولأنه يرتبط بحقائق إلهية فائقة الوصف، فهو بعيد عن متناول عقل الإنسان، ولذا فهو يبقى سراغا مضا لا يفهم. فهو فوق الادراك البشري.

وقبل الدخول في البحث عن هذه العقيدة، لا يفوتني أن أذكر من أن المسيحيين لا يعتقدون بثلاثة آلهة كما يتصور البعض، بل هم


الصفحة 94
يؤمنون بإله واحد له ثلاثة أقانيم وهي (الأب والابن والروح القدس).

في الواقع أن كلمة (التثليث أو الثالوث) لم ترد في الكتاب المقدس، ويظن أن أول من صاغها واستعملها هوترتوليان في القرن الثاني للميلاد، ثم ظهر سبيليوس في منتصف القرن الثالث وحاول أن يفسر العقيدة بالقول أن التثليث ليس أمرا حقيقيا في الله، لكنه مجرد إعلان خارجي، فهو حادث مؤقت وليس أبديا ثم ظهر أريوس الذي نادى بأن الأب وحده هو الأزلي بينما الابن والروح القدس مخلوقان متميزان عن سائر الخليقة، وأخيرا ظهر أثناسيوس الذي وضع أساس العقيدة (الثالوث الأقدس) (1) وبعد مناقشات وتشاجرات بين علماء المسيحية وكبار قادة الكنيسة الذين افترقوا بين مؤيد لأريوس، ومؤيد لأثناسيوس دفعت بالامبراطور قسطنطين إلى الدعوة لعقد أول مجمع مسكوني في عام 320 ميلادي في نيقية - وحضر هذا الاجتماع أكابر العلماء والأساقفة، وبعد شهر أو أكثر من النقاش والجدال، انتصرت عقيدة أثناسيوس وكسبت أكثر الآراء، وتم تشكيل عقيدة التثليث والتي نصت على ما يلي:

نحن نعبد إلها واحدا في الثالوث، والثالوث في التوحيد لأن هناك شخصا للأب وآخر للابن وأخر لروح القدس، أنهم ليسوا ثلاثة آلهة ولكن إله واحد. فكل الأشخاص الثلاثة هو أزليون معا

____________

(1) قاموس الكتاب المقدس: 232.


الصفحة 95
و متساوون معا، وهكذا فإن الإنسان الناجي هو ذلك الذي يعتقد بالثالوث (1).

ولقد تبلور قانون الإيمان الاثناسيوسي على يد أغسطينوس في القرن الخامس، و صار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا. ففي عام (451) الميلادي وفي مجمع خلقيدونيا المسكوني تم إقرار التثليث على أنه موثوقة رسمية ولا تقبل المناقشة، والكلام ضد الثالوث يعتبر كفرا ومن يقترفه يستحق الموت أو التشويه.

ولكن استمر الاصلاح في هذه العقيدة وترميمها وتطويرها، إذ يعترف المسيحيون أن هذه العقيدة بحاجة إلى تنبير ولا يستطيع دارس هذه العقيدة أن ينسى المصلح جون كلفن، الذي عاش في القرن السادس عشر، ونبر على التساوي التام بين الأقانيم الثلاثة في هذه العقيدة، التي يلزمها مثل هذا التنبير من وقت إلى آخر على مر الزمن) (2).

والقانون الذي وضعته الكنيسة (قانون الإيمان) يشير بوضوح إلى هذه العقيدة.

وأذكر أني حفظت (قانون الإيمان) في فترة (التناول) في سن

____________

(1) نظرة عن قرب في المسيحية: 37.

(2) قاموس الكتاب المقدس: 233.


الصفحة 96
السابعة تقريبا ونصه هو:

أؤمن باله واحد، أب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل ما يرى وما لا يرى، وأؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شئ، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد بالروح القدس ومن مريم العذراء، وصار انسانا وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، تألم وقبر، وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء. وأؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب والابن، الذين هو مع الأب والابن، يسجد له ويمجد، الناطق بالأنبياء، وأؤمن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة ورسولية، واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي، آمين) (1).

فالمسيحيون يلخصون عقيدة التثليث في النقاط الستة التالية:

1 - الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله.

2 - هؤلاء الثلاثة يصفهم الكتاب بطريقة تجعلهم شخصيات

____________

(1) أنظر كتاب تعاليم الكتاب المقدس: ص 60.


الصفحة 97
متميزة الواحدة عن الأخرى.

3 - هذا التثليث في طبيعة الله ليس مؤقتا أو ظاهرا بل أبدي وحقيقي.

4 - هذا التثليث لا يعني ثلاثة آلهة بل أن هذه الشخصيات جوهر واحد.

5 - الشخصيات الثلاث الأب والابن والروح القدس متساوون.

6 - لا يوجد تناقض في هذه العقيدة (1).

والمسيحيون يؤكدون على التوحيد، وأن خالق هذا العالم والذي يدير شؤونه هو واحد لا أكثر، ولكن في تعريفهم لحقيقة هذا الواحد يقولون أنه يتألف من ثلاثة أقانيم أو أشخاص وهم (الأب والابن والروح القدس) وهم متساوون في القدرة والمجد.

ويؤكدون أن هذه المعرفة كانت تدريجية، فالله سبحانه لم يكشف عن نفسه مرة واحدة، لشدة نوره الذي يبهر العيون، بل تمت معرفته في يسوع المسيح (عليه السلام)، فالخالق العظيم كانت حقيقته مجهولة للإنسانية، ولم يستطع أحد التعرف على كنهه، وبمجئ المسيح (عليه السلام) كشف ربنا عن كنهه وحقيقته بتجسده في عيسى المسيح (عليه السلام) (2).

وأما إثبات هذه العقيدة من الكتاب المقدس، (والكلام للمسيحيين) فالعهد القديم لم يوضح الثالوث الأقدس، بل كان جل

____________

(1) قاموس الكتاب المقدس: 232.

(2) المسيح في الفكر الاسلامي: 258.


الصفحة 98
اهتمامه وهدفه هو أن يركز مفهوم وحدانية الله سبحانه في نفوس بني إسرائيل، وكفهم عن عبادة الأوثان، وهذا الموضوع احتاج إلى وقت طويل ليفهمه ويعتقده هذا الشعب، فنحن نرى أن موسى (عليه السلام) عندما صار إلى ميقات ربه فتأخر، رجع بني إسرائيل إلى عبادة العجل الذهبي، فكانت عبادة الأوثان ما تزال مؤثرة في نفوسهم، ولهذا فمن يطالع العهد القديم يرى بوضوح أن وحدانية الله بارزة في أكثر تعاليمه بل هي أول الوصايا، كما ذكر في (تث: 6 - 4) (اسمع يا إسرائيل أن الرب إلهنا رب واحد).

ولذا فنحن لا نعثر في العهد القديم على أي إشارة إلى هذا الثالوث، نعم استعملت في العهد القديم كلمة (الأب) وأرادوا به الله سبحانه، فهو أب الأبرار والصالحين ولكن كان يفهم منها المعنى المجازي لا الحقيقي، وكذلك كلمة الابن هي الأخرى استعملت في العهد القديم وأيضا كان يفهم المعنى المجازي لا البنوة الحقيقية، والروح القدس هو الآخر مذكور كثيرا، ولكن له معاني كثيرة مختلفة، إذ كان يقصد منه مثلا، نفخة الحياة، النفس، الريح، وغيرها... وكأن الله سبحانه (والقول للمسيحيين) كان يهئ البشرية للخطة النهائية التي سيكشف فيها عن نفسه بأنه (أب، وابن، وروح القدس) في العهد الجديد (1).

____________

(1) نفس المصدر: 258.


الصفحة 99
وعند مجئ المسيح (عليه السلام) أكد هو الآخر على وحدانية الله سبحانه وذلك من خلال ما نجده في العهد الجديد، مثلا نرى في جوابه لأحد الكتبة عن أول الوصايا، قال: (الوصية الأولى هي اسمع يا إسرائيل أن الله ربنا رب واحد) (مر: 12: 29).

وهو بمجيئه هذا كشف السر الإلهي الذي يصعب على عقل الإنسان تصوره وفهمه، ولكن المسيح (عليه السلام) أيضا أخذ يكشف ذلك السر تدريجيا، فاستعمل كلمة (الأب) وأراد بها الله سبحانه وتعالى، فهو أب لجميع المؤمنين والأبرار والصالحين، وهو الأب الرحيم العطوف بأبنائه وخلقه، أنظر (متي: 3010، 5 - 16) (مر: 11: 25 - 26) وغيرها.

ولكنه (حسب المسيحيين) استعمل هذه الكلمة بالمعنى الحقيقي عندما كان يخاطب الله ويقول (أبي) انظر (متي: 11: 25 - 27) و غيرها، فالله الأب هنا هو الأب الخاص للمسيح (عليه السلام) فانتقل اللفظ من المعنى المجازي إلى المعنى الحقيقي في شخص يسوع (عليه السلام)، فكان لفظ الأب إشارة إلى الأقنيم الأول!

وأما كلمة الابن فقد أشرنا إليها سابقا، فالمسيح (عليه السلام) أيضا استخدم كلمة أبناء الله، في حق المؤمنين انظر (متي: 5: 9) (5: 45) وغيره، ولكنه أراد منها المعنى المجازي، في حين أنه عندما استعملها لنفسه فإنه أراد بها المعنى الحقيقي، فهو الابن الخاص


الصفحة 100
والوحيد للباري تعالى! أنظر (يو: 9 - 35) (10: 37) وغيرها.

وأما روح القدس فهو الآخر مذكور في العهد الجديد، ولكنه لم يفهم منه أنه أحد الأقانيم الثلاثة المؤلفة لله سبحانه، إلا يوم العنصرة إذ تجلى بوضوح في ذلك اليوم (أي عند نزول الروح القدس) (1).

فنحن رأينا أن الأقانيم الثلاثة مذكورة في العهد الجديد وهي منفصلة.

وأما أنه هل ذكرت أسفار العهد الجديد هذه العقيدة الأساسية في المسيحية بوضوح أم لا؟ نقول: نعم هناك إشارة واحدة فقط صريحة في الأناجيل تشير إلى التثليث أنظر إنجيل (متي: 28: 19) وهي اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس.

نعم كانت هناك إشارة أخرى في إنجيل يوحنا (5: 7) ولكن الباحثين اعترفوا في القرن التاسع عشر بأن كلمات (أب، وابن، وروح القدس) هي استنتاجات، وأن نصا بهذا لم يعثر عليه في النسخ القديمة، ولذلك فإن هذه الكلمة قد حذفت من إنجيل يوحنا، فلا توجد في نسخ العهد الجديد المعاصرة (2).

وأيضا، يزعم بعض المسيحيين أن في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس، إشارة واضحة إلى التثليث وهي (2 كو: 13: 14)

____________

(1) المسيح في الفكر الاسلامي: 270.

(2) نظرة عن قرب في المسيحية: 35.


الصفحة 101
نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم ولكن الأقانيم غير مذكورة بالاسم.

وفي الواقع فإن عقيدة التثليث لم تذكر بشكل صريح في العهد الجديد إلا في إنجيل متي، ولذا نجد أن المسيحيين يعترفون بهذه المسألة هم أيضا، فإن لفظة التثليث والثالوث، غير مذكورة ويقدمون تعليلا لذلك فالعهد الجديد لا يحتوي على ألفاظ (ثالوثية) وليس هناك نصوص تأتي بعقيدة يعبر عنها بألفاظ مجردة، بل إن الله كشف عن حياته الخاصة بتدبيره الخلاصي حيث يدنو البشر من الأب في الروح والابن (1).

ولا يفوتني هنا أن أذكر أن التثليث له جذوره العميقة في التاريخ، فهو ليس وليد المسيحية، بل كان منتشرا في مصر وفلسطين والصين والهند وغيرها من البلاد قبل مجئ المسيح (عليه السلام) وأهم قصة للتثليث مشابهة تقريبا للعقيدة المسيحية، هي أسطورة (أوزيريس) المصرية وتقول هذه الأسطورة أن (أوزيريس) قتله أخاه (ست)، وعثرت (أيزيس) على جسده فحنطته، ثم قام من بين الأموات، وأصبح إله العالم السفلي، وحملت (أيزيس) من (أوزيريس) بعد موته، وولدت له هورس، وكانت عبادة الإله (أوزيريس) في مصر في عصر البطالسة.

____________

(1) معجم الإيمان المسيحي (164).


الصفحة 102
ودفع هذا التشابه إلى قول بعض الآباء المسيحيين الأوائل أن في ديانة (أوزيريس) تمهيد الطريق وإعدادها لمجئ الإنجيل، إلا أن القصة المصرية، قصة الإله الذي مات وقام أسطورة وخرافة، أما سجل حياة يسوع المسيح (عليه السلام) وموته وقيامته كما ورد في الإنجيل فهو سجل تاريخي وواقعي (1).

في الواقع هذا عرض إجمالي لعقيدة الثالوث الأقدس عند المسيحيين الذين يعتقدون أن الله سبحانه قد تجسد في شخص المسيح (عليه السلام) ومعنى قولهم أن (الكلمة، الله) قد تجسد، أي أن الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس صار جسدا، واتخذ الطبيعة البشرية، فصار يشبهنا في كل شئ (ما عدا الخطيئة) والكلمة صار جسدا، وحل بيننا (يو: 1: 14).

فإن الله ليكشف عن نفسه نزل إلى الأرض، والتقى الإنسان بالصورة البشرية، فقد زار الله شعبه في يسوع المسيح (عليه السلام) بل زار البشرية كلها (2).

ولكنه إذ أصبح انسانا بشرا، فهذا الأمر لم يخسره شيئا من ألوهيته، فلقد اكتفى أن يخفيها ويسترها متخليا وقتيا عن أمجاده الإلهية التي كانت في سلطته وحوزته (3).

____________

(1) قاموس الكتاب المقدس: 904.

(2) المسيح في الفكر الاسلامي: 312.

(3) نفس المصدر: 272.


الصفحة 103
ولنا هنا بعد هذا العرض لعقيدة الثالوث الأقدس، تساؤلات وإشكالات نوردها ونبين مدى صحة هذه العقيدة، عقلا ونقلا من العهد الجديد نفسه.. كما سأتجنب التعرض للمباحث الفلسفية في هذا العرض، بل أقدمه بشكل سهل لا يصعب فهمه فنقول:

أولا: أن أول إشكال يواجه الباحث في عقيدة اللاهوت المسيحي (الثالوث الأقدس) والتبني والتجسيد عامة، هو أن المسيحيين يغلقون باب العقل ويعطلونه، فهم يتمسكون بأن هذه العقيدة لا يمكن أن يمسها العقل والادراك البشري، بل هي فوقهما، فهي سر لا يفهم إلا بالإيمان الحقيقي والثابت بالمسيح (عليه السلام).

وهنا أقدم مقدمة بسيطة لتوضيح مسألة مهمة وهي: أن الأمور والقضايا التي تواجهنا لا تخرج عن ثلاث حالات حسب العقل وهي:

1 - ما هو موافق للعقل: وهي الأمور التي يقبلها العقل ويذعن لها، كالقضية القائلة بأن الجزء أصغر من الكل، فالعقل البشري يوافقها ويصدقها.

2 - ما هو مخالف للعقل: وهي الأمور التي يرفضها العقل ويحكم ببطلانها، كاجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، فالعقل يرفض هذه القضية مطلقا، مثلا أن نقول (زيد موجود وليس بموجود في نفس الوقت) فالعقل هنا يؤكد استحالة مثل هذه القضية، فهي من المحالات العقلية، فأما أن يكون زيد موجودا أولا.


الصفحة 104
3 - ما هو فوق العقل: وهي الأمور والحقائق الغيبية التي تقصر يد العقل عن تناولها والوصول إليها: فإن هناك أمورا فوق العقل، ولولا أخبار الوحي الإلهي عنها لم يكن للانسان أن يتعرف عليها، كبعض الأحكام الشرعية وكيفيتها، وكذلك الرابطة بين الأفعال الاختيارية للانسان في الحياة الدنيا ونتائجها الأخروية، فهذه الرابطة يعجز العقل عن إدراكها فهي لا تدخل في دائرته لأنها ترتبط بعالم الغيب، وغيرها من الأمور..

ولكن بقي هنا مسألة مهمة وهي أن القضايا التي هي فوق العقل والادراك البشري، يجب أن لا تدخل تحت الشق الثاني، أي أن لا تكون مخالفة للعقل وإلا صارت من المحالات التي يرفضها العقل ويبطلها، وهذا ما نجده بالضبط في عقيدة التثليث.

فالمسيحيون حينما يواجهون هذه الإشكالات العقلية حول هذه العقيدة، يلجأون إلى لجم العقل وتعطيله بالقول أن العقل قاصر عن إدراك مثل هذه المسائل، لأنها من عالم الغيب الذي لا حظ للعقل فيه، ولأن الوحي قد جاء بها فيجب قبولها والاذعان لها، وإن كانت مخالفة للعقل، ويؤكدون أن الكثير من المسائل الدينية يحيلها العقل، وتقبل تعبدا وهذه العقيدة منها (1).

وهذا الجواب فيه تناقض صريح، إذ كيف يستطيع الإنسان أن

____________

(1) راجع الميزان في تفسير القرآن ج 3 / ص 355.


الصفحة 105
يميز دين الحق عن الباطل، أليس بالعقل؟ وحتى المسيح (عليه السلام) وتلاميذه فأنهم كانوا يجادلون ويناقشون اليهود بالأدلة والاستدلالات لكي يثبتوا أن المسيح (عليه السلام) مرسل من الله سبحانه، وأنه يدعوهم إلى أتباع العقل من خلال تطبيق ما تنبأ به العهد القديم بالنبي الموعود وحياة المسيح (عليه السلام) فهو النبي المنتظر والموعود حسب ما يدعيه المسيحيون.. فإذا كان العقل له الدور الرئيسي في تشخيص الدين الحق من الباطل، فكيف يقبل بعقيدة تشتمل على محالات وتناقضات يرفضها؟

وأما كيفية مخالفتها للحق فهي واضحة وبينة، وقد اعترف بها عدة من علماء التثليث، فالواحد حقيقة لا يمكن أن يكون ثلاثة حقيقة، فالمسيحيون كما ذكرنا يؤمنون بثلاثة أشخاص وأقانيم حقيقية متميزة الواحد عن الآخر ولكنهم متساوون في الجوهر، فهل يعقل أن يكون الواحد ثلاثة والثلاثة واحد!!!

وأيضا يستلزم منه التركيب، فالإله الواحد مركب من ثلاثة أجزاء، وعلى هذا فهو بحاجة إلى أجزائه لتكتمل ألوهيته، والاحتياج والتركيب ينافيان الغنى والبساطة والتي هي من صفات الإله (واجب الوجود).

إضافة إلى هذا فإن الله سبحانه بسيط الذات من جميع الجهات فيستحيل انفصال شئ منه (كما يدعي المسيحيون)، وحلوله في


الصفحة 106
مخلوق أو اتحاده معه، كما أن ذلك يلزم أن يكون الإله عرضة للتغير والتحول وهو مستحيل... وغيرها من الإشكالات الفلسفية الكثيرة التي تواجه هذه العقيدة المتناقضة..

ثانيا: إضافة إلى ما ذكرنا فإن نسبة هذه العقيدة إلى المسيح (عليه السلام) والوحي الإلهي هي الأخرى غير صحيحة، فكما أشرنا في بحثنا للثالوث الأقدس، تبين أن هذه العقيدة لم ينطق باسمها أحد، ولم تظهر إلى الوجود إلا في القرن الثاني وعلى لسان (ترتوليان)، فالمسيح (عليه السلام) والرسل والتلاميذ لم يشيروا إلى هذه العقيدة، وقول المسيحيين بأن المسيح (عليه السلام) وبعض الرسل، ولا سيما بولس، كانوا قد هيأوا العناصر الأساسية للعقيدة، وأن العلماء وآباء الكنيسة لم يقوموا بشئ سوى أنهم أطلقوا اسم الأقنوم على الأشخاص الثلاثة وأظهروا هذه العقيدة بوضوح، هو الآخر مجرد ادعاء، إذ أنه إلى القرن الرابع الميلادي لم تكن هذه العقيدة محط نظر المسيحيين ومورد اعتمادهم، ومن الأصول المهمة في العقيدة المسيحية.

وكما أوردنا فإن المؤسس العلني لها وبشكلها الموجود الآن هو (أثناسيوس)، ولم تقبلها الكنيسة إلا بعد مناقشات وجدال طويل في مجمع نيقية سنة 325 ميلادي، وأعدتها في هذا القالب الذي بين أيدينا الآن، فهي نتيجة الخيال البشري، ولهذا فأنا نجد فيها التناقض الكثير (حتى أنه قيل أن (أثناسيوس) وهو الأب الذي صاغ هذه


الصفحة 107
العقيدة قد أعترف بأنه كلما كتب أكثر حول هذه المسألة أصبح أقل قدرة على التعبير بوضوح عن أفكاره بخصوصها) (1).

فالقول بأن هذه العقيدة يجب أن تقبل لأن الوحي قد جاء بها أمر غير صحيح أطلاقا والدليل على ذلك أن علماء المسيحية أنفسهم كانوا مختلفين فيها، والباحث في المذاهب المسيحية في القرنين الأول والثاني، يجد كثرة الآراء المتضاربة حول شخصية المسيح (عليه السلام).

بل وحتى بعد قبول هذه العقيدة رسميا، ومعاقبة كل مخالف لها، وبالرغم من عمليات تفتيش العقائد، والقتل والسجن التي مارستها الكنيسة، والتي يذكرها التاريخ، فإن صيحات المعارضة لها كانت تعلو بين الحين والآخر، معلنة بأن هذه العقيدة غير مقبولة عقلا، وأن المسيح (عليه السلام) لم ينطق بها.

ثالثا: لو رجعنا إلى كتب العهد القديم لنرى من هو الإله (الله) وما هي صفاته التي تنعته بها، لوجدنا أن ما يقوله المسيحيون مخالف للعهد القديم الذي يعتبرونه كلام الله الموحى، وحتى لو قلنا بأن الله سبحانه لم يعرف نفسه في العهد القديم بشكل تام، بل تم ذلك في العهد الجديد بالمسيح (عليه السلام)، لا يمكننا القول بأن العهد الجديد يناقض ما جاء به العهد القديم، فهو متمم له حسب ادعاء المسيحيين.

فالله في العهد القديم هو (الموجود الذي ليس له بداية ولا

____________

(1) نظرة عن قرب في المسيحية: 38.


الصفحة 108
صيرورة فهو الأول والآخر) (أشعيا: 41: 4،..) وهو (الخالق المدبر، فالعالم كله من صنعه وخلقه جل وعلا، وتحت أمرته وتدبيره، وهو الحي الذي لا يموت أبدا فهو يختلف عن الإنسان (لأني أنا الله لا إنسان) (هو شع 11: 9)، وأيضا فهو سبحانه لا شبيه له، فهو يحرم كل تصوير له، وكل صورة يجعلها الإنسان له فهي وثن، فليس من شئ يشابهه (أشعيا: 31: 3) (1).

وغيرها من الأوصاف الكثيرة التي يذكرها العهد القديم لله سبحانه وتعالى، والتي تخالف ما يدعيه المسيحيون في عقيدة الثالوث، فإذا ما قايسنا بين هذه الأوصاف والنعوت وبين ما يعتقده المسيحيون من أن الله سبحانه وتعالى قد تجسد في صورة إنسان، وصار انسانا، يجد التناقض الواضح بين العهد القديم والاعتقاد المسيحي، فالخالق والصانع لكل العالم، صار مخلوقا، والحي الذي لا يموت، صلب ومات، والأزلي الذي لا بداية له ولا صيرورة، ولد من أحشاء امرأة، والذي ليس كالانسان أصبح انسانا يأكل ويشرب وينام ويحزن ويفرح، والغني المطلق يحتاج إلى غيره لإدامة حياته، والعشرات من التناقضات الأخرى، والتي يرفضها العقل والوجدان، وتنتقص من قدسية الخالق المتعال الذي ليس كمثله شئ.

رابعا: إذا سلمنا للمسيحيين وقلنا بأن الله (سبحانه) له أقانيم

____________

(1) راجع معجم اللاهوت الكتابي: ص 9.


الصفحة 109
ثلاثة، نتساءل: هل هذه الأقانيم متساوية أم لا؟ والجواب يكون كما يذكره المسيحيون، نعم كلها متساوية في الجوهر والقدرة والمجد...

ولكننا نرى أيضا أن العهد الجديد يؤكد أن المسيح (عليه السلام) (الأقنوم الثاني) يبقى خاضعا للأب بشهادة المسيح (عليه السلام) أنظر (متي:

11: 27) وهو لا يعلم الساعة (القيامة) بل الأب وحده يعلمها (24:

37)، والأب هو مصدر كل الأشياء وغايتها (اكو 8: 6) والابن لا يعمل إلا تبعا للأب (يو 5: 19) والأب أعظم من الابن (يو: 14: 28) وغيرها...

فهذا يؤكد أن الأقانيم الثلاثة غير متساوية أطلاقا، فالأب هو الأصل والمصدر الوحيد للقدرة، والابن ليس له القدرة والقابلية على القيام بشئ دون إذن الأب، فالأب لا يحتاج إلى الابن ولا إلى غيره في شئ، إذن نستطيع أن نقول أن الأب مستغن عن الابن دون العكس.

و هذا هو الذي يقبله العقل ويؤيده العهد الجديد، وعلى هذا فإن الله سبحانه هو الأب وحده فهو لا يحتاج إلى شئ إطلاقا، وأما الابن فهو مخلوق له وخاضع وتابع إليه، لا يفعل إلا ما يأمره الأب به، ومن يطالع العهد الجديد يلمس هذه المسألة بوضوح..

فكيف يصح أن نقول أن الابن (الأقنوم الثاني) هو مساو للأب في الجوهر والألوهية والقدرة والمجد، وهو في نفس الوقت خاضع


الصفحة 110
إليه في كل شئ، فأين ألوهيته؟؟؟

خامسا: أن العهد الجديد كثيرا ما يذكر الله سبحانه بأنه أب لجميع المؤمنين والصالحين والأبرار، فهذا المسيح (عليه السلام) يقول (أبيكم الذي في السموات) (متي: 6: 2:)، وفي صلاتنا اليومية كنا نقول كما علمنا المسيح (عليه السلام) أن نصلي أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك (متي: 6: 9) وكذلك أيضا (متي: 6: 149) (فإن غفرتم للناس يغفر لكم أبوكم السماوي) وغيرها الكثير.

وأيضا يعترف العهد الجديد بأن المؤمنين هم أبناء الله، أنظر (متي: 5: 9) (طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون) وكذلك (لو: 20: 36) (لأنهم مثل الملائكة، وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة) وغيرها. فلماذا يدعي المسيحيون بأن هذه الأسماء كلها تحمل على المعنى المجازي لها، ولكن حين يقول المسيح (عليه السلام) (أبي) إشارة إلى الله سبحانه، فإنه يستعمله في المعنى الحقيقي، ويجيبون على ذلك بقولهم: (أن المسيح (عليه السلام) أجرى الكثير من المعجزات كإحياء الموتى، وإشفاء المرضى وغيرها)، فإذا قلنا بأن الأنبياء أيضا جرت على أيديهم المعاجز مثل إيليا وأليشع وموسى وغيرهم، قالوا (نعم، ولكن الطريقة التي كان يجري بها المعاجز تميزه عن باقي الأنبياء صانعي العجائب، فالآخرون كانوا يصنعون المعجزات بقدرة الله وسلطانه، في حين أن المسيح (عليه السلام) كان يجريها بسلطته الخاصة،