المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 143

قال: يا سلمان من أحبّهم فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله(1).

وعن ابن عباس عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "أيها الناس اسمعوا قولي واعرفوا حقّ نصيحتي ولا تخالفوني في أهل بيتي إلاّ بالذي أمرتم به ومن حفظهم فقد حفظني فإنهم حامتي وقرابتي وإخوتي وأولادي فإنّكم مجموعون ومسائلون عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهم فإنّهم أهل بيتي فمن آذاهم فقد آذاني ومن ظلمهم فقد ظلمني ومن أذلهم فقد أذلني ومن أعزّهم فقد أعزّني ومن أكرمهم أكرمني ومن نصرهم نصرني ومن خذلهم خذلني ومن طلب الهدى في غيرهم فقد كذّبني، أيّها الناس اتّقوا الله وانظروا ما أنتم قائلون إذا لقيتموني فانّي خصم لمن عاداهم وآذاهم ومن كنت خصمه فقد خصمته(2).

وعن عبد الله بن مسعود قال: كنّا مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض أسفاره إذ هتف بنا أعرابي بصوت جهوري، فقال: يا محمّد.

فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): ما تشاء؟

فقال: المرء يحبّ القوم ولا يعمل بأعمالهم.

فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): المرء مع من أحبّ.

فقال: يا محمّد أعرض عليّ الإسلام.

فقال: اشهد أن لا اله إلاّ الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت.

فقال: يا محمّد تأخذ على هذا أجراً فقال: لا إلاّ المودّة في القربى، قال:

____________

1-كفاية الأثر: 44، بحار الأنوار 36: 304.

2-أمالي الصدوق: 12، المجلس الخامس عشر، الحديث 11، بشارة المصطفى: 39، الحديث 26.


الصفحة 144

قرباي أو قرباك، قال: بل قرباي، قال: هلمّ يدك حتّى أبايعك، لا خير فيمن يودّك ولا يودّ قرباك(1).

وقال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(2).

وقال تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ}(3).

وقال تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}(4).

وقال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً}(5)، أي: "إلاّ أن يشاء أحد منكم أن يتّخذ إلى ربّه سبيلا أي يستجيب دعوتي باختياره فهو أجري أي لا شيء هناك وراء الدعوة أي لا أجر"(6).

وقال الحسن بن علي(عليهما السلام): "إنّا من أهل البيت الذين افترض الله مودّتهم على كل مسلم، فقال: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}"(7).

وقال الإمام الرضا(عليه السلام) في حضور المأمون وجماعة من العلماء عن هذه الآية نقلاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): "ما بعث الله عزّ وجلّ نبياً إلاّ أوحى إليه أن لا يسأل قومه أجراً إلاّ أنّ الله يوفيه أجر الأنبياء ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فرض الله عزّ وجلّ مودة قرابته على أمته وأمره أن يجعل أجره فيهم ليؤدّوه في قرابته بمعرفة فضلهم الذي أحبّ

____________

1-أمالي المفيد: 151 المجلس التاسع عشر، الحديث 2.

2-الشورى (42) : 23.

3-سبأ (34) : 47.

4-الانعام (6) : 90.

5-الفرقان (25) : 55.

6-تفسير الميزان 18: 43.

7-مجمع البيان 9: 49.


الصفحة 145

الله عزّ وجلّ لهم فإنّ المودة إنّما تكون على قدر معرفة العقل، فلما أوجب الله ذلك ثقل لثقل وجوب الطاعة فتمسّك بها قوم أخذ الله ميثاقهم على الوفاء وعاند أهل الشقاق والنفاق والحسد وألحدوا في ذلك"(1).

وعن أبي هريرة قال: "مرّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) بنفر من قريش في المسجد، فتغامزوا عليه، فدخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فشكاهم إليه فخرج(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو مغضب فقال لهم: أيّها الناس مالكم إذا ذكر إبراهيم وآل ابراهيم أشرقت وجوهكم وإذا ذكر محمّد وآل محمّد قست قلوبكم وعبست وجوهكم، والذي نفسي بيده لو عمل أحدكم عمل سبعين نبيّاً لم يدخل الجنة حتّى يحب هذا أخي علياً وولده"(2).

____________

1-أمالي الصدوق: 620، المجلس التاسع والسبعون، الحديث الأول.

2-الروضة لابن شاذان: 169، الحديث 46، بحار الأنوار 27: 196، الحديث 56.


الصفحة 146

(29) فضل حسين

(حنفي / باكستان)

ولد في "باكستان" ونشأ في أسرة حنفيّة المذهب، وعمل بعد ذلك كموظف في الحكومة.

اعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد بحوث مستمرّة ودراسات عميقة، استغرقت سبعة عشر عاماً، راجع فيها أدلّة الشيعة على معتقداتهم، واطّلع على نقاط الاختلاف بين مذهب الإمامية الاثني عشرية وباقي المذاهب السنيّة ـ خصوصاً مسألة الإمامة والخلافة ـ وقام بعد ذلك بتمحيصها في ذهنه، حتّى تجلّى له الحقّ فاتّبعه، ورفض مذهبه وسائر المذاهب الأخرى، واهتدى إلى الصراط المستقيم.

ويقول "فضل حسين": كان اعتقادي في الخلافة ما يعتقده السنّة من عدم وجود ضابط محدود لها، فإذا وقع اختيار الأمّة على أحد فيصبح هو الخليفة، بل لو استولى أحد على الأمّة بالقهر والغلبة والاستبداد فهو أهل للإمامة، إذ ليس الإيمان عندهم من شرائط الإمامة.

ولكن تبيّن أنّ الإمام خليفة الله، وخليفة رسوله في الأرض، فأيّ دخل للأمّة في تنصيبه؟ على أنّ نصب الخليفة إنّما يكون بأمر من الله تعالى، وليس


الصفحة 147

للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه صلاحية فضلاً عن الأمّة وعوام الناس.

وإنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) لمّا نال منصب الإمامة، سأل الله تعالى أن يبقي هذا الشرف في ذرّيّته، فأجاب تعالى قائلاً: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، مشيراً بذلك إلى أنّ الظلم ينافي هذا العهد العظيم، فإنّ الذي يتولّد من الكافر، ويبقى كافراً إلى نصف حياته تقريباً لا يحق له استلام منصب الإمامة ; لأنّ الكفر ظلم، والظلم ينافي الإمامة.

آية العهد:

قال تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(1).

تعتبر آية العهد من الآيات الكريمة التي يستدلّ بها الشيعة الإمامية على أنّ الإمامة مقام إلهي يشترط فيه العصمة وهو منصب لا يتم باختيار العباد، وإنّما يحدّد بالنص والتعيين الإلهي.

وقال يوسف بن حاتم الشامي حول هذه الآية وقوله: "{إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}فقال إبراهيم(عليه السلام) من عظيم خطر الأمر عنده: {وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.

وفي خبر: أنّه قال: مَن الظالم من ولدي؟ قال: من سجد لصنم من دوني.

قال الفرّاء: أي لا يكون إماماً من أشرك.

قال إبراهيم: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} وقد ثبت أنّ النبيّ والاثني عشر(عليهم السلام) ما عبدوا الأصنام، فانتهت الدعوة إليهما، فصار محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّاً وعليّ(عليه السلام)وصيّاً.

ولمّا قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} صار العهد في الصفوة {وَوَهَبْنَا لَهُ

____________

1-البقرة (2) : 124.


الصفحة 148

إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ} إلى قوله {عابدين} فلم تزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض حتّى ورثها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ}، فكانت له خاصّة، فقلّدها عليّاً(عليه السلام) بأمر الله تعالى على رسم ما فرضها الله، فصارت ذرّيّته الأصفياء الذين أوتوا الإيمان والعلم.

وقول إبراهيم(عليه السلام): {وَمِن ذُرِّيَّتِي} "ومن" للتبعيض ليُعلم أنّ فيهم من يستحقّها وفيهم من لا يستحقّها، ومستحيل أن يدعو إلاّ لمن هو مثله في الطهارة لقوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.

وقال {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}، يجب أن يكونوا معصومين، ولمّا سأل الرزق {وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ} سأل عامّاً، ولمّا سأل الإمامة سأل خاصّاً قال {وَمِن ذُرِّيَّتِي}.

قال الإمام الصادق(عليه السلام) في قوله {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ}: أي الإمامة إلى يوم القيامة.

قال السدي: عقبه آل محمّد"(1).

واخترت ما كان عليه عليّ(عليه السلام) :

يقول "فضل حسين" إنّ ما توصّلت إليه خلال سبعة عشر عاماً حول موضوع الإمامة هو أنّها منصب إلهي، دلّت عليه آيات القرآن الكريم والنصوص الصحيحة عند المسلمين، وقد صرّح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في أخبار كثيرة بلغت حدّ التواتر أنّ وصيّه وخليفته من بعده هو أمير المؤمنين علي(عليه السلام).

ولأجل هذا تركت ما كنت عليه، واخترت ما كان عليه عليّ(عليه السلام)، ولقد كان من منن الله تعالى عليّ وعلى زوجتي أن وفقنا ببركة الإمام الحسين(عليه السلام) لاعتناق المذهب الحقّ.

____________

1-الدر النظيم، يوسف بن حاتم الشامي، 274 ـ 275.


الصفحة 149

(30) كليم الله محمّد نواز

(سنّي / باكستان)

ولد عام 1379هـ (1960م) في باكستان بمظفر كار، كان معتنقاً لمذهب أهل السنّة، ثمّ تعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق حضوره في المجالس الحسينيّة التي كان يقيمها الشيعة، وكان ذلك محفّزاً له للبحث في مجال تثبيت عقائده الدينية.

معطيات النهضة الحسينيّة

وجد كليم الله محمّد نواز بأنّ نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) تتضمّن أبعاد مختلفة، وقد تجلّت فيها حقائق كثيرة كشفت اللبس عن نفوس الكثير من الناس على مرّ العصور، وأنّ هذه النهضة لها صلة مباشرة بالأحداث الخطيرة التي وقعت بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لم ينهض إلاّ لتعميق المنهج المحمّدي في نفوس الأمّة، وإرجاعهم إلى الصراط المستقيم الذي بدأ انحرافه بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأنّ يزيد بن معاوية لم تصل إليه الخلافة إلاّ من خلال تمهيدات الخلفاء السابقين الذين وقفوا بوجه أهل البيت(عليهم السلام)، وفسحوا المجال للأمويين والطلقاء للتسرّب في الحكم.


الصفحة 150

ومن هنا نشأت نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) لتغربل الأمة، وتميّز بين الحقّ والباطل، وتكشف للناس ـ على مرّ العصور ـ الحقائق التي كانت خافية عنهم.

نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) عطاء وقوة:

إنّ نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) لم تكن مجرّد حدث تاريخي مختص بزمن وقوعه فقط ، بل أصبحت هذه النهضة قضيّة حيّة تمدّ الناس ـ على مرّ العصور ـ بالعطاء والقوة والعزيمة، وقد تركت هذه النهضة التي امتزجب باللوعة والمأساة أثراً كبيراً في أعماق وجدان الأمّة الإسلاميّة ولاسيما الشيعة، فدفعهم هذا الأمر إلى إحياء هذه المناسبة دائماً، وأيّام محرم وصفر بوجه خاص.

وأصبحت نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) ـ من هذا المنطلق ـ مدرسة ترفد أبناء المجتمع بعلوم ومعارف أئمة أهل البيت(عليهم السلام) .

ولهذا تأثّر الكثير من الذين كانوا في غفلة عن منزلة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وكانوا في غفلة عمّا جرى عليهم.

التأثّر بنهضة الإمام الحسين(عليه السلام):

يقول "كليم الله محمّد نواز": كان لقضية عاشوراء وتضحية الإمام الحسين (عليه السلام) في ذلك اليوم أثراً بليغاً في نفسي، ومن خلالها تفتّحت آفاق رؤيتي، فطالعت التاريخ لأتعرّف على بدء الانحراف الذي دفع الإمام الحسين(عليه السلام) من أجل إصلاحه.

ومن هذا المنطلق تبيّن لي منشأ الفتنة التي ابتليت الأمّة بها بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .

التأثّر بالمجالس الحسينيّة:

يضيف "كليم الله محمّد نواز": واصلت الحضور في المجالس الحسينيّة


الصفحة 151

فتعرّفت في هذه المجالس على شخصيات شيعية واعية، ففتحت معهم أبواب الحوار، وكنت في كلّ يوم أجلس معهم، وأصغي إلى الحقائق التاريخية التي كانوا يبيّنونها لي بالأدلة والبراهين الموثّقة.

وبمرور الزمان تبلورت قناعة "كليم الله محمّد نواز" بأحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ولكنّه وجد أمامه الكثير من الموانع النفسية والاجتماعيّة التي كانت تمنعه من تغيير انتمائه المذهبي.

ولكنه فكّر ذات يوم بأنّ اعتناق الحقّ يتطلّب التضحية، ولابدّ له من مواجهة أهوائه النفسية بقوة. فأحدث في نفسه ثورة كبيرة لتطهير ذاته من الجهل، والموروث العقائدي والرذائل النفسية.

الانتصار في التغلّب على الأهواء:

تمكّن "كليم الله محمّد نواز" بعد مجاهدة لنفسه أن يتغلّب على أهوائه النفسية، وأن يعلن التزامه بالمذهب الحقّ، فأعلن استبصاره في شهر محرّم الحرام عام 1422هـ ، والتحق بركب أتباع أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ولم يهتم بما سيقول، عنه أصدقاؤه وأقرباؤه ; لأنّه وجد نفسه بأنّه قد عرف الحقّ، ويحتّم عليه التكليف الشرعي التمسّك بهذا الحقّ.

استبصار زوجته وأولاده:

وجد "كليم الله محمّد نواز" بعد الاستبصار، بأنّه ينبغي أن يبيّن للآخرين الأدلّة التي دفعته للاستبصار ; لينقذهم من الجهل الذي هم عليه، وليذيقهم حلاوة طعم الحقّ كما ذاقه هو، فبدأ بزوجته وأولاده فعقد لهم العديد من الجلسات، وبيّن لهم الأدلة والبراهين التي دفعته إلى الاستبصار، ودعاهم إلى البحث.

فلم تمض فترة إلاّ واستبصرت زوجته وأولاده الخمس، وكان من أهم الأمور التي دفعتهم لتقبّل كلامه بعد البحث والوصول إلى القناعة، أنّهم وجدوا بأنّ


الصفحة 152

شخصية "كليم الله محمّد نواز" تغيّرت نحو الأفضل والأكمل بعد الاستبصار، فعرفوا بأنّ المذهب الشيعي يحتوي على رؤية كونية مبتنية على الأسس والقواعد الرصينة القادرة على إضفاء الكمال على منتميه.

مواصلة البحث:

لم يترك "كليم الله محمّد نواز" البحث بعد الاستبصار، بل واصل بحثه في الصعيد الديني، وبدأ بقراءة كتب أحاديث وأقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وركّز اهتمامه على كتاب نهج البلاغة.

وبهذا شعر كليم الله أنّه يزداد يوماً بعد آخر معرفة تقرّبه إلى الله تعالى، وتعبّد له الطريق للوصول إلى رضوانه.

توصيته لجميع المسلمين:

يقول كليم الله: أنا آمل أن يهتم جميع المسلمين بدينهم، فيخصصوا لأنفسهم وقتاً لطلب العلم ومعرفة الحقّ، وأن لا يبقوا في دينهم مجرّد مقلّدين في الأصول العقائدية والأسس الفكرية ليقودهم الآخرون وهم في غفلة يعمهون.


الصفحة 153

(31) محمّد إبراهيم كرم بخش القريشي

(حنفي / باكستان)

ولد سنة 1338هـ (1920م) في "تلوندي بندران" التابع للواء سيالكوت في باكستان، ونشأ في أسرة حنفية المذهب، كان بعد استبصاره متكلّماً بارعاً ومناظراً قوياً، أفحم العلماء، وأذهل رجال الدولة، وقد هدى جماعة كبيرة من الناس إلى مذهب التشيع بالحجة الناصعة، والتفكير المنطقي السليم.

خلفية قناعاتي بالخلافة الإسلامية:

يقول محمّد إبراهيم: رغم اعتقادي المتوارث، كانت مسألة الخلافة ذات إشكالات كثيرة لديّ، فكانت أفكاري تضطرب، وعقيدتي تتزلزل بين فترة وأخرى، ولمّا راجعت علمائنا في ذلك لم أجد جواباً شافياً لاشكالاتي، وبدلاً من ذلك قالوا لي: لا ينبغي لأمثالك التدخّل في مثل هذه المسائل الدقيقة، فانّ الخوض في مسألة الخلافة والتفكير في نتائجها يؤدي إلى تزحزح الايمان وضعف اليقين!

بغضي للشيعة:

يقول محمّد إبراهيم أستاجرت حانوتاً في السوق الصغير في (تلوندي بندران)، وأنا أبغض الشيعة ومذهبهم وراثة، وقد اتفق أن جاء يوماً الشيخ عنايت


الصفحة 154

حسين وكان الوقت ظهراً فأخذ يتكلّم حول موضوع الخلافة، فقلت له مبادراً: ايّها الشيخ، لماذا لا تعتقد الشيعة بخلافة الثلاثة؟

فقال: تعتقد الشيعة بأنّ الخلافة بالنص ولا يحق لأحد الإعراض عن النص والعمل حسب هوى نفسه، وهنا أذّن المؤذّن، فقمنا معاً إلى الصلاة، ولحق بنا جاري الشيخ غلام حيدر وكان حانوته محاذياً لحانوتي، ولمّا وصلنا المسجد شرعت في الوضوء، فقال لي الشيخ عنايت حسين: إنّ وضوءك هذا يخالف نص القرآن، فعظم ذلك عليّ وقلت له: ما هو دليلك على ما تقول؟ ثمّ أخذت القرآن وأخرجت آية الوضوء في سورة المائدة وتأمّلت فيها، فشككت في وضوئي، هل هو يخالف القرآن؟!

وهناك قال لي جاري الشيخ غلام حيدر وكان شيعياً أيضاً: إنّ الوضوء شرط في صحة الصلاة وفساد الشرط يستلزم فساد المشروط، فينبغي لك التحقيق حول هذه المسألة كي يمكنك إتيان الصلاة صحيحة بشرائِطها. فعزمت حينئذ على مراجعة علمائنا لأرى ما هو الحلّ لديهم، فكان أمراً آخراً لم أجد فيه حلاًّ ناجحاً.

استمرت مناقشاتي مع جاري الشيخ غلام حيدر، واستمر بنا الحال هكذا لمدّة خمس سنوات وكنت في كل مناقشة يضاف لدي إشكال آخر لا أجد له جواباً مقنعاً، وكنت قد ناقشت الكثير من علماء مذهبنا، وقد أبلغوا والدي بأنّ ولدك هذا سيتشيع!!

نقل والدي محلّ عملي من السوق الصغير إلى السوق الكبير، وسلّم حانوتي إلى أخي محمّد إسماعيل.

كان السوق الكبير أكثر ازدحاماً، وأوفر زبائناً، وكنت أعمل تحت نظر أبي في دكانه وكان كلّما يرد علينا أحد العلماء، كان أبي ـ هذه المرة ـ هو الذي يسأله عن مسائل الخلاف لعلّه يردّني إلى ما كنت عليه سابقا، وكنت أنا أحاور هؤلاء العلماء بين يدي والدي حتّى تكاملت معرفتي، وأيقنت بأحقية مذهب التشيّع،


الصفحة 155

فقرّرت تصحيح صلاتي عند جاري السابق الشيخ غلام حيدر، وكنت أتعبد في الخفاء خوفاً من الوالدين والأقرباء والأصدقاء، ولم يعجبني هذا الوضع، وكنت أقول لنفسي: لو قامت القيامة وذهب عنك الأقارب والأصدقاء فبماذا تجيب، وهل ينفعك هذا الخوف منهم؟ قم وأعلن استبصارك على رؤوس الأشهاد!

وهكذا كان فأعلنت تشيّعي، ووقفت في المسجد أمام الجميع وتوضأت كما يتوضأ الشيعة وصلّيت كما يصلون، فانتشر الخبر ووصل إلى أهلي، ودخلت الدار وإذا الجميع يقولون تبعاً للوالد: اُخرج من البيت فقد كفرت! وكلّما حاولت التوضيح لهم، كان الجواب قاطعاً: أخرج، يا كافر! خرجت من الدار، وبلغ الخبر إلى صديقي وجاري الشيخ غلام حيدر، فجاءني مسرعاً وتلاقينا في الطريق وكنت مع عيالي وأطفالي فقال: ما الخبر، قلت وأنا متأثّر جداً: اليوم انقطعت القرابات، قال مسلّياً: لا تخف فانّ قرابة الدنيا لا تنفع في الآخرة، وأخذني إلى داره، وهيأ لي مالاً للبدء في الكسب والعمل من جديد.

مناظرة حاسمة:

يضيف محمّد إبراهيم: استمرت قطيعتي مع أهلي لمدة سنة ونصف إلى أن أشارت والدتي على والدي في ضرورة إرجاعي إلى البيت قائلة له: نحن أخرجناه تهديداً لعلّه يرجع إلى المذهب، ولكن هذا لم ينفع، ثمّ هو ولدنا الأكبر ولا تتّم الأمور البيتية إلاّ بوجوده، فلابدّ لنا من إرجاعه، فقبل والدي على مضض لعلّه يجد طريقاً آخر لارجاعي إلى ما كنت عليه.

رجعت إلى البيت وأنا صحيح الإيمان، صلب العقيدة، وأخذت أبيّن عقائدي لأهلي فقال لي والدي ذات يوم: أطلب منك أن تتناظر مع الشيخ (الحافظ رحيم بخش) فان غلبك إرجع إلى المذهب السني الذي نشأت عليه فوافقت وقلت له: وان ظهر عجزه عن جوابي فعليكم أن تقبلوا مذهب الشيعة، فقال إخوتي


الصفحة 156

كلّهم إن عجز الحافظ عن الإجابة على أسئلتك فنحن معك على ما أنت عليه من التشيّع.

جاء الحافظ إلى دارنا وبدأنا في الكلام:

خاطبني الحافظ قائلاً: يا ولدي، ما الذي أوجب اعراضك عن الخلفاء الثلاثة؟

قلت له: أمن العدل أن نترك علياً(عليه السلام) الذي قال الرسول الأعظم في حقه: انه نفسي ولحمي(1)، ونتمسّك بأبي بكر؟

قال الحافظ: إن الله هو الذي أمر بخلافة أبي بكر في القرآن الكريم.

قلت: وأين هذا في الكتاب العزيز؟

قال: ألا ترى في آية الهجرة حيث جعله صاحباً للنبي، فلو لم يكن المقصود إعطائه هذا الشرف لم يكن ليصحبه النبي معه!!

قلت: أيّها الحافظ، اين تذهب؟ بحثنا حول الخلافة لاحول الصحبة، ثمّ ألا ترى أن النبي لما ترك علياً في فراشه في تلك الليلة، ليلة الهجرة ـ وهو يواجه خطر الموت ـ مدحه الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ}(2)، أليس هذا شرفاً ما بعده شرف.

يقول محمّد إبراهيم: استمر بنا الحديث وذكرت له الآية{بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}(3)، والآية{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}(4)، وناقشته في مضامينها الشريفة فظهر العجز على الحافظ وقال لوالدي: لا يوجد أمل في رجوع ولدك إلى طريق

____________

1-الخصال: 640، بحار الأنوار 32: 348.

2-البقرة (2) : 207، وقد ورد في عدّة كتب من كتب أهل السنة نزول هذه الآية في فضل أمير المؤمنين ليلة مبيته في فراش الرسول، منها: شواهد التنزيل 1: 123، 129، مستدرك الحاكم 3: 4.

3-المائدة (5) : 67.

4-المائدة (5) : 3.


الصفحة 157

الحق!ثمّ ذكرتُ حديث الغدير بالتفصيل، فانبهر الحافظ وقال: مما لا شك فيه أن علياً كان أفضل من الخلفاء الثلاثة في العلم والعمل.

قلت: إذا اعترفت بأفضليته، فأي شيء تريده أفضل من هذا كدليل على خلافته؟

لما سمع هذا الكلام اخوتي تشيّع منهم أخي: محمّد صديق، وأخي عبد الواحد، وتبعهما على ذلك ابن عمي شريف حسين.

ويضيف محمّد إبراهيم: الحمد لله على ظهور الحق، ونصرة ولاية أمير المؤمنين، والحمد لله ثانيا ودائماً على صفاء الجو في الأسرة حيث لم يعد أحد يعارض تمسكنا بولاية أمير المؤمنين(عليه السلام).


الصفحة 158

(32) محمّد إسماعيل

(حنفي / باكستان)

ولد في باكستان، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، كما كانت لهم ميول نحو التصوّف.

وكان "محمّد إسماعيل" محبّاً للعلم والمعرفة منذ صغره، وهذا ما دفعه لتلقّي العلم حتّى غدى في كبره خطيباً ومبلّغاً ومدرّساً وواعظاً.

يقول "محمّد إسماعيل": كان في جوارنا رجل من الشيعة كثير المناظرة والبحث، فقصدته يوماً لأناظره في الصعيد العقائدي، فوجدته عالماً عارفاً بكتب أهل السنّة، ولا يتكلّم اعتباطاً، ويدعم دائماً أقواله بالمصادر السنيّة الموثوقة.

أدب الحوار:

استحرّت المناظرة بين "محمّد إسماعيل" وذلك الرجل الشيعي لفترة مديدة، خاض فيها العديد من المباحث، منها القضاء والقدر، ومسألة فدك، وموضوع الإمامة والخلافة، ومسألة المسح على الرجلين في الوضوء، وكان "محمّد إسماعيل" يشعر في كلّ مرّة أنّ الأدلّة والبراهين التي يقدّمها له ذلك الرجل الشيعي أقوى من أدلّته وبراهينه، ولكنّه مع ذلك لم يشعر أبداً بالهزيمة أو الانكسار ; لأن المنهج الذي اتّبعه معه ذلك الرجل الشيعي منهج موضوعي مبتن على الحوار العلمي والبنّاء، وكان ذلك الرجل الشيعي يقول له دائماً: أنا وأنت


الصفحة 159

عندما نتحاور فإنّنا في الواقع في ساحة حرب، ولكن في هذه الساحة أنا وأنت لسنا في مواجهة الآخر، ولا يكون نهاية كلّ حوار أحدنا المنتصر والآخر هو المهزوم، بل نحن في هذا الحوار جنباً إلى حنب وعدونا العقيدة الباطلة، وأنا وأنت في جبهة واحدة، يساعد أحدنا الآخر لمعرفة الحقيقة الضائعة، ويحب أن يساعد أحدنا الآخر لمعرفة هذه الحقيقة.

ومن هذا المنطلق لم يشعر "محمّد إسماعيل" خلال حواره مع ذلك الرجل الشيعي أنّه يواجه خصماً وعدواً يحاول الإطاحة بعقيدته بل وجده ناصراً ومعيناً يساعده للتمييز بين الحقّ والباطل، ولهذا استمّر الحوار بينهما في ظلال أجواء هادئة وودّية وموضوعية.

عدالة الصحابة:

توصّل "محمّد إسماعيل" خلال البحث بأنّ أهل السنّة تركوا أهل البيت(عليهم السلام)وجعلوا البديل لتلقّي ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الصحابة، وهذا ما دعاهم إلى القول بعدالة جميع الصحابة، ولكنّه وجد خلال مطالعته لحياة الصحابة بأنّ من المستحيل أن يكون جميع الصحابة عدول، وفيهم من قتل بعضهم البعض، وسبّ بعضهم البعض، وفيهم من دخل الإسلام بإجبار، وهذا ما يحتّم على الباحث أن يتأنّى في تلقّي المعارف الدينية من الصحابة، وأن يجري قواعد الجرح والتعديل عليهم، لئلا يوقع نفسه في الهلاك.

وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: "... إنّي لست أخش عليكم أن تشركوا بعدي، ولكنّي أخش عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتُقتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم"(1).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً لأصحابه: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب

____________

1-صحيح مسلم 4: 1796.


الصفحة 160

بعض"(1).

أضف إلى ذلك توجد روايات عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تؤكّد وجود النكوص والانقلاب على الأعقاب من قبل الصحابة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) منها:

قال(صلى الله عليه وآله وسلم): "أنا فرطكم على الحوض، وسأنازع رجالاً فأغلب عليهم، فلأقولن ربِّ أصيحابي اصيحابي! فيقال لي: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك"(2).

اتّباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) :

واصل "محمّد إسماعيل" بحثه ودرس حياة أهل البيت(عليهم السلام) فوجدهم ذريّة اصطفاها الله تعالى وسدّد خطاها، وصانها من الخطأ والسهو، وجعلهم أوصياء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحفظة ما جاء به(صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن هذا المنطلق أعلن "محمّد إسماعيل" استبصاره عام 1940م، وصمد بوجه جميع العقبات التي وجدها أمامه قبل وبعد الاستبصار حيث عمد أقرباء زوجته إلى تطليقها بموجب فتوى أحد علماء أهل السنّة، ثمّ وصل الأمر إلى التهديد بالقتل، ولكن الله تعالى أبعد عنه السوء وحفظه من فتنتهم.

نشر علوم أهل البيت(عليهم السلام) :

بادر "محمّد إسماعيل" عام 1383هـ بتأسيس مدرسة باسم "درس آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)" في مدينة "لائل بور" لتعليم المناظرة والاحتجاج والحوار، وبدأ بنشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) فيها، وواصل نشره لعقيدة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من منطلق قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(3).

____________

1-مسند أحمد 3: 199، صحيح البخاري 2: 191، صحيح مسلم 1: 58، وغيرها من المصادر.

2-مسند أحمد 1: 452، واُنظر ما في معناه صحيح البخاري 7: 206، صحيح مسلم 7: 66.

3-النحل (16) : 125.


الصفحة 161

(33) محمّد أشرف كومارو

(سنّي / باكستان)

ولد عام 1382هـ (1963م) في ولاية السند بباكستان، ونشأ في أسرة سنّية بريلوية، درس الأكاديمية وحاز على شهادة الليسانس في الاقتصاد، اعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) سنة 1412هـ (1992م)، ثمّ صار مبلّغاً، وله العديد من النشاطات في الساحة الاجتماعية.

أسباب استبصاره:

وجد "محمّد أشرف" ـ بعد مطالعاته الحثيثة ومتابعاته الجادّة لكتب الشيعة أنّ بين المذهب الشيعي والمذهب السنّي اختلافات كثيرة في شتى الأصعدة الفقهيّة أو العقائدية، فكان هذا الأمر محفّزاً له على البحث والتنقيب من أجل توسيع آفاق رؤيته الدينية ; ليتمكّن من خلال غربلة موروثه العقائدي ومقايسته مع عقائد المذاهب الأخرى أن يكوّن لنفسه رؤية دينية مبتنية على الأدلة والبراهين المقنعة.

وبالفعل وجد "محمّد أشرف" الكثير من الحقائق التي كانت غائبة عن ذهنه، فأتاح له هذا الأمر الفرصة للنظر إلى مذهبه الموروث من خارج دائرة المذهب.


الصفحة 162

توصّل "محمّد أشرف" بعد المقارنات ومقايسة الأدلّة إلى قناعة لا يخالجها الشك، وإلى يقين لا يصمد أمامه أيّة شبهة، وتوصّل إلى أحقّيّة مذهب التشيّع الإمامي الاثني عشري.

ويقول "محمّد أشرف": كنت متأثّراً بالفكر الصوفي، ولي اتصالات مع الكثير من فرقها، وأكثرهم يحترمون أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، فصرت أقرأ عنهم، وصار هذا الأمر محفّزاً لي للتعرّف على التشيّع، والسؤال عن مذهبهم ودراسة أفكارهم ومعتقداتهم.

وقد لاحظتُ اختلاف الشيعة عن السنّة في الوضوء والصلاة وموعد الإفطار في الصوم، وغيرها من مسائل العبادات، كما وجدت الاختلاف بعد التحقيق في العقائد والتاريخ كمسألة الخلافة والإمامة وولاية أمير المؤمنين(عليه السلام)، وعزاء أبي عبد الله الحسين(عليه السلام).

فقرأت الكثير من كتب السنّة والشيعة حتّى عرفت بأنّ الحقّ مع أئمة أهل البيت(عليهم السلام) فتمسّكتّ بنهجهم وأخذت عنهم ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لهداية البشرية.

ولاية الإمام عليّ(عليه السلام) :

تطرّق "محمّد أشرف" إلى عدّة قضايا كانت محل اختلاف بين الشيعة والسنّة، فتوصّل من خلال بحثه وتتبّعه إلى حقّانيّة الشيعة في هذه المسائل، ونحن نستعرض، قضية واحدة من تلك القضايا وهي ولاية أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام).

فإنّ للشيعة أدلّة عديدة على ولاية الإمام عليّ(عليه السلام)، وأنّه الخليفة ـ بلا فصل ـ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، منها أدلّة قرآنية ومنها روائية ومن الأدلّة القرآنية قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(1) .

____________

1-المائدة (5) : 55.


الصفحة 163

والكلام عن هذه الآية يكون في شأن نزولها، وأخرى في وجه دلالتها.

شأن نزول آية الولاية:

اتفقت الشيعة على أنّ الآية نزلت في الإمام عليّ(عليه السلام) يوم تصدقّه بالخاتم وهو راكع.

ونقلت مصادر أهل السنّة هذه الحادثة أيضاً، فقد دلّت أقوال الصحابة والتابعين والعلماء من أهل التفسير والحديث والكلام على أنّ هذه الآية في الإمام عليّ(عليه السلام) يوم تصدّقه وهو في حالة الركوع.

قال الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان": "قال ابن عبّاس، وقال السدي، وعتبة بن حكيم، وثابت بن عبد الله: إنّما يعني بقوله {وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} الآية، عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) مرّ به سائل وهو راكع في المسجد وأعطاه خاتمه"(1).

وقال الثعلبي أيضاً: أبو الحسن محمّد بن القاسم بن أحمد، أبو محمّد عبد الله ابن أحمد الشعراني، أبو عليّ أحمد بن عليّ بن رزين قال: المظفر بن الحسن الأنصاري، قال: حدثنا السري بن عليّ الوراق، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الجماني، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عبادة بن الربعي، قال: بينا عبد الله ابن عبّاس جالس على شفير زمزم إذ أقبل رجل متعمّم بالعمامة فجعل ابن عبّاس لا يقول قال رسول الله، إلاّ قال الرجل: قال رسول الله؟ فقال ابن عبّاس: سألتك بالله، من أنت؟

قال: فكشف العمامة عن وجهه، وقال: يا أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري، أبو ذر الغفاري، سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بهاتين وإلاّ صمّتا، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا، يقول: عليّ قائد البررة،

____________

1-تفسير الكشف والبيان 4: 80 .


الصفحة 164

وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، أمّا إنّي صلّيت مع رسول الله يوماً من الأيام صلاة الظهر، فدخل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى السماء، وقال: اللّهم اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، وكان عليّ(عليه السلام) راكعاً فأومى إليه بخنصره اليمنى، وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا فرغ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من الصلاة فرفع رأسه إلى السماء وقال: "اللّهم أن أخي موسى سألك، فقال: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي}(1)الآية. فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا }(2) اللّهم وأنا محمّد نبيّك وصفيك فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأجعل لي وزيراً من اهلي علياً اشدد به ظهري... .

قال أبو ذر: فوالله، ما استتمّ رسول الله الكلمة حتّى أنزل عليه جبرئيل من عند الله، فقال: يا محمّد، إقرأ، فقال: وما أقرأ؟

قال: إقرأ {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} إلى {رَاكِعُونَ}(3) .

قال الآلوسي في روح المعاني ـ بعد أن ذكر الآية ـ : وغالب الأخباريين على أنّها نزلت في عليّ كرم الله تعالى وجهه، فقد أخرج الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنه بإسناد متّصل، قال: "أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله، إنّ منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس، وإنّ قومنا لمّا رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وصدّقناه رفضونا، وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا

____________

1-طه (20) : 25 ـ 31 .

2-القصص (28) : 35.

3-تفسير الكشف والبيان 4: 80 ـ 81 .


الصفحة 165

ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا، فقال لهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّما وليّكم الله ورسوله، ثمّ إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى المسجد، والناس بين قائم وراكع، فبصر سائل، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟

فقال: نعم، خاتم من فضّة.

فقال: من أعطاكه؟

فقال: ذلك القائم، وأومأ إلى عليّ كرّم الله تعالى وجهه، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): على أيّ حال أعطاك؟

فقال: وهو راكع، فكبّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ تلى هذه الآية"

فأنشأ حسّان (رضي الله تعالى عنه) يقول:

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكلّ بطيء في الهدى [الهوي]ومسارع
أيذهب مدحي المحبر ضائعاً ومـا المـدح في جنب الإلـه بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً زكـاة فـدتك النفس يـا خـير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية واثبتهـا في محكمـات الشـرائع(1).

قال ابن كثير: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدّثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، قال: "تصدّق عليّ بخاتمه، وهو راكع، فنزلت {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(2).

____________

1-روح المعاني 3: 334 وقد ورد في المصادر بصيغ متنوعة لكنها متقاربة المعنى.

2-تفسير القرآن العظيم ابن كثير 2: 75.


الصفحة 166

وقال أيضاً: وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدّثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن عبد الله، سمعت مجاهداً يقول في قوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} الآية فنزلت في عليّ بن أبي طالب، تصدّق وهو راكع(1).

ثمّ ذكر ابن كثير عدّة روايات مسندة بهذا المضمون.

قال السيوطي في الدر المنثور: أخرج الخطيب في المتفّق عن ابن عبّاس، قال: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للسائل من أعطاك هذا الخاتم؟

قال: ذاك الراكع، فأنزل الله تعالي {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ}(2).

ثمّ ذكر السيوطي عدّة روايات بهذا المضمون.

قال ابن عساكر في تاريخه: أخبرنا خالي أبو المعالي القاضي، نا أبو الحسن الخلعي نا أبو العبّاس أحمد بن محمّد الشاهد، نا أبو الفضل محمّد بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن الحارث الرملي، نا القاضي حملة بن محمر، نا أبو سعيد الأشح، نا أبو نعيم الأحول، عن موسى بن قيس، عن سلمة، قال: "تصدّق عليّ(عليه السلام) بخاتمه، وهو راكع، فنزلت {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(3).

وروى حديثاً آخر بسند آخر بهذا المضمون.

وقد نقل القاضي عبد الرحمن الأيجي في المواقف ـ عند عرضه لأدلّة الخصم على إمامة الإمام عليّ(عليه السلام) ـ إجماع المفسّرين على أنّ الآية نزلت في عليّ(عليه السلام)، وعند ما كان في مقام الجواب لم يناقش في ذلك(4)

____________

1-المصدر السابق.

2-الدر المنثور 2: 519.

3-تاريخ مدينة دمشق 42: 357.

4-المواقف: 405.


الصفحة 167

وكذا الجرجاني في شرح المواقف(1)، والتفتازاني في شرح المقاصد(2).

وهناك مصادر كثيرة أثبتت أنّ الآية نزلت في عليّ(عليه السلام)، كما لا يخفى على المتتبّع.

دلالة آية الولاية:

قد عرفنا إلى الآن أنّ المتصدّق وهو راكع في صلاته، هو الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وأنّه ولي، فما معنى الولاية التي ثبتت للإمام(عليه السلام)؟

حصرت هذه الآية المباركة الولاية في ثلاثة، لله سبحانه وتعالى، وولايته تعالى معروفة وواضحة، فله تعالى التصّرف بالأشياء وهو الأولى بذلك.

ثمّ عطفت الآية بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو ولي، وولايته(صلى الله عليه وآله وسلم) معروفة أيضاً ومشخصّة، قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}(3) فهو أولى منهم بالتصرّف بكل شؤونهم.

ثمّ عطفت الآية المباركة بالمؤمنين من تصدّق بخاتمه وهو الإمام عليّ(عليه السلام)فعلى ما يقتضيه وحدة السياق في الآية المباركة أنّ ولاية الإمام عليّ(عليه السلام) فهو أولى بالتصرّف من غيره في شؤون المؤمنين والأمّة الإسلاميّة.

ومن ثبت له هذا الحقّ هو الإمام بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والخليفة الشرعي.

الإشكالات الواردة على الاستدلال المتقدّم:

أشكل على دلالة هذه الآية المباركة على إمامة الإمام عليّ(عليه السلام) بعدّة إشكالات:

____________

1-شرح المواقف 8 : 360.

2-شرح المقاصد 5: 270.

3-الأحزاب (33) : 6.


الصفحة 168

الإشكال الأوّل:

أنّ لفظ "وليكم" في هذه الآية لابدّ من حمله على الناصر والمحب، وهذا المعنى نستكشفه من وحدة سياق الآيات، فإنّ الآية التي قبل هذه الآية هي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء}(1)، فمعناها لا تتخذوهم أحبّاء وناصرين، ولا معنى أن يقال: لا تتخذوهم أئمّة متصرّفين في شؤونكم، فعندما نهى تعالى عن هذه الولاية أمر بولاية أخرى، لابدّ أن تكون من نسخ الولاية المنهي عنها لوحدة السياق.

وأمّا الآية التي بعد آية "إنّما وليكم..." هي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء}(2)وهذه أيضاً لا يصح حملها على الأولوية بالتصّرف، بل معناها النصرة والمحبة.

الجواب عن هذا الإشكال يشتمل على عدّة أمور:

الأمر الأوّل:

أنّ الولاية في هذه الآية لا يمكن حملها على ولاية النصرة في النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يصح أن نقول: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ناصر للمؤمنين ; وذلك لأنّ النصرة التي يذكرها الله تعالى في القرآن الكريم في كثير من الآيات هي النصرة في الدين، فيصحّ أن يقال: إنّ الدين لله بمعنى أنّه مشرعه وجاعله، فيكون الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ناصراً لله وكذا المؤمنون، وهذا لا إشكال فيه، قال تعالى: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ}(3)، وكذا يصحّ أن يقال إنّ الدين للنبي ; لأنّه صاحب الشريعة ومبلّغها، فيكون المؤمنون ناصرين له(صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: {وَعَزَّرُوهُ

____________

1-المائدة (5) : 51 .

2-المائدة (5) : 57 .

3-الصف (61) : 14.


الصفحة 169

وَنَصَرُوهُ}(1) وقال تعالى: {وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}(2).

ويصحّ أن يقال: إنّ الدين للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وللمؤمنين بمعنى أنّهم المكلّفون بشرائعه وأحكامه، فيكون الله ناصرهم، قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَْشْهَادُ}(3).

ولكن لا يصحّ أن يفرد الدين للمؤمنين خاصّة ويكونوا هم الأصل، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بمعزل عن ذلك ; لأنّه ما من فضيلة إلاّ والرسول مشاركهم فيها على أحسن وجه، فلا يصحّ أن يكون الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ناصراً للمؤمنين(4)، قال السيّد العلاّمة في الميزان: ولذلك لا نجد القرآن يعدّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ناصراً للمؤمنين ولا في آية واحدة(5) فإذا لم يصح ان يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ناصراً، فإن سياق الآية الذي ادعاه المستشكل قد اختل ولا يمكن الاعتماد عليه.

الأمر الثاني في ردّ الإشكال:

أنّ الآية حصرت بكلمة (إنّما) الولاية في الله تعالى والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وعليّ(عليه السلام)، فلا يصحّ أن نحمل الولاية في هذه الآية على النصرة والمحبّة ; لأنّ النصرة عامّة ومطلوبة من كلّ المؤمنين، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض}(6)، ففي هذه الآية تحمل كلمة (أولياء) على النصرة والمحبّة، وأمّا قوله تعالى: (أنّما وليكم..) فالحصر يمنع تفسير الولاية فيها بمعنى النصرة والمحبّة.

الأمر الثالث في ردّ الإشكال:

____________

1-الأعراف (7) : 157.

2-الحشر (59) : 8 .

3-غافر (40) : 51 .

4-الميزان 6: 6، بتصرّف.

5-الميزان 6: 7 .

6-التوبة (9) : 71 .


الصفحة 170

إنّ هذه الآية قيّدت في ذيلها الولاية بحال الركوع (وهم راكعون) فلو كانت هي ولاية النصرة فستكون مقيّدة مع أنّ النصرة مطلوبة على كلّ حال سواء في حال الركوع أو غيره، حتّى لو فسرّنا الركوع بمعناه اللغوي: الخشوع، فإنّ النصرة مطلوبة حتّى في غير حال الخشوع .

فالولاية في هذه الآية هي ولاية التصرف، وهي ولاية محصورة ومقيّدة.

الإشكال الثاني: على دلالة الآية:

أنّ الألفاظ في هذه الآية جاءت بصيغة الجمع: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، فكيف يكون المقصود عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)وهو مفرد؟

توجد عدّة أجوبة لهذا الإشكال:

الأوّل: جواب الزمخشري صاحب الكشّاف، وهو من كبار علماء السنّة، ما ملخّصه: إنّ الفائدة في مجيء اللفظ بصيغة الجمع هي ترغيب الناس في مثل فعل عليّ(عليه السلام)، وأن يكون المؤمنون حريصين على مساعدة الفقراء والمساكين حتّى في حال الصلاة(1).

الجواب الثاني: أنّ الله تعالى أراد ان يعظّم هذه الفضيلة لعلي(عليه السلام) فجاء بلفظ الجمع.

الجواب الثالث: هناك آيات كثيرة وردت بلفظ الجمع مع أنّه أُتفق على أنّها نزلت في المفرد، من قبيل آية المباهلة فإنّها وردت بصيغة الجمع مع الاتّفاق على أنّها نزلت في مفرد، فقوله تعالى: {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ}، مع أنّ المراد هو عليّ(عليه السلام)، وقوله {وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ}، مع أنّ المقصود فاطمة الزهراء(عليها السلام).

وقوله: {أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ} مع أنّ المقصود الحسن والحسين(عليهما السلام)، وهذا لا

____________

1-تفسير الكشاف 1: 636.


الصفحة 171

خلاف فيه بين المفسّرين.

والآية الأخرى التي جاءت بلفظ الجمع مع أنّ المقصود منها هو المفرد هي الآية التي قبل آية الولاية، قال تعالى {يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ}، فقال المفسرون: المقصود هو عبد الله بن أبي، فهو القائل.

وهناك نظائر كثيرة في القرآن الكريم في كلام العرب بصورة عامّة لهذا الإطلاق وهذا الاستعمال.

الجواب الرابع: وهذا جواب ذكره السيّد العلاّمة في الميزان، قال: "إنّه فرق بين إطلاق لفظ الجمع وإرادة الواحد واستعماله فيه، وبين إعطاء حكم كلّي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع لينطبق على من يصحّ أن ينطبق عليه، ثمّ لا يكون المصداق الذي يصّح أن ينطبق عليه إلاّ واحداً فرداً، واللغة تأبى عن قبول الأوّل دون الثاني"(1).

الإشكال الثالث على دلالة الآية:

إنّ استدلال الشيعة على إمامة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بهذه الآية يلزم منه نفي إمامة من تأخّر عن عليّ(عليه السلام) من باقي الأئمّة الاثني عشر ; لأنّهم قالوا: إنّ الآية حصرت الولاية في الله تعالى والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ(عليه السلام)، وهذا معناه نفي الإمامة عن الباقين، فتنفي إمامة من تقدّم على عليّ(عليه السلام) ولكن هذا كما ينفي إمامة من تقدّم على عليّ(عليه السلام)، كذلك ينفي إمامة من تأخّر عنه.

جواب الإشكال:

مقتضى الحصر في الآية أنّه مع وجود الإمام عليّ(عليه السلام) وحين حياته لا تصحّ إمامة غيره، أمّا بعد وفاته فالآية ساكتة عن ذلك، والخلفاء الثلاثة حكموا في حياته(عليه السلام)، فحكومتهم باطلة بمقتضى الحصر، وأمّا إمامة باقي الائمّة الاثني

____________

1-تفسير الميزان 6: 9.


الصفحة 172

عشر(عليهم السلام) فإنها كانت بعد حياته(عليه السلام)، وبعد وقت إمامته، فلا تعارض بين إمامته(عليه السلام)وإمامتهم(عليه السلام).

وبعبارة أخرى: أنّ الحصر في الآية بنفي الإمامة العرضية لأمامة الإمام عليّ(عليه السلام) لا ينفي الإمامة الطولية.

الإشكال الرابع على دلالة الآية:

وهذا الإشكال يتفرّع نوعاً ما على الجواب المتقدّم وهو:

إذا كانت ولاية الإمام عليّ(عليه السلام) مطلقة فهذا يعني انّه(عليه السلام) إمام وولي حتّى مع وجود رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ما لا يلتزم به أحد، وإذا جاز أن تكون إمامته متأخّرة ومقيّدة بزمان دون زمان فيجوز أن تكون إمامته بعد من تقدّمه من الثلاثة.

جواب الإشكال:

الجواب عن هذا الإشكال بعدّة أمور:

الأمر الأوّل:

أنّ وجود حقّ لشخص لا يعني إعمال ذلك الحقّ، فمن الجائز أن يكون حقّ لشخص ولكنّه لا يستخدم ذلك الحقّ ولا يفعله، فإنّ نائب الرئيس له صلاحيات الرئيس، فله إعمالها مع عدم حضور الرئيس، أمّا مع حضوره فالنائب له هذا الحقّ وهذه الصلاحيات، ولكن لا يعملها ولا يفعلها.

فالإمام عليّ(عليه السلام) ولي وله حقّ التصّرف، ولكن مع وجود الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعمل ذلك الحقّ ولا يفعله، أمّا بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يكون حقّ التصرف مباشرة للإمام وبلا فصل، وهذا مقتضى الحصر.

وبعبارة أخرى: أنّ المنفي في زمن الخطاب هو الولاية "الفعلية الاستقلالية" لا "الانشائية" الثابتة بمقتضى الآية.

الأمر الثاني في ردّ الإشكال:

الجواب: لو تنازلنا، وقلنا: إنّ ولاية الإمام عليّ(عليه السلام) مقيّدة بزمان دون زمان


الصفحة 173

لأنّها لم تكن زمن حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فهذا لا يجوّز أن يتقدم على الإمام(عليه السلام) غيره بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ; وذلك لأنّ الآية حصرت الولاية في الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والإمام عليّ(عليه السلام) ومعنى الحصر نفي الإمامة عن الغير، فإمامة من تقدّم على عليّ(عليه السلام) منفية بمقتضى الحصر، فكيف يجوّز تقدّم الثلاثة عليه بحجة أنّ ولايته مقيّدة بزمان دون زمان؟!

وبعبارة أبسط : إذا كانت الولاية منحصرة في الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ(عليه السلام)ومقتضى الحصر نفي الولاية عن غيرهما، فمع وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لمن تكون الولاية؟

والجواب عن هذا السؤال واضح وبيّن للمنصف المحايد، وأنّ الولاية للإمام عليّ(عليه السلام) بعد الرسول بلا فصل، ولا يكابر في ذلك إلاّ معاند أعمت العصبية قلبه، أو جاهل سدّ التقليد نوافذ فكره وعقله.

الأمر الثالث في ردّ الإشكال:

وهو ما ذكره الشريف المرتضى في الشافي، قال: "أمّا الذي يدلّ على اختصاصه بموجب الآية في الوقت الذي ثبت له(عليه السلام) الإمامة فيه عندنا، فهو أنّ كلّ من أوجب بهذه الآية الإمامة على سبيل الاختصاص أوجبها بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل"(1).

الإشكال الخامس على دلالة الآية الكريمة:

إنّ الآية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...} خطاب إلى الأمّة، والأمّة كانت تعلم أنّ الله تعالى هو الأولى بالتصرّف، فلا معنى لأن يجبرهم الله تعالى بذلك، فلابدّ أن يكون المعنى أنّه ناصرهم، حتّى يثبّت قلوبهم ولا يتّخذوا اليهود والنصارى أولياء.

جواب الإشكال:

____________

1-الشافي في الإمامة 2: 234.


الصفحة 174

أوّلاً: أنّ الأمّة كما تعلم أنّ الله تعالى هو الأولى بالتصّرف، كذلك تعلم أنّه تعالى هو الناصر، وقد وردت آيات قرآنية عديدة تثبت هذا المعنى، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}(1).

ثانياً: هناك معاني عديدة تعلمها الأمة، مع ذلك تكرّر ذكرها في القرآن، كما في صفاته تعالى، فإنّ الله غفور، رحيم، كريم، عليم، رازق، فهذه أمور تعلمها الأمّة، فهل يلزم من تكريرها إشكال؟!

ثالثاً: أنّ الآية لم تثبت أمراً معلوماً فقط ، بل أثبتت وبيّنت أمراً جديداً، من خلال ربطه بالأمر المعلوم، فإنّ الله تعالى هو الولي المتصّرف، وهذا معلوم، ثمّ عطفت الآية بالرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى تعطيه هذا المقام وهذه الخصوصية، ثمّ عطفت بالمؤمنين الذين يؤتون الزكاة وهم في حال الركوع، وهو عليّ(عليه السلام) حتّى تثبت له هذا المقام وهذه المنزلة.

فكما نرى هذا الإشكال وغيره من الإشكالات المتقدمة في غاية الوهن والضعف، وهناك إشكالات أخرى، أضعف من هذه الإشكالات، لم تنطرق لوضوح بطلانها، وليست هي إلاّ جهد العاجز، والذي يريد أن يحاجج بلا بيّنة ولا برهان.

أمّا "محمّد أشرف" فإنّه كان يمتلك نظرة موضوعية للأمور، ولم يترك للعصبية والتحجر منفذاً إلى ذهنه وفكره، بل أراد الحقيقة كما هي، ناصعة مشرقة، فإنّه عندما قرأ هذه الآية المباركة واطّلع على وجوه الاستدلال بها، اطمأنّت نفسه لها، وانقاد عقله إلى نورها وضيائها، فأصبحت له دليلاً أو طريقاً إلى الحقّ.

فتمسّك "محمّد أشرف" بالمذهب الإمامي الاثني عشري، معلناً ذلك للجميع بكل شجاعة واطمئنان.

وكيف لا يطمئنّ إلى عقيدته من قادته الأدلّة الواضحة والبراهين الساطعة إلى ذلك؟!

____________

1-الروم (30) : 47.


الصفحة 175

الصفحة 176

(34) محمّد إقبال بهي

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1333هـ (1915م) في "فيروز بور" ونشأ في أوساط أسرة حنفيّة المذهب، تعرف بـ"راجوت بهي".

التحق بالشيعة الإمامية بعد أن ثبت لديه بالدليل القاطع بطلان ما يذهب إليه أهل السنّة من أنّ الخلافة تثبت بالشورى وباختيار المسلمين، وذلك لأنّ الخلافة والإمامة من الأمور العظيمة، فلا يجوز أن تسند إلى اختيار العباد وإرادتهم كما أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل أهل زمانه، ولا يُعلم هذا إلاّ بالنصّ من الله تعالى.

قبح تقديم المفضول على الفاضل:

يقول ابن زهرة الحلبي في بيان وجوب كون الإمام(عليه السلام) أفضل من رعيّته: على أنّ الأُمّة ليست معصومة، على ما سنبيّنه في موضعه إنّ شاء الله تعالى.

"ويجب في الإمام أن يكون أفضل من كلّ واحد من رعيّته فيما هو إمام لهم فيه، لما نعلمه ضرورة من قبح تقديم المفضول على الفاضل فيما كان أفضل منه فيه.

وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون أعرفهم بالتدبير والسّياسة ; لأنّ ذلك ممّا لا تنفك منه الرئاسة، وأعلمهم بالشريعة إذا ورد التعبّد بها وجعل الإمام حاكماً فيها