المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم 34

ص . ب : 3331 / 37185

الهاتف : 7742088 (251) (0098)

الفاكس : 7742056 (251) (0098)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : 729

الهاتف : 332679 (33) (00964)

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : [email protected]


شابك (ردمك) :5-48-5213-600-978

موسوعة من حياة المستبصرين (ج6)

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

صف الحروف واخراج:ضياء الخفّاف

الطبعة الأُولى ـ 2000 نسخة

سنة الطبع : 1430

الفلم والألواح الحسّاسة : تيزهوش

المطبعة : ستارة

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *


الصفحة 13

مقدّمة المركز

الحمدُ للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير البشر، خاتم الأنبياء والرسل، أبي القاسم محمّد، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

والصلاة والسلام على أصحابه النُجباء، الذين لم يُغيّروا ولم يبدلّوا بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وثبتوا واستقاموا على نهجه القويم وصراطه المستقيم، وتمسّكوا بما أوصاهم به مراراً وتكراراً بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):

"إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"(1).

والحمدُ لله على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الربّ الإسلام ديناً لنا.

بين يديك ـ أيها القارىء الكريم ـ المجلّد السادس من هذه الموسوعة المباركة "موسوعة من حياة المستبصرين"، رأى النور بعد جهد مشكور قام به أعضاء مركز الأبحاث العقائدية.

وهو يحتوي على مائة واثنين وثلاثين ترجمة لمن وفّقهم الباري عزّ وجلّ لركوب سفينة النجاة والسير على خطى أهل البيت(عليهم السلام)، موزّعة على عدّة دول هي:

____________

1-سنن الترمذي 5: 663 حديث 3788.


الصفحة 14

باكستان، البحرين، بريطانيا، بلجيكا، بلغاريا، بنغلادش، بنين، بوركينا فاسو، بورندي، البوسنة والهرسك بولندا، بيرو، تايلند، تركمنستان، تركيا، تنزانيا، توغو، تونس.

علماً بأنّ هذا العدد من التراجم لا يُمثّل تراجم كافة المستبصرين في هذه الدول، بل هو عبارة عن نماذج منهم، نستدلّ بها على اتساع حركة الاستبصار عالمياً لتشمل كافة بلدان العالم.

وإنّي أثبت هذه الأسطر بعد أربعة أيام فقط من عودتي من زيارة المغرب العربي، الذي شاهدت فيه ما يفرح به المؤمنون، من انتشار مذهب أهل البيت(عليهم السلام)بين أوساط الكثير من المثقفين، الذين التقيت ببعضهم ووقفت عن قرب على حركة الاستبصار المباركة هناك.

ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ الأخوة الأعزاء، أعضاء مركز الأبحاث العقائدية، الذين ساهموا في إخراج هذا المجلّد والمجلّد السابع من الموسوعة، ونخصّ بالذكر:

1) فضيلة الشيخ الأستاذ علاء الحسّون.

2) فضيلة الشيخ صادق الحسّون.

3) فضيلة الشيخ محمّد مهدي الجواهري.

4) السيّد مرتضى الشيرازي.

كما نتشكّر من فضيلة السيّد صالح التنكابني، لمساهمته في اعداد ملفّات المستبصرين، فللّه درّهم وعليه أجرهم، والحمد لله أولاً وآخراً.

محمّد الحسّون
17 صفر1429هـ
Site.aqaed.com/Mohammad
[email protected]






الصفحة 15

(1) إبراهيم اللاهوري

(سنّي / باكستان)

الملاّ "إبراهيم اللاهوري"، ويلقّب بـ "المستبصر"، من مواليد مدينة لاهور الباكستانية، لاقاه صاحب كتاب "دبستان مذاهب" سنة 1053هـ .

كان "الملاّ إبراهيم" صاحب بصيرة ومعرفة، صاحب منطق وموضوعية، أراد الحقّ فبحث عنه بأسلوب صحيح، وبنظرة محايدة، بعيدة عن التعصّب والانحياز، فاستطاع أن يشقّ طريقه إلى النور والهداية، مخلّفاً وراءه جميع الشكوك والاحتمالات، واضعاً قدميه في ساحة اليقين والمعرفة، معتنقاً لمذهب الحقّ دون اتّباع لتقليد أعمى أو هوى نفس.

وكان سبب استبصار "إبراهيم اللاهوري" رؤيا رأى فيها أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ودعوتهم إليه إلى اعتناق مذهبهم واتباع هديهم(1).

ومن هذا المنطلق توجّه "إبراهيم اللاهوري" نحو البحث حتّى توصّل إلى القناعة التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

____________

1-دبستان مذاهب: 244 ـ 245، طبقات أعلام الشيعة الطبقة الحادية عشر: 10، الذريعة 8: 48.


الصفحة 16

الأحلام ورؤية أهل البيت(عليهم السلام) في المنام:

إنّ الأحلام وتفسيرها وبيان دلالاتها، وما تحكيه من معاني وما تؤول إليه من نتائج، كانت منذ القدم محلاًّ لتوجّه الأمم والشعوب، وما زالت لحدّ الآن حائزة على أهميّة واسعة من قبل الناس وفي مختلف المجتمعات.

وقد اختلف العلماء الأخصّائيون أشدّ الاختلاف في تفسير وبيان الأحلام، وكيفية نشوئها، وبيان دوافعها، ومدى مصداقيتها، وصحّة نتائجها، ومع هذا فإنّ من المُسلّم عند الأديان أنّ للأحلام نحو ارتباط بما وراء الطبيعة، وإنّ كان لها مبادئ ومباني مادّية.

وقد حازت مسألة الأحلام على اهتمام كبير من قبل مختلف الأديان، ومنها ديننا الإسلامي، فقد أعطى للرؤيا حقيقة وواقعية، فقد ذكر القرآن الكريم نماذجاً عديدة من الأحلام والرؤى. كما في سورة الأنفال، قال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً}(1) وفي سورة الصافات قال تعالى: {يَآ إبراهيمُ قدَ صَدَقتَ الرُّؤيا}(2)، وفي سورة الفتح قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ}(3) وغيرها من الآيات.

وكذا الأحاديث الشريفة فإنّ كتب الحديث مملوءة بالأحاديث عن أحلام الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) والصالحين.

أسباب الرؤيا ومناشئها:

إنّ للرؤيا أسباب ومناشىء متعدّدة، منها ما ذكره أبو الفتح الكراجكي في كتابه كنز الفوائد، قال: "الرؤيا في المنام تكون من أربع جهات":

____________

1-الأنفال (8) : 43.

2-الصافات (37) : 105.

3-الفتح (48) : 27.


الصفحة 17

الأولى: ما يكون من حديث النفس وكثرة التفكير في شيء.

الثانية: ما يكون من الطبائع والمزاجات فإنّ صاحب الطبع الحاد والعصبى تختلف أحلامه عن صاحب المزاج الهادئ.

الجهة الثالثة: ما يكون ألطافاً من الله عزّ وجل لبعض خلقه، من تنبيه وتيسير وإعذار وإنذار، فيلقي في روعه ما ينتج له تخيلات أمور تدعوه إلى الطاعة والشكر على النعمة، وتزجره عن المعصية، وتخوّفه الآخرة، ويحصل له بها مصلحة وزيادة فائدة، وفكر يحدث له معرفة.

الجهة الرابعة: ما يكون أسباباً من الشيطان، ووسوسة يفعلها الإنسان، ويذكره بها اُموراً تحزنه وأسباباً تغمّه إلى أن قال: وذلك مختصّ بمن عُدِم التوفيق لعصيانه وكثرة تفريطه في طاعات الله سبحانه.

ثمّ قال فأمّا منامات الأنبياء (صلوات الله عليهم) فلا تكون إلاّ صادقة، وهي وحي في الحقيقة.

ومنامات الأئمّة(عليهم السلام) جارية مجري الوحي، وإنّ لم تسمّى وحياً، ولا تكون قط إلاّ حقاً وصدقاً، وإذاً صحّ منام المؤمن ; لأنّه من قبل الله تعالى، وقد جاء في الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال: "رؤيا المؤمن جزء من سبعة وسبعين جزءاً من النبوّة"، وروي عن عليّ(عليه السلام) قال: "رؤيا المؤمن تجري مجرى كلام تكلّم به الرب عنده".

ثمّ أشار صاحب كنز الفوائد إلى الرؤيا التي ينبغي القطع بصحّتها عند رؤية النبيّ أو أحد الأئمّة(عليهم السلام) في المنام، وقال في وصف هذا المنام أنّه: "كلّ منام رأى فيه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو أحد الأئمّة(عليهم السلام) وهو فاعل لطاعة أو آمر بها، وناه عن معصية أو مبيّن لقبحها، وقائل بالحق أوداع إليه، أو زاجر عن باطل".

إلى آخر كلامه رحمه الله، ثمّ ذكر حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): "من رآني فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتشبّه بي" وكذا الحديث الآخر: "من رآني نائماً فكأنّما رآني


الصفحة 18

يقظاناً"(1).

حجّية الرؤيا وكونها دليلاً:

كما عرفت ممّا ذكرناه أنّ الرؤيا الصالحة هي لطف من الله تعالى لبعض خلقه، تنبّههم وتحفّزهم على فعل الخيرات ومعرفة الحقائق، أو تحذّرهم عن اتّباع الباطل والانغماس في الرذيلة.

فهي منبّهة ومحذّرة لا أكثر، فعلى من رأى هكذا رؤيا ترشده إلى أمر ما أو تنهاه عنه، فعليه أن يبحث عن واقعية وأدلّة ذلك الشىء، ولينظر إلى معتقداته وأفعاله ومدى قربها من الواقع والحقيقة.

وهذا غير كونها حجّة، فإنّ الحجّية معناها الدليلية والبرهان، وهذا مالم يثبت للأحلام على الإطلاق ـ طبعاً لغير الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام).

قال "الشيخ المفيد" في الفصول المختارة: "ولسنا نعتمد على المنامات، ولكنا نأنس بما نبشّر به ونتخوّف ممّا نحذر منها، ومن وصل إليه شيء من علمها عن ورثة الأنبياء(عليهم السلام) ميّز بين حقّ تأويلها وباطله، ومتى لم يصل إليه شىء من ذلك كان على الرجاء والخوف(2).

وقد سُئل "السيّد الخوئي"(قدس سره) عن ذلك، فأجاب: لم تثبت الحجّية بنفس الرؤيا والأمر فيها(3).

إذاً فالرؤيا غير حجّة، ولكّنها أحد أهم طرق اللطف من قبله تعالى لإحياء روح اليقظة والتفطّن في النفوس الإنسانية، وأحد أهم أسباب مراجعة وغربلة

____________

1-كنز الفوائد 2: 60، فصل في الرؤيا في المنام، واُنظر رسائل المرتضى 2: 9، مسألة في المنامات.

2-الفصول المختارة: 131، ضمن مؤلّفات الشيخ المفيد الجزء الثاني مؤتمر ألفية الشيخ المفيد.

3-صراط النجاة 1: 468.


الصفحة 19

المعتقدات الموروثة.

والذي يبدو من "ملاّ إبراهيم" أنّه لم يكن يستبصر على أثر الرؤيا فقط، بل الرؤيا كانت محفزّاً له للبحث، ولمعرفة الحقيقة وكان اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد أن عرف الحقيقة ووقف على أدلّتها الناصعة.


الصفحة 20

(2) أصغر عليّ شاه

(سنّي / باكستان)

ولد حوالي سنة 1334هـ (1916م) في باكستان، نشأ وتربّى في أوساط بيئة أملت عليه العقيدة السنيّة، فكوّن عقائده وبنى نسيجه الفكري وسط الأجواء السنّية التي عاش فيها، فأصبح سنيّاً يعتقد بما ورثه من عقائده حول أصول الدين ولا سيّما ما يخصّ مسألة الخلافة الإسلاميّة.

يحدّثنا "عليّ أصغر شاه" ـ وقد صار عالماً دينياً وخطيباً وأستاذاً ـ عن مذهبه ومعتقده السابق في خصوص مسألة الخلافة: "كانت عقيدتي في الخلافة أنّها بدأت بأبي بكر، وانتهت بعلي(عليه السلام)، وأنّ الخلفاء كلّهم على حقّ"

ولكن "أصغر عليّ شاه" لم يقف عند حدود معرفته الموروثة، بل فكّر وتدبّر في تلك العقائد وأدلّتها، وسأل نفسه: هل تملك هذه العقائد رصيداً كافياً من الأدلّة بحيث تمنحها الشرعيّة، وتعطيها صفة المقبولية، ولزوم الاتباع؟!

وبعد التمحيص وغربلة الأقوال والأدلّة، وبعد البحث الجاد والمطالعة الهادفة، توصّل "أصغر عليّ شاه" عن دليل وبرهان، إلى الحقيقة، وكانت تلك الحقيقة هي: أنّ الطريق الصواب، والمذهب الصحيح، هو اتّباع الإمام عليّ(عليه السلام)وأهل البيت(عليهم السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، أو غض الطرف عنها، فتذوّق "أصغر عليّ شاه" حلاوة الحقيقة، وارتشف من رحيقها،


الصفحة 21

واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وأعلن تشيّعه عام 1374هـ (1955م).

قال "عليّ أصغر شاه" بعد اعتناقه مذهب التشيّع: "أمّا الآن فأعتقد: أنّ الخليفة الحقيقي هو الإمام عليّ(عليه السلام)، وأنّه سيّد المسلمين، وشيخ المهاجرين والأنصار، والسابق في الإسلام.

أسباب استبصاره:

يقول "أصغر عليّ شاه": السبب الباعث على اعتناقي المذهب الشيعي، هو أنّي أمعنت النظر في الآراء المتضاربة بين الشيعة والسنّة، فنظرت في أدلّة كلا الفريقين، وطالعت مؤلّفاتهما المختلفة ـ حسب وسعي وطاقتي ـ فانتهت بي إلى هذه النتيجة وهي: أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) هو الإنسان الفذ، الذي لا يدانيه ولن يدانيه أحد من هذه الأمّة المحمدية، ومن بعده العترة الطاهرة، ذريّة الرسول، فإنّهم هم خلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حقاً، هداة الدين، وقادة الإسلام، من تمسّك بهم نجى، هم ربّانيّوا سفينة النجاة، والثقل الأصغر، والأحق بالخلافة النبوية، والحكومة الإلهية، وبإقامة الحدود الشرعيّة وتنفيذها.

والحسد القبائلي حال دون المسلمين، فلم تجتمع كلمتهم على اتّباع عترة نبيهم. ويضيف "أصغر عليّ شاه" بقي هذا الإفراط يتزايد يوماً فيوماً، فحرم الناس من معرفة آل محمّد وطريقتهم ومذهبهم، وممّا لا شكّ فيه أنّ الإنسان السعيد في مثل هذه الحالات العصيبة يعرض عن هذه الهفوات، فيتمسّك بذيل الروايات المسلّمة بين الفريقين.

النظرة الموضوعية:

كانت نظرة "أصغر عليّ شاه" خلال بحثه العقائدي نظرة موضوعية، بعيدة عن التعصّب الأعمى، وكانت نظرته عقلائية دفعته إلى دراسة المسائل بصورة حيادية، بعيدة عن الميول والرغبات التي قد تدفع الباحث إلى عدم تقبّل الحقّ،


الصفحة 22

فيما لو كانت النتيجة مخالفة لهواه.

فعندما وجد "أصغر عليّ شاه" أمامه رؤية مذهبية جديدة، وعقيدة مغايرة لما هو عليه، لم يرفضها مباشرةً، ولم يخطىء منتميها ومعتقديها، بل تعامل معها بشكل منطقي، وبعيد عن التعصّب أو التحجر، كما أنّه لم يتعامل مع ما عنده من معتقدات ورؤى على أنّها ثابتة ومسلّمة غير قابلة للنقاش والنقد، بل جعلها في معرض البحث والجدل، وجوّز عليها الخطأ، فرأى نفسه بين مذهبين، كلّ منهما يدّعي أنّه على الحقّ، وكلّ منهما يطرح أدلته وعقائده وأفكاره، وكلّ منهما يدّعي أنّ مشروعيّته من الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) .

ومن هذا المنطلق جعل "أصغر عليّ شاه" أقوال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) السبيل لمعرفة الحقيقة والطريق الموصل للصواب ; لأنّها أوضح دليل، وأتّم برهان لتمييز الحقّ عن غيره، فإنّ ما أمر به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الحقّ واليقين، ويجب اتباعه.

قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(1).

وقال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(2).

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}(3).

فهذه الآيات المباركة تأمر جميع المسلمين بالانقياد لأوامر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والانصياع إليها، ومع حصول التنازع لابد من الرجوع إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لمعرفة حكم الله تعالى في مورد التنازع والاختلاف.

____________

1-الحشر (59) : 7.

2-آل عمران (3) : 132.

3-النساء (4) : 59.


الصفحة 23

ومن أهم المسائل الخلافية والأخطر بين المسلمين، بل والمنشأ الأوّل للاختلافات بينهم، هي قضيّة الخلافة والإمامة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فذهب أهل السنّة إلى أن الخلافة ليست بالنصّ، وأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعيّن أحداً للخلافة من بعده، وذهبت الشيعة إلى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عيّن الإمام علي(عليه السلام) للخلافة، وجعله إماماً على المسلمين من بعده، وجعل الإمامة والخلافة بالنص.

وتعد مسألة الخلافة والإمامة من أهم المسائل التي كانت وما تزال الأكثر جدلاً في الساحة العلمية في الأوساط الإسلاميّة، فعلى المنصف المحايد الذي يريد التوصّل إلى الحقيقة والصواب أن يمعن النظر في أقوال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأوامره، فإنّ فيها الهداية ومعرفة الصواب والحقّ .

حديث الغدير:

توجد أحاديث اتفق عليها أهل السنّة والشيعة، وأكثروا من نقلها في كتبهم الروائية وغير الروائية، أحاديث فيها نصّ جلي، ودلالة واضحة على الخلافة، ومن الذي يستحقّها بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بحيث من ائتمر بهذه الأحاديث وتبعها لا يبقى عنده أيّ شك، ولا أدنى ريب في هذه المسألة المصيريّة في حياة الأمّة الإسلاميّة.

وقد نقلت عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعة أحاديث، بهذه الخصوصيات، وهذه الدلالات.

ومن جملة هذه الأحاديث "حديث الغدير"، وهو من الأحاديث التي رواها الفريقان، سنّة وشيعة، وتواتر نقله عندهم، وتعتبر واقعة الغدير من الوقائع التي حفظتها ذاكرة الأمّة، وخطّها التأريخ بقلمه، وثبّتها، هي واقعة حافظت على حيويتها وطراوتها مدى العصور، وإلى يومنا هذا، وقد تناقلتها الأجيال كابر عن كابر، وقلم عن قلم، وكتاب عن كتاب، فهي أحد أهم ركائز العقيدة الإسلاميّة، وقد


الصفحة 24

أُلّفت حول هذه الواقعة مئات الكتب التي تناولت تداعيات وملابسات هذه الواقعة العظيمة، فأحصت رواة حديث الغدير بأسمائهم، وبيّنت ميّزاتهم وخصوصياتهم، ودرست النصّ دراسة دقيقة، موضوعية، بيّنت فيه دلالات الحديث، وأبعاده الشخصية والاجتماعية، الإسلاميّة والعالمية.

فلم نَر قرن من القرون إلاّ وفيه تأليف أو أكثر عن واقعة الغدير(1).

ولكثرة ما أُلّف عن "حديث الغدير"، ولسعة ماكتب فيه، أُلّفت كتب مستقلّة تحصي الكتب التي أُلّفت عن "حديث الغدير"، مثل كتاب "الغدير في التراث الإسلامي" للعلاّمة المحقق السيّد عبد العزيز الطباطبائي، فقد أحصى الكتب المؤلفة عن "حديث الغدير" حسب القرون، فذكر كلّ قرن وما كتب فيه عن هذا الحديث.

ومثل كتاب "الغدير في مرآة الكتب" لمحمد الأنصاري، وقد أحصى فيه أكثر من (414) كتاباً حول "حديث الغدير" من قبل علماء السنّة والشيعة.

أمّا الكتب التي ذكرت فصلاً، أو باباً عن "حديث الغدير" فهي كثيرة جداً، ويصعب إحصاؤها.

متن الحديث:

ورد "حديث الغدير" في مختلف المصادر بنصوص يوجد فيها اختلافات يسيرة، من قبيل الاختصار والتطويل، فبعض المصادر ذكرت الواقعة بتفاصيلها وجزئيّاتها، والبعض الآخر اقتصر على النصوص المهمّة التي تُعيّن مسير الأمّة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل نص "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه" أو مثل "من كنت وليّه فهذا وليّه"، نكتفي بذكر نصّين للحديث، من مصادر أهل السنّة، ونقتصر في الباقي على ذكر المصادر، ثمّ على الباحث المحايد الذي يريد الحقيقة والصواب

____________

1-راجع: الغدير في التراث الإسلامي للمحقق الطباطبائي.


الصفحة 25

المراجعة والتتبعّ.

أخرج النسائي في خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام) سنده إلى زيد بن أرقم، قال: لمّا رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من حجّة الوداع، ونزل غدير خمّ، أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: "كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي تركت فيكم ا لثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض".

ثمّ قال: "إنّ الله مولاي، وأنا ولي كلّ مؤمن"، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: "من كنت وليّه، فهذا وليّه، اللّهم والِ من والاه، وعاد من عاداه".

فقلت لزيد: سمعته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال: ما كان في الدوحات أحد إلاّ ورآه بعينيه، وسمعه بأذنيه(1).

ثمّ أخرج النسائي عدّة أحاديث بهذا اللفظ أو المعنى.

وأخرج أحمد في مسنده عن أبي الطفيل (عامر بن واثلة)، قال: جمع عليّ (رضي الله تعالى عنه) الناس في الرحبة، ثمّ قال لهم: "أنشد الله كلّ امرئ مسلم سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول يوم غدير خمّ، ما سمع لمّا قام"، فقام ثلاثون من الناس، فشهدوا حين أخذوا بيده.

فقال للناس: "أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟

قالوا: نعم يا رسول الله.

قال: "من كنت مولاه فهذا مولاه، اللّهم والِ من والاه، وعاد من عاداه".

قال: فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيت زيد بن أرقم، فقلت له: إنّي سمعت علياً (رضي الله عنه) يقول: كذا وكذا.

قال: فما تنكر، قد سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ذلك له"(2).

____________

1-خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام): 55، باب قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) "من كنت وليه فعلي وليه".

2-مسند أحمد 4: 370.


الصفحة 26

ومن جملة المصادر السنيّة المعتبرة التي روت حديث الغدير:

أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين(1)، وابن أبي عاصم في السنّة(2)، والطبراني في المعجم الكبير(3)، وابن كثير في البداية والنهاية(4)، وابن حبّان في صحيحه(5)، والهيثمي في موارد الضمآن(6)، وفي مجمع الزوائد(7)، وابن المغازلي في مناقب عليّ بن أبي طالب(8)، وابن ماجة في سننه(9)، وغيرها من المصادر(10).

قال الذهبي معقّباً على أحد طرق "من كنت مولاه فعلي مولاه": هذا حديث حسن عال جداً، ومتنه فمتواتر(11).

قال شمس الدين الجزري في أحد طرق هذا الحديث: هذا حديث حسن من هذا الوجه، صحيح من وجوه كثيرة، تواتر عن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) وهو متواتر أيضاً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، رواه الجم الغفير عن الجم الغفير(12).

قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة في تصحيحه الحديث "من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم والِ من والاه، وعاد من عاداه": "وجملة القول: إنّ

____________

1-المستدرك على الصحيحين 3: 323، ح4634.

2-السنّة: 630.

3-المعجم الكبير 5: 166.

4-البداية والنهاية 5: 150.

5-صحيح ابن حبان 15: 376.

6-موارد الضمآن 2: 987، ح2204، و ح2205.

7-مجمع الزوائد 9: 88، باب: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) (من كنت مولاه فعلي مولاه).

8-مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): 67، قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) (من كنت مولاه فعلي مولاه).

9-سنن ابن ماجة 1: 54، باب فضل عليّ(عليه السلام) .

10-للاطّلاع على مزيد من المصادر، راجع كتاب الغدير للعلاّمة الأميني، الجزء الأوّل.

11-سير أعلام النبلاء 8: 335 مؤسسة الرسالة.

12-أسنى المطالب في مناقب سيدنا عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): 48.


الصفحة 27

حديث الترجمة(1) حديث صحيح بشطريه، بل الأوّل منه متواتر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه، وما ذكرت منها كفاية"(2).

وقال الداني بن منير آل زهوي: "فحديث المولاة حديث صحيح ثابت بل هو متواتر، كما قال الألباني في الصحيحة"(3).

هذه رواية حديث الغدير عند السنّة، أمّا رواية هذا الحديث عند الشيعة، فقد بلغت حدّ التواتر أيضاً، بل تجاوزت مرحلة التواتر.

فحديث الغدير إذن تواتر نقله عن الفريقين، سنّة وشيعة، والحديث المتواتر هو ما قطع بصدوره عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أي: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نطق به وحدّث به جزماً.

مفاد حديث الغدير:

إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أشهد المسلمين على أنفسهم بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بهم من أنفسهم، وفي هذا إشارة إلى الآية الكريمة: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}(4) ومقتضى هذه الآية أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمؤمنين من أنفسهم في جميع تصرّفاتهم وشؤونهم الفردية والاجتماعية، فلمّا أقرّ الحضور بذلك فرّع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على ولايته التامّة ولاية الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): "من كنت مولاه فعلي مولاه"، فأثبت(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام) ما أثبته القرآن له(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكل من كان مؤمناً فعلي(عليه السلام) مولاه، وأولى به من نفسه.

____________

1-أيّ الحديث الذي تصدّر بيان ترجمته وتوثيقه وهو حديث الغدير.

2-سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 343 ـ 344.

3-خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام) للنسائي بتحقيق آل زهوي: 78 . ولمزيد من الاطلاع على من جمع حديث الغدير من علماء السنّة، ووثّق رجاله اُنظر كتاب أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في كتب أهل السنّة للشيخ حكمت الرحمة: 98 ـ 108 ، الفضيلة الثالثة.

4-سورة الأحزاب (33): 6.


الصفحة 28

وهذا النصّ يدلّ بوضوح وبصراحة على خلافة الإمام عليّ وولايته على الناس من بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ من كانت هذه صفته، كيف لايكون الخليفة من بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!! فكيف تكون القيادة والخلافة لشخص على المسلمين ـ بما فيهم الإمام عليّ ـ والإمام عليّ(عليه السلام) أولى به حتّى من نفسه؟!! فهذا ما لا يقبله العقل النزيه، بل وترفضه الفطرة الإنسانية السليمة.

فدلالة حديث الغدير واضحة وجليّة في تعيين الخليفة الشرعي والحقيقي بعد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).

فهذا هو قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ودلالته واضحة بيّنة، والقرآن يحثّنا مكرِراً ومؤكِّد على طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}(1).

وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}(2).

وهذا ما فعله "أصغر عليّ شاه"، حيث حَكّم كلمات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأقواله، ولم يتعدَّاها، وحَكّم خصوص تلك الأقوال التي اتفق على نقلها السنّة والشيعة، فعندما تمسّك بها، تساقطت أمامه الأقنعة المزيفة التي كانت لفترة طويلة حجاباً بينه وبين الحقّ فعندما أشرقت أمامه شمس الحقيقة، تنّور عقله، وانشرح صدره، فاعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد تتبع وغربلة للأقوال عن فكر وعقيدة راسخة، وعن دليل وبرهان.

وكم هي السعادة التي تغمر الباحث، واللذّة التي يشعر بها، بعد أن يرى بحثه وجهده آل إلى نتيجة يقينية، تنزاح معها جميع الأوهام، ولا تصمد أمامها جميع الشبهات.

____________

1-محمّد (47) : 33.

2-النساء (4) : 65.


الصفحة 29

(3) إقبال أحمد روحاني

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1372هـ (1953م) في ولاية "السند" ونشأ في أسرة حنفية بريلوية وهابية، حصل على شهادة الليسانس في العلوم الإسلاميّة، ثمّ عمل في مجال التدريس والتبليغ والخطابة.

وقف "إقبال أحمد" على حقيقة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من خلال مناظراته مع بعض علماء الشيعة، ومطالعاته الكثيرة في كتب التاريخ الإسلامي ودراسته لبعض القضايا والأحداث كقضية فدك وغيرها من الأحداث التاريخية المهمّة التي تلت وفاة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).

وتعتبر قضيّة فدك إحدى القضايا التي تبرز الظلم الذي وقع على الزهراء(عليها السلام) من قبل أبي بكر وعمر، ممّا جعلت الحقيقة جليّة واضحة أمام "إقبال أحمد" وأدّت به إلى الاعتقاد بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

فدك في التاريخ:

يقول عليّ بن أحمد الكوفي مستعرضاً ظلامة بنت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) : "ثمّ إنّه(1)عمد إلى الطامّة الكبرى والمصيبة العظمى في ظلم فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)،

____________

1-أبو بكر .


الصفحة 30

فقبض دونها تركات أبيها ممّا خلفه عليها من الضياع والبساتين وغيرها، وجعل ذلك كلّه بزعمه صدقة للمسلمين، وأخرج أرض فدك من يدها، فزعم أنّ هذه الأرض كانت لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هي في يدكِ طعمة منه لك، وزعم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّت ما تركناه فهو صدقة، فذكرته فاطمة(عليها السلام)برواية أمام أوليائه: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد جعل لي أرض فدك هبة وهدية، فقال لها: هات بيّنة تشهد لك بذلك، فجاءت أم أيمن فشهدت لها، فقال: امرأة لا نحكم بشهادة امرأة، وهم رووا جميعاً أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: "أم أيمن من أهل الجنة"، فجاء أمير المؤمنين(عليه السلام) وشهد لها، فقال: هذا بعلك وإنّما يجرّ إلى نفسه، وهم قد رووا جميعاً أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيث دار(1) ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض هذا مع ما أخبر الله به من تطهيره لعلي وفاطمة(عليهما السلام) من الرجس(2) وجميع الباطل بجميع وجوهه رجس، فمن توهّم أنّ

____________

1-أخرج هذا الحديث عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جمع من الحفاظ والأعلام منهم: الخطيب البغدادي في التاريخ ج4، ص321، بطرقه عن أم سلمة، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج7، ص236، وقال رواه البزار والحافظ ابن مردويه في المناقب، والسمعاني في فضائل الصحابة أخرجاه عن عائشة، وابن مردويه أيضاً في المناقب، والديلمي في الفردوس عن عائشة أيضاً بلفظ (الحقّ لن يزال مع عليّ وعليّ مع الحقّ لن يختلفا ولن يفترقا)، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج1، ص68، عن محمّد بن أبي بكر عن عائشة بلفظ (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ) والزمخشري في ربيع الأبرار بلفظ (عليّ مع الحقّ والقرآن والحقّ والقرآن مع عليّ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض) وبهذا اللفظ أخرجه أخطب الخطباء الخوارزمي في المناقب، من طريق الحافظ ابن مردويه، وكذا شيخ الإسلام الحموي في فرائد السمطين من طريق الحافظين أبي بكر البيهقي والحاكم أبي عبد الله النيسابوري. أقول: ورواه محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى: ص37 .

2-وذلك لمّا أطبق المفسرون على نزول قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} ـ سورة الأحزاب: 33 ـ في أهل بيت النبيّ(عليهم السلام)وعليّ وفاطمة(عليهما السلام) لا ريب أنهما من أهل البيت(عليهم السلام) وذكره جلة علماء العامّة، منهم محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ص24، ط ، بيروت دار الوفاء، وقال: أخرجه مسلم وأحمد في المناقب، وكذلك الطبراني، وذكر المرتضى في الشافي، وشيخ الطائفة في تلخيص الشافي، العديد منها، فراجع.


الصفحة 31

علياً وفاطمة(عليهما السلام) يدخلان من بعد هذا الإخبار من الله في شيء من الكذب والباطل عن غفلة أو تعمّد، فقد كذّب الله، ومن كذّب الله فقد كفر بغير خلاف، فغضبت فاطمة(عليها السلام) عند ذلك فانصرفت من عنده وحلفت انّها لا تكلّمه وصاحبه حتّى تلقى أباها فتشكو إليه ما صنعا بها.

فلمّا حضرتها الوفاة أوصت علياً(عليه السلام) أن يدفنها ليلاً ; لئلا يصلّي عليها أحد منهم، ففعل ذلك، فجاؤا من الغد يسألون عنها، فعرفهم أنّه قد دفنها، فقالوا له: ما حملك على ما صنعت؟

قال: أوصتني بذلك فكرهت أن أخالف وصيّتها، وهم قد رووا جميعاً أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل"(1) ولم يجز أن أخالف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مخالفة وصيتها.

ورووا كذلك جميعاً أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة(عليها السلام): "يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك"(2) فإذا كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر أنّ الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها، وأنّ من آذاها فقد آذى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن آذى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد آذى الله، وقد دلّ دفنها بالليل من غير أن يصلي عليها أحدٌ منهم، أو من أوليائهم، أنّ ذلك كان منها غضباً عليهم بما اجتروا عليها وظلموها، وإذا كان ذلك كذلك فقد غضب الله عليهم بعد أن آذوها، فإذاً قد أذوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بأذاهم إياها، وقد آذا الله عزّ وجل بأذاهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ الله عزّ وجلّ يقول: {إِنَّ

____________

1-إنّ حديث "فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني"، من الأحاديث المتواترة وإنّ اختلف في بعض الفاظ المتن، فممّن ذكره أصحاب الصحاح البخاري، ومسلم، والترمذي، وأحمد، وأبو داود، وابن حجر في الصواعق، والكنجي في كفاية الطالب، كلهم في باب مناقب فاطمة(عليها السلام).

2-رواه ابن حجر العسقلاني في ترجمة فاطمة(عليها السلام) من الإصابة، وقال النبهاني في الشرف المؤيّد ص59، إنّه رواه الطبراني وغيره بإسناد حسن، ورواه الحافظ محيي الدين الطبري في ذخائر العقبي ص39.


الصفحة 32

الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا}(1)

ورووا أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قال لأبي بكر حين لم يقبل شهادته: يا أبا بكر، اصدقني عمّا أسألك.

قال: قل.

قال: أخبرني لو أنّ رجلين احتكما إليك في شيء في يد أحدهما دون الآخر أكنت تخرجه من يده دون أن يثبت عندك ظلمه.

قال: لا.

قال: فممن كنت تطلب البيّنة منهما، أو على من كنت توجب اليمين منهما.

قال: أطلب البيّنة من المدعي، وأوجب اليمين على المنكر، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "البينة على المدعي، واليمين على المنكر".

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) أفتحكم فينا بغير ما تحكم به في غيرنا؟

قال: فكيف ذلك.

قال: إنّ الذين يزعمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما تركناه فهو صدقة، وأنت ممن له في هذه الصدقة ـ اذا صحّت ـ نصيب، وأنت فلا تجيز شهادة الشريك لشريكه، فيما يشاركه فيه، وتركة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بحكم الإسلام في أيدينا، إلى أن تقوم البيّنة العادلة بأنّها لغيرنا، فعلى من ادعى ذلك علينا إقامة البيّنة، ممن لا نصيب له فيما يشهد به وعلينا اليمين فيما تنكره، فقد خالفت حكم الله تعالى وحكم رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قبلت شهادة الشريك في الصدقة، وطالبتنا بإقامة البيّنة على ما ننكره ممّا ادعوه علينا، فهل هذا إلاّ ظلم وتحامل؟

ثمّ قال: يا أبا بكر، أرأيت لو شهد عندك شهود من المسلمين المعدلين عندك على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعاً؟

قال: كنت والله أقيم عليها حد الله في ذلك.

____________

1-الأحزاب (33) : 57.


الصفحة 33

قال له إذاً كنت تخرج من دين الله ودين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قال: لم؟

قال: لانّك تكذّب الله وتصدّق المخلوقين، إذ قد شهد الله لفاطمة بالطهارة من الرجس في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(1) فقلت أنت إنّك تقبل شهادة من شهد عليها بالرجس، إذ الفواحش كلّها رجس، وتترك شهادة الله لها بنفي الرجس عنها.

فلمّا لم يجد جواباً قام من مجلسه ذلك وترك علياً(عليه السلام) (2) .

التمسك بولاية عليّ:

اعتنق "إقبال أحمد" التشيّع عام 1402هـ (1982م) ، ونظم قصائد في مدح أهل البيت(عليهم السلام) جمعها في ديوان شعر، وترجم عدّة كتب من لغة "الأرود" إلى لغة "السند".

يقول "إقبال أحمد": بعد التمسّك بولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وأهل بيته(عليه السلام) بدأت بالتبليغ لهداية الناس، وقد تشيّع بفضل هذه الجهود التي ما أردت بها إلاّ وجه الله تعالى العديد من الأقارب وغيرهم.

____________

1-الأحزاب (33) : 33.

2-الاستغاثة، عليّ بن أحمد الكوفي 35 ـ 46 .


الصفحة 34

(4) أكبر عليّ كوندل

(سنّي / باكستان)

ولد عام 1357هـ (1939م) في قضاء "مكهنا توالي" في لواء كجرات بباكستان الغربية، درس حتّى الصف العاشر، ثمّ عمل موظّفاً في دائرة حكومية.

استبصاره:

يقول أكبر عليّ: السبب الباعث لي على اختيار هذا المذهب (الشيعي الإمامي) هو أنّي طالعت كتباً مختلفة، وحضرت مختلف المجالس لأصحاب مختلف المذاهب والذي حصل لي واستنبطته منها هو إمكان نيل الوجاهة الدنيوية عن طريق المذهب السنيّ، أمّا الآخرة والنجاة فلا تحصل إلاّ بالتمسّك بالأئمة المعصومين(عليهم السلام) الذين هم أفضل البرية، والذين ضحّوا بكل ما عندهم للإسلام، ولذلك أعلنت اعتناقي لهذا المذهب.

كنت أعتقد في الإمام عليّ ما يعتقده السنّة من أنّه الخليفة الرابع، وعقيدتي الآن أنّه الخليفة الأوّل بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه يستحق أن يقال عند ذكره(عليه السلام) .

كنت أعتقد أنّ أمر الخلافة راجع إلى الجمهور، وقد اختاروا أبا بكر، وقد عرفت أنّ الخلافة منصب إلهي، لا يجوز لأحد أن يعطيه لآخر، والذي يختاره الجمهور يمكن أن يكون ناقصاً وعاصياً، أمّا من يختاره الرسول بأمر من الله تعالى فإنّه لا يكون إلاّ كاملاً معصوماً.


الصفحة 35

من هم خير البرية؟ :

أورد الطبري في تفسير جامع البيان في تفسير الآية السابعة من سورة البيّنَة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}(1).

حديثاً بسنده عن أبي الجارود، عن محمّد بن عليّ: {أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ }فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): "أَنْتَ يا عَليُّ وَشِيعَتُكَ"(2) .

وجاء في الدر المنثور لجلال الدين السيوطي في تفسير نفس الآية:

أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنّا عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل عليّ فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : "والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} فكان أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البرية .

أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: عليّ خير البرية.

وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ: "هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين".

وأخرج ابن مردوية عن عليّ قال: قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : "ألم تسمع قول الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين"(3) .

وأورد الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل أربعة وعشرين حديثاً في تفسير الآية المذكورة تفسر خير البرية بأنّه عليّ بن أبي طالب وشيعته وورد في حديثين منها ذكر أهل بيته(عليهم السلام) .

____________

1-البينة (98) : 7.

2-جامع البيان 15: 293، ح29208.

3-الدر المنثور 6: 379 .


الصفحة 36

وهي: "... عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: بينا رسول الله يوماً في مسجد المدينة وذكر بعض أصحابه الجنة فقال رسول الله: إنّ لله لواءً من نور، وعموداً من زبرجد خلقها قبل أن يخلق السماوات بألفي سنة، مكتوب على رداء ذلك اللواء لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، آل محمّد خير البرية. صاحب اللواء إمام القوم، فقال عليّ: الحمد لله الذي هدانا بك، وكرّمنا بك وشرّفنا. فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عليّ، أمّا علمت أنّ من أحبّنا وانتحل محبّتنا أسكنه الله معنا، وتلا هذه الآية: {فِي مَقْعَدِ صِدْق عِندَ مَلِيك مُّقْتَدِر}(1)".

و "... عن ابن عبّاس في قوله: {أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} قال: نزلت في عليّ وأهل بيته"(2) .

من الذي يختار الإمام؟ :

اختلف المسلمون في هذا الأمر، فقال جمهور أهل السنّة تختاره الأمّة، وقال الشيعة يختاره الله تعالى، وقد عيّن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله تعالى علياً(عليه السلام)إماماً للمسلمين، ومن بعده أولاده المعصومين(عليهم السلام) .

ونورد هنا مقطع من حديث للإمام الرضا(عليه السلام)، يبيُن فيه هذا الأمر، ويقطع الحجّة على من أشكل عليه هذا الأمر كما كان عليه حال الأخ "أكبر عليّ" :

روى عبد العزيز بن مسلم قال: كنّا مع الرضا(عليه السلام) بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مَقْدمنا فأداروا أمر الإمامة، وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي(عليه السلام) فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسّم(عليه السلام) ثمّ قال: "يا عبد العزيز، جهل القوم وخُدعوا عن آرائهم، إنّ الله عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى أكمل له الدين، وأَنزلَ عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء، بيّن فيه الحلال والحرام

____________

1-شواهد التنزيل 2: 363، ح1141، والآية في سورة القمر (54) : 55.

2-شواهد التنزيل 2: 366، ح1146 .


الصفحة 37

والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً، فقال عزّ وجلّ: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْ}(1) وأنزل في حجّة الوداع، وهي آخر عمره(صلى الله عليه وآله وسلم): {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}(2).

وأمر الإمامة من تمام الدِّين، ولم يمض(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى بيّن لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحقّ وأقام لهم عليّاً(عليه السلام) علماً وإماماً...

هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم، إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم.

إنّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل(عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة، مرتبة وفضيلة شرّفه بها، وأشاد بها ذكره فقال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}(3)، فقال الخليل سروراً بها {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} قال الله تبارك وتعالى: {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالمِيِنَ}(4) .

فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة، ثمّ أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذرّيّته أهل الصفوة والطهارة فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتّى ورّثها الله تعالى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).. فكانت له خاصّة فقلّدها(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام)، بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله، فصارت في ذرّيّته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان، بقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ}(5) فهي في ولد عليّ(عليه السلام) خاصّة

____________

1-الأنعام (6) : 38.

2-المائدة (5) : 3 .

3-البقرة (2) : 124 .

4-البقرة (2) : 124 .

5-الروم (30) : 56 .


الصفحة 38

إلى يوم القيامة ; إذ لا نبي بعد محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟!

الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفُضِل الوهّاب.

فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟!

هيهات! هيهات!! ضلّت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله وأقرّت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكلّه أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه؟! لا، كيف وأنّى وهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين! فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟!

أتظنون أنّ ذلك يوجد في غير آل الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته إلى اختيارهم والقرآن يناديهم {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(1).

وقال عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(2)...

إنّ الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان.

وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لأمور عباده شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً فلم يعِ بعده بجواب، ولا يحير فيه عن

____________

1-القصص (28) : 68 .

2-الأحزاب (33) : 36 .


الصفحة 39

الصواب، فهو معصوم مؤيّد مسدّد، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار، يخصّه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدّمونه؟ تعدوا ـ وبيتِ الله ـ الحقّ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنّهم لا يعلمون"(1) .

____________

1-الكافي 1: 198، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته، ح1.


الصفحة 40

(5) أمير الدين بن محمّد مستقيم الحنفي

(حنفي / باكستان)

ولد في شبه القارة الهندية قبل تقسيمها في عائلة حنفية.

كان "أمير الدين" مثقّفاً بالثقافة الدينية المذهبية السنيّة، ومتبحّراً بقراءة كتب التاريخ والرجال وعلم الحديث والتفسير، ومضافاً إلى ولعه العلمي هذا، كان طبيباً على نمط القدامى من الأطباء التقليديين، وكان يعتبر من الشخصيات السنيّة الكبيرة في مدينة (جنك) بالباكستان.

استبصاره:

سكن أحد علماء (هرات) الأفغانيين الشيعة ـ وهو الشيخ عبد العلي الهروي المتوفّى سنة 1342 هـ/ 1922م ـ في مدينة (سركوتها) بالبنجاب، فتوثقت بينه وبين "أمير الدين" صلة وعلاقة ودّية.

ونظراً للثقافة الواسعة التي كان يتميّز بها "أمير الدين" فقد كان مؤهّلاً للدخول مع الهروي في مناقشات مذهبيّة صريحة للوصول إلى نتائج الاختلاف بين الفرق الإسلاميّة في المسائل الاعتقادية.

ومن خلال هذه المناظرات والبحث في كتب التفسير والحديث والرجال والتاريخ انتهى المطاف بتبنّي "أمير الدين" للمذهب الإمامي، والانتقال إليه من المذهب الحنفي، وكان ذلك في نهاية العقد الأوّل من القرن العشرين الميلادي.


الصفحة 41

نشاطه بعد الاستبصار:

جرت بين "أمير الدين" وبين أستاذه الشيخ عليّ محمّد فتح الدين(1)حوارات طويلة انتهت بالشيخ الحافظ عليّ محمّد أن يقوم بدراسة التشيّع على أسس علمية بحتة غير خاضعة للمؤثرات المتوارثة، وقد شرع بذلك عام 1330 هـ/ 1911م، وبعدما يقرب من العقد (وبالتحديد في شهر رمضان سنة 1340 هـ/ 1921م) بدأ الحافظ فتح الدين بتسجيل قناعاته برجحان مذهب الشيعة في كتاب مستقل سماه (فُلك النجاة في الإمامة والصلاة).

هذا، وقد قام الحكيم "أمير الدين" بترجمة هذا الكتاب إلى لغة الأردو حيث كتبه الشيخ عليّ محمّد باللغة العربية، وطبع الكتاب في مجلد واحد (مكتوباً بخط اليد) مع ترجمته باللغة الأوردية عام 1925م، وشملَ المجلد الأوّل على (523) صفحة، والثاني على (276) صفحة، وتتضمّن كلّ صفحة على (نصيّن) ; النص العربي (كُتب على جهة اليمين)، والنص الأوردي كتب على جهة اليسار. وحاز الكتاب شهرة واسعة حال صدوره.

ويقول محقّق الكتاب في مقدّمته للطبعة الثانية من الكتاب: "أمّا مترجم الكتاب الحكيم أمير الدين فلم يكن قد نقل "نصّاً" من لغة إلى أخرى فحسب، وإنّما أضاف إلى الكتاب إضافات كثيرة من خلال تتبّع المصادر المختلفة، وألحق بحوث مفصّلة بين ثنايا الكتاب حقّق فيها بعض المطالب بتفصيل وأناة، ممّا أضفى على الكتاب جهداً مضاعفاً جعله في مصاف الكتب الموسوعية النادرة".

هذا وأصبح الكتاب مصدراً لطلاب الحقيقة من الباحثين، وسميّ (كتاب البركة) نتيجة تأثيره العميق في قرّاءه من أهل السنّة، وإحداثه بدايات التحوّل والتغيير لدى الكثير منهم.

____________

1-مرّت ترجمته في الجزء 3: 111.


الصفحة 42

سمات استبصار "أمير الدين":

يلاحظ في استبصار "أمير الدين" عدة سمات تبين عظمة شخصيّته وإخلاصه في الدين، نذكر منها مايلي:

1ـ استبصر "أمير الدين" بعد مناقشات علمية جرت بينه وبين أحد علماء الشيعة، أعلن بعدها تشيّعه بدون تهيّب ممّا يدلّ على إخلاصه في طلب الحقّ.

2ـ كان "أمير الدين" من الوجهاء، فهو إضافة إلى وجاهته الدينية بين أبناء قومه من المذهب السنّي، كان يملك الكثير من الأراضي والأموال، ولكن كلّ ذلك لم يمنعه من الانتقال إلى مذهب آل البيت(عليهم السلام) بل كان مستعدّاً للتضحية بوجاهته في سبيل الحقّ.

3ـ وظّف كلّ جهوده وإمكانيّاته في الدفاع عن المذهب الحقّ بعد استبصاره، وبدأ بالحوار مع أستاذه، وجرت بينهما مناقشات علمية طويلة، انتهت إلى أن قررّ أستاذه البحث بحثاً علمياً في الكتب بدون تحيّز وأحكام مسبقة، وبالفعل بدأ بالبحث واستمرّ لمدّة عشرة سنوات، بدأ بعدها بكتابه كتابه المشهور (فُلك النجاة) الذي ساعده فيه "أمير الدين" من حيث توفير المصادر، ومن ثمّ المساعدة في الترجمة والتعليق.

قال المؤلّف فتح الدين: "ولمّا كنت لا أملك من الكتب شيئاً رجعتُ إلى عزيزي وتلميذي الأديب الأريب اللبيب الطبيب، شريف النسب والحسب، رفيع الرتب، باذل النفس والمال، في حب الله المتعال، ذي العزّة والتمكين، خادم آل النبيين، الشهير في الآفاق، المولوي الفاضل، والحكيم الكامل، محمّد أمير الدين أبدّه الله وأيدّه، ونصره على حاسديه، وأعطاه ما تمنّاه، وجعل عقباه خيراً من أولاه، فأعانني بالكتب المطلوبة غاية الإعانة، وشاورني غاية المشاورة"(1).

____________

1-فلك النجاة في الإمامة والصلاة: 13، المقدّمة.


الصفحة 43

وهنا نلاحظ قوّة الروح العلمية لدى هذين العلمين، وقوّة يقينهما باتّباع الحقّ أينما كان، وعدم الالتفات إلى الاعتبارات الأخرى، وخاصّة في بيئة يقوى فيها التعصّب المذهبي.

كما يلاحظ أنّ هذين العلمين كان هدفهما الدفاع عن الحقّ، رغم التيارات المعاكسة التي واجهاها في طريق معرفة الحقّ، بل العكس فإنّ هذه الاتجاهات المعاكسة قد خدمتهما في نشر الحقيقة.

قال المحقّق في المقدمة "إنّ الطعن بشرعية المذهب الإمامي، والتشكيك بمصداقيته من قبل بعض التيارات السنيّة (أحادية الاتجاه) كالتيار السلفي حثّا العلامة المؤلّف أن يسجّل محاججاته في (فُلك النجاة) ذريعة لغلق أبواب التهجّم على القناعات المُغايرة. فكتابه هو في حدّ ذاته ليس فعلاً استفزازياً، وإنّما ردُّ فعل لتيار معاكس مازالت براثنه تنفجر هنا وهناك".

ويتّضح هذا أيضاً بملاحظة ما قاله المؤلّف في مقدّمته للكتاب، قال: "قد شاع الاختلاف في الفرق الإسلاميّة لاسيّما فيما بين أهل السُنَّة والجماعة وبين الشيعة الإمامية في ديارنا، وقد قال الله عزّ اسمه {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}(1)...

وقد كنت رجلاً قصير الهمّة، خادم القوم، مطالعاً لكتب الفريقين فأردت أن أهذّب الروايات الموافقة لهما من كتبهما... لينكشف الحقّ على من اعترض علينا وسأل عنّا من سبب تبديل المذهب من (أهل الجماعة) إلى مذهب (العترة) وكنّا ندافع مرةً بعد مرة، فلمّا أصّروا علينا أردنا أن نكتب ما فيه كفاية لمن له دراية، ولسنا عليهم بمسيطرين، (وما علينا إلاّ البلاغ المبين)".

____________

1-آل عمران (3) : 103.


الصفحة 44

(6) أمير حسين ساقي

(سنّي / باكستان)

ولد "أمير حسين ساقي" عام 1391هـ (1972م) في باكستان مدينة "بهاول بور"، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب السنّي، ثمّ واصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة الدبلوم.

تأثّره بأصدقائه الشيعة:

كان "لأمير حسين" عدد من الأصدقاء الشيعة، وكان من الطبيعي أن يدور بينه وبينهم الحوار حول معتقدات الفريقين، ومن هذا المنطلق تعرّف "أمير حسين" على عقائد الشيعة، وبادر بمقارنتها مع عقائد أهل السنّة، فتوصّل في نهاية مطاف بحثه إلى أحقّية العقائد الشيعية.

مرحلة ما بعد الاستبصار:

بادر "أمير حسين" بعد استبصاره بنشر الحقائق التي توصّل إليها بين أصدقائه الذين كانوا من أهل السنّة نتيجة تقليدهم الأعمى لآبائهم.

وكان يؤكّد عليهم قراءة كتب الدكتور التيجاني السماوي التي تأثّر بها في استبصاره، وكان يبيّن لهم ما جاء في هذه الكتب، ويدعوهم لمراجعة المصادر السنيّة التي وردت فيها، ليتأكّدوا بأنفسهم من صحّة الحقائق المبيّنة فيها.