×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

وجاء الحق / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب وجاء الحق لـ سعيد أيوب (ص ١ - ص ٢٦)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

كلمة المركز

هذا الكتاب، في الأصل، فصل من فصول كتاب " ابتلاءات الأمم "، للمغفور له الباحث سعيد أيوب. وقد استللناه من ذلك المؤلف القيم، ووضعناه تحت عنوانه الأصلي: " وجاء الحق ".

والمقصود بالحق، هنا، الدعوة الخاتمة، دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الموجهة إلى البشرية جمعاء، والقائلة لأهل الكتاب: تعالوا إلى كلمة عدل نستوي نحن وأنتم فيها، فنعبد الله وحده، ونتبع تعاليمه.. وهذه دعوة جميع الأنبياء والرسل منذ خلق الله الخلق.

يبحث المؤلف، وهو الباحث الذي نذر حياته من أجل تبيين معالم خط الإسلام الأصيل، المتمثل بمذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام، في القسم الأول من بحثه قضية " الدعوة الخاتمة وأهل الكتاب "، ويخلص - استنادا إلى النصوص التي يستقرئها - إلى القول: إن الدعوة الخاتمة، في الوقت الذي تفتح فيه أبوابها للباحثين عن الحقيقة، تحذر من اتباع أي مشروع يهدف إلى الصد عن سبيل الله..

ويفضي البحث في هذه القضية، إلى بحث القضية الثانية، في القسم الثاني، بالاعتماد على استقراء مجموعة " من وصايا الدعوة الخاتمة ". ويفيد هذا الاستقراء أن الأمة الخاتمة لم تستثن من الاختبار بالأنبياء والرسل وبأوصيائهم. فقد قابلت دائرة هارون وبنيه في الشريعة الموسوية دائرة الإمام علي بن أبي طالب وبنيه عليهم السلام في الشريعة المحمدية. فقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ".

٦
ينطلق المؤلف، في بحثه، من النصوص، فيستقرئها، ويخلص إلى نتائج لا يلبث أن يؤيدها بالشواهد، ورائده في ذلك ما أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو الخلق إلى الله، عز وجل، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبذلك تشرع أبواب الحق أمام الذين يريدون الاستبصار في الدين.

رحم الله المؤلف، وعسى أن نكون قد وفقنا إلى تحقيق الهدف الذي كان يرجوه، والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية

٧

الفصل الأول
الدعوة الخاتمة وأهل الكتاب

٨
٩
على أعتاب الدعوة الإلهية الخاتمة كانت الساحة الإنسانية ترتع فيها أعلام المادية، التي لا يريد أصحابها إلا الحياة وزينتها، ولا يرجون بعثا ولا نشورا، ولا يعبأون بشئ من الفضائل المعنوية والروحية، وفي مقابل أصحاب المادة رفع دعاة الروح أعلامهم، وانطلقوا في مسيرة يرفضون فيها الكمالات الجسمية التي أظهرها الله - تعالى - في مظاهر النشأة المادية، لتكون ذريعة كاملة إلى نيل ما خلق لأجله الإنسان. وسارت القافلة البشرية تحت هذه الأعلام التي لا تحقق السعادة في الدنيا، لأن حملة الأعلام المادية أبطلوا النتيجة بالوقوف على سببها والجمود عليه، وحملة أعلام الروح أبطلوا النتيجة بإبطال سببها.

كانت المسيرة البشرية في حاجة وسط يقف بين الطرفين، ويقودهما إلى الهدف الذي من أجله خلق الله الإنسان، وسط لا إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك، وإنما يقف بين الجانبين، جانب الجسم وجانب الروح، وبه يقاس ويوزن كل من طرفي الإفراط والتفريط، ليكون شهيدا على سائر الناس الواقعة في الأطراف.

ومن لطف الله - تعالى - ورحمته بالعباد، بعث - سبحانه - النبي الخاتم، النبي الأمي العربي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ليقود أمة تحمل للبشرية دينا يهدي الناس إلى وسط الطرفين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

دعوة أهل الكتاب

أولا: الدعوة إلى التوحيد الحق

توجهت الدعوة الإلهية الخاتمة إلى البشرية كافة، وإن أهل الكتاب بينهم من يعرف الحق ومعارف الدين، وفيهم رهبان وزهاد يعرفون عظمة ربهم ولا يستكبرون، وفيهم الباحث عن الحقيقة، توجهت الدعوة إليهم من

١٠
طرق عديدة لتحيطهم بالحجة من كل مكان، وبين الله - تعالى - لهم أن رسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم هو النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، قال تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) [ المائدة: ١٥ - ١٦ ]، والمعنى: أن الرسول يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه، وأن دعوته تدعو إلى الصراط المستقيم المهيمن على الطرق كلها.

ونظرا لأن مسيرة اليهود رشحت عليها عقائد الأمم الوثنية، وحمل التوحيد على امتداد مسيرتهم بصمات الآلهة المتعددة، حتى صار الإله - في نهاية المطاف - إلها خاصا ببني إسرائيل دون غيرهم من الأمم، ونظرا لأن الأحبار والرهبان بدلوا الدين الذي بعث به عيسى عليه السلام، ونسبوا إلى المسيح ما لا يجوز وقالوا بألوهيته، وأطاعتهم القافلة النصرانية من غير قيد ولا شرط، فإن الدعوة الخاتمة صححت هذه المفاهيم في أكثر من آية، ومنها قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) [ آل عمران: ٦٤ ]، والمعنى: تعالوا إلى كلمة عدل نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسر هذه الكلمة بقوله: (ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا)، لا وثنا ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا ولا أي شئ آخر، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة كل الرسل منذ ذرأ الله ذرية آدم، ثم قال: (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)، أي: لا يسجد بعضنا لبعض، أو يطيع بعضنا بعضا في معصية الله، أو نحرم الحلال ونحل الحرام، فنحن وأنتم ما أمرنا إلا لنعبد الله وحده، الذي إذا حرم شيئا فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما

١١
حكم به نفذ، تعالى الله سبحانه وتقدس وتنزه عن الشركاء، والنظراء، والأعوان، والأضداد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، فإن تولوا عن هذه الدعوة، فاشهدوا أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.

ثانيا: الدعوة إلى اتباع قبلة الرسالة الخاتمة

عندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، كان الاختلاف بين اليهود على تحديد القبلة اختلافا ثابتا لا شك فيه، ونسيانهم للجبل المقدس الذي يجب أن يتوجهوا إليه، نسيان مسطور في ما بين أيديهم من كتاب، قال أشعيا وهو يحذرهم بأن الرب قال لهم: " أما أنتم الذين تركوا الرب ونسوا جبلا قدسيا فإني أعينكم للسيف " (١). وهذا النسيان ترى معالمه على التوراتين: السامرية والعبرية، فبينما تقول التوراة السامرية: إن القبلة في اتجاه جبل جرزيم، تقول التوراة العبرانية: إنها في اتجاه جبل عيبال، والمسيح عليه السلام شهد بوجود هذا الاختلاف في عهد بعثته، وبشرهم بأن العبادة لن تكون في المستقبل لا في اتجاه هذا الجبل ولا في اتجاه أورشاليم، وذلك لأن الله سينزع من أيديهم القيادة ويسلمها إلى شعب آخر (٢). وما ذكره المسيح عليه السلام بخصوص القبلة، جاء عند ما كان متوجها إلى أورشاليم، فقالت له امرأة سامرية: " يا سيدي، أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون: إن في أورشاليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، فأجابها يسوع:

صدقيني يا امرأة ستأتي الساعة التي فيها تعبدون الأب لا في هذا الجبل ولا في أورشاليم (٣). وقبل البعثة الخاتمة، لم يكن في أورشاليم هيكل بعد أن دمر الامبراطور تيطس آخر هيكل عام ٧٠ م، ولم يكن في أورشاليم حاخامية لليهود بعد أن ألغى الامبراطور ثيودوسيوس الحاخامية عام ٤٣٥ م، وترتب على ذلك تفرق اليهود في الأرض.

(١) أشعيا: ١١ / ٦٥.

(٢) متى: ٢١ / ٤٢ - ٤٥.

(٣) يوحنا: ٤ / ٢٢.

١٢
ولما كانت الدعوة الإلهية المتوجهة إلى بني إسرائيل قد نزل عليها الستار بعد بعثة عيسى عليه السلام، لأنه آخر أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام، ولما كان عيسى عليه السلام يسجد لله في اتجاه أورشاليم، ولما كانت الدعوة الإلهية اللاحقة تبدأ من حيث انتهت الدعوة الإلهية التي سبقتها، باعتبار أن الدعوة الإلهية للناس - منذ ذرأ الله ذرية آدم - دعوة واحدة، صراطها واحد، وغاياتها واحدة، فتبدأ دعوة اللاحق من الرسل من حيث انتهت دعوة السابق منهم ثم يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ويكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، لأنه - تعالى - له الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، ولما كان أهل الكتاب يعلمون من كتب أنبيائهم أن الدعوة الخاتمة لها صفات خاصة بها، وأنها ستبين لهم ولغيرهم الاتجاه الذي يجب أن يسجد الناس نحوه، فإن الله - تعالى - عند ما بعث رسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، أمره بالتوجه إلى قبلة بيت المقدس، والمعنى الذي يستشف من هذا الحدث هو أن الدعوة الإلهية دعوة واحدة، وأن الحلقات فيها ترتبط بعضها ببعض، وتحت هذا السقف تقام الحجة على الذين اختلفوا في الدين والذين جعلوا الدين دينا خاصا بهم، تحت هذا السقف ينظر الله إلى عباده كيف يعملون، ومن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.

وعند ما كانت القبلة في اتجاه بيت المقدس، تدبر في الأحداث الذين يعرفون الحق ومعارف الدين، والزهاد من أهل الكتاب، وأصغوا لصوت الحق، وتكاتم البعض ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا، وانطلقوا يصدون عن سبيل الله، وبعد أن أقامت الدعوة حجتها على بني إسرائيل في هذا الأمر، أمر - تعالى - رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام بمكة، وأخبره بأن أهل الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم، قال تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا

١٣
لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) إلى قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون، ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض) [ البقرة ١٤٢ - ١٤٥ ]، قال المفسرون: والمعنى: إنما شرعنا لك يا محمد أولا التوجه إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت، ممن ينقلب على عقبيه، وإن كان صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة لأمرا عظيما في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، فأيقنوا بتصديق الرسول، بأن كل ما جاء به هو الحق الذي لا مرية فيه، وبأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وله - تعالى - أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، وهذا بخلاف ما يقوله الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، ثم أخبره - تعالى - بأن صلاتهم إلى بيت المقدس لن يضيع ثوابها عند الله، وأمره - تعالى - بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وأخبره أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن الله سيوجهه إلى هذه القبلة، مما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، وما خصه الله - تعالى - به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا، وأخبر - تعالى - أن الرسول لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به، لما اتبعوا قبلته كفرا وعنادا، وأنه لن يتبع قبلتهم لأن ذلك عن أمر الله تعالى، له الحكمة التامة والحجة البالغة، ثم أشار - تعالى - إلى اختلافهم في ما بينهم في تحديد قبلتهم القديمة، وهو قوله: (وما بعضهم بتابع قبلة بعض)، وأمره - تعالى - أن يستمسك بأمر الله ولا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وقال - جل شأنه -: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) [ البقرة ١٤٥ - ١٤٦ ]، والمعنى: أن علماء أهل
١٤
الكتاب يعرفون صحة ما جاء به الرسول، ومن ذلك توجهه شطر المسجد الحرام، كما يعرف أحدهم ولده.

وبالجملة، كان التوجه إلى بيت المقدس، ثم صرف عنه إلى الكعبة، امتحانا لأهل الكتاب الذين علموا من أبنائهم أن قيادة الدعوة الإلهية ستنتقل من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، وأن عنوان هذه الدعوة ورسولها هو النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان امتحانا أيضا للذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العرب وغيرهم، لأن صرف التوجه عن بيت المقدس سيثير شكوك البعض، وسيغذي أهل الكتاب والذين في قلوبهم مرض هذه الشكوك وهم يصدون عن سبيل الله، وتحت سقف هذا الامتحان ينظر الله إلى عباده كيف يعملون.

ثالثا: اتباع إبراهيم عليه السلام

بعد عهد السبي تاجر اليهود بالميراث الذي كتبه الله لإبراهيم، وانطلقوا في اتجاه هذا الهدف بالعمل على إقامة مملكة داود، وعاصمتها أورشاليم، بعد أن تبنوا عقيدة تقول: إن مملكة داود هي وعاء للعهد الإبراهيمي، وعلى امتداد مسيرتهم وبخهم الأنبياء على هذا الاعتقاد، فقال لهم حزقيال:

تقولون: إن إبراهيم كان واحدا وقد ورث الأرض، ونحن كثيرون لنا أعطيت الأرض ميراثا... تأكلون بالدم، وترفعون أعينكم إلى أصنامكم، وتسفكون الدم. أفترثون الأرض؟ " (١)، وقال لهم يوحنا (يحيى): تقولون: " لنا إبراهيم أبا، فإني أقول لكم: إن الله قادر أن يطلع من هذه الحجارة أولاد إبراهيم " (٢)، وقال لهم المسيح عليه السلام: " لو كنتم أولاد إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم "، وقال: " أنتم أولاد أبيكم إبليس،. شهوات أبيكم، ترغبون في أن تعملوا، فهو من البدء كان قاتلا للناس " (٣).

(١) حزقيال: ٣٣ / ٢٣ - ٢٥.

(٢) متى: ٣ / ٧ - ١١.

(٣) يوحنا: ٨ / ٣٧.

١٥
وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، تحدث أهل الكتاب بعقيدتهم الخاصة بالميراث، وعملوا على نشر الثقافة التي تصب في وعاء هذه العقيدة، واليهود في مصادر الإسلام أعلنوا أنهم في انتظار المسيح الذي يملكون به الأرض، والنصارى تحدثوا بما وضعه بولس في عقولهم، وهو أن الأمم شركاء لليهود في الميراث، ووفقا لهذا الاعتقاد بدأوا بالتحرك لوقف تحرك الدعوة الخاتمة في اتجاه الأمم، وشيد اليهود والنصارى صروحهم على إبراهيم عليه السلام، فبينما زعم الحي اليهودي أن إبراهيم كان يهوديا، زعم الحي النصراني أن إبراهيم كان نصرانيا، وفي زحمة هذه الثقافات، قالت اليهود:

ليست النصارى على شئ، وقالت النصارى: ليست اليهود على شئ، هذه الأقوال والاعتقادات شهد بها القرآن الكريم، ورد عليها، وأقام على هؤلاء وهؤلاء الحجة الدامغة، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) [ المائدة: ١٨ ]، والمعنى: لو كنتم - كما تدعون - أبناء ه وأحباءه، فلم أعدت لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم (بل أنتم بشر ممن خلق)، أي لكم أسوة بأمثالكم من بني آدم، وهو - سبحانه - الحاكم في جميع عباده، فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.

وقال تعالى: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق) [ البقرة:

١٣٥ - ١٣٧ ]، وقبل هذه الآيات بين - تعالى - أن الدين الحق الذي كان عليه أولاد إبراهيم من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده، كان هو الإسلام الذي كان عليه إبراهيم حنيفا، ويستنتج من ذلك أن أهل الكتاب على عهد البعثة

١٦
الخاتمة، كانوا قد انتهى بهم المطاف إلى أرضية الاختلافات والانشعابات، التي أفرزتها اختراعاتهم وهوسهم، بعد أن صبغوا دين الله بصبغة الأهواء والأغراض والمطامع، وروي أن اليهودي عبد الله بن صوريا قال للرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك (١)، فقال الله لرسوله: (قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)، أي: قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا، فإنها الملة الواحدة التي كان عليها جميع أنبيائكم، وما كان صاحب هذه الملة - وهو إبراهيم - من المشركين.

ثم ذكر لهم أن الدعوة الخاتمة تؤمن بالله وما أنزل إليها، وهو القرآن، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ثم ذكر ما أوتي موسى وعيسى، وخصهما بالذكر، لأن المخاطبة مع اليهود والنصارى، ثم ذكر ما أوتي النبيون من ربهم، لتشمل الشهادة جميع الأنبياء، فيستقيم قوله بعد ذلك: (لا نفرق بين أحد منهم)، ثم قال تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)، أي فإن آمنوا بما آمنتم به من الإيمان بجميع كتب الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم، فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه.

من الآيات السابقة يمكن أن نستشف الثقافة التي كان اليهود والنصارى يبثونها على عهد الرسالة الخاتمة، فلقد ادعوا بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، ويبدو أن القرآن عند ما ضرب العمود الفقري لثقافتهم هذه، قرروا بأن يعمل كل حي من أحيائهم على انفراد، ويمكن أن نستشف ذلك من قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب) [ البقرة:

١١٣ ]، قال المفسرون: " هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت في ما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم في ما قالوه مع علمهم

(١) تفسير ابن كثير: ١ / ١٨٦.
١٧
بخلاف ذلك، ولهذا قال تعالى: (وهم يتلون الكتاب)، أي: وهم يعلمون شريعة التوراة والانجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد بالفاسد " (١)، وبالجملة، قد كان أوائل اليهود والنصارى على شئ، وهذا لا تخلو منه كتبهم لإقامة الحجة عليهم على امتداد المسيرة، ثم ابتدع الذين من بعدهم وتفرقوا، ثم جاء العلماء الذين وضعوا التفسير الشفهي للتوراة (التلمود)، وعندها انقسم اليهود إلى فرق وأحزاب، وانتهى الأمر بأن وقف الحي اليهودي داخل دائرة حددها الأحبار، ووقف الحي النصراني داخل دائرة حددها بولس لخدمة أصحاب الدائرة الأولى، فالثقافة التي تخرج من مدونات خدمة النصارى لليهود تقول بأن اليهود والنصارى أبناء الله وأحباؤه، أما الثقافة التي تدفع أصحابها إلى أن يقول كل منهم أن الآخر ليس على شئ، فهي نتيجة لحجة البعثة الخاتمة ومواجهتها للأطراف مجتمعين، فالدعوة الخاتمة أرشدتهم إلى الحق ليتفكروا ويتدبروا، وبدلا من أن يرجعوا إلى كتبهم التي لا تخلو من حق، ويعرضوها على منهج البعثة الخاتمة، انطلقوا من التفسير الشفهي، وهذا التفسير لا يقيم حقا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لأنه مقابلة للفاسد بالفاسد.

وفي مجال عمل كل حي منفردا عن الآخر، قام كل منهما بوضع جميع الأنبياء داخل الحي الخاص به، ورد القرآن عليهم قولهم، قال تعالى: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) [ البقرة: ١٤٠ ]، والمعنى: قال كل من الفريقين: إن إبراهيم ومن ذكر من بعده منهم، فقال تعالى: (قل أأنتم أعلم أم الله)، أي: فإن الله أخبرنا وأخبركم في الكتاب أن موسى وعيسى وكتابيهما بعد إبراهيم، فإذا كان تشريع اليهودية أو النصرانية بعد إبراهيم ومن ذكر معه، فكيف يكون إبراهيم والذين ذكروا معه هودا أو نصارى؟ وقال تعالى: (يا أهل الكتاب لم

(١) تفسير ابن كثير: ١ / ١٥٥.
١٨
تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والانجيل إلا من بعده أفلا تعقلون، ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين، ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون، يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون، يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) [ آل عمران: ٦٥ - ٧١ ].

لقد أنكر الله عليهم قولهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها، وشهد - سبحانه - بأن إبراهيم كان متحنفا عن الشرك، قاصدا إلى الإيمان، وما كان من المشركين، وأخبر - سبحانه - بأن أحق الناس بمتابعة إبراهيم، الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي، يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا، لأنهم على الإسلام الذي اصطفى الله به إبراهيم، وكذا كل من اتبعه دون أن يكفر بآيات الله ويلبس الحق بالباطل، ثم أخبر - تعالى - بأن طائفة من أهل الكتاب تود أن تضل الذين آمنوا بإلقاء الشبهات بينهم، وأنهم يضلون أنفسهم أولا، لأن الإنسان لا يفعل شيئا - من خير أو شر - إلا لنفسه، كما قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فلها وما ربك بظلام للعبيد) [ فصلت: ٤٦ ]، ثم قال سبحانه: (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) [ آل عمران:

٧٠ ]، وأهل الكتاب لا ينكرون أن للعالم إلها، وإنما ينكرون أمورا من الحقائق بينتها لهم الكتب السماوية المنزلة عليهم وعلى غيرهم، كنبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكون عيسى عبد الله ورسوله، وأن إبراهيم ليس بيهودي ولا نصراني، وأن يد الله مبسوطة، وأن الله غني، وأن الدجال فتنة فيه تصب جميع الفتن، إلى غير ذلك. وقوله تعالى: (وأنتم تشهدون)، والشهادة هي الحضور والعلم عن حس، دلالة على أن المراد بكفرهم بآيات الله، إنكارهم

١٩
كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو النبي الموعود الذي بشر به التوراة والانجيل، مع مشاهدتهم انطباق الآيات والعلائم المذكورة فيهما عليه، وأيضا إنكارهم ما يبينه لهم النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم من آيات ربهم التي تنطق بها كتبهم التي بين أيديهم، ويشهد القرآن بها، ثم قال تعالى: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) [ آل عمران: ٧١ ]، والمعنى: لم تظهرون الحق في صورة الباطل؟ وقوله: (وأنتم تعلمون) دلالة أو تلويح على أن المراد باللبس والكتمان ما هو في المعارف الدينية، غير ما يشاهد من الآيات التي حرفوها أو كتموها أو فسروها بغير ما يراد منها.

ولما كان الله - تعالى - قد أنكر عليهم كفرهم بآيات الله وهم يشهدون، فإنه - تعالى - بين في آية أخرى من آيات القرآن الكريم، أن جدالهم في آيات الله بغير سلطان أتاهم، رغبة منهم في إدحاض الحق الصريح بهذا الجدال، قد أوقعهم في فتنة المسيح الدجال، ففي قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير) [ غافر: ٥٦ ]، أخرج ابن أبي حاتم عن كعب، أن هذه الآية نزلت في اليهود في ما ينتظرونه من أمر الدجال، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج، قال: قال اليهود: يكون منا ملك آخر الزمان، البحر إلى ركبتيه، والسحاب دون رأسه، يأخذ الطير بين السماء والأرض، معه جبل خبز ونهر، وقال أبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود، وذلك أنهم ادعوا أن المسيح (الدجال) منهم، وأنهم يملكون به الأرض، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يستعذ من فتنة الدجال (١).

وبالجملة، بينت الدعوة الإلهية الخاتمة أن الرقعة التي يقف عليها أهل الكتاب ويطالبون من فوقها بالميراث الذي كتبه الله لإبراهيم، رقعة لا علاقة لها بإبراهيم ولا بالأنبياء الذين جاؤوا من بعده، لأنها رقعة أوجدتها

(١) أنظر: تفسير ابن كثير: ٤ / ٨٤، تفسير الميزان: ١٧: ٣٤٨.
٢٠