المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 45

حقيقة شخصيّة أبي بكر:

كان "أمير حسين" يؤكّد على أصدقائه بأن الصورة التي يحملونها عن أبي بكر خاطئة، وبإمكانهم التعرّف على شخصيّة هذا الرجل من خلال تأمّلهم في الحقائق المذكورة في كتب أهل السنّة.

أبو بكر في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) :

ورد في صحيح البخاري: حدّثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا أبا بكر وعمر رضى الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حين قدم عليه ركبُ بني تميم. فأشار أحدُهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي.

قال ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتُهما في ذلك، فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الآية(1).

وذكر الدكتور التيجاني السماوي في كتابه "فاسألوا أهل الذكر" بعد ذكره لهذا الحديث ومجموعة أخرى من الأحاديث الواردة في هذا المجال: "الظاهر من خلال هذه الروايات أنّ أبا بكر وعمر لم يتأدّبا بحضرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالآداب الإسلاميّة، وسمحا لأنفسهما بأن يُقدّما بين يدى الله ورسوله بغير إذن، ولا طلب منهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبديا رأيهما في تأمير أحد من بني تميم، ثمّ لم يكتفيا حتّى تشاجرا بحضرته، وارتفعت أصواتهما أمامه من غير احترام ولا مبالاة بما تفرضه عليهما الأخلاق والآداب التي لا يمكن لأيّ أحد من الصحابة أن يجهلها، أو يتجاهلها بعد ما قضى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حياته في تعليمهم وتربيتهم.

ولو كانت هذه الحادثة قد وقعت في بداية الإسلام لا لتمسنا للشيخين في ذلك عذراً، ولحاولنا أن نجد لذلك بعض التأويلات.

____________

1-صحيح البخاري: 6 / 46، كتاب تفسيرالقرآن، سورة الحجرات (49) : 2.


الصفحة 46

ولكن الروايات تثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأنّ الحادثة وقعت في أواخر أيام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ إنّ وفد بني تميم قدم على رسول الله في السنة التاسعة للهجرة ولم يعش بعدها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ بضعة شهور، كما يشهد بذلك"(1).

أبو بكر بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) :

قرأ "أمير حسين" قبل استبصاره بعض الكتب الشيعية، فاطلّع من خلالها بأنّ من جملة مواقف أبي بكر بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كذّب الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء وغصب حقّها فهجرته فاطمة الزهراء(عليها السلام) ولم تكلّمه حتّى توفّيت بعد فترة قليلة من وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا توفّيت دفنها زوجها الإمام عليّ(عليه السلام)ليلاً(2).

واطلع "أمير حسين" على امتناع الإمام عليّ(عليه السلام) من بيعة أبي بكر، فجاء عمر بن الخطاب بأمر من أبي بكر إلى بيت الإمام عليّ(عليه السلام) وهدّد بإحراق البيت، وكان في البيت الإمام عليّ(عليه السلام) وفاطمة الزهراء(عليها السلام) ومجموعة من خيرة الصحابة الذين امتنعوا عن البيعة.

واطلع "أمير حسين" بأنّ أبا بكر منع المسلمين من كتابة السنّة النبوية، وقال: "إنّكم تحدّثون عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه"(3).

وبهذا نُبذت سنة النبيّ وراء الظهور، وهذه الخطوة مخالفة لصريح قوله تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}(4).

____________

1-فاسألوا أهل الذكر، محمّد التيجاني السماوي: 178 ـ 179 .

2-اُنظر: صحيح مسلم: 5: 154، كتاب الجهاد، باب قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لانورّث ما تركناه فهو صدقة.

3-تذكرة الحفّاظ ، الذهبي 1 / 2.

4-الحشر (59) : 7 .


الصفحة 47

وكان ظنّ "أمير حسين" بأنّ هذه الأخبار من صنع الشيعة، ولكنّه وجد بعد البحث بأنّها صحيحة، ولهذا بادر بعد استبصاره ببيان ذلك إلى مَن حوله مِن أهل السنّة.

طلبه لعلوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) :

قرر "أمير حسين" بعد فترة من استبصاره الهجرة إلى مدينة قم المقدّسة لدراسة علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) فسافر إلى هذه المدينة التي تُدعى بعش آل محمّد، ودرس مدّة أربع سنوات ونصف فيها، ثمّ عاد إلى بلده ; لينشر مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وليبيّن للناس الحقائق التي يكتمها علماؤهم عنهم.

كما توجّه "أمير حسين" إلى كتابة المقالات حول المسائل الخلافية بين أهل السنّة والشيعة داعياً من أبناء مجتمعه التحرر من التقليد الأعمى لأسلافهم، وطالباً منهم تشييد عقائدهم وفق الأسس والقواعد المتينة المبتنية على الركائز الرصينة.


الصفحة 48

(7) أمير محمّد تونسوي

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1331 هـ ، في "باكستان" بمدينة "تونسة" وترعرع في عائلة تنتمي إلى المذهب الحنفي.

خلافة الإمام عليّ(عليه السلام) .

إنّ من الأمور التي أوصلت "أمير محمّد" إلى القناعة التامة بأحقّيّة مذهب الشيعة الإمامية هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة التي تثبت بأنّ الخليفة الشرعي لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس إلاّ أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولا سيّما أنّ ما ورد في كتب أهل السنّة من روايات وأخبار صحيحة عندهم يثبت ذلك بصراحة.

ولكن كما قال "أمير محمّد" إنّ العقيدة السائدة بين أهل السنّة بصحّة خلافة الثلاثة، يتلقّاها الخلف عن السلف دون دراسة وتحقيق، فالذي يقرأ التاريخ الإسلامي بإنصاف، ويرجع إلى الأدلة التي يقيمها الإمامية على إثبات الخلافة الإلهية للإمام عليّ(عليه السلام)، سيصل إلى قناعة تامّة بأنّ صحّة خلافة الثلاثة لا تستند إلى أيّ دليل شرعي. وأنّ الإمام عليّ(عليه السلام) هو الخليفة الحقّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

فمن جملة الأدلّة التي يقيمها الشيعة على إثبات إمامة عليّ(عليه السلام) وإثبات عصمته هي آية الولاية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ


الصفحة 49

وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(1).

قال الشيخ الطوسي في معرض استدلاله بهذه الآية الكريمة: "واعلم أنّ هذه الآية من الأدلّة الواضحة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد النبيّ بلا فصل.

ووجه الدلالة فيها أنّه قد ثبت أنّ الوليَّ في الآيّة بمعنى الأولى والأحقّ وثبت أيضاً أنّ المعنى بقوله "والذين آمنوا" أمير المؤمنين(عليه السلام) فإذا ثبت هذان الأصلان دلّ على إمامته ; لأنّ كلّ من قال: انّ معنى الولي في الآية ما ذكرناه قال إنّها خاصّة فيه. ومن قال باختصاصها به(عليه السلام) قال المراد بها الإمامة"(2).

كما قال ابن شهر آشوب حول هذه الآية: "أجمعت الأمّة أنّها نزلت في حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لمّا تصدّق بخاتمه وهو راكع، ولا خلاف بين المفسرين في ذلك،وأكّده إجماع أهل البيت(عليهم السلام)، فثبتت ولايته على وجه التخصيص ونفي معناها عن غيره وإنّما عنى بوليكم القائم بأموركم ومن يلزمكم طاعته وفرض الطاعة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يكون إلاّ للإمام وثبت أيضاً عصمته لأنّه تعالى إذا أوجب له من فرض الطاعة مثل ما أوجبه لنفسه تعالى ولنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) اقتضى ذلك طاعته في كلّ شيء وهذا برهان عصمته ; لأنّه لو لم يكن كذلك لجازمنه الأمر بالقبيح وفي علمنا بانّ ذلك لا يجوز عليه سبحانه دليل على وجوب العصمة"(3).

وذكر الشيخ المفيد هذه الآية الكريمة واستدلّ بها على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث قال: "ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(4).

فوجه الله سبحانه بالنداء جماعة أضافهم إلى غيرهم بالولاء، وجعل علامة

____________

1-المائدة (5) : 55.

2-التبيان: الشيخ الطوسي 23، 559.

3-متشابه القرآن: ابن شهر آشوب 2، 29 .

4-المائدة (5) : 55 .


الصفحة 50

المنادى إليه إيتاءه الزّكاة في حال الرّكوع، بقوله سبحانه: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} ولا خلاف عند أهل اللّغة أنّ قول القائل: "جاءني زيد راكباً، وجاءني زيد في حال ركوبه، ورأيت عَمراً قائماً ورايت عَمراً وهو قائم، ورأيته في حال قيامه"، كلّ واحد من هذه الألفاظ يقوم مقام صاحبه ويفيد مفاده. وإذا ثبت أنّ الولاء في هذه الآية واجب لمن آتى الزّكاة في حال ركوعه، ولم يدّع أحد من أهل القبلة لأحد أنّه آتى الزّكاة في حال ركوعه، سوى أمير المؤمنين(عليه السلام) وجب أنّه المعنيّ بقوله: [والذين آمنوا] وإذا ثبتت ولايته حسب ولاية الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجبت له بذلك الإمامة(1).

الالتحاق بركب أهل البيت(عليهم السلام) :

يقول "أمير محمّد" من منطلق التحقيق ومعرفة الحقّ ونبذ الباطل راجعت حضرة المولى المرحوم "مولوي فيض محمّد (مكهيالوي)" فعقدت عنده جلسة نقاش مذهبية دار بحثنا حول الخلافة الشرعيّة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأثبت لي خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) بلا فصل.

فلزمتني الحجة في ذلك، وكان هذا سبب استبصاري واختياري لمذهب الحقّ.

____________

1-المسائل العكبرية: الشيخ المفيد 49: 51 .


الصفحة 51

(8) جعفر حسين باجواه

(حنفي / باكستان)

ولد "جعفر حسين" سنة 1390هـ (1971م) في باكستان ـ ولاية البنجاب ضلع شيخو بورة ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى نال شهادة الثانوية العامة.

اعتنق "جعفر حسين" مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ بعد أن نوّرت الحقيقة قلبه عام 1413هـ (1993م) ، ثمّ اتّجه لتقوية مرتكزاته العقائدية الجديدة من خلال دراسة العلوم الدينية، فدرس أكثر من أربع سنوات حتى صار إمام جماعة في إحدى المساجد، وهو الآن أحد دعاة مذهب التشيّع.

قصّة استبصاره:

يقول "جعفر حسين" : كنت أدرس اللغة الإنجليزية، وكان أستاذي شيعياً، فأهدى لي في أحدى الأيام كتاب نهج البلاغة، فقرأته وأعجبت بكلام الإمام عليّ(عليه السلام) الذي يأسر القلوب ويأخذ بالألباب، وقد لفتت نظري الخطبة الشقشقية فيه، ورفض الإمام عليّ(عليه السلام) شرعيّة الخلفاء الذين قبله، فتأثّرت كثيراً، وبدأت في مناقشة الأمور الدينية مع أستاذي، فلاحظت ـ من خلال المناقشة والبحث ـ أنّ للشيعة مذهب متكامل، فاهتديت للتشيّع ومذهب أهل البيت(عليهم السلام)، والتحقت بإحدى الحوزات العلمية الشيعية للدرس ولفهم المذهب بعمق، وقد تأثّرت في


الصفحة 52

تشيعي بمسائل كثيرة توضّحت لي، كقضية الإمامة، وقضية فدك، وظلامة الزهراء(عليها السلام) .

موقف الإمام عليّ(عليه السلام) من الخلفاء :

موقف الإمام عليّ(عليه السلام) الرافض والمعارض للخلفاء كان واضحاً وبيّناً، فقد أعلن ذلك من خلال خطبه، وكلماته، ومواقفه، وكذا موقف باقي أهل البيت(عليهم السلام)فإنّ لفاطمة(عليها السلام) عدّة احتجاجات ومناظرات مع الخلفاء، وعامّة المهاجرين والأنصار، أثبتت فيها حقّانية الإمام عليّ(عليه السلام) في الخلافة، وكذا الحسن والحسين(عليهم السلام) ريحانتا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

موقف أهل البيت(عليهم السلام) هذا ـ وهم الذين أنزلت فيهم آية المودّة: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}(1)، وآيات كثيرة أخرى، وجاء في فضلهم الأحاديث الكثيرة التي دلّلت على علوّ شأنهم، وسموّ منزلتهم عند الله تعالى وعند رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهم(عليهم السلام) الذين لا يشك أحد في فضلهم وكرامتهم، وقد اتفق سائر فرق المسلمين على ذلك.

فموقفهم هذا يبعث على الاستغراب والتأمل والتسائل، بل وعلى مراجعة الأحداث التي تلت وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والتي قبيل وفاته بصورة أكثر جدّيّة وبدراسة أكثر موضوعية ودقّة.

إنّ هناك عدّة أسئلة يطرحها الرأي العام الإسلامي الذي عرف مقام الإمام عليّ(عليه السلام) في الإسلام عندما يرى أنّ الإمام(عليه السلام) لم يبايع.

والأحرى أن نقول: هي عدّة إشكالات تحتوي في داخلها على رفض عنيف يدمر جميع الأركان التي قامت عليها خلافة الثلاثة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقبل أن تكون لنا وقفة مع هذه الأسئلة (الإشكالات) نتطّرق إلى إثبات

____________

1-الشورى (42) : 23.


الصفحة 53

موقف الإمام عليّ(عليه السلام) الرافض لبيعة من تقدّمه.

جاء في صحيح البخاري: حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: "أنّ فاطمة(عليها السلام) بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر" إلى أن قالت عائشة: "فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، إلى أن قالت عائشة: "ولم يكن يبايع (عليّ) تلك الأشهر"(1).

ورواه مسلم في صحيحه، قال: حدّثني محمّد بن رافع، حدثنا حجين، حدّثنا ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة(2)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى(3)، وابن حبان في صحيحه(4) .

لماذا لم يبايع الإمام عليّ(عليه السلام) أبا بكر:

نحن إذا سلّطنا الضوء على موقف الإمام عليّ(عليه السلام) الرافض لخلافة أبي بكر نجد أنّ هذا أمر مصيري ومهم، جرى بالتدقيق والتعمّق من جهتين:

الأولى: أهمّية هذا الرفض في نظر الشريعة والتكليف الإلهي.

الثانية: أهميّة هذا الرفض من جهة الجانب الروحي والنفسي والاجتماعي للمسلمين بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

الجهة الأولى:

____________

1-صحيح البخاري 3: 80 ، ح4240 ـ 4241 .

2-صحيح مسلم 3: 1106، ح1759 .

3-السنن الكبرى 6: 489، ح1759 .

4-صحيح بن حبان 11: 153، ح4823 .


الصفحة 54

إنّ من تتبع كلام الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يجده قد أعطى لكلام وموقف الإمام عليّ(عليه السلام) مقاماً ومنزلة بموجبها يكون فعله(عليه السلام) ذا قيمة ووزن شرعي، لا يمكن التنازل عنه، ولا تصح مخالفته ; لأنّه يكون مخالفة للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) .

جاء في مسند أبي يعلى الموصلي، أنّه قال: حدّثنا محمّد بن عباد المكي، حدّثنا أبو سعيد عن صدقة بن الربيع، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: كنّا عند بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في نفر من المهاجرين والأنصار، فخرج علينا فقال: "إلاّ أخبركم بخياركم؟" قالوا: بلى، قال: "خياركم الموفون المطيّبون، إنّ الله يحب الخفيّ التّقيّ"

قال: ومرّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فقال: "الحقّ مع ذا، الحقّ مع ذا"(1)

ورواه ابن عساكر في تاريخه(2)، والمتقي الهندي في كنز العمال(3)، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: "رواه أبو يعلي ورجاله ثقات"(4).

فالحق إذن مع عليّ(عليه السلام)، فأيّ فعل فعله الإمام عليّ(عليه السلام) فهو حقّ، ومن الأفعال التي فعلها الإمام عليّ(عليه السلام) أنّه رفض مبايعة أبي بكر، ففعله هذا حقّ، وهذا يعني أنّ مبايعة أبي بكر ليست بحق، وهل غير الحقّ إلاّ الباطل؟!

فخلافة أبي بكر خلافة غير شرعية، وقد تثير هذه النتيجة حفيظة البعض، ويراها نتيجة بعيدة عن الواقع، إلاّ أنّنا كلّ ما قمنا به هو أنّا جمعنا بين قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي رواه أهل السنّة في كتبهم وبأسانيد صحيحة، وبين فعل الإمام عليّ(عليه السلام) وهو ما رووه أيضاً في كتبهم بأسانيد معتبرة وصحيحة، فلم نعتمد في استدلالنا إلاّ على رواياتهم المعتبرة، وهذا حقّ طبيعي يجب أن يمارسه كلّ إنسان

____________

1-مسند أبي يعلى الموصلي 1: 451، ح1047.

2-تاريخ مدينة دمشق 45: 449، ح9024.

3-كنز العمال 11: 285، ح33015.

4-مجمع الزوائد 7: 337، ح12027.


الصفحة 55

يبحث عن الحقيقة، ويتحرّى الموضوعية في استنتاجاته، فعندما جمعنا بين هذين الأمرين وجدنا أنّ النتيجة الطبيعة لهما أنّ خلافة أبي بكر في واد غير وادي الحقّ.

الجهة الثانية:

أهمية رفض الإمام عليّ(عليه السلام) لخلافة أبي بكر من الجانب النفسي والاجتماعي المسلّمين.

إذا تأمّلنا في وظائف خليفة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تكون بعهدته قيادة المجتمع الإسلامي، نجد أنّ رفض الإمام عليّ(عليه السلام) لخلافة أبي بكر أمر طبيعي، أعني: لابد منه ; وذلك لأنّ المجتمع الإسلامي قد تعرّض لهزّة عنيفة من الجانب النفسي والروحي عند فقد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اعتادت الأمّة الإسلاميّة على وجوده بينها، فإنّه كان دائماً يبعث روح الأمل والمقاومة والاستقامة في نفوس المسلمين، بحيث كلّما ضعفت عزائمهم وقواهم يستمدّون من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)العزم والاقتدار.

وكذا من الجانب الاجتماعي، فقد تعرّض المسلمون لصدمة بفقده(صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّ المسلمين اعتادوا على رجل يحل لهم كلّ قضاياهم ومشاكلهم العبادية والمعاملاتية، ويمثّل مصدراً معرفياً أصيلا بارتباطه بالسماء.

ففقد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان ضربة شديدة وخسارة عظيمة للأمّة الإسلاميّة، تلك الأمة التي تريد أن تحمل مشعل الهداية الإلهية إلى كافّة البلدان، ولكل الأجيال على مدى التاريخ من دون تلكأ أو تعثّر ; لأنّها الرسالة الخالدة التي ختم بها الله تعالى كافّة الأديان وجميع الرسالات.

فإذا أخذنا بنظر الاعتبار هذا الدور الريادي للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على كافة المستويات ـ الذي قصدته الأمة الإسلاميّة بفقد قائدها العظيم، وأصبح هاجساً يقلق الضمير الإسلامي الحي، نجد من الضروري أن يكون هناك شخص هو الأقرب لصفات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الروحية والخلقية والعلمية، وغيرها، بحيث تتمثّل


الصفحة 56

بحركاته وسكانته أفعال الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبكلماته ومواقفه يملأ الفراغ الذي خلّفه فقد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الروح الإسلاميّة.

فوجود هكذا شخصية أمر ضروري ولابد منه، هذا مع غض النظر عن الكثير من القضايا التي توجب وجود هكذا إنسان بهذه الصفات والكمالات والمؤهلات.

فإذا تأملّنا بالآيات القرآنية والنصوص النبوية، نجد أنّ هكذا شخص قد بُيّن بصورة واضحة غير قابلة للشك أو الترديد، قال تعالى في آية المباهلة: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(1).

قال الحاكم النيسابوري: "قد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عبّاس وغيره أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ يوم المباهلة بيد عليّ وحسن وحسين وجعلوا فاطمة وراءهم ثمّ قال: هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا فهلموا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم، ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين"(2).

وقال الجصاص في أحكام القرآن: "فنقلة رواة السير ـ ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه ـ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة ـ رضى الله عنهم ـ ثمّ دعا النصارى الذين حاجّوه إلى المباهلة"(3).

فعلي(عليه السلام) نفس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بنص القرآن الكريم، فمن أولى بخلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه أو غيره؟!

إلى غير ذلك من فضائل الإمام عليّ(عليه السلام) ومناقبه التي ملأت الكتب وتناقلها العدو والصديق، وألّقت فيها الكتب والرسائل، فكل هذه الفضائل ـ غير التي نصت

____________

1-آل عمران (3) :61.

2-معرفة علوم الحديث: 48.

3-أحكام القرآن 2: 18.


الصفحة 57

وصرحت بأحقيّته بالخلافة ـ تؤكد أنّ الذي يمكنه أن يحافظ على الرسالة الإلهية بعد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو عليّ(عليه السلام) فإذا جمعنا بين وظائف ومهام من يخلف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية نجد أنّ الخلافة حقّ طبيعي وضروري للإمام عليّ(عليه السلام)، فعندما يتصدّى شخص آخر لهذا المنصب الخطير فمن حقّ الإمام الشرعي، بل الذي لابدّ منه أن يبدي اعتراضه على هذا الأمر.

ومن خلال ما تقدم نخرج بنتيجة لا مفر عنها وهي:

إنّ مسالة رفض الإمام عليّ(عليه السلام) لخلافة أبي بكر ليست مسألة شخصية، أو ذوقية، أو رأي ارتجالي، بل هي قضية شرعية فرضتها الآيات القرآنية والكلمات النبوية، وضرورة اجتماعية ونفسية للأمة الإسلاميّة.

فعندما جمع "جعفر حسين" بين هذه الروايات التي رواها أهل السنّة بأسانيد صحيحة ومعتبرة وقايس بينها بنظرة جدّية وموضوعية بعيداً عن التعصب الأعمى الذي يغلق نوافذ الفكر على نور الحقيقة توصّل إلى أحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)فاعتنق هذا المذهب ورأى فيه المذهب القادر على قيادة المجتمع الإسلامي إلى كمالاته وتطلعاته بصورة صحيحة من دون انتكاسات أو تلكآت وهو المذهب الذي أوصى به صاحب الرسالة محمّد الأمين(صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 58

(9) جنّت حسين جنّتي

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1399هـ (1979م) في باكستان بكشمير قرية بارل، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، فتمسّك بمذهب آبائه من منطلق التقليد، واستمرّ به الحال على هذه الوضعية في الصعيد الديني، وهو غير ملتفت بصورة جادة إلى مسألة الاختلافات المذهبية، وتعدّد الفرق في داخل الدائرة الإسلاميّة وضرورة البحث للعثور على الفرقة الناجية، ولكنّه مع ذلك كان على اتصال جزئي بأتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ولم يكن المذهب الشيعي عنده غريباً ; لأنّ خاله كان شيعياً، وكان بعض الأحيان يذهب مع خاله إلى مجالس الشيعة، ولكنه لم يكن له إلمام بأبعاد الاختلافات العقائدية بين السنّة والشيعة.

الداعي الأوّل للاستبصار:

كان "جنت حسين" يقدّس كثيراً شخصية الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وكان معتقداً بأنّه الشخصية الجامعة لكل الفضائل حسب ما كان العلماء يملون عليه.

فذهب ذات يوم مع خاله إلى إحدى المجالس الحسينيّة، فسمع الخطيب يبيّن الأحداث التاريخية التي وقعت بعد التحاق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق لأعلى: . . . امتنع عليّ بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر، فبعث أبو بكر عمر إليه وإلى من كان


الصفحة 59

معه في دار عليّ ولم يبايعوا، فجاء عمر فنادى وطلب منهم الخروج من الدار، فأبوا، فدعى عمر بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها.

فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة! فقال: وإن!(1).

فجاءت فاطمة الزهراء خلف الباب وقالت: يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة.

ثمّ هجم القوم على الدار، فدفع عمر بن الخطاب الباب، فلاذت الزهراء وراء الباب، فعصر عمر الباب بحيث ألقت الزهراء جنينها من بطنها، ثمّ صاح عمر: أحرقوا دارها بمن فيها!(2).

وتجرّعت الزهراء ما تجرّعت من عمر بن الخطاب حتّى قالت له ولأبي بكر ذات يوم عندما جاءا لزيارتها: أرايتكما إنّ حدّثتكما حديثاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تعرفانه وتفعلان به؟

قالا: نعم.

فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: رضى فاطمة من رضاى وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟

قالا: نعم، سمعناه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قالت: فإنّي أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ، لأشكونكما إليه...، ثمّ قالت لأبي بكر: والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أُصلّيها(3).

____________

1-اُنظر: الإمامة والسياسة، ابن قتيبة 1: 30.

2-اُنظر: الملل والنحل للشهرستاني 1: 57.

3-اُنظر: الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري: 1: 21.


الصفحة 60

الاندفاع نحو البحث والتحقيق:

يقول "جنت حسين": لم أصدّق ما ذكره الخطيب حول مواقف عمر بن الخطاب ومواجهته مع أهل البيت(عليهم السلام) ولاسيما مع فاطمة الزهراء بهذه الصورة القاسية. فلهذا توجهّت نحو البحث ومراجعة المصادر، وكان لي صديق شيعي فراجعته واستفسرت الأمر منه ودار بيني وبينه حوارات ومناظرات كثيرة، وقلت له: إنّ أثبتّ لي بأنّ عمر بن الخطاب قام بهذه الأفعال فأنا سأتشيع، وبعد فترة قصيرة وجدت أمامي كماً هائلاً من المصادر السنيّة المعتبرة المثبته لهذه الحقيقة، منها وجدت في كتاب "الفاروق"باللغة الأردوية ومؤلّفه الشبلي النعماني وهو أحد السنّة المتعصّبين يعترف ويقول حول ضرب عمر للزهراء: "إنّ هذا الأمر ليس بعيداً عن عمر"، فاستغربت من كلامه هذا على رغم تعصّبه وتقديسه لعمر بن الخطاب.

فحملت هذه المصادر وذهبت إلى علمائنا في منطقتنا، فوجدتهم يتكلّؤون أمام هذه القضايا، ويحاولون الهروب منها وعدم البحث حولها، بل اكتشفت أكثر من ذلك أنّ علماءنا يحاولون إخفاء الكثير من الحقائق عنّا، ولاسيّما الأمور المرتبطة بالصحابة واختلافاتهم والمشاجرات والحروب التي وقعت بينهم.

إعلان الاستبصار:

يقول "جنت حسين": تبلورت قناعتي الكاملة بأحقّيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1416هـ (1996م) فاستبصرت وبقيت مدّة خمس سنوات لم أعلن استبصاري، وقمت في هذه الفترة بالتسلح الكامل بالأدلّة والبراهين ; لأنّني كنت أعلم بأنّني سأواجه بعد الاستبصار العديد من الأسئلة العقائدية حول أدلّة استبصاري، ولابدّ لي من الاستعداد لتلك المرحلة، وفي عام 2001م أعلنت استبصاري في كشمير، وأوقفت حياتي لخدمة مذهب التشيّع، ونشر علوم ومعارف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وأوّل مابذلت جهدي في داخل دائرة أسرتي، فأثمر


الصفحة 61

هذا الجهد بعد فترة، وكانت ثمرته استبصار اخوتي وعمّتي وأولاد عمّتي، ثمّ توجّهت نحوالتبليغ والدعوة، ثمّ سافرت إلى إيران والتحقت بالحوزة العلمية لأنهل المزيد من علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)، ولأكون على أتمّ الاستعداد لتطهير القلوب من العقائد الباطلة والأفكار المنحرفة.


الصفحة 62

(10) خالد برويز خواجه

(سنّي / باكستان)

ولد في باكستان بمدينة (دادنخان)، وتخرّج من كلية الطب، وعمل رئيساً لإحدى المستشفيات الرسمية.

استبصاره:

انتقل إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد بحث علمي طويل وتتبع مستمر في المصادر الدينية حول مسألة الوضوء، إذ رأى أن الاختلاف بين المسلمين في هذه المسألة يبدو غير طبيعي، إذ أنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتوضأ يومياً عدّة مرات أمام صحابته، ومع ذلك نرى الاختلاف العظيم بين المسلمين في هذه المسألة الواضحة والتي كان يجب أن لا يحدث فيها اختلاف بين المذاهب.

وكان نتيجة بحثه التوصّل إلى أنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وخصوصاً في مسألة مسح الأرجل، وأنّ الشيعة هم الملتزمون بسنة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيرهم الذين يتبعون سنة خلفائهم ولو على حساب السنة النبوية الشريفة.

وبعد اطمئنانه بما توصّل إليه أعلن تشيّعه لآل البيت(عليهم السلام) ودعا والديه وزوجته وبقية أفراد عائلته إلى التشيع، فتشيعوا أيضاً واهتدوا إلى الصراط المستقيم، ولا زال مُبلغاً لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) لا يمنعه عائق، ولا يوقفه مانع.


الصفحة 63

الوضوء بين سنّة الرسول وبدع المبتدعين:

أقام الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) دينَ الإسلام على أسس ثابتة وبناء راسخ، ولم يترك في منظومة قوانين الإسلام وأحكامه خللاً أو صدعاً يمكن ان ينفذَ منه المنافقون أو المعاندون لهدم ما أسسه أو تخريب ما بناه.

وكان من شروط إتمام الرسالة، والمحافظة على ما تمّ تأسيسه هو تعيين الخليفة والوصي الذي يقوم بدور الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته، وقد فعل ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله وعيّن علي بن أبي طالب(عليه السلام) وصياً له وخليفةً على المسلمين ليقوم بإمامة المسلمين، ويحفظ كيان الإسلام بعد رحيل الرسول إلى بارئه من أعدائه الذين يكيدون له من الخارج والداخل.

لكن الذي وقع بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن المسلمين تركوا الوصي والخليفة الشرعي واختاروا شخصاً آخر ليتسلم مسند رئاسة المسلمين ويدعي الخلافة باطلاً بدل من عيّنه الله ورسوله خليفة للمسلمين، فكانت النتيجة أن تضيع أركان الدين تدريجياً، وتتهدم الشريعة الغراء حكماً فحكماً.

وكان من الأحكام التي تعرّضت للتحريف البيّن، والاختلاف الشديد هي أحكام الوضوء التي كانت واضحة المعالم والأجزاء والتفاصيل أيام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان يمارس الوضوء أمام المسلمين يومياً صباحاً ومساءاً، حضراً وسفراً ويرشدهم إلى أحكامه، ويصحح أخطاءهم في تطبيق أحكام الوضوء حتّى توفيّ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، والمسلمون على وضوء واحد كما علّمهم بدون اختلاف أو زيادة أو نقيصة.

لكن الاختلاف في الوضوء بدأ يدبّ دبيب النمل قليلاً قليلاً بعد وفاته إلى أن اتسعَ الخرقُ وصار واضحاً ملموساً لكلّ مسلم، ففي زمان عمر بن الخطاب بدأ الانحراف عن وضوء رسول الله بأمر عمر لبعض المسلمين بالمسح على الخفين ثُمّ انتشر هذا الخلاف بين المسلمين فيما بعد وصار حكماً تتبناه المذاهب الأربعة


الصفحة 64

رغم معارضة الصحابة لعمر في هذا الأمر في وقته(1).

لكن المصيبة الأكبر كانت في زمان عثمان بن عفان الذي كان يتبنى سياسة وضوئية تحريفية متعمدة ليفتح لنفسه ولبني امية باباً من البدعة يثبت به وجودهم مقابل السنة النبوية الشريفة، فعثمان كان قد قبل الخلافة على أساس العمل على سيرة الشيخين لكنه في النصف الثاني من فترة حكمه رأى لنفسه شأناً ومكانة لا تقل عن مكانة الشيخين اللذين سبقاه في الحكم، فصار يُحدث في الدين أحداثا بدعية(2) وهو يرى أنّ الحق معه في ذلك(3) كما فعل الشيخان سابقاً، لكن الذي حصل أنّه تدخل في أمور لا تحتمل الخلاف في السنة النبوية ولم تساعده سياسته الضعيفة على تحريفها بسهولة، وكان الوضوء من جملة الأمور التي أعمل فيها سليقته الشخصية ثُمّ نسبها إلى رسول الله(4) حيث نراه أبدل مسح الأرجل بغسلها وجعل الغسلات ثلاثية وكانت في زمان الرسول ثنائية حيث نراه أخذ جانب الإفراط في التنظيف والانقاء بينما الوضوء هو فرض إلهي وسنة نبوية تراعي أضعف المكلفين وليس الحكمة منها هو التنظيف من الأوساخ وانّما التنظف يجب أن يحصل قبل فعل الوضوء الذي هو طهارة ذات أبعاد معنوية عظيمة.

وقوف الإمام علي(عليه السلام) في وجه الانحراف:

وقف الإمام علي(عليه السلام) في وجه الانحراف الذي حصل في زمان الخلفاء الذين حكموا قبله، وذلك بالنصيحة وبيان الحق والتعريف بالسنة النبوية الصحيحة

____________

1-اُنظر: تفسير العياشي 1: 297، ح46، والدر المنثور 2: 263.

2-كاتمام الصلاة في منى، اُنظر مسند أحمد 4: 94، فتح الباري 2: 471 والغدير 8: 98، وكزيادته النداء الثالث في يوم الجمعة، اُنظر صحيح البخاري 1: 219، والغدير 8: 126، وكتقديمة الخطبة على الصلاة في العيدين، اُنظر فتح الباري 2: 376.

3-تاريخ الطبري 3: 322 ـ 323.

4-اُنظر كنز العمال 9: 436، حديث 26863 ـ 26890.


الصفحة 65

التي لا لبس فيها، وعندما استلم الحكم حاول محو الانحراف الذي حصل بصورة عامة ومنه محاولته تصحيح الانحراف الذي حصل في الوضوء بعمل الوضوءات البيانية التي تبين وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك استدل باستدلالات تقنع الآخرين وتوصلهم إلى الحق من أقرب الطريق(1).

هذا وقد كانت فترة حكمه قصيرة انشغل فيها بمحاربة أعداء الإسلام المنافقين الذين حاولوا تحريف الإسلام من الداخل، فلم تسمح له الفرصة إلاّ قليلاً لتصحيح ما حصل من انحراف شاسع.

الانحراف مرة أخرى بعد الإمام علي(عليه السلام):

ثُمّ إن بني اُمية لمّا استولوا على الحكم نصروا الانحراف العثماني في الوضوء وبذلوا الأموال الكثيرة لشراء ذمم المتفقهين لوضع الأحاديث والاستدلالات التي يراد منها تثبيت الانحراف الذي أحدثه عثمان في الوضوء، ولم يكتفوا بذلك بل حاولوا تشويه ما ورد عن الإمام علي(عليه السلام) من تصحيح للانحراف ودفاع عن السنة النبوية وذلك بوضع الروايات المزوّرة على لسانه التي تنصر مذهبهم أو تشوه ما قام به من تصحيح وتجعله غير ذا تأثير بتكثير الاحتمالات واستعمال المرادفات اللغوية(2) لتمييع دلالات الروايات التي نقلها كما هي طريقتهم وسنتهم معه في كُلّ ما ورد عنه من فقه وأحكام وعقائد.

ثُمّ إن معاوية زاد في الطين بلةً على الانحراف العثماني في الوضوء وصار يغسل رأسه بالإضافة إلى غسل رجليه مع أنّ إجماع المسلمين وصريح دلالة آية الوضوء على مسح الرأس لكن فقهاء السوء قبلوا بغسل الرأس إكراماً لمعاوية وإن قالوا أنّه مكروه(3).

____________

1-المصنف 1: 30، ح6 و208، ح43، سنن أبي داود 1: 44، ح164.

2-أُنظر كنز العمال 9: 447، ح26907، شرح مسلم للنووي 3: 105 ـ 110.

3-فتح الباري 1: 258.


الصفحة 66

وحين استولى بنو العبّاس على حكومة المسلمين ثبتّوا الانحراف الأموي السابق واستفادوا منه في معرفة الثابتين على السنة النبوية الشريفة(1) وهم الشيعة الإمامية الذين صاروا يرون فيهم أعداءاً خطرين ومنافسين صعبين وذلك لأن أساس الدعوة العبّاسية قام على المطالبة بحق آل محمّد الذي غصبه الحكام السابقين، لكن بعد استلام العبّاسيين للسلطة دفعوا آل محمّد الذين وصّى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بهم عن الأمر وصاروا يرون حكومة المسلمين أمراً خاصاً بهم لقضاء شهواتهم وتلبية أهوائهم.

وهكذا كانت طريقة وضوء الشيعة التي هي وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وسيلة لمحاربتهم وتصفيتهم والقضاء عليهم نتيجة هوى الحكام في إبعاد الأمة عن سنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

____________

1-رجال الكشي: 312 رقم 564 وعنه في وسائل الشيعة 1: 443، ح1172، التهذيب 1: 82 ح214، الاستبصار 1: 71 ح11219، الإرشاد 2: 227.


الصفحة 67

(11) غوث بخش كهوكهر

(سنّي حنفي / باكستان)

ولد عام 1358هـ (1940م) في (جاه حسين وآله) بباكستان، درس بعد استبصاره لمدة سبع سنوات في معهد (ضلع مظفر كهر)، ثُمّ هاجر إلى النجف الأشرف للدراسة في الحوزة العلمية.

طريقي إلى الاستبصار:

يقول "غوث بخش": كانت لي رغبة قوية في طلب العلم، وكنت أطالع الكتب الدينية بشوق واهتمام، فوقع ذات يوم في يدي كتاب عنوانه (تعليم الإسلام)(1)، وهو كتاب قد وضعه مؤلفه ليدرّس في المدارس الابتدائية، بدأت بمطالعة الكتاب فوجدت فيه تراجم مفصلة للخلفاء الثلاثة الأوائل، وعندما تعرض الكتاب لترجمة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وجدته قد اكتفى بالنزر اليسير، فلفت هذا الأمر انتباهي، وتعجبت منه، وتساءلت مع نفسي: ما الفرق بين الخلفاء الراشدين حتّى يتصرف مؤلف الكتاب بهذا الشكل؟ فالإمام علي(عليه السلام) لا يقل عن الخلفاء الثلاثة إن لم يكن أفضل منهم بمواقفه المشهورة وبطولاته المحمودة، ونسبه الرفيع، فهو من بني هاشم وابن عم النبي صلّى الله عليه وآله!

____________

1-تأليف مفتي كفاية الله.


الصفحة 68

صادف بعد ذلك أن زارني في بيتي أحد السادة الكرام الذين ينتهي نسبهم إلى البيت العلوي الشريف، فدار بيننا حوار حول الأمور الدينية والمذهبية فسألني ذلك العالم عن مذهبي، فاجبته إني على مذهب الإمام أبي حنيفة، وسألني من هو إمامك؟ فقلت: أما إمامي الأوّل: فأبو بكر، والثاني: عمر، والثالث: عثمان، والرابع: علي، والخامس: معاوية، والسادس: يزيد، فتأوه السيّد وقال: يزيد قاتل الحسين(عليه السلام) سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إمامك، ثُمّ أخذ يسرد لي جرائمه ويصف لي أحواله، فأخذني الهم والغم، وصرت أفكر في كلامه، فقال لي: إن كنت تريد الجنّة، فتمسّك بعلي(عليه السلام) وأولاده المعصومين فقط ، فهم الثقل الموازي للقرآن، ودع عنك بني أمية وأشباههم، ثُمّ قال لي: إذهب وحقّق الأمر بنفسك، فستجد صحة ما أقوله لك وهو عين الصواب. وبالفعل واصلت مطالعاتي.

شخصية يزيد بن معاوية:

وجد غوث بخش بأنّ يزيد من الشجرة الملعونة في القرآن، وهم بني أمية، وقد قال تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ }(1) الأصل كلّه ملعون، من الجدود إلى الأحفاد، من أمية إلى آخر الفروع ويزيد هو الفرع الأفسد، الغصن الأنتن، حيث قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على عهدة رواية صاحب الصواعق المحرقة ـ : "أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له: يزيد"(2).

ويزيد هو ابن معاوية رأس الفئة الباغية، فقد (تواترت الأحاديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن عماراً تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنّه قُتل مع علي بصفين)(3)،

____________

1-سورة الإسراء (17) : 60.

2-الصواعق المحرقة 2: 632، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.

3-الإصابة ـ ابن حجر العسقلاني 4: 474.


الصفحة 69

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)(1).

ويزيد حفيد (هند)، وهند كانت زانية، وذكر بعضهم أنها كانت من ذوات الأعلام(2)، لا ترد أحداً، ولا تمنع لامساً. وذكروا: "أنّه لما كان يوم فتح مكة، بايعت النساء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونزلت الآية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ...}(3) ـ فأخذ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عليهن الشروط الواردة في هذا الآية ـ إلى أن قال: "ولا يزنين"، قالت هند: "وهل تزني الحرّة؟ فتبسم عمر بن الخطّاب..."(4) وهند آكلة الأكباد، لفظ فوها كبد حمزة، وشربت دمه، ثُمّ قطعت أصابع يديه ورجليه، وجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وجعلت ذلك خيط كالقلادة في عنقها(5).

وإلى هذا الموقف أشارت زينب الكبرى عقيلة بني هاشم في خطبتها عند مواجهتها ليزيد: "وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء"(6).

يزيد الذي لا يعرف الإسلام، كان كفره صريحاً فانشد قائلاً:


لعبت هاشم بالملك فلاخبر جاء ولا وحي نزل(7)

وكان قد نشأ في أحضان النصارى، عند أخواله بني كلب في (حوّارين) وقضى معظم أيام حياته هناك أيضاً لاهياً بشرب الخمور، ومتشاغلاً بارتكاب الفجور، هذا ولم يكتف يزيد بقتل الحسين(عليه السلام) وأولاده وأصحابه، بل ارتكب من الجرائم ما

____________

1-ابن أبي الحديد في نهج البلاغة 4: 32 و15: 176، تاريخ الطبري 8: 186.

2-ناسخ التواريخ: 329.

3-سورة الممتحنة (60) : 12.

4-تفسير مجمع البيان 9: 457.

5-عمدة القاري 17: 143، شرح نهج البلاغة 15: 12، عين العبرة في غبن العترة لابن طاووس: 57، بحار الأنوار 20: 55 .

6-اللهوف: 106، بحار الأنوار 45: 134.

7-تاريخ الطبري 8: 187، اللهوف: 105.


الصفحة 70

يندى له جبين الإنسانية، فقد انتهك حرمة رسول الله في واقعة الحرّة بالمدينة المنورة، حيث أباح المدينة ثلاثة أيام، فدخل القوم المدينة، وجالت خيولهم فيها يقتلون وينهبون ويستبيحون النساء، حيث انتهكت ألف عذراء، وحملت سبعمائة أمرأة من زنا أفراد جيش الشام، وأُخذت البيعة من الباقين ـ وفيهم أولاد الصحابة من المهاجرين والأنصار ـ على أنهم خول (عبيد) ليزيد يقضي فيهم ما يشاء، ومن رفض ضرب عنقه(1).

ثمّ بعث جنود رموا الكعبة البيت الحرام بالمنجنيق، وحرقوها بالنار(2).

وصف عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة) يزيد، فقال: فوالله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح الأمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة(3).

وقال الإمام الحسين(عليه السلام) مخاطباً والي المدينة (... ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله)(4).

اتّباع الحقّ:

ويضيف غوث بخش: تتبعت ذكر أهل البيت(عليهم السلام) في الكتب، فوجدت أنّ علمائنا يمارسون بتر الحقيقة، ويخفون الفضائل العظيمة لأهل البيت، فعرفت أن الحقّ مع الشيعة في ولائهم المطلق لآل البيت(عليهم السلام) فالتحقت بركبهم، وتمسّكت بولايتهم، وكان ذلك في سنة 1376هـ، وقد دفعني حبّي لمولاي الإمام علي(عليه السلام)، أن أختار لنفسي اسم (غلام علي) والحمد لله على الهداية.

____________

1-تاريخ الطبري 4: 379.

2-الوافي بالوفيات 13: 56 .

3-تاريخ الإسلام 5: 27.

4-اللهوف: 17.


الصفحة 71

(12) خورشيد حسين

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1378هـ (1959م) ، في مدينة "سيالكوت"، ونشأ في أسرة تنتمي للمذهب الحنفي، ثمّ اتخذ التوظيف الحكومي عملاً له في "لاهور".

اختار مذهب الشيعة الإمامية لعدم وجود أدلة مقنعة على صحّة خلافة الخلفاء ـ كما قال ـ وأنّ الخلافة حسب نظرية أهل السنّة ليست إلاّ رئاسة دنيوية لا صلة لها ابداً بالله تعالى، والخلفاء ملوك كملوك الدنيا.

أمّا بحسب قول الشيعة فإنّ الإمامة يتمّ تحديدها من قبل الله تعالى، والأئمّة هم حجج الله في الأرض.

ويقول "خورشيد حسين" وصلت من خلال الأدلّة إلى القناعة التامّة بأنّ الخلافة كالنبوة لا تثبت إلاّ بجعل من الله تعالى وتعيينه، وأنّ الإمام يتم تنصيبه من قبل الله تعالى وليس للناس حقّ في نصبه وتعيينه، والذي حصل في واقعة الغدير عند تنصيب الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) علياً(عليه السلام) إماماً من بعده ليس إلاّ تبليغ ما أمره الله تعالى به.

ويضيف "خورشيد حسين" ويشترط أيضاً في الإمام العصمة ; لأنّ الإمام هو الجهة الوحيدة التي تحفظ ما جاء به الرسول، وتصونه من التحريف والتغيير.

وعلى هذا الأساس لم يكن أحداً مؤهّلا لهذا المنصب الإلهي غير أمير


الصفحة 72

المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) فهو الإمام المعصوم بالحق وخليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بلا فصل، وهذا ما دلّ عليه العقل والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

الإمامة عند الشيعة:

قال الشهيد الثاني(1) حول الأدلّة العقلية على الإمامة، بما نصّه: "اعلم أنّ أهل السنّة أوجبوا الإمامة كالإمامية، لكّنهم حكموا بأنّ وجوبها على الأمة سمعي لا عقلي، وحكم المعتزلة الزيدية بأنّ وجوبها على الأمة عقلي لا سمعي، وحكم الإمامية بأنّ تعيين الإمام واجب على الله تعالى ; لأنّها لطف واللطف واجب على الله تعالى.

أمّا أنّها لطف، فلأن الناس إنّ كان لهم رئيس عام يمنعهم عن المعاصي، ويحثّهم على الطاعات، كانوا معه إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد. ولا نعني باللطف سوى ذلك.

وأمّا أنّ اللطف واجب على الله تعالى ; فلأنّ غرضه الذي هو إطاعة العباد لا يحصل إلاّ به، فلو لم يخلق اللطف فيهم، ولهم لكان ناقضاً لغرضه، ونقض الغرض عبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وانحصار هذا اللطف في الرئيس العام معلوم للعقلاء، وينّبه عليه الوقوع فإنّا نجد أنّه متى تكثّرت الرؤساء في عصر كثر الفساد، وإذا خلا الناس في قطر من الأقطار عن رئيس ظلم بعضهم بعضاً، وانتشر الفساد والفتن بينهم.

ويؤيّد ذلك أيضاً ما روي عن عليّ(عليه السلام) قال: "لا يخلو الأرض من قائم بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته" انتهى.

فوجود الإمام لطف من الله تعالى وقد فعله سبحانه. وانّما كان هذا اللطف واجباً على الله تعالى ; لأنّ إيجاد إمام يكون عام الرئاسة والشريعة أقرب إلى

____________

1-وهو الشيخ زين الدين العاملي، من أكابر فقهاء الشيعة.


الصفحة 73

الصلاح في أمور معاشهم ومعادهم، وأبعد عن الفساد فيهما بسبب وجوده وعصمته،وليس مقدوراً للعباد لخفائها عنهم وخصوصاً العصمة، فلابدّ أن يكون المعيّن له هو الله سبحانه.

وظهوره وتصرّفه لطف آخر، وهو واجب على العباد ; لأنّه موقوف على تمكينهم له، وقد أخلّوا به حيث أخافوه بسوء اختيارهم لغيره ورفع يده عن التصرّف الذي كان ينبغي له"(1).

مرحلة الاستبصار:

ومن هذا المنطلق استحوذت عقيدة الشيعة على قلب "خورشيد حسين"، فترك انتمائه الموروث، وحالة الانغلاق الفكري التي كان يعيشها ويصنعها بتأثر، وانطلق معتقداً بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) الذين هم بحق سفن النجاة وقادة الأئمّة.

____________

1-حقائق الإيمان: الشهيد الثاني ص153 ـ 155.


الصفحة 74

(13) ذاكر حسين طاهري

(حنفي / باكستان)

وُلَد سنة 1394هـ (1975م) في مدينةِ فيصل آباد بباكستان، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي من مذاهب أهل السنة، وقد التحق بالحوزة العلمية بعد استبصاره.

التعامل بين الشيعة والسنّة:

يعيشُ المسلمون شيعة وسنة في مدينة فيصل آباد أخوة متحابين ـ كما هو الحال في أكثر أرجاء العالم الإسلامي ـ على الرغم من مخططات الاستعمار الغربي في بثّ الفرقة الطائفية بين المسلمين بتقوية المذاهب الهدامة التي تفرق بين المسلمين.

وقد كان "ذاكر حسين" يعيش في محلة "الشيخ موسى"، وكان في هذه المحلّة أيضاً شيخ شيعي اشتهر بسعة العلم، وقوّة المناظرة، وحلاوة الخطاب.

هذا وقد صادف أن التقى به "ذاكر حسين" وجرت بينهما مناظرة حول المسائل الخلافية بين المسلمين ولا سيما في خصوص مسألة الخلافة، فتأثّر "ذاكر حسين" بهذا الشيخ واطلّع عن طريقه على أدلة الشيعة في هذا المقام كآيات الولاية، والمباهلة، والتطهير، وغيرها وكأحاديث الغدير، والمنزلة، والطير، وغيرها، فوجد أنّ هذه الأدلة قويّة وشيّقة وقد وردت أيضاً في كتب أهل السنة


الصفحة 75

متناً وشرحاً، وتأويلاً وتفسيراً، فما كان منه إلاّ أن يقبل الحق، ويترك الشك والتردّد، ويختار ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وولاية أولاده المعصومين(عليهم السلام) على رغم المصاعب التي واجهته من فراق بعض الأهل والأحبّة الذين لم يدركوا معنى ولاية علي(عليه السلام).

آية الولاية تبين المصداق الأفضل للذين آمنوا:

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}(1)، فذكر أنّ الوليّ هو الله ورسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

هذا وقد ورد في القرآن آيات متعدّدة تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بشكل متلازم قال تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ}(2)، {وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}(3)، {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}(4)، {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ}(5)، {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}(6)، {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}(7)، وكان الإمام علي(عليه السلام) المصداق الذي تقبل الله عمله حيث تقبل صلاته

____________

1-المائدة (5) : 55 ـ 56 .

2-البقرة (2) : 43.

3-البقرة (2) : 177.

4-مريم (19) : 31.

5-الحج (22) : 41.

6-الحج (22) :78.

7-المجادلة (58) : 13.


الصفحة 76

وزكاته في حال الركوع(1) لتتجسّد أجمل صورة من تلازم الصلاة والزكاة أتى بها عبدٌ من عباد الله، والتي كان لها أثر مهم في تنصيبه لمسند الولاية الإلهية فالولي وفق الآية هو الذي آمن بإخلاص وأدى ما عليه على أفضل وجه ليكون جديراً أن يجعله الله الأولى بالتصرف، ويجعل له ولاية من جنس ولاية الله ورسوله.

هذا وفي آية النجوى(2) التي توجّه الخطاب أيضاً بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، كان الإمام علي(عليه السلام) هو الذي عمل بمفاد هذه الآية دون غيره فقدّم بين يدى نجواه مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) صدقة، واستنكف الآخرون، فمن هنا كان للإمام علي(عليه السلام)سابقة خالصة لوجهه تعالى في أداء الزكاة في وقت أشفق الآخرون على أموالهم.

قال الإمام علي(عليه السلام): إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها بعدي آية النجوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلّما ناجيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قدمت بين يدى نجواي درهماً ثمّ نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات...}(3).

____________

1-وردت روايات كثيرة في النصّ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) بأنّه الولي المقصود في هذه الآية، حيث وردت من طرق العامة اربع وعشرين رواية، ومن طرق الخاصة تسع عشرة رواية، انظر غاية المرام وحجة الخصام 2: 5 ـ 22، الباب الثامن والباب التاسع عشر.

2-المجادلة (58) : 12 ـ 13، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

3-اُنظر جامع البيان للطبري 28: 27، ح26169، أحكام القرآن للجصاص 3: 572، تفسير الرازي 29: 27 الدر المنثور 6: 185.


الصفحة 77

(14) ذو الفقار مسيح

(مسيحي / باكستان)

ولد سنة 1332هـ (1914م) في باكستان في أسرة معروفة بالديانة السيخية، وكانت أسرته قد تحولت إلى الديانة المسيحيّة تأثراً بإرساليات التبشير المسيحي إلى شبه القارة الهندية في أواخر العشرينات من القرن العشرين، عمل موظّفاً في محطّة القطار في "وزير آباد".

استبصاره:

يبدو أنّ اعتناقه للمسيحية في أوائل مراهقته تبعاً لأسرته لم يشفِ غليله الديني، ولم يبلّ هاجسه الروحي، فالمسيحية كما يرى هو دين يوجّه اهتمامه إلى الجانب الروحي، ويقتصر عليه فحسب حتّى يصل به الأمر إلى الدعوة إلى الترهّب والتبتّل والانقطاع عن دنيا الناس.

وبالمقابل كان يرى أنّ الدين الإسلامي ـ الذي توجّه له فيما بعد ـ دينٌ كاملٌ حافلٌ بجميع ما يحتاج إليه البشر في حياته الدينية والدنيوية، وذلك يكون بالسير وفق تعاليم القرآن، واتّباع سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والتمسّك بأهل بيته من الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، والمودّة في قرباه عموماً من الذرّيّة الشريفة والسادة الكرام.