المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 109

الناس أشياءهم.

والواقع أنّ عمر نفسه لم يُسوِّ بين الناس في منزلتهم، فنحن نراه عندما يقسم العطاء يعطي أهل بدر أكثر من غيرهم، ويعطي أهل أحد ـ بعد أهل بدر ـ أكثر من غيرهم، فالناس عنده على مراتب ومنازل في الشرف توجب زيادة العطاء وقلته.

ولكن عندما يتعلّق الأمر بأهل البيت(عليهم السلام) يرفع شعار العدالة لضربهم وتقليل شأنهم في أعين الناس، وفاطمة بضعة الرسول(1)، وأهل البيت(عليهم السلام) هم من رسول الله، ورسول الله منهم.

فهذا الظلم العظيم الذي تعرضّ له أهل البيت(عليهم السلام)، وهذا هو الظلم الفادح لهم، وإليه تشير كلمات الإمام عليّ(عليه السلام): "فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا..."(2).

ويكفينا أن نعلم أنّها ماتت وهي ساخطة عليهم ولم ترض عنهم وقال رسول الله: "رضا فاطمة من رضاي وسخطها من سخطي"(3)، ولا نحتاج لاثبات الأمور الاخرى التي صدرت منهم بحقها ـ وهي صادرة عنهم حقاً ولا بعد فيها أبداً ـ .

وأمّا من يحاول الدفاع عن القوم بنفي بعض الأمور، فهل عميت عينه، وزاغت بصيرته عن رؤية هذا الظلم، وهل طابت نفسه، ورضيت سريرته به؟!!

ما لكم كيف تحكمون؟!...

____________

1-اُنظر: صحيح البخاري 4: 210.

2-نهج البلاغة، الخطبة رقم (3) وهي الخطبة الشقشقيّة.

3-الإمامة والسياسة 1: 20، تحقيق الزيني، بحار الأنوار 28: 357 و29: 627.


الصفحة 110

(20) صفدر حسين شاه البخاري

(حنفي / باكستان)

ولد سنة 1358هـ (1940م) في قضاء "بهله ون" التابع للواء "كجرات" في باكستان، ونشأ في عائلة حنفية المذهب، أكمل الدراسة الابتدائية في المدرسة الإسلاميّة في (كجرات)، ثمّ التحق بالخدمة العسكرية مدّة أربع سنوات، وعيّن بعد ذلك معلّماً لّلغة الفارسية في ثانوية الجمهورية في (كنجاه) من لواء (كجرات) قضى فيها ست سنوات، ثمّ انتقل إلى مدينة (سركودها) ودخل مدرسة (دار العلوم المحمدية) بصفته معلّماً لّلغة الفارسية أيضاً، واشتغل فيها بدراسة العلوم الدينية في نفس الوقت.

دوافع ارتقاء وعيه الديني:

كان "صفدر حسين" يهوى مطالعة الكتب الدينية، وقد حصل له بمرور الوقت رغبة في معرفة المذاهب الإسلاميّة، ودراسة أقوالهم، والتحقق من صحّة هذه الأقوال في أمّهات كتب هذه المذاهب، وعرضها بعد ذلك على القرآن والسنّة الشريفة ; لمعرفة مدى مشروعيّتها حتّى يعتبرها ديناً يتمسّك به المسلم ويحتّج به على الله في يوم الحساب.

وكانت نتيجة تحقيقاته الاهتداء إلى صحّة مذهب شيعة أهل البيت(عليهم السلام)


الصفحة 111

الإمامي الاثنا عشري ; لأنّه المذهب الوحيد الذي يدعمه الدليل في كلّ أجزاء منظومته المتكاملة، ويشهد عليه الوجدان الصافي، وترتاح إليه القلوب السليمة، ولا يمكن أن تكون نتيجة التحقيق العلمي في مثل هذه الأمور إذا رافقه صفاء النية إلاّ الاهتداء وفق المشيئة الإلهية إلى ولاء أهل بيت العصمة والطهارة، ولا غير.

يقول "صفدر حسين" أمعنت نظري في المسائل الخلافية بين الشيعة والسنّة، وفي الأحاديث مثل حديث القرطاس(1) الموجود في أصحّ الكتب عند السنّة بعد كلام الباري، حيث وجدت أنّ الذين كنّا نعتقد بخلافتهم ونقتدي بآثارهم قد غضب عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر ساعة من حياته وطردهم عنه قائلاً لهم: "قوموا عنّى، فلا ينبغي عندي التنازع".

وهكذا كان البحث في بقية المسائل الخلافية حيث وجدت الحقّ مع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فهداني الله إلى طريق الحقّ وسواء السبيل، فاعتنقت المذهب الجعفري الإمامي الاثني عشري.

ملاحظات حول واقعة حديث القرطاس:

1ـ يلاحظ أنّ غضب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن وليد ساعته فقط ، وإنّما كان لغضبه على بعض صحابته أسباباً لها تاريخ طويل من مخالفات متكرّرة منهم.

2ـ إنّ شفقة عمر المدعاة على الإسلام أو على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن لها وجود في موقفه من كتاب أبي بكر في مرضه الذي يوصي له فيه بالخلافة، فقال: اسمعوا

____________

1-في رزيّة يوم الخميس عند ما طلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الأخير قرطاساً ودواة ليكتب كتاباً لا يضلّ المسلمون بعده فمنعه عمر، قائلاً: إنّ رسول الله يهجر!، حسبنا كتاب الله... اُنظر صحيح البخاري 5: 138، باب مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ووفاته، و7: 9، باب قول المريض: قوموا عني، صحيح مسلم 5: 76، آخر كتاب الوصية، مسند أحمد 1: 324، 336.


الصفحة 112

وأطيعوا قول خليفة رسول الله(1)، ولم يشفق على أبي بكر بمثل شفقته المدعاة على الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

ولنعم ما قال الشاعر:

وصى النبيّ فقال قائلهم قد ظلّ يهجر سيّدُ البشر
ورووا أبا بكر أصاب ولم يهجر وقد أوصى إلى عمر(2)

3ـ إنّ قول عمر: "حسبنا كتاب الله" غير صحيح أبداً ; لأنّ القرآن نفسه صرح بالقول: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ}(3)، وفراسة عمر بكفاية كتاب الله أراد بها منع الوصية لعلي(عليه السلام) سيّد العترة التي ورد التمسّك بها مع كتاب الله في حديث الثقلين بقرينة "لن تضلوا" التي ذكرها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الموقف وفي حديث الثقلين، ثمّ إنّ عمر هل كان أعلم من الرسول بكفاية كتاب الله، والرسول يريد أن يكتب كتاباً يمنع به الضلال بعده، وهل أنّ كتاب الله نزل على رسول الله أم على عمر الذي أسلم في السنة السادسة من البعثة الشريفة(4)، يعترف على نفسه أنّه ألهاه الصفق في الأسواق.

4ـ إنّ عمر أوّل من زجر أمهات المؤمنين في هذه القضية باتهامه لهن قال عمر فقلت: "إنكن صواحبات يوسف إذا مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عصرتن أعينكنَّ، واذا صحَّ ركبتن عنقه"، فقال رسول الله قوله، وقال: "أحزنتني فإنّهن خير منكم"(5) بينما نرى اتباع عمر على طول التاريخ يتهمون الآخرين بالتنقيص من شأن أمّهات المؤمنين!!

____________

1-تاريخ الطبري 2: 618، واُنظر تاريخ المدينة المنورة 2: 669، تاريخ مدينة دمشق 44: 257.

2-الشعر ليونس الديلمي، انظر مناقب آل أبي طالب 1: 22 والصراط المستقيم 3: 7.

3-النساء (4) : 59 .

4-تاريخ الإسلام للذهبي 3: 253.

5-مسند أحمد 4: 400، صحيح البخاري 3: 19، صحيح مسلم 6: 179.


الصفحة 113

5ـ إنّ غضب النبيّ على أصحابه وطردهم عنه لم يخرجه عن أخلاق النبوّة المملوءة بالرحمة واللطف، فهو لم يأمر بقتلهم مثلاً أو سبهم أو ضربهم، رغم الإساءة الشديدة التي اتهمته بالهذيان، بينما كان يريد لهم الهداية ولا غير.

وبالمقابل كانت إساءة الأصحاب عظيمة حيث اتهموه بالهذيان ومنعوا كتابة كتاب الهداية، وارتفعت أصواتهم عنده لكثرة لغطهم وتنازعهم، وهو محرم عليهم كما في سورة الحجرات(1).

6ـ إنّ اتباع عمر ومعذريه في أفعاله يقدّمونه على النبيّ في كثير من الأحيان من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

____________

1-سورة الحجرات (49) : 2.


الصفحة 114

(21) عبد الرسول صدّيقي قريشي

(حنفي / باكستان)

ولد سنة 1332هـ (1914م) مدينة "اجناله" التابعة لولاية "أمرتسر" في الهند في أسرة حنفية المذهب، عمل مستخدماً حكومياً في "مغلل بوره" بباكستان.

استبصاره:

يقول "عبد الرسول": نتيجة مطالعاتي في كتب الحديث والأخبار التي كنت مولعاً بقراءتها، وجدت أخباراً وأحاديثاً متّفقاً عليها بين المسلمين شيعة وسنّة، تدلُّ على أحقّيّة وفضائل أهل البيت(عليهم السلام) الذين لا يقاس بهم أحد، ومن ذلك أنّي لاحظت أنّه بعد وفاة الرسول الأعظم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّ من ادّعى الخلافة من دونهم قد تصرّفوا كطلاّب دنيا، حيث تركوا جنازة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي بعدُ لم تغسّل، ولم تُجهّز، ولم تكفّن، ولم تدفن بين يدي الإمام عليّ(عليه السلام) وبقيّة بني هاشم، وذهبو إلى السقيفة يتنازعون سلطانه وخلافته من دون أمر أو وصيّة لهم من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بفعل ذلك، بل على العكس كانوا من المتخلّفين عن بعث أسامة الذي أمر الرسول بإنفاذه، ولعن من تخلّف عنه، هذا بالإضافة إلى فعلهم القبائح بعد تسلّم زمام الأمور من الاعتداء على حرمات آل الرسول من غصب فدك، والاعتداء على بيت الزهراء(عليها السلام)، واستضعاف الإمام عليّ(عليه السلام) ومحاولة إجباره على البيعة لخلافتهم


الصفحة 115

الباطلة، رغم علمهم يقيناً بأنّه صاحب الولاية والأمر دونهم.

وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وانقلاب الأصحاب:

قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}(1).

وقال الإمام عليّ(عليه السلام): "حتّى إذا قبض الله رسوله، رجع قومٌ على الأعقاب، وغالتهم السبل، واتكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أُمروا بمودّته، ونقلوا البناء عن رصِّ أساسه، فبنوه في غير موضعه. معادن كلّ خطيئة، وأبواب كلّ ارب في غمرة، قد ماروا في الحيرة، وذهلوا في السكرة، على سنة من آل فرعون، من منقطع إلى الدنيا راكن، أو مفارق للدين مباين"(2)

قالت السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) "ألئن مات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمتُّم دينه؟!... وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته، وأنبأكم بها قبل وفاته، فقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ...}"(3).

ودلّت على هذا الانقلاب أيضاً أحاديث الحوض الواردة في كتب أهل السنّة ومنها: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "أنا فرطكم على الحوض، مَنْ مرَّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً.

وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يحال بيني وبينهم، فأقول: فإنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي"(4).

وهذا الانقلاب وإنْ فاجأ الكثيرين من عامّة الأصحاب إلاّ أنّهم انقادوا

____________

1-آل عمران (3) : 144.

2-شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 132 بحار الأنوار 29: 616.

3-السقيفة وفدك: 102.

4-اُنظر: صحيح البخاري 7: 207 ـ 208 و8: 87، صحيح مسلم 7: 66.


الصفحة 116

لمخططيه ومنفّذيه الذين خطّطوا له من فترة طويلة نسبياً قبل وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد حاولوا اغتيال النبيّ(1)(صلى الله عليه وآله وسلم).

كما أنّ عمر وحزبه حالوا بين رسول الله وبين ما أراد كتابته من كتاب لا تضلّ أمّته بعده أبداً، فيما عرف برزيّة يوم الخميس(2)، كما تخلّف هؤلاء الجماعة عن جيش أسامة بن زيد رغم إصرار الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الشديد على خروجهم لإبعادهم عن المدينة، ودفع مؤامراتهم عن وصيّه وخليفته الذي نصبه عليهم عليّ ابن أبي طالب(عليه السلام)(3).

ثمّ لما توفى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أدعى عمر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمت وانّه سيأتي ويعاقب من ادعى انّه مات، وكان هذا منه لكسب الوقت إلى حين عودة صاحبه أبي بكر من منزله في السنح خارج المدينة الذي ذهب إليه قبل وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث صدّق بما قاله له من أنّ رسول الله قد مات(4)!!!

تركوا جنازة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وذهبوا إلى السقيفة.

قال أبو بكر بعد معاينة جنازة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطباً أهل بيته(عليهم السلام) "دونكم صاحبكم"! ثمّ خرج أبو بكر واجتمع المهاجرون...، فقالوا: انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار إلى آخر ما اتفقوا عليه من أمر الخلافة(5).

____________

1-اُنظر: مجمع الزوائد 1: 109، المعجم الكبير 3: 165، المسترشد للطبري الإمامي: 592، بحار الأنوار 21: 229، 247، 28: 99.

2-اُنظر: مسند أحمد 1: 324، صحيح البخاري 7: 9، 8: 161 وغيرها من المصادر.

3-اُنظر: عمدة القاري 18: 76، الطبقات الكبرى 2: 189، تاريخ مدينة دمشق 2: 54، تاريخ الإسلام 2: 713، واُنظر أيضاً: الخصال: 171، الإيضاح للفضل بن شاذان: 360 ـ 361، الإرشاد 1: 183، وغيرها من المصادر.

4-اُنظر: صحيح البخاري 4: 194، السنن الكبرى 8: 142، عمدة القاري 16: 183، التمهيد 24: 401 الملل والنحل 1: 23، وغيرها.

5-اُنظر: السنن الكبرى 8: 145، كنز العمال 5: 635.


الصفحة 117

وقال الإمام عليّ(عليه السلام): "وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجّت به أصواتهم واختصّت به آراؤهم من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطلّب، أو مشاركة في رأي، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي، فعلوا ذلك، وأنا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، مشغول، وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود، فإنّه كان أهمّها، وأحقّ ما بدئ به منها، فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزيّة، وفاجع المصيبة، وفقد من لا خلف منه إلاّ الله تبارك وتعالى"(1).

وقالت فاطمة الزهراء سلام الله عليها: "ما رأيت كاليوم قط ، حضروا أسوأ محضر، تركوا نبيّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة بين أظهرنا، واستبدوا بالأمر دوننا"(2).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام) عن الإمام عليّ(عليه السلام): "فصلّوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتّى الصباح ويوم الثلاثاء، حتّى صلّى عليه الأقرباء والخواص، ولم يحضر أهل السقيفة، وكان عليّ(عليه السلام) أنفذ إليهم بريدة، وإنّما تمت بيعتهم بعد دفنه"(3).

وروى ابن أبي شيبة، عن عروة أنّه قال: إنّ أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانا في الأنصار، فدفن قبل أن يرجعا(4).

وعن عائشة أنّها قالت: "ما علمنا اين يدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء"(5).

وروى ابن سعد تعريض الإمام عليّ(عليه السلام) بأبي بكر، قال ابن سعد: جاء عليّ ابن أبي طالب يوماً متقنعاً متحازناً، فقال أبو بكر: أراك متحازناً؟! فقال عليّ(عليه السلام): "إنّه عناني مالم يعنك!!"، قال أبو بكر: اسمعوا ما يقول، أُنشدكم الله أترون أحداً

____________

1-الخصال: 372، وعنه بحار الأنوار 28: 207.

2-أمالي الشيخ المفيد: 95، بحار الأنوار 28: 232.

3-مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: 239، وعنه بحار الأنوار 22: 524 .

4-المصنف 14: 568، كنز العمال 5: 652.

5-مسند أحمد 6: 242، واُنظر: المصنف للصنعاني 3: 520، السنن الكبرى 3: 409، المغني لابن قدامة 2: 417، عمدة القاري 8: 121، وغيرها.


الصفحة 118

كان أحزن على رسول الله مني(1)!! وهكذا نرى أن الفعل منهم يكذب القول على خلاف أهل البيت(عليهم السلام) الذين تركوا الدنيا وما فيها من أجل دين الله، ولم يخالف أقوالهم أفعالهم.

____________

1-الطبقات الكبرى 2: 312، كنز العمال 7: 230.


الصفحة 119

(22) عبد الكريم حيدري بت

(حنفي / باكستان)

ولد في باكستان في أسرة مسلمة سنّية على المذهب الحنفي، درس إلى الصف الثامن، له مطالعات في كتب السير والتاريخ، وغيرها من الكتب الدينية.

من محبّة أهل البيت(عليهم السلام) إلى معرفتهم:

يقول "عبد الكريم": نشأت في أجواء أسرة تعتنق المذهب الحنفي، ولم يكن آبائي وأجدادي يعرفون أحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لكنّهم كانوا من المحبّين لهم حتّى أنّهم كانوا ينفقون أوموالاً ـ حسب استطاعتهم ـ في سبيل إقامة عزاء الإمام أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) .

وكنت كثيراً ما أسمع الأشياء الغريبة والأمور العجيبة من أفواه علمائنا، ينسبونها إلى مذهب الشيعة، وكان هذا يثير استغرابي وتعجّبي، ممّا حدا بي إلى الاهتمام بهذا الموضوع.

كان لي أقران من الشيعة في المدرسة، وعندما كنت أسألهم عن مذهبهم، أو أبحثُ معهم في المسائل الخلافية، أو ألاحظ تصرّفاتهم، لم، أجد ما يتّهمهم به روّاد منابرنا من أمور ما أنزلَ الله بها من سلطان، بل على العكس فعندما ذهبت مع أحد الشيعة من زملائي في الدراسة إلى اجتماع دوري لإحدى الجمعيات الشيعية عقد


الصفحة 120

بالقرب من مدرستنا سمعت كلاماً مدهشاً يأخذ بمجامع القلب، يحثّ على التمسّك بالدين، والالتزام بأحكامه.

بدأت بعد ذلك في المطالعة بجدّيّة في كتب السيرة والتاريخ وغيرها بعقل متفتح، أبحث عن الدليل من القرآن الكريم والسنّة الشريفة على كلّ قول أوحكم، واستمرّت مطالعتي لمدّة خمس سنوات عرفت بعدها أنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) الإمامي الاثني عشري، وأنّ النجاة في التمسّك بركابهم، فآمنت بولاية الإمام عليّ(عليه السلام) وأولاده المعصومين، وتركت كثيراً من الأهل والعشيرة، وتحمّلت أذاهم في سبيل التمسّك بالثقلين الذين أمر الله ورسوله بالتمسّك بهما ،وأسأل الله الثبات على الهداية، وأحمده وأشكره على جزيل النعمة، إنّه نعم المولى ونعم النصير.

الشيعة هم خير البريّة:

ورد في تفسير الآية السابعة من سورة البينة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}، أنّ خير البريّة هم عليّ وشيعته.

قال السيوطي في الدر المنثور أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلم فأقبل عليّ فقال النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلم: والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ونزلت {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} فكان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلم إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البرية...

وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال لمّا نزلت {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين.

وأخرج ابن مردويه عن عليّ(عليه السلام) قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه


الصفحة 121

[وآله]: ألم تسمع قول الله عزّ وجلّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجلين(1).

أخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل في هذه الآية أيضاً: "... قال حدثني يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب عليّ، قال: سمعت علياً يقول: حدثني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنا مسنده إلى صدري، فقال: يا عليّ، أمّا تسمع قول الله عزّ وجل {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} هم أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا اجتمعت الأمم للحساب تدعون غرّاء محجّلين".

وأخرج أحاديث أخرى عن ابن عبّاس وجابر وأبي برزة وبريدة والإمام الباقر(عليه السلام) وأبي سعيد ومعاذ تؤدّي نفس المضمون(2)

مظلومية الشيعة:

إنّ الشيعة الذين يصفهما القرآن والسنّة النبوية الشريفة بأنّهم خير البريّة نجدهم قد تعرّضوا على طول التاريخ إلى اتهامات ظالمة، وافتراءات رخيصة سطّرتها أقلام مدفوعة الأجر في كثير من الأحيان، أو دبّجتها يراعات مملوءة بالحقد في أحيان أخرى.

ولاذنب للشيعة سوى أنّهم استقاموا على الحقّ، ووقفوا في وجه الباطل، ولم يداهنوا الطواغيت، بل نصروا أهل البيت المعصومين(عليهم السلام)، واعترفوا بإمامتهم التي اختارهم الله لها بنصّ من القرآن والسنّة، ولم يحلُّ هذا الأمر في مذاق المنقلبين على الأعقاب بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأتباعهم من المتحكّمين

____________

1-الدر المنثور 6: 379.

2-شواهد التنزيل 2: 460 ـ 473، الأحاديث 1126 ـ 1148.


الصفحة 122

الغاصبين، وعلماء السوء الفاسقين، فاتّهموهم بكل عظيمة، وافتروا عليهم كل سخيفة، وهذا هو شأن المؤمنين في طول حياة البشرية، تجدهم موضعاً للاتهام عند أهل الباطل، فمن يقرأ تاريخ الأنبياء والصالحين يجد الدليل على كلامنا هذا،ولا تعوزه الشواهد للتصديق به.

إنّ الشيعة الذين حملوا تراث الأنبياء، وآمنوا بولاية أهل البيت(عليهم السلام)سائرون في دربهم اللاحب إلى أن ينصر الله العباد الصالحين بإمام منصور، ويورثهم الأرض، شاء من شاء، وأبى من أبى، ولا يهمّهم ـ وهم في طريق الاستقامة ـ أقلاماً مأجورة ويراعات حاقدة.

نعم، إنّ الشيعة يدافعون عن الحقّ، ويدحضون الباطل بكل ما استطاعوا من قوة، أداءً لوظيفتهم، وتقوية لقلوب عمرّها الإيمان، ودفعاً لشبهات الباطل حتّى لا يغتر بها إنسان.


الصفحة 123

(23) عبد العزيز الحنفي

(حنفي / باكستان)

ولد سنة 1319هـ (1902م) ونشأ في أسرة سنيّة حنفية المذهب، عمل موظفاً حكومياً في سيالكوت.

يقول عبد العزيز: كانت بالقرب منّا قرية تسمّى "خانبور سيدان" يسكنها الشيعة، وكانوا يقيمون المآتم في أيام محرّم، فكنت أحضر تلك المجالس إلى أن منعني من الحضور فيها عمي قائلاً: إنّ النظر إلى مواكبهم يوجب بطلان الزواج للرجال المتزوّجين وللنساء المتزوجات!!

انتقلت في سنة 1345هـ (1927م) من (جوندا) إلى المدرسة الحكومية الثانوية في مدينة (قصور)، فصادفت فيها صديقين أحدهما شيعي والآخر سنّي، وكانا في ضمن الاستعداد للامتحان السنوي للحصول على شهادة "منشي فاضل" يتباحثان في مختلف المسائل الدينية، فشاركتهما في بحثهما وأنست بهما.

طالعت كتابين كان لهما الأثر في فهمي بعض الأمور الدينية، أحدهما: (أربع مقالات) وقد راقني من مقدمته: كلمة الله، النبي، الإمام، الخلافة، الحكومة.

وثانيهما: (تاريخ بني أمية) المقرّر كدرس في الجامعة، ويشتمل على أحوال معاوية ويزيد ومروان وأضرابهم، ومن المواضيع التي جلبت انتباهي فيه:


الصفحة 124

منع عمر بن عبد العزيز سبّ الإمام علي(عليه السلام).

عاودت الحضور في مجالس الشيعة واستمعت إلى علمائهم، وطالعت كتباً كثيرة حصلت عليها منهم فعرفت حقيقة مذهب السنة، ودور الحكومات الجائرة في تشييد اركانه.

انكشف لي الحق وأعلنت تشيّعي، وتشيّع معي أهل بيتي، والحمد لله وأسأل الله أن يجعل عاقبة أمرنا خيراً وأن يحشرنا تحت لواء علي(عليه السلام) ويسقينا من حوضه، إنّه خير موفق ومعين.

عداء أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم:

يُعدُّ أهل البيت(عليهم السلام) امتداداً للرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) فهم ولاة الأمر بعده الذين تجب طاعتهم ومودّتهم، وهم عدل القرآن الكريم الذين يوضحونه ويفسرونه للناس، ومنهم تؤخذ السنّة النبوية المباركة فهم الأمناء في حملها والعالمين بتفاصيلها.

وقد تصدّى أئمة أهل البيت(عليهم السلام) لمسؤولياتهم الرسالية دون أن يأخذهم في الله لومة لائم، فحافظوا على الرسالة، ودافعوا عن الحق في مواجهة المنحرفين والمغتصبين والمنافقين، وأصحاب البدع، وعلماء السوء، وغيرهم.

هذا وقد أكّد القرآن المجيد، والرسول الكريم على مودّتهم والصلاة عليهم قال تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(1)، وجاء في السنة النبوية المباركة إنّ الصلاة عليهم (اللّهم صلِ علي محمّد وآل محمّد) جزءٌ من الصلاة الواجبة.

هذا وقد عبّر الشافعي ـ وهو أحد أئمة المذاهب السنية الأربعة ـ عن ذلك بالقول:

____________

1-الشورى (42) : 23.


الصفحة 125
يا آل بيت رسول الله حبّكم فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الشأن أنّكم من لم يصل عليكم لا صلاة له(1)

هذا ولكن الذي جرى في تاريخ المسلمين أنّ أهل البيت(عليهم السلام) وأتباع مدرستهم واجهوا القتل والتشريد والسبّ والأذى طيلة قرون متواصلة على يد الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم، ومع ذلك كلّه لم يخمد نشاطهم، ولم تطمس معالم مدرستهم الدينية التي هي مدرسة الإسلام، وذلك للحماية الإلهيّة أوّلاً، وللجهود العظيمة والخدمات الجليلة التي قام بها أهل البيت(عليهم السلام) للإسلام والمسلمين ثانياً بحيث لم يستطع الظالمون محو آثارها، أو منع المسلمين من الانجذاب إليها.

إنّ التخلّف والتشتّت اللذّان يواجههما المسلمون اليوم يعود إلى إبعاد أهل البيت(عليهم السلام) عن أداء دورهم الحقيقي في قيادة المسلمين إلى الفلاح وإلى استبدالهم بآخرين نتيجة الانحراف، وسوء الاختيار باتّباع الأهواء.

لقد قام أئمة أهل البيت(عليهم السلام)بتربية شيعتهم على أخلاق عالية وكمالات سامية من العبادة والزهد، والإيمان والعمل، والإخلاص والتوكّل وطلب العلم، فأسّسوا الحوزات العلمية التي حفظت العقيدة والشريعة في زمن غيبة المعصوم(عليه السلام)، كما أنّ الارتباط بأهل البيت(عليهم السلام) والولاء لهم نفسه صار سبباً في حفظ هوية الشيعة الإسلامية نقية حيّة.

ومن أبرز علائم الولاء هو الشعائر الحسينية التي ربطت الشيعة الكرام بأئمتهم العظام وخاصة الإمام الحسين الشهيد الذي هو خامس آل الكساء وأبو التسعة من الائمة المعصومين من آل البيت(عليهم السلام).

____________

1-انظر الغدير 2: 303، 3: 173.


الصفحة 126

(24) عليّ محمّد فتح الدين الحنفي

(حنفي / باكستان)

مرت ترجمته في (3: 111) من هذه الموسوعة، ونشير إلى سائر ما وقفنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل.

ألّف (علي محمّد فتح الدين) كتاب "فلك النجاة" وبحث فيه شتى المسائل التي سبقت الإشارة إليها في ترجمته ونشير ـ في هذا المقام ـ إلى ما ذكر المؤلّف في المقدّمة حول الأسباب التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب:

"يقول غني السيئات، فقير الحسنات، الراجي عفو ربه الرحيم، العبدُ الأثيم علي محمّد بن فتح الدين ـ عفا عنهما الرب الكريم ـ الحنفي، الجعفري مذهباً: قد شاع الاختلاف في الفرق الإسلامية لاسيّما فيما بين أهل السنّة والجماعة وبين الشيعة الإمامية في ديارنا، وقد قال الله عزّ اسمه: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}(1)، وكلّ واحد منهما يدّعي لنفسه أنّه أهل الحق وأنّه من الناجين.

وقد كنت رجلاً قصير الهمة، خادم القوم، مطالعاً لكتب الفريقين، فأردت أن أهذّب الروايات الموافقة لهما من كتبهما، وإن كان في ذلك رفض تقليد شخصي لم نؤمر به في الشارع إلاّ بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو من ناب منابه من عترته المعصومين(عليهم السلام)،

____________

1-آل عمران (3) : 103.


الصفحة 127

لينكشف الحق على من اعترض علينا، وسئل عنا من سبب تبديل المذهب من (أهل الجماعة) إلى مذهب (العترة)، وكنا ندافع مرة بعد مرة، فلمّا أصرّوا علينا أردنا أن نكتب ما فيه كفاية لمن له دراية، ولسنا عليهم بمسيطرين، {وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}(1).

ولما كنت لا أملك من الكتب شيئاً رجعت إلى عزيزي وتلميذي الأديب الأريب اللبيب الطبيب، شريف النسب والحسب، رفيع الرتب، باذل النفس والمال في سبيل الله المتعال، ذي العزة والتمكين، خادم آل النبيين، الشهير في الآفاق المولوي الفاضل، والحكيم الكامل، محمّد أمير الدين، أبده الله وأيده ونصره على حاسديه وخلّده، وأعطاه ما تمناه وجعل عقباه خيراً من أولاه، فأعانني بالكتب المطلوبة غاية الإعانة، وشاورني نهاية المشاورة جزاه الله خيراً وحشره مع آل محمّد، وكان ذلك عليه يسيراً.

فبذلت جهدي وبدأت به في شهر الصيام ; سنة أربعين بعد الألف والثلاثمائة من هجرة النبي الأميّ (عليه وآله الصلاة والسلام)، وغايتي في هذا الكتاب بيان الإمامة، والخلافة وترتيب الصلوات الخمسة، وصلاة الجنائز لعموم البلوى بهما، وما أريد إلاّ الاختصار.

والمرجو من الإخوان الاتفاق والاتحاد، ورفع الشر والفساد، لتطمئن قلوب المؤمنين ويعتبر أهل الإنصاف من المسلمين لئلا يطعن أحد على أحد ; فلا يكفّره ولا يفسّقه ولا يكرهه ولا يضيقه إلى ما عنده، ولا (يرفضه)، ولا يعزّره ولا يجلده، ولا يبين عنه امرأته، ولا يخرجه من مذهبه، ولا يمنعه من مساجد الله سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}(2) ولا يترك سلامه

____________

1-يس (36) : 17.

2-البقرة (2) : 114.


الصفحة 128

ولا كلامه {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}(1) بل الواجب أن يتفق الفريقان ويتمسّكا بالثقلين المباركين لإرشاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره وتوكيده بهما حتّى يكونا على اليسر ويعملا على الأصح الأرجح...

وقد سميّت الكتاب بـ"فُلك النجاة في الإمامة والصلاة" ويقع في مجلدين ; الأوّل منهما معروف بـ"غاية المرام في معيار الإمام"، والثاني "ترتيب الصلاة بتطبيق الروايات".

وما أردت إلاّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل".

وقد حظى هذا الكتاب باهتمام بالغ من العلماء، ونشير هنا إلى بعض التقاريظ الصادرة من العلماء حول الكتاب:

تقريظ العلاّمة المجتهد السيّد علي الحائري اللاهوري:

الحمدُ لله على نواله، والصلاة والسلام على خواص رجاله، وألسنة أقواله، ومصادر أفعاله، وعلى أمثاله ومفاتيح أقفاله، علل الوجود وأسرار السجود محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وآله(عليهم السلام).

أمّا بعد: فقد طالعتُ شطراً وافياً من الكتاب الموسوم بـ"فُلك النجاة في الإمامة والصلاة" معنى وترجمة، فوجدته رياض حكمة ورضوان، سيفاً قاطعاً لألسنة الزيغ والطغيان، وبرهاناً ناطقاً لأهل الأيمان، وشهاباً ثاقباً لشياطين الإنس والجان، تنتعش بفهم براهينه القلوب والأبدان، وترتاح بدرك معانيه الأرواح في عالم الإمكان، كيف ومصنّفه بفضل الله المنّان وحيد العصر وفريد الدهر بالإيقان، كاسر أعناق منكري الإمامة، ومُرغم آناف المنحرفين عن طريق الاستقامة بالإعلان، سلطان المناظرين جناب المولوي الحافظ علي محمّد، ومترجمه ومحشيه أُسوة الأماجد الكرام وصفوة الأطائب الأعلام، فخر المناظرين جناب

____________

1-النساء (4) : 94.


الصفحة 129

المولوي محمّد أمير الدين، لا زالا في درع الأمان من مكاره الزمان على هذا التصنيف والتأليف.

لعمري أنّهما أبدهما الله وأيدهما، قد جهدا غاية الجهد في إحقاق الحقّ وازهاق الباطل بالبراهين والدلائل، فللّه درّهما وعليه أجرهما، لقد أجادا فيما أفادا فنالا المراد، فأثابهما الله وإيّانا عن الشرع القويم جنّات النعيم، بصاحبه وآله أدلاء عرفان القديم، صلوات الله عليهم بأكرم تسليم، وأهنأ تنعيم.

نمّقه عبده الأثيم خادم شرع رسوله الكريم.

علي الحائري
(من دار الشريعة ـ لاهور)



تقريظ عمدة الواعظين السيّد كرم حسين شاه:

بسمه تعالى

الحمدُ لله ربّ العالمين، فاطر السماوات والأرضين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، وخاتم النبيين محمّد المبعوث بالحُجج والبراهين، وآله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:

فهذا كتاب زينت صفحاته بالبراهين القيّمة، ونقشت أوراقه بالدلائل المسلمة، إني رأيت بعض مقاماته، ونظرتُ بعض مقالاته، فوجدته مقيداً لأهل الإسلام، وهدى للخواص والعوام، ومضامينه أنوار الهداية والدراية، وبراهينه براءة من الضلالة والغواية، وسطوره سبل النجاة والسلام، وكلماته أقمار المعرفة والأعلام، وجراحات للأعداء اللئام، نقطة نجوم نكات التحقيقات، اسمه "فُلك النجاة"، فقد ألفه العالم الأريب، والفاضل الأديب علي محمّد (سلمه الله) الصمد، بامداد وترجمة وتحشيّة حاذق الحكماء المتأخرين، والأطباء المتبحرين الحكيم المولوي أمير الدين، سلّمه أحكم الحاكمين، وأجرهما على الله ربّ العالمين:

فـإنّ شئت البراءة من سعير وأجـراً مـن إله بالصلاةِ
فلا تُبطل صلاتك في ضلال ودونك فاتخذ (فُلك النجاةِ)!

الصفحة 130

(25) غلام ربّاني مرزا

(حنفي / باكستان)

ولد سنة 1339هـ (1921م) في قرية (اتهته الصغيرة) ناحية (كوجرخان) التابعة للواء (راولبندي) في الباكستان ونشأ في أسرة معروفة باسم (مغول كشمير)، عمل محامياً ثمّ اعتنق مذهب الشيعة الإمامية سنة 1359هـ (1941م).

تأثّره بثورة الإمام الحسين:

يقول غلام: تشيّعت تأثراً بعزاء أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، إذ جَذبني فيه أجواءه الروحانية، وهزّني تجسيده لمظاهر الظلم التي عاناها أهل البيت(عليهم السلام)وعيالهم وأطفالهم من أجل تثبيت رسالة الإسلام، وحفظها من اعدائها الطغاة، مما كان سبباً في معرفتي بالدور الإلهي المناط بآل البيت دون غيرهم، فتمسّكت بهم كما هو المطلوب من جميع المسلمين التمسّك بهم أئمة للمسلمين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

اثر النهضة الحسينية في الوجدان البشري:

إنّ أحداث قيام واستشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) وإن وقعت في مكان محدود وزمان محصور إلاّ أنّها امتدت على طول الزمان، واستمرت حيّة نابضة بالقيم العليا إلى يومنا هذا وسوف تستمر أيضاً إلى أن يؤخذ بثأره ـ وهو ثار الله ـ على يد


الصفحة 131

ولده الحجة صاحب الزمان الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

وبصورة عامة فإنّ قضية الإمام الحسين(عليه السلام) فتحت أعين الكثيرين على حقيقة الدين، وجلت بصائر المستبصرين إلى معرفة حقيقة الولاية، فكم من مستبصر شيّعه الإمام الحسين(عليه السلام)، وكم من تائه هزّه نداء الإمام الحسين(عليه السلام)، وكم من متعطش للعدل رواه الإمام الحسين(عليه السلام).

لقد أعطى الإمام الحسين(عليه السلام) كلّ ما عنده لله فأعطاه الله كل ما عنده، وهل ينتهي ما عند الله، وهذا هو الفوز العظيم الذي يتمناه كل مؤمن فطوبى للحسين ولمحبيّ الحسين وليذهب أعداؤه إلى نار جهنم خاسئين ملعونين من الأولين والآخرين.

إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة، يهتدي بهداه من أراد الله له الهداية، أما الذين في قلوبهم مرض فلا يهتدون بهداه.


الصفحة 132

(26) غلام نبي حسين بخش

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1235هـ (1917م) في قرية "هوشيار نكر" التابعة للواء "أمر تسر" بنجاب الشرقية في "الهند"، ونشأ في أسرة حنفيّة المذهب، تعرف بـ"كهوكهر"، ثمّ توجّه إلى "باكستان" بعد الانقسام الذي حصل بينها وبين "الهند" وأصبح موظّفاً في إحدى دوائر وزارة الدفاع في معسكر "لاهور".

دور العصمة في العقيدة:

إنّ مسألة عصمة الأئمّة(عليهم السلام) من المسائل المهمّة التي يقوم عليها صرح العقيدة الإمامية، إذ إنّها تشكّل ركناً أساسياً تتقوّم به صحّة هذه العقيدة، فبعد أن أوجب الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) التمسّك بالعترة الطاهرة، وجعلهم عدل الكتاب العزيز، كما في حديث الثقلين، فلا معنى لأن ننفي العصمة عن هذه العترة، فكما أنّ القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلابّد أن يكون عدله كذلك، وإلاّ فلا معنى لجعلهم قرناء القرآن.

ومن جانب آخر، فإنّ التمسكّ بهذين الثقلين هو ما يتميّز به المذهب الإمامي عمّا سواه من المذاهب الإسلاميّة، وذلك لأنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) حكم بضلال كلّ من لم يتمسّك بهما معاً، ولهذا لا تستطيع تلك المذاهب أن تثبت


الصفحة 133

للآخرين متابعتها فضلاً عن وجوبها، بل أصبحت داخلة في ذلك الحكم القاطع للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).

ويُعزى ذلك إلى أنّ غير الإمامية من أصحاب تلك المذاهب وأتباعهم، كانوا ضحيّة ذلك التيار المعاكس الذي حرف مسير الأمّة بعد وفاة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبعدها عن العترة الطاهرة واستمر هذا الأمر في أوساط الأمّة نتيجة تقليدها الأعمى، وتجاهل الكثير من أبناء العامة النصوص الدينية التي تشير إلى وجوب التمسّك بأهل البيت(عليهم السلام) وترك ما سواهم، والتي تعتبر أهم الركائز التي يستند عليها فهم الدين الإسلامي بشكله الصحيح.

وكنتيجة لمّا آل إليه هذا الابتعاد عن العترة، أضحت تلك المذاهب عقيدة ذات مضمون خال من الصحّة.

وقد سطر علماء الشيعة الإمامية حجج وبراهين كثيرة لإثبات هذه المسألة، وناضل كثير من علماء السنّة ـ من دون جدوى ـ لإسقاطها، وواجهوا بذلك حكم الكتاب والسنّة والعقل!

ولم تكن مناقشتهم لفكرة "العصمة" تخضع لمعايير موضوعيّة تجعل من الباحث المنصف أن يتلقاها بالقبول، ويستسيغها في وجدانه، ومردُّ ذلك إلى أنّ تلك المناقشات تجاوزت حدود النصّ القرآني والروائي القاضي بثبوث "العصمة".

وكان لحكم العقل دور مهم في إثبات العصمة للإمام، وذلك من حيث إنّ علّة حاجة الأمّة إلى الإمام، هي إرشادها إلى جادّة الحقّ والصواب، فيما تختلف فيه من الأمور ; لأنّ بعض نصوص الكتاب العزيز وبعض السنّة النبوية ـ قولاً وفعلاً وتقريراً ـ يحتملان وجوهاً كثيرة من التأويل، وكلّ فرقة تؤوّلهما على ما تحيل إليه من مذهب، وهذا ما نشهده في الواقع الإسلامي، منذ ارتحال الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)وحتّى يومنا هذا، ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك وفي هذه الحالة العسيرة تكمن الحاجة إلى الإمام، فيكون له الأثر في استبيان المعنى الصحيح الذي يعينه الباري


الصفحة 134

عزّ وجل في كتابه الكريم، والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في سنّته، دون ما يحتملان من التأويل، ويكون بذلك قد حفظ الدين، وصانه من التحريف والتلاعب.

وكلّ ذلك لا يتمّ إلاّ أن يكون الإمام معصوماً، وإلاّ كان كالأمّة في الحاجة إلى من يرشده إلى الفهم الصحيح وهكذا حتّى يتسلسل، وبطلان التسلسل من ضروريات حكم العقل، فلابدّ إذن أن ينتهى إلى شخص معصوم ترجع إليه الأمّة في أحكامها وأمورها وفيما تختلف فيه ; لكي تستطيع أن تحكم على أن ما تذهب إليه هو المطابق لحكم الله تعالى.

وتدعي الشيعة الإمامية أنّ هذه الجهة المعصومة تتمثل في الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)، أوّلهم الإمام عليّ(عليه السلام) وآخرهم المهدي المنتظر (عجل الله فرجه).

ودعوى الإمامية هذه، قد ثبت بشكل قطعي لا مجال للخلاف فيه، وذلك لانطواء العقل والكتاب والسنّة على ما من شأنه أن يدعم هذه الدعوى ويرقى بها إلى مستوى الثبوت.

التوفيق الإلهي:

كان لمسألة "العصمة" الّتي يتبناها الفكر الشيعي الإمامي أثرها البالغ على "غلام نبي"، حيث ساقته الأدلة والبراهين الشيعية إلى القناعة الكاملة بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) دون المذاهب الأخرى.

وكذا استطاع من خلال التحقيق أن يستوحي معنى "العصمة" من خلال عدد من الآيات الكريمة النازلة في هذا الشأن، ومن الأحاديث النبوية التي خصّها الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمير المؤمنين عليّ(عليه السلام).

وتوصّل أيضاً من خلال ما طفح به التراث السلامي، إلى إمامة عليّ وأولاده المعصومين(عليهم السلام) وخلافتهم بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل، ولأجل ذلك التحق "غلام نبي" بركب أهل البيت(عليهم السلام) وعاش في ظلال بركاتهم التي تأخذ بالإنسان نحو السعادة الأبديّة.


الصفحة 135

(27) فرمان عليّ أعوان

(سنّي / باكستان)

ولد سنة 1311هـ (1894م) في "نترالي" التابعة للواء راولبندي لباكستان، صيدلي، ورئيس المؤسسة الإمامية الاثني عشرية في كويته بعد استبصاره، كما عمل في مجال التبليغ الديني والخطابة الحسينيّة لمدّة أكثر من 35 سنة.

الخلافة الإسلاميّة:

يقول "فرمان عليّ": كانت عقيدتي في الخلافة الإسلامية أنّها تثبت بالإجماع والاختيار، وأنّ أبا بكر هو الخليفة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بإجماع المسلمين.

وكان السبب الذي أدّى إلى اهتدائي إلى المذهب الحقّ هو أنني سافرت إلى (الورالائي) لزيارة خالي هناك، فصادف أن رأيت المرحوم الكاتب بدر الدين، وكان من المستبصرين الذين انتقلوا من المذهب السنّي إلى التشيّع، فتباحثت معه حول المسائل المذهبية، فكان يجيبني بأجوبة شافية من مصادر أهل السنّة، فعرفت مكانة الإمام عليّ(عليه السلام)، وأنّه أعلم الناس بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه أبلغ الناس وأفصحهم، كما تدلّ على ذلك خطبه وكلماته في نهج البلاغة وغيره.

هذا وقد تعجّبت كثيراً كيف أنّ القوم اختاروا أبا بكر خليفةً، وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) موجود فيهم.


الصفحة 136

والحمد لله الذي هداني، ومنح نفسي السكون بعد كثير من الاضطراب، كما اهتدى خالي وزوجته أيضاً كما تشيّعت زوجتي بفضله تعالى بعد زواجي منها بعد تشيّعي، وكانت من أقاربي، وكانت على المذهب السنّي يوم زواجنا.

لماذا اختار القوم أبا بكر؟:

توجد عوامل عديدة تجمّعت لانحراف الناس بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن وليّهم الحقيقي، الإمام عليّ(عليه السلام) وصيّ رسول الله وخليفته المنصوب من قبل الله تعالى، منها.

1ـ الأحقاد والضغائن:

وجد الإمام عليّ(عليه السلام) رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم وقد دمعت عيناه فقال الإمام عليّ: يا رسول الله، ما يبكيك؟

فقال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعدي، أحقاد بدر وترات أحد(1).

وقالت فاطمة الزهراء سلام الله عليها في خطبتها بعد وفاة أبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "وما نقموا من أبي الحسن، نقموا والله منه نكير سيفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله عزّ وجلّ"(2).

وروى عليّ بن الحسن بن فضال عن أبيه قال: سألت الإمام الرضا(عليه السلام) عن أمير المؤمنين(عليه السلام) كيف مال الناس عنه إلى غيره، وقد عرفوا فضله وسابقته ومكانه

____________

1-كتاب سليم بن قيس: 136، واُنظر: المناقب للخوارزمي: 65، مجمع الزوائد 9: 118، مسند أبي يعلى الموصلي 1: 427، واُنظر تاريخ مدينة دمشق 42: 322، بحار الأنوار 28: 54 و75، وغيرها من المصادر.

2-معاني الأخبار: 355، واُنظر: دلائل الإمامة: 126، أمالي الطوسي 375، الاحتجاج 1: 147، جواهر المطالب 1: 166، السقيفة وفدك: 120، بحار الأنوار 43: 158، بلاغات النساء لابن طيفور: 20.


الصفحة 137

من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قال(عليه السلام):"إنّما مالوا عنه إلى غيره لأنّه كان قتل آبائهم وأجدادهم وإخوانهم وأعمامهم وأخوالهم وأقربائهم المحاربين لله ولرسوله عدداً كثيراً، فكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم، فلم يحبّوا أن يتولّى عليهم، ولم يكن في قلوبهم لغيره مثل ذلك ; لأنّه لم يكن له في الجهاد بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ما كان له، فلذلك عدلوا عنه، ومالوا إلى سواه"(1).

وقال أبو جعفر الاسكافي المعتزلي (ت 220هـ) وهو في صدد الجواب عن اختلاف الناس في الصحابة: "إنّ هذا باب قد أكثر قول القائلين فيه، وطال اختلافهم، وتشعبّت أهواؤهم، وتوغرت من أجله صدورهم، واختلف فيه ائتلافهم، وذلك لأنّ أوّله كان على الضغن والعدواة والعصبية والحمية، ولم يكن القول فيه على طريق الخطأ من أجل شبهة دخلت أو لبس حدث...

وأنّ ملوك بني أمية، وإنّ كانت قد بادت، فإنّ عامّتها وشيعتها فينا اليوم ظاهرة متعلّقة بما ورثوه من ملوكهم الطغاة وأسلافهم الباغية.

فبلغ من عنايتهم بخطئهم في الباب أن أخذوا معلميهم بتعليم الصبيان في الكتاتيب لينشأ عليه صغيرهم ولا يخرج من قلب كبيرهم، وجعلوا لذلك رسالة يتدارسونها بينهم ويكتب لهم مبتدأ الأئمة أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفّان، ومعاوية بن أبي سفيان ن حتّى أنّ أكثر الأمّة منهم ما يعرف عليّ بن أبي طالب ولا نسبه، ولا يجري على لسان أحد منهم ذكره(2).

2ـ الحسد:

إنّ شخصاً عظيماً مثل الإمام عليّ(عليه السلام) الذي تجمّعت فيه المناقب دون غيره

____________

1-عيون أخبار الرضا 1: 87، واُنظر: علل الشرائع 1: 146، بحار الأنوار 29: 480.

2-المعيار والموازنة: 19.


الصفحة 138

لابدّ أن يكون محسوداً، لاسيما وهو أصغر سنّا من غيره الذين لم يجوزوا على شيء قليل من فضائله.

قال الإمام الصادق(عليه السلام): نحن قوم فرض الله عزّ وجلّ طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال الله {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ}(1)(2).

ودار بين عمر وابن عبّاس حوار طويل...

قال عمر: يا ابن عبّاس، أتدري مامنع قومكم منكم بعد محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قال ابن عبّاس: فكرهت أن أجيبه، فقلت له: إنّ لم أكن أدري فإنّ أمير المؤمنين يدريني.

فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا، على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسهم فأصابت ووفقت...

وفي تتمة الخبر قال عمر لابن عبّاس: بلغني أنّك تقول: "إنّما صرفوها عنك حسداً وبغياً وظلماً".

قال فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين ظلماً فقد تبين للجاهل والحليم، وأمّا قولك حسداً فإن آدم حسد ونحن ولده المحسودون(3).

وقال عمر لابن عبّاس في حوار آخر: يا ابن عبّاس ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً، فقلت في نفسي: والله ما سبقنى اليها أحد، فقلت: يا أمير المؤمنين فاردد إليه ظلامته.

فانتزع يده من يدي ومضى يهمهم ساعة، ثمّ وقف فلحقته، فقال: يا ابن

____________

1-النساء (4) : 58.

2-الكافي 1: 186، تهذيب الأحكام 4: 132، وغيرها من المصادر.

3-الكامل لابن الاثير 3: 63، 64، آخر سيرة عمر، حوادث سنة 23، واُنظر الإيضاح للفضل ابن شاذان: 169، وفيه: "انما صرفوها عنا".


الصفحة 139

عبّاس، ما أظنهم منعهم عنه إلاّ انّه استصغره قومه، فقلت في نفسي هذه شر من الأولى فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك فأعرض عني وأسرع، فرجعت(1).

3ـ حب الدنيا:

من يلاحظ تصرفات الصحابة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يجد أنّهم تصرّفوا من منطلق نظر كلّ واحد منهم إلى مصلحته الدنيوية فقط، وكأنّهم لا يحملون همّ الإسلام عدا الإمام عليّ(عليه السلام) وأهل بيته الذين لا يقاس بهم أحد وبعض الأصحاب القلائل جداً، وهذا طبعاً لا يعود إلى أيام وفاة الرسول فقط ، بل كان معظمهم في زمان الرسول أيضاً تلهيهم التجارة والصفق في الأسواق، وكانوا يتخلفون كثيراً عن سوح الجهاد، وعن أوامر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

إنّ ترك جثمان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بين يدي أهل بيته في المسجد، والتسابق إلى السقيفة والتشاجر من أجل السلطان، ثمّ العودة وإرهاب الناس على البيعة، ثمّ الاعتداء على بيت فاطمة الزهراء سلام الله عليها من الدلائل الواضحة على حبّ الدنيا، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة(2).

كما أنّ سبب بيعة الأنصار للمتآمرين على الخلافة إخلادهم إلى الدعة والخفض، كما صرّحت فاطمة الزهراءسلام الله عليها بذلك في خطبتها المشهورة قائلة: "ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة، ونجوتم بالضيق من السعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم

____________

1-شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12: 46، واُنظر السقيفة وفدك: 72، كشف الغمة 2: 46.

2-الخصال: 25، الجامع الصغير 1: 566، كنز العمال 3: 192، ح6114 وغيرها من المصادر.


الصفحة 140

الذي تسوغتم..."(1).

4ـ قلّة الوعي:

كان كثير من الصحابة لا يدركون عمق الحكمة في تصرّفات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لذا نجدهم يعترضون كثيراً على أوامر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو يتركونه وحيداً في الميدان أمام العدو كما حصل في كثير من المعارك مع المشركين إلاّ قلة قليلة أكثرهم من أهل بيته وفي طليعتهم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) الذي كان الرسول يعتمد عليه في المهمّات الصعبة، ولهذا الكلام شواهد كثيرة نكتفي بواحد منها: وهو عدم درك الأنصار لحكمة إعطاء المؤلّفة قلوبهم مالاً حتّى خاطبهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم...

فوجدتم يا معشر الأنصار، في أنفسكم في لعاعة من الدنيا، تألّفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله في رحالكم"(2).

____________

1-الاحتجاج 1: 140 واُنظر السقيفة وفدك: 102، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 213، بلاغات النساء: 18، بحار الأنوار 29: 229، وغيرها من المصادر.

2-مسند أحمد 3: 76، مجمع الزوائد 10: 29، الدرر لابن عبد البر: 235، وغيرها من المصادر.


الصفحة 141

(28) فضل أحمد شاه

(سنّي / باكستان)

ولد سنة 1340هـ (1922م) "بيتاله" الباكستانية، ونشأ في أسرة سنّية المذهب، عمل في مجال الطبّ وكانت له عيادة خاصّة في لاهور. اعتنق مع زوجته وأولاده مذهب التشيّع سنة (1953م).

انطباعي الأوّل عن الشيعة:

يقول فضل أحمد: كنت أكره الشيعة، وأتعامل معهم بشدّة، حتّى أني كنت أعتبر الحضور في المجالس التي يقيمونها عزاءاً لأبي عبد الله الحسين(عليه السلام) إثماً كبيراً لاعتقادي بأنّ مذهب الشيعة باطل من أساسه، ثمّ شاءت الأقدار أن ألتقي بشخص يعمل في إحدى الشركات، وكان رجلأ متحلّياً بالأخلاق الطيّبة بحيث ارتاحت له نفسي، وسكن له قلبي، فأوضح لي الكثير من الأمور، وبيّن لي طريق الهداية فبادرت إلى قراءة الكتب التي هيأها لي هذا الشخص حتّى شملتني الهداية، فتمسّكت بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وأولاده المعصومين.

هذا وقد دفعني حبّي للإمامين العظيمين سبطي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وولدي الإمام علي(عليه السلام)، وثمرتي فؤاد السيدة الزهراء الطاهرة(عليها السلام) الإمام الحسن والإمام الحسين(عليهما السلام) أن أُسمي القرية التي كنت أسكن فيها باسم (حسنين آباد)، وقد اشتهر


الصفحة 142

هذا الإسم في جميع أنحاء باكستان ـ رغم مخالفة الكثيرين ـ ببركة من سميت القرية باسمهما.

حبّ آل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم:

قال علي بن أبي طالب(عليه السلام): "من أحبّ الله أحبّ النبي، ومن أحبّ النبي أحبّنا، ومن أحبّنا أحبّ شيعتنا، فإنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ونحنُ وشيعتنا من طينة واحدة، ونحن في الجنة لا نبغض من يحبنا ولا نحبّ من أبغضنا"(1).

وعن ابن عباس قال: إنّ رسول الله كان جالساً ذات يوم وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهما السلام)، فقال: اللّهم إنّك تعلم أنّ هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس عليّ، فأحبّ من أحبّهم وأبغض من أبغضهم ووال من والاهم وعاد من عاداهم وأعن من أعانهم وأجعلهم مطهرين من كلّ رجس، معصومين من كل ذنب وأيّدهم بروح القدس منك... ثمّ رفع يده إلى السماء فقال: اللّهم إني أشهدك أنّي محبّ لمن أحبّهم ومبغض لمن أبغضهم وسلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم وعدو لمن عاداهم وولي لمن والاهم(2).

وقال سلمان الفارسي(رضي الله عنه): دخلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده الحسن والحسين يتغدّيان والنبي يضع اللقمة تارة في فم الحسن وتارة في فم الحسين(عليهما السلام)، فلّما فرغا من الطعام أخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الحسن على عاتقه والحسين على فخذه، ثمّ قال لي: يا سلمان أتحبّهم؟

قلت: يا رسول الله كيف لا أحبّهم ومكانهم منك مكانهم؟

____________

1-تفسير فرات الكوفي: 128، سورة المائدة، حديث146.

2-أمالي الصدوق: 574، المجلس الثالث والسبعون حديث18.