المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 177

ومنفذاً لها.

وأن يكون أشجعهم إذا كان متعبّداً بالجهاد، بل شجاعاً لا يجوز عليه الانهزام ; لأنّه فيه يفزع إليه، فلو جاز عليه ذلك لأدّى إلى فساد لا يتلافى.

ويجب عليه أن يكون أفضل رعيّته عند الله تعالى في باطنه، وأكثرهم ثواباً، لأنا قد دللنا على وجوب عصمته وكلّ من قال بذلك قطع على كونه أكثر ثواباً فالقول بوجوب عصمته وأنّه مفضول في الثواب، خروج عن الإجماع.

وأيضاً فالمعلوم أنّه(عليه السلام) يستحقّ على رعيّته من التعظيم ما لا يستحقّه أحدٌ منهم عليه، ولا يستحقّه بعضهم على بعض، وذلك يدلّ على كونه أكثر ثواباً ; لأنّ التعظيم كاشف عن استحقاق الثواب.

ويدلّ أيضاً على وجوب كون الإمام عالماً بجميع الشرع أنّه حافظ لجميعه لا حافظ له سواه، فلو كان غير عالم بجميعه لم يبق لنا طريق إلى العلم بجملته، وذلك لا يجوز.

ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه لعلّة، كما ادّعته المعتزلة ; لأنّ هذه التقديم قبيح في العقل.

ووجه قبحه، كونه تقديماً للمفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه، ومع ثبوت وجه القبح لا يحسن، كما لا يحسن الظلم، وإنّ عرض فيه وجه من وجوه الحسن، بأن يكون نفعاً للغير، وهذا أصل مقرّر بيننا وبينهم فكيف تناسوه هاهنا؟!

ولو جاز أن يقدّم المفضول على الفاضل لعلّة، لجاز أن يقدّم المتظاهر بالفسق بل الكفر على المؤمن العدل، لعلة وهذا ممّا لا يجيزونه"(1).

نهاية مطاف البحث:

انتهى محمّد اقبال بعد البحث والتحقيق إلى أحقّيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)،

____________

1-غنية النزوع لابن زهرة الحلبي 2: 155 ـ 157.


الصفحة 178

وكون الإمام قد عُيّن من قبل الله تعالى، وبلّغه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الأمّة، وما حصل من أمر الخلافة بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس له أي صبغة شرعية.

يقول "محمّد إقبال" وأعتقد الآن بعد البحث والتحقيق أنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) هو الخليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل، وأنّه الإمام الحقّ، وأنّ خلافته قد نصّ عليها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد غيّر لقبه بعد التحاقه بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) إلى "إقبال حسين".


الصفحة 179

(35) محمّد بخش قريشي

(سنّي / باكستان)

ولد سنة 1322هـ (1905م) في "دهولري ـ لائل بور" بباكستان، ونشأ في أسرة سنيّة.

كان من أتباع محمّد حسين شاه الصوفي، وقطب على شاه الصوفي، وشير محمّد شاه، والبابا فريد الدين، حيث قضى أكثر من عشرين عاماً من عمره في التصّوف.

وبعد انفصال باكستان عن الهند انتقل إلى لواء "جهنك" الذي يسكنه الشيعة، فأسّس هناك مركزاً لترويج المذهب السنّي، وكان السكرتير العام فيه، كما أسّس جمعية باسم "جمعية قريش"، وكان رئيسها، وأسّس لها فروعاً كثيرة في مختلف أنحاء البلاد.

استبصاره:

يقول محمّد بخش: اطلّعت أيام البحث والدراسة على حقائق لم أر علماءنا يذكرونها، بل كانت هذه الحقائق تخالف الكثير ممّا يذكرونه في مجالسهم، ولذلك ألّفت كتاباً في فضائل أهل البيت(عليهم السلام) جمعت فيه ما ذكره أصحاب الصحاح الستة


الصفحة 180

من فضائل أهل البيت(عليهم السلام).

كما أنّي كنت أحضر مجالس الشيعة في كثير من الأوقات، وأستمع فيها إلى خطب علمائهم ومحاضراتهم، ثمّ أرجع فيها إلى الكتب التي يذكرونها كمصادر فأجد ما يقولونه مطابقاً لمّا في كتبنا.

فتأثّرت بهذه المجالس واعتقدت بصحّة كثير ممّا يقوله علماء الشيعة وخطبائهم على رغم تسنّني، وقد بدا لي الحقّ واضحاً مع الشيعة في مواقف عديدة، غير أنّي لم أكن أظهر هذا بين الناس مداراة لهم، وحفاظاً على مناصبي الكثيرة.

كانت هذه طريقتي مع الناس حتّى وقع ذات يوم حدث دعاني إلى إظهار ما أعرف من الحقّ بكلّ وضوح وكان ذلك الحدث سبباً في تشيّع كثير من الناس.

السبب الذي دعاني لإظهار استبصاري:

قررّت جمعية أهل السنّة والجماعة ـ التي كنت السكرتير العام لها ـ عقد احتفال كبير في غيابي، ودعت المولى نور الحسن شاه بخاري رئيس جمعيّة تنظيم أهل السنّة للخطابة، فلمّا آن وقت احتفال السنّة اجتمع السنّة والشيعة في الجامع، وابتدأ المولى نور الحسن بالخطاب، وفي الأثناء سبّ الشيعة وشتمهم، فلمّا انتهت الخطبة جاء الشيعة إليّ وقالوا: إنّ المسجد مشترك بين الفريقين، فما معنى السبّ فيه؟ فذهبت إلى بيت الخطيب، وهم معي، وأخبرته بواقع الأمر.

فقال: إنّ المسجد وإنّ كان مشتركاً إلاّ أنّي لا أترك مذهبي والدعوة إليه، ثمّ قال: وإنّ أبيتم إلاّ التسامح فإنّي أحتاط بعد ذلك، فلمّا صعد المنصّة في اليوم الثاني تكلّم بكلام أفظع من الأوّل.

فاعترض الشيعة بشدّة، فتحيّرت، وأتيت بيت المولى ثانية ودعوته إلى الوحدة الإسلاميّة، فغضب الخطيب، وقال: إنّ الشيعة تسبّ الصحابة، وتشتم


الصفحة 181

الخلفاء، ونحن نداريهم، وإلاّ فالمذهب يجوزّ لنا أن نقابلهم بالمثل، ونسب علياً كسبّهم للخلفاء.

فغضبت من كلامه هذا، وقلت: لعن الله مذهباً يجوّز لعن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وسبّه، ولآن لزم عليك أن تحضر عند الأستاذ محمّد إسماعيل للبحث حول الموضوع، وإلاّ فنحن لا نخلّي سبيلك، فلمّا سمع هذا الكلام تحيّر وأخذ يفكّر كيف يتخلّص من هذه الأزمة إلاّ أنّي ألزمته ذلك، فلم يجد بدّاً من القبول.

وقال: أحضر غداً صباحاً للمباحثة معه، فلمّا أسفر ظلام الليل، وطلعت الشمس، وحان وقت حضوره بلغنا أنّ الخطيب هرب ليلاً خوفاً من عجزه وفشله.

فذهبت إلى الحفل الذي أقامه الشيعة، وذكرت حديث فرار الخطيب، وأعلنت أنّي اعتنقت المذهب الجعفري، فالتفّ الناس حولي، وأخذوا يدخلون في دين الله أفواجاً، فتشيّعتْ سبعون أو ثمانون أسرة سنيّة، وعدد كبير منهم، وحدث انقلاب عظيم في لواء (كثرة مهاراجه) ونقلت ذلك مجلّة (رضا كار) و(در نجف) وذلك عام 1952م.

اللعن في الإسلام

ورد اللعن في القرآن الكريم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا}(1)، وقال أيضاً: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ}(2)، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ}(3)، وقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ}(4)، وقال: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ

____________

1-الأحزاب (33) : 64.

2-النساء (4) : 47.

3-الأحزاب (33) : 57 .

4-المائدة (5) : 64.


الصفحة 182

الدِّينِ}(1)، وقال: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ}(2).

حيث نجد ان الله سبحانه وتعالى قد لعن الكافرين واليهود والشيطان وبني أمية (وهم الشجرة الملعونة) وغيرهم، واللعن من الله هو الطرد من رحمته، والله سبحانه عندما يلعن أحداً يلعنه بسبب الكفر أو أذية الله والرسول، أو غير ذلك، وهو حكيم في أفعاله، أمّا الناس فلعنهم هو إنشاء لا قيمة له إلاّ أن يقع موافقاً لمّا يريده الله سبحانه، فيكون كالإخبار والتصديق، أو يكون دعاءً بايقاع اللعنة على المدعو عليه، فاللعنة لا تقع على الملعون من قبل الناس إلاّ برضا الله سبحانه.

هذا وقد ورد اللعن كثيراً على لسان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان يلعن الكفار وقادتهم، وخصوصاً كفار مكّة الذين حاربوا الرسول وحاولوا اطفاء نور الإسلام في مهده، وقد كان نصيب بني أمية كأبي سفيان وأولاده.

إنّ السبّ الذي استدلّ له المولى شاه بخاري الناصبي حيث جوّز سبّ الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) باتهام الشيعة بأنّهم يسبّون الصحابة ويشتمون الخلفاء هو من الجهل الفظيع الذي لا يمكن الدفاع عنه، لذا نرى أنّه اختار الفرار في ليلة ظلماء بدل القرار والمواجهة مع الحقّ.

وبني أميّة هم الذين شرعوا سبّ الإمام عليّ(عليه السلام) على المنابر، وسمّوه سنّة، ودام هذا السب منهم أعواماً كثيرة بعد وفاته(عليه السلام) ولم يستطع أحد من المسلمين أن يغيّر ذلك عليهم، مع أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه قد نهى عن سبّ الإمام عليّ(عليه السلام)بشكل خاص حيث قال: "لا تسبوا علياً فانّه ممسوس في ذات الله"(3).

إنّ الذين يسبّون الإمام عليّ(عليه السلام) هم في الواقع يسبّون الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد

____________

1-سورة ص (38) : 78.

2-الاسراء (17) : 60.

3-المعجم الأوسط 9: 142، واُنظر: المعجم الكبير 19: 148.


الصفحة 183

في الحديث الشريف عن الرسول بنقل الجماعة من الصحابة(1).

وإذا كانت حجّة بني أميّة أنّهم عادوا بني هاشم على الإسلام في مجتمع قبلي ـ وإنّ كانت حجّة مدحوضة تصرّح بكفرهم ـ فما حجّةُ النواصب في عداءهم لعلي بن أبي طالب(عليه السلام)؟! إلاّ التمسكّ بأذيال سبّ الصحابة، وكأنّ علياً ليس من الصحابة مع أنّه أفضلهم بل هو نفس الرسول كما ورد في آية المباهلة(2).

____________

1-اُنظر: مسند أحمد 6: 323، المستدرك على الصحيحين 3: 121، السنن الكبرى 5: 133، الأحاديث 8475 ـ 8477 وغيرها.

2-آل عمران (3) : 61.


الصفحة 184

(36) محمّد ذكر الرحمن خان

(حنفي / باكستان)

ولد في باكستان، وترعرع في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي

بواعث اعتناقه لمذهب التشيّع:

قال "محمّد ذكر الرحمن": إنّ أوّل من اعتنق مذهب الشيعة الاثني عشري من بيتنا هو أخي الكبير الحافظ "فضل الرحمن"، وكان سبب تشيّعه أنّ أصدقاءه من الشيعة أصروا عليه أن يطالع كتب الشيعة والسنّة، ويقارن بينهما على ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل السليم، فبدأ بمطالعة كتب الفريقين، وأمعن النظر فيها وبدأ بالبحث والتحقيق حولها، فكانت النتيجة أن استبصر وتشيّع، كما هو حال كثير من أهل السنّة الذين استبصروا والتحقوا بركب أهل البيت(عليهم السلام).

وعلى إثر ذلك تشيّع أيضاً جميع أفراد عائلته، وكنت آنذاك في التاسعة من العمر، وكنت مشتغلاً بدراسة القرآن الكريم وحفظه في إحدى المدارس التابعة للمذهب السنّي.

فوصل خبر تشيّعنا جميعاّ إلى طلاب المدرسة ومعلّميها، فعظم ذلك عليهم، فأخذوا يطعنون علي بأنواع المطاعن، ويؤذونني بألوان الأذى فضعفت العلاقات الودّية التي كانت بيني وبينهم، فضاقت عليَّ الحياة المدرسية بما رحبت.


الصفحة 185

وكانوا يوردون عليَّ ما يورد السنّة على الشيعة من إشكالات وشبهات، وحيث كنت غير قادر على ردّها لعدم اطّلاعي على عقائد الشيعة وأصولها تماماً بمقتضى السن، راجعت أهل العلم والمعرفة من الشيعة وأخذت منهم الأجوبة الشافية، وقدّمتها إليهم ردّاً على إشكالاتهم واعتراضاتهم.

وكانت من جملة المواضيع التي طرحت فيما بيننا آية المودة التي تأثرت بها كثيراً، ومن خلالها ازداد تعلقي بأهل البيت(عليهم السلام).

آية المودّة:

قال تعالى في محكم كتابه الكريم: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(1).

قال الثعلبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة:

"وقال بعضهم: معناه إلاّ أن تودّوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب"(2).

ثمّ قال: "ثمّ اختلفوا في قرابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين أمر الله تعالى بمودّتهم، أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه الثقفي العدل، حدّثنا برهان بن عليّ الصوفي...، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟

قال: "عليّ وفاطمة وأبناؤهما"(3).

ثمّ قال الثعلبي: "ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو منصور الجمشاذي، قال: حدثني أبو عبد الله الحافظ...، عن زيد بن عليّ بن حسين، عن أبيه، عن جدّه عليّ

____________

1-الشورى (42) : 23.

2-الكشف والبيان، الثعلبي: ج8 ـ ص310، دار إحياء التراث العربي.

3-نفس المصدر.


الصفحة 186

ابن أبي طالب رضي الله عنه، قال: "شكوت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حسد الناس لي" فقال: "أمّا ترضى أن تكون رابع أربعة، أوّل من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيمانناوشمالنا، وذرّيتنا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا"(1) ثمّ قال: "حدّثنا أبو منصور الجمشاذي، حدّثنا أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد...، عن أم سلمة، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لفاطمة(عليها السلام): "أئتيني بزوجك وابنيك، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساءً فدكياً، ثمّ رفع يديه عليهم، فقال: اللّهم هؤلاء آل محمّد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد، فإنّك حميد مجيد".

قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم فاجتذبه، وقال: "إنّك على خير"(2).

ثمّ قال: "والدليل على صحّة مذهبنا فيه، ما أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد الأصبهاني...، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول لله(صلى الله عليه وآله وسلم) : "من مات على حبّ آل محمّد مات شهيد.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشرّه ملك الموت بالجنة، ثمّ منكراً ونكيرا.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله تعالى زوّار قبره ملائكة الرحمن.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان من الجنّة.

ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس

____________

1-الكشف والبيان، الثعلبي 8: 311، دار احياء التراث.

2-نفس المصدر.


الصفحة 187

من رحمة الله.

ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً.

ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة"(1).

الولاية والبراءة:

ان آية المودّة وغيرها من الآيات والفضائل التي ملئت بها كتب الفريقين، جعلت "محمّد ذكر الرحمن" يراجع حساباته وموروثاته العقائدية، وذلك لاستكشاف مدى تطبيقه لهذه الآية الكريمة، وهل أنّه حقّاً يودّ آل البيت(عليهم السلام)؟ وهل محبّتهم(عليهم السلام) خالصة وثابتة في أعماقه وروحه؟ فكانت الإجابة بالطبع هي النفي ; لأنّ محبّة أهل البيت(عليهم السلام) لا تتمّ إلاّ بالبراءة من أعدائهم ومبغضيهم، إذ كيف تكون محبّة المسلم لأهل البيت(عليهم السلام) خالصة لهم، وهو يوالي من ظلمهم وآذاهم وسلب حقوقهم؟!

فمسألة مظلومية أهل البيت(عليهم السلام) من قبل الخلفاء ومن تبعهم من ملوك بني أميّة وبني العبّاس واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، فتاريخ المسلمين يطفح بالفضائح والفظائع التي اقترفها مناوؤا أهل البيت(عليهم السلام) بحقّهم وبحق أتباعهم وشيعتهم.

غير أنّ هذا التاريخ يفتقر إلى من ينظر إليه نظرة فاحص وباحث عن الحقّ والحقيقة، ويكون ذا وعي يرتفع به إلى مستوى فهم التاريخ الإسلامي وملابساته على واقعه وحقيقته.

فهذا التاريخ يكشف لنا المواقف المؤلمة والفظيعة التي اتخذها الخلفاء ومن تبعهم ضدّ أهل البيت(عليهم السلام).

____________

1-الكشف والبيان، الثعلبي 8: 34، دار إحياء التراث.


الصفحة 188

موقف عائشة مثالاً:

عائشة بنت أبي بكر، هي التي حاربت إمام زمانها عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام)بكل ما أوتيت من قوّة، وسفكت دماء المسلمين من دون مبرّر شرعي يرتضيه الإسلام، هذا وقد روي عن رافع مولى عائشة، أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "عادى الله من عادى عليّاً"(1).

وقد روى أحمد في مسنده، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "أنّ عائشة أخبرته، قالت: أوّل ما اشتكى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرّض في بيتها، فأذنّ له، قالت:

فخرج، ويدٌ له على الفضل بن عبّاس، ويدٌ له على رجل آخر، وهو يخطّ برجليه في الأرض، قال عبيد الله، فحدّثت به ابن عبّاس، فقال: أتدرون من الرجل الآخر الذي لم تُسمِّ عائشة، هو عليّ(عليه السلام)، ولكن عائشة لا تطيب له نفساً"(2).

وقد صحّح لألباني هذا الخبر في "إرواء الغليل" فقال: "وسنده صحيح"(3)، فإنّ قول ابن عبّاس: "ولكن لا تطيب له نفساً" يدلّ على كره عائشة للإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).

هذا وقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): "قال عليّ: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة: إنّه لعهد النبيّ الأمي(صلى الله عليه وآله وسلم) إليَّ: أن لا يُحبَّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق"(4).

فإنّ هذه الأفعال والمواقف التي صدرت من عائشة كمحاربتها إيّاه في معركة الجمل، وما قاله ابن عبّاس في حقهّا، وغير ذلك من الأمور، لا تتّفق بحال

____________

1-صحيح الجامع الصغير، الألباني: ح3966، طبعة جمعية إحياء التراث الإسلامي.

2-مسند أحمد 6: 228، دار صادر.

3-إرواء الغليل، الألباني 1: 178، المكتب الإسلامي ـ بيروت.

4-صحيح مسلم، ح78، طبعة دار ابن حزم ـ بيروت.


الصفحة 189

من الأحوال مع القول بأنّ عائشة كانت تودّ قربى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

موقف معاوية:

وأمّا "معاوية بن أبي سفيان"، فيكفي في إثبات بغضه لآل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، رفضه خلافة عليّ(عليه السلام) ومحاربته له في معركة صفّين وكثير من أفعاله الشنيعة ضد أهل البيت(عليهم السلام) وعلى كلّ حال، فإنّ مسألة محبّة أهل البيت(عليهم السلام) ليست قضية هامشية في الدين الإسلامي، بحيث إذا تركها أحد ما، أو تسامح بها يمكن أن نوجد له مبرّرات غير موضوعية ولا مقبوله، من أجل أن نحافظ على قدسيّته ومكانته في نفوس المسلمين، ويكون ذاك على حساب الدين والعقيدة.

فإنّ المودّة في القربى، مسألة أساسية في الإسلام، يدور عليها رحى الإيمان وعدمه، وذلك بشهادة الأخبار والروايات المستفيضة في كتب المسلمين.

طريق النجاة:

يقول "محمّد ذكر الرحمن": ومرّت الأيّام ومضت الأعوام، وعقيدتي بأحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) تزداد رسوخاً واستحكاماً يوماً بعد يوم، واستعنت في هذا السبيل بالعلوم العقلية والنقلية، وبعد التفحّص والتحقيق الكاملين، ثبت عندي أنّ مذهب الشيعة الإمامية هو المذهب الحقّ.

ويضيف أيضاً:

أنّ الله تعالى خلق ذوات المعصومين المقدّسة، لهداية الخلق واصلاح البشر، وأوجب مودّتهم على عباده في كتابه العزيز بقوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، فهل يعقل بعد ذلك أن يتمسّك الإنسان بغيرهم، ويتّبع سواهم، ويطلب الهداية والنجاة في غير حبّهم وطاعتهم.


الصفحة 190

(37) محمّد عليّ كهوكهر

(وهابي / باكستان)

ولد عام 1331هـ (1913م) في قرية "كهائي" التابعة للواء "لاهور"، ونشأ في أوساط مخالفة لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ عمل موظّفاً في محكمة الدفاع في باكستان.

أجرى "محمّد عليّ" دراسة شاملة حول المعتقدات الإمامية، والبحث عمّا يدعمها من أدلّة وبراهين، وخصوصاً مسألة الإمامة الإلهيّة وما يرتبط بها من عصمة وقيادة دينيّة ودنيويّة، وتعرّف من خلال بحثه على نمط جديد من التفكير الإسلامي الذي لم يعهده من قبل، فرآه قائماً على أسس متينة وقواعد رصينة، لا تهزّها معارضة من عارض، ولا حُكم مَن حكم من أهل الأهواء على بطلان هذا المذهب، الذي ينتمي لأهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ورأى أنّ أحكامهم عليه تصطدم مع واقع الأدلّة التي تثبت أحقّية الشيعة والتشيّع.

تجاوَز "محمّد عليّ" مرحلة البحث وغربلة الموروثات إلى مرحلة الانتماء والاعتقاد بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وما ينطوي عليه من عقائد جليّة وجليلة مؤيّدة بالكتاب والسنّة الصحيحة والعقل.

وكان من جملتها، الاعتقاد بإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وعصمته وخلافته المباشرة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبلا فصل.


الصفحة 191

أهمّية ثبوت العصمة للأئمة(عليهم السلام):

وكان لمسألة "العصمة" وصحّة ثبوتها للإمام عليّ والأئمّة من ولده(عليهم السلام)، الأثر المهم في ارتفاع رصيد المذهب الإمامي لدى تفكير "محمّد عليّ"، وذلك لأنّ الاعتقاد بعصمة الأئمّة(عليهم السلام) يجعل المسلم على سكينة وطمأنينة في حياته الدينيّة والدنيويّة، وعلى كافة الأصعدة، عقائديّاً وفقهيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً وغيرها.

وما ذلك إلاّ لأنّ الذي يرشده في هذه الحياة، أئمّة معصومون ومنزّهون من قِبل الباري عزّ وجلّ عن الرجس والرذيلة، بحيث يغدو المسلم قاطعاً بأنّ ما يصل إليه من عترة الرسول صلوات الله عليهم هو نفسه الذي جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بلا زيادة ولا نقصان.

وما يتمنّى المسلم أفضل من هذه الحياة التي يستطيع أن يصف فيها نفسه، بأنّه مسلم متّبع للرسول حقّاً، بلا شكّ ولا ارتياب.

نظريّة عدالة الصحابة:

إذا رجع المسلم السنّي إلى نفسه، وأعمل عقله، وجد أنّ ما يتلقّاه من أصول الدين وفروعه راجع في الحقيقة إلى ما يتوصّل إليه فهم علماء المذهب، ومصادر هؤلاء إمّا القياس والاستحسان، أو ما يرويه صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين يعتقد فيهم علماء السنّة بأنّهم قد يخطؤون في نقل السنّة النبويّة من جهة ولكنُهم يحكمون بعدالة جميعهم من جهة أخرى.

مِن هنا يمكن لنا أن نسأل من يقول بعدالة جميع الصحابة: بأنّه على فرض أنّ كل الصحابة عدول، ويمكن لنا أن نأخذ السنّة النبويّة منهم، ولكن إذا كان الخطأ يتطرّق إليهم في كلّ حين، فما الدليل على أنّ ما يروونه هو فعلاً من السنّة النبويّة؟

فإنّه من المحتمل أن يكون هذا الصحابي قد أخطأ في فهم الحديث الذي تلقاه عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيكون ما نقله ناقصاً، وعلى غيرما قصده(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يوجد


الصفحة 192

دليل ينفي هذا الاحتمال.

هذا وقد نقل لنا التراث الإسلامي العديد من الاختلافات العقائديّة والفقهيّة لدى الصحابة، فكلٌّ يدّعي أنّ سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنده!

ومن المحتمل أيضاً أن يكون هذا الصحابي ـ باعتباره معرّض للخطأ والاشتباه والنسيان ـ قد فاته حديث عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ونسي أن يذكره بل قد ينفيه لنفس الاسباب المذكورة، ولا يوجد مرجِّح ـ حسب الفرض ـ لصحابي على آخر يدعونا للالتزام بقوله، فهذا يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وذاك يقول: لم يقل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك، فأين الملجأ؟!

هذا كلّه على فرض القول بعدالة جميع الصحابة، أمّا إذا كان بطلان هذه النظريّة قد حكم عليها واقع التاريخ الإسلامي الذي لا يستطيع أن ينكره عاقل، فتلك مصيبة عظمى، وإرباك لأُسس الفكر السنّي، وأزمة يواجهها القائلون بعدالة جميع الصحابة ولا يستطيعون الخروج منها.

نماذج من عدالة الصحابة:

إنّ نظرة واحدة يلقيها الباحث المنصف على التاريخ الإسلامي تكفيه لأن يجده مملوءاً بالخلافات بين الصحابة، حيث فسقّ بعضهم بعضاً، وكفّر بعضهم بعضاً، بل قتل بعضهم بعضاً، فهل يحصل هذا وكلّهم محقّون وعادلون: مالكم كيف تحكمون؟

فهذا عمرو بن العاص البارع في صناعة الانحراف الديني، والذي هرب من الحكومة العادلة للإمام عليّ(عليه السلام) إلى أحضان معاوية بن أبي سفيان، وخرج على الخليفة الراشد وباع آخرته بدنياه، ثمّ قاتل إمامه إلى جانب معاوية في معركة صفّين، ومع ذلك يحكم عليه علماء السنّة بأنّه من الصحابة الأجلاّء!

وها هو "عمرو بن العاص" يقول في مرضه الذي مات فيه:

"أصلحت من دنياي قليلاً، وأفسدت من ديني كثيراً، فلو كان الذي


الصفحة 193

أصلحت هو الذي أفسدت، والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفُزتُ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمنحنق بين السماء والأض، لا أرقى بيدين، ولا أهبط برجلين، فعظني بعضة أنتفع بها يا ابن أخي.

فقال له ابن عبّاس: هيهات يا أبا عبد الله، صار ابن أخيك أخاك، ولا تشاء أن أبكي إلاّ بكيت، كيف يؤمن برحيل من هو مقيم؟

فقال عمرو: على حينها من ابن بضع وثمانين سنة ـ تقنطني من رحمة ربِّي اللّهم إنّ ابن عبّاس يقنطني من رحمتك، فخذ منّي حتّى ترضى.

قال ابن عبّاس: هيهات يا أبا عبد الله، أخذت جديداً، وتعطى خلقاً.

فقال عمرو: مالي ولك يا ابن عبّاس، ما أرسل كلمة إلاّ أرسلت نقيضها"(1).

إنّ الذي ينظر إلى موقف ابن عبّاس من عمرو بن العاص يجده موقفاً غير مطمئن له، ومعنى ذلك أنّ أفعال عمرو بن العاص كانت على درجة من القبح، بحيث يستبعد ابن عبّاس معها أن يرضى عنه الباري عزّ وجلّ.

وهناك نموذج آخر وهو الصحابي "أبو الغاديّة الجهني"(2)، الذي قتل الصحابي الجليل "عمّار بن ياسر"، وكان أبو الغاديّة في صفوف جيش معاوية، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما في صحيح البخاري:

"ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية، عمّار يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النار"(3).

وقال أيضاً: "قاتل عمّار وسالبُه في النار"(4).

____________

1-الاستيعاب في معرفة الأصحاب، للقرطبي 3: 269، ط ـ دار الكتب العلمية.

2-تعجيل المنفعة، ابن حجر العسقلاني: 509، دار الكتاب العربي.

3-صحيح البخاري 2: 226، ح2812 .

4-صحيح الجامع الصغير، الألباني: 2، ح4294.


الصفحة 194

فمن هم الذين يدعون عمّاراً إلى النار؟، أليس معاوية وعمرو بن العاص وأبو الغاديّة الجهني وغيرهم؟ وهؤلاء من الصحابة، فكيف يتّصف من يدعو إلى النار ومَن في النار بالعدالة؟!

دعوى الاجتهاد الخاطىء:

وأمّا دعوى علماء السنّة بأنّ بعض الصحابة "اجتهدوا فأخطأوا" فما هي إلاّ تضليل للمسلمين، وتزييف للحقيقة، وخروج عن الصراط المستقيم، ولا دليل عند مدّعيها بأنّهم اجتهدوا فتلك المؤامرات التي يحكيها لنا التاريخ، والتي خطّط لها وأحكمها بعض صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ضدّ البعض الآخر، والتي أدّت إلى سفك دماء عشرات الآلاف من المسلمين، هل كانت نابعة من اجتهاد خاطىء؟! أم حبُّ الدنيا واتّباع الهوى على حساب الإسلام والمسلمين.

ولو تنزّلنا وقلنا بأنّهم اجتهدوا فهل كان من حقّهم الاجتهاد في أمر لا يجوز فيه الاجتهاد؟! فبعد أن بايع المسلمون عليّاً(عليه السلام)، وأصبح خليفة عليهم، كيف يحقّ لعائشة وطلحة والزبير بالاجتهاد والخروج لقتال عليّ(عليه السلام) في معركة الجمل؟

فهل الصحابة العدول الذين يحملون على عاتقهم مسؤوليّة حفظ الإسلام والمسلمين، والذين جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الدين الإسلامي أمانة في أعناقهم، يكون اجتهادهم سبباً لقتل آلاف المسلمين، أليس هذا تحطيم للإسلام، وتفريق لكلمة المسلمين؟ فأيّ صحابي عادل يجتهد هكذا اجتهاد؟!

ثمّ إنّ هذه الهالة القدسيّة التي يحيطها أهل السنّة والجماعة بجميع الصحابة،هل لها أساس في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الصحيحة؟ أم أنّها وُضعت لتبرئة الظلمة الذين اهتضموا حقّ آل محمّد صلوات الله عليهم، وإيجاد الطريق للدفاع عنهم والاعتذار لهم، وكذا إغلاق الباب بوجه كلّ من يريد أن يستخرج دفائن التاريخ ; ليعرف حقيقة ما جرى بلا تضليل ولا تشويه.

هذا وقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:


الصفحة 195

"أنا فرطكم على الحوض، انتظركم ليرفع لي رجال منكم، حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: ربِّ أصحابي، ربِّ اصحابي! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك"(1).

وبعد هذا كلّه نستنتج بأنّ الصحابة الذين لا يُستأمنون على دماء عشرات الآلاف من المسلمين من أجل دنياهم وزخرفها، كيف يُستأمنون على سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟، وكيف يسلم هو وأحاديثه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الوضع والتزوير حفظاً للمآرب والمصالح الشخصيّة والسياسيّة؟!

الحكمة من تأكيد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على أهل البيت(عليهم السلام)

أكّد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على أمتّه ليتمسّكوا بعترته وأهل بيته الطيّبين الطاهرين فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين:

"إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما"(2).

وفي هذا الحديث الشريف دلالة واضحة على عصمة أهل البيت(عليهم السلام) ; لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قرنهم بالكتاب العزيز، وحكم بأنّهما لن يتفرّقا، ومعنى ذلك أنّ أهل البيت(عليهم السلام) لا يفارقون القرآن ولا يخالفونه مثقال ذرّة وهذا معنى "العصمة" وكذا فإنّ حكم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدم ضلالة من يتبعهم دليل على العصمة أيضاً ; لأنّهم لو كانوا يخطؤون ويذنبون بأقوالهم وأفعالهم لضلَّ من تبعهم، ومادام الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "لن تضلّوا" فإنّه يعني أنّهم معصومون.

إذن فالمسلم الذي يريد أن تكون عقيدته مطابقة لمّا أنزله الله تعالى على رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتكون أقواله وأفعاله وعباداته ومعاملاته مطابقة لأحكام الشريعة

____________

1-صحيح الجامع الصغير، الألباني: 1، ح1471.

2-صحيح الجامع الصغير، الألباني: 1، ح2458 .


الصفحة 196

الإسلاميّة، فلا مناص له من اتّباع عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين يحملون السنّة الحقيقيّة والصحيحة للنبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذلك يكون قد أبرء ذمّته أمام الله تعالى يوم القيامة، وحظى بالسعادة في الدنيا والآخرة.

العثور على الطريق الصحيح:

تعرّف "محمّد عليّ" من خلال الآيات الكريمة والأخبار الصحيحة المروية في كتب الفريقين، أنّ لأئّمة أهل البيت(عليهم السلام) مكانة سامية ومقام عظيم عند الباري عزّ وجلّ، يتمثّل بمنصب "الإمام المعصوم"، ويجب على ا لأمّة أن تتّبعهم وتتمسّك بهديهم امتثالاً لأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين، الذي قرنهم بالقرآن الكريم وبيّن بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض.

يقول "محمّد عليّ" ثبت لي بالطريق الصحيح أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) هو الإمام الحقّ، وخليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن بعده أولاده الأحد عشر خلفاؤه وأوصياؤه.

ولذا اعتنقت مذهب الشيعة عام1377هـ (1958م)، وأنّي لعلى يقين تام بأنّ هذا المذهب هو الطريق الأوحد للنجاة يوم القيامة.


الصفحة 197

(38) محمّد يونس جعفري آزاد

(سنّي / باكستان)

ولد عام 1357هـ (1939م) في مدينة "لائل بور"، ونشأ في عائلة سنيّة ثرية ومعروفة.

اعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد معرفة الطريق الصحيح الذي يسير عليه أتباع أهل البيت(عليهم السلام).

وكان ذلك بعد تحقيق واسع وتأمّل عميق في عقيدة المذهب الشيعي وآرائه ونظريّاته، والتي يستمدّها من الكتاب العزيز والسنّة النبوية الصحيحة، فتوصّل بعد ذلك إلى أحقّيّة هذا المذهب وصحّته، وأنّه يمثّل الإسلام الصحيح الذي جاء به الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) من بين المذاهب الإسلاميّة الأخرى، فسارع إلى اعتناقه والاعتقاد به محقّقاً بذلك الالتحاق بسفن النجاة وأعلام الهدى(عليهم السلام).

أصالة مذهب التشيّع:

أدرك "محمّد يونس" أنّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ليس حزباً قد وضعه الواضعون، ولا هو وليد اليوم والأمس، فإنّ نسبة المذهب إلى أهل البيت(عليهم السلام)، هي أوّل دليل على أصالته وأهميّته في الإسلام، فإنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم آل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخاصّتة، وهم الثقل الآخر الذي تركه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لنا نحن


الصفحة 198

المسلمين(1).

فإنّ الكتاب العزيز وأهل البيت(عليهم السلام) هما المصدر لكل ما يتعلّق بالمذهب الشيعي من أصول دينية كالتوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد، وأحكام شرعية كالصلاة والصوم والزكاة والحج والخمس و...، فإنّهما منبع لأصول المذهب وفروعه، لذلك أمكن القول بأنّ أتباع أهل البيت(عليهم السلام) هم في الواقع أهل السنّة وأتباعها.

مقارنة بين مصادر المعرفة الدينية عند الشيعة والسنّة:

إنّ ما ذكرناه من تبعيّة الشيعة للكتاب العزيز والسنّة النبوية الصحيحة، نجده مختلفاً عما هو في المذاهب الإسلاميّة الأخرى، فإنّها تنسب فروع الدين إلى مجموعة محدودة من العلماء، استخرجوا الأحكام الشرعيّة من أدلّتها، معتمدين في ذلك إمّا على فهمهم الخاص للكتاب العزيز وروايات السلف، وإمّا على القياس والاستحسان.

وأمّا في أصول الدين، فإنّ تلك المذاهب تعتمد على ما يرويه العلماء والرواة عن السلف ـ صحابة وتابعين ـ في تأصيل الأصول.

مع أنّ الصحابة افترقوا وتحاربوا، بل قتل بعضهم البعض، معتمدين في ذلك إمّا على فهمهم الخاص للسنّة، أو اتباع الهوى وسبيل الدنيا وزخرفها، وأدّى هذا الأمر إلى ضياع الكثير من الأمور الدينية التي جاء بها الإسلام، وعدم تمييز الصحيح من الخطأ فيها.

وتفادياً لهذه المشكلة العويصة، ودفعاً للإشكالات والشبهات التي أوقعت علماء المذاهب في مأزق، اضطرّوا إلى وضع نظرية "عدالة الصحابة"، وغضّوا الطرف عن كلّ ما فعلوه واقترفوه بحق السنّة النبويّة وبحق بعضهم البعض، وساووا

____________

1-اُنظر: صحيح الجامع الصغير، الألباني: ح2458.


الصفحة 199

بين العادل والفاسق والظالم والمظلوم والقاتل والمقتول، وأخذوا بروايتهم جميعاً.

أمّا أتباع المذهب الشيعي ـ كما قلنا ـ فقد أخذوا دينهم ـ أصوله وفروعه ـ عن أهل البيت(عليهم السلام)، الذي أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمّته بأن يتمسّكوا بهم مع الكتاب العزيز.

وكذا اعتقدوا بإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، الذي نصّ عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعا أمّته إلى موالاته ونصرته في العديد من المواقف، والتي كان أبرزها في غدير خم.

فإنّ هذه الأمور، بالإضافة إلى فضائل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) التي اختصّ وتميّز بها عن سائر أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أضفت على قلب "محمّد يونس" شوقاً للالتحاق بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) والتراجع عن معتقداته الموروثة.


الصفحة 200

(39) مرغوب أحمد النقوي

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1330هـ (1912م) في "لاهور"، ونشأ في اسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، وشغل عدّة وظائف حكومية، منها: رئاسة شعبة لجنة السكك الحديدية في باكستان الغربية.

اختار مذهب الشيعة الإمامية بعد دراسة وتحقيق حول المذاهب المختلفة أصولاً وفروعاً.

بداية تحوّله المذهبي:

كانت بداية انتقال "مرغوب أحمد" في الصعيد المذهبي عندما أعلمه أحد أصدقائه بأنّ الصحابة قد أغضبوا فاطمة الزهراء(عليها السلام) في منعهم حقّها في فدك وتهديدهم إيّاها بإحراق بيتها إنّ لم يبايع عليّ(عليه السلام) أبا بكر، بل بلغ الأمر إلى ما تهتزّ له المشاعر عندما تمّ إحراق بيتها بأمر عمر بن الخطاب.

شعر "مرغوب أحمد" بالإحباط لدى سماعه لهذه الوقائع المؤلمة، فعزم على البحث في مجريات هذه الأحداث، ودراسة الظرف التاريخي الذي أنشأ الصراع بين الذين استولوا على دفّة الحكم بعد الرسول وبين آل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فتجلّى لديه الحقّ في استحقاق الشيخين غضب ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ورأى بأنّ ما


الصفحة 201

فعلاه في حقّ فاطمة(عليها السلام) لا ينسجم مع ما يعتقده أهل السنّة من فضلهما.

غضب الزهراء(عليها السلام) :

ورد في صحيح البخاري، وفي كتاب الخمس ما نصّه: "فغضبت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى تُوفّيت"(1).

وكذا جاء في كتاب الفرائض: "فهجرته فاطمة، فلم تكلّمه حتّى ماتت"(2).

فلو سلّطنا الضوء على تلك الحقبة الزمنية من تاريخ الإسلام ـ أي: الزمن الذي تلا وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ نجدها ملأى بالأحداث والمؤامرات التي حيكت من قبل الطامحين إلى الخلافة ضدّ البيت الهاشمي!

وتهدف هذه المؤامرات إلى إقصاء آل البيت(عليهم السلام) عن الخلافة التي خصّهم الله تعالى بها، ومن ثمّ الاستيلاء عليها، ولا سيما أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ـ زعيم البيت الهاشمي ـ هو المنصوص الوحيد من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لاستلام الخلافة الإسلاميّة.

وأغلب الظن أنّ إصرار أبي بكر وعمر على انتزاع فدك من الزهراء(عليها السلام) كان من أجل إضعاف أمير المؤمنين(عليه السلام) مالياً، وبالتالي عدم استطاعته للانتفاع من عائدات فدك من أجل الدفاع عن حقّه في الخلافة.

وإذا تجرّدنا عن المرتكزات، ووضعنا العواطف جانباً، وشرعنا بتقيم موقف أبي بكر اتّجاه الزهراء(عليها السلام)، وتسلّطه على أموالها بغير حقّ فإنّنا سنواجه تساؤلات كثيرة منها: أنّ أبا بكر كان قريب العهد بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل نسي أحاديثه بفضل ابنته فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وعظم شأنها عند الباري عزّ وجلّ، وهل نسي وصاياه(صلى الله عليه وآله وسلم) بعترته وأهل بيته الطاهرين خيراً؟ بل وعيده لظالميهم بالعذاب

____________

1-صحيح البخاري ـ كتاب الخمس 4: 42.

2-صحيح البخاري 8: 3.


الصفحة 202

والنكال!

أم كان أبو بكر يعتقد بأنّ الزهراء(عليها السلام) ليس من أهل بيت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو ليست من عترته(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو يظن أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اشتبه عليه الوحي عندما تكلّم بفضائلها وعلِّو شأنها، وأنّها "سيدة نساء هذه الأمّة"(1) بل "سيدة نساء العالمين"(2).

ألم يعلم أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) كانت إذا دخلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قام إليها، فقبّلها، ورحّبَ بها، وأخذ بيدها، فأجلسها مجلسه(3)!

هذا، والزهراء(عليها السلام) قد ذكّرته والقوم في خطبتها المعروفة التي أرادت منها إلقاء الحجّة على الأمة، وإيضاح الحقّ والبيان فيما اغتصبوه، فقالت: "هذا، والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لمّا يندمل والرسول لمّا يقبر"، وقالت في موضع آخر من خطبتها: "معاشر النقيبة وأعضاد الملة وحصون الإسلام! ما هذه الفترة في حقّي والسنة عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبي يقول: المرء يحفظ في ولده"(4).

فبعد هذا يمكننا القول بأنّ أبا بكر قد مرَّ بامتحان عسير مع الزهراء(عليها السلام)، وكانت نتيجته أنّها(عليها السلام) توفيّت وهي غاضبة عليه!

____________

1-اُنظر: صحيح البخاري 7: 142 طبعة دار الفكر ـ بيروت، صحيح مسلم 7: 143، وغيرها.

2-المستدرك، الحاكم 3: 1422 ح4800، وقال عنه: هذا إسناد صحيح، وقال الذهبي: صحيح.

3-المستدرك على الصحيحين، الحاكم 3: 1426 ح4814 وقال: هذا حديث صحيح.

4-اُنظر تفاصيل الخطبة في: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 251، بلاغات النساء لابن طيفور: 14، الاحتجاج 1: 137، وغيرهامن المصادر.


الصفحة 203

نتائج غضب الزهراء(عليها السلام) :

ورد في صحيح البخاري عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مالفظه: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني"(1).

يدلّ هذا الحديث الشريف على وجود مقام عظيم تتمتّع به الزهراء(عليها السلام)، وهو مقام "العصمة"، ويمكن أن نثبت ذلك من خلال أمور:

الأمر الأوّل: (عصمتها من جهة الغضب ـ وهو الوارد في الحديث ـ):

إنّ مقتضى إطلاق كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، هو أنّ الزهراء(عليها السلام) لا تغضب إلاّ للحق، وأنّ آثار غضبها(عليها السلام) كآثار غضبه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو كان غير ذلك، لوضع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)قيداً في كلامه يدلّ على أنّ غضبها كغضبه فيما إذا كان على الحقّ فقط ، ومادام هذا القيد منتفياً، فيكون الحديث دالاً على أنّ غضب الزهراء(عليها السلام) لا يكون إلاّ للحق، هذا من ناحية العصمة في الغضب.

الأمر الثاني: (عصمتها من الذنوب والآثام) وبيانه:

إنّ هذا الحديث يدلّ على أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى للزهراء(عليها السلام) مقام (من يغضب لغضبه)، وهذا ثابت لها ـ بما أنّها فاطمة الزهراء(عليها السلام) لا بما أنّها مؤمنة فقط ـ طيلة حياتها، ولا تخلو لحظة من وجودها(عليها السلام) إلاّ والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يغضب لغضبها، وهنا يأتي السؤال:

إذا افترضنا أنّ الزهراء(عليها السلام) ممن يقترف الذنب، فهل يستمرّ انطباق الحديث عليها، ويبقى مقامها مقام من يغضب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لغضبه، وهي في حال فعل المعصية، أولا؟

فإن قلنا باستمرارية الانطباق، ننتهي إلى نتيجة معلومة البطلان وهي، أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يغضب لغضب إنسان حتّى وهو في حالة يعصي فيها الله تعالى!

____________

1-صحيح البخاري 4: 210، وفي صحيح مسلم 7: 141، ورد "إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها".


الصفحة 204

وإنّ قلنا بعدم استمرارية الانطباق، فقد ينطبق عليها إذا لم تكن في حال المعصية، وقد لا ينطبق فيما إذا كانت في حال المعصية، فنقول: إنّ هذا خلاف إطلاق الحديث، فإنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقيّد غضبه بحالة معيّنة من حالات الزهراء، وحينئذ لابدّ أن ننتهي إلى أنّ الزهراء(عليها السلام) معصومة من كلّ ذنب، وذلك لإطلاق الحديث، ولاستمرارية الانطباق.

وممّا تقدم يتجلّى لدينا أنّ نتائج غضبها(عليها السلام) وآثاره مهولة، ولا سيّما أنّها توفّيت وهي غضبى على أبي بكر وعمر، وقد شعرا بذلك عندما زاراها وطلبا ارضائها حيث قالت لهما: "فإني أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأشكونّكما إليه.

فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة"(1).

وقول أبي بكر هذا يدلّ على أنّه كان يعلم مدى خطورة إيذاء فاطمة(عليها السلام)وأنّه ينتهي إلى غضب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبالتالي غضب الله تعالى، وإذا رجعنا إلى الآية الشريفة نجدها تصرح بـ{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا}(2)، وقد قام أبو بكر وعمر بمحاولات يائسة في طلب استرضاء الزهراء(عليها السلام) وعفوها، ولكن باءت جميعها بالفشل، وهذا من عواقب فعلتهم وتبعات أعمالهم.

والجدير بالذكر، أنّ أبا بكر وعمر لو كانا يستحقّان العفو والرضا من الزهراء(عليها السلام)، لمّا توانت لحظة واحدة في إصدار العفو عنهما، كيف وهي صاحبة القلب الكبير، ورمز الحنان والعطف، حتّى أنّ أباها(صلى الله عليه وآله وسلم) قد وصفها بـ"أم أبيها"(3)، وكيف، وهي بنت الدعوة المحمديّة، وقد بُعث أبوها رحمة للعالمين.

ولكنهما لم يكونا جادّين في طلب الرضا والعفو، وإلاّ فهل تقبل توبة

____________

1-الإمامة والسياسة، لابن قتيبة: 31.

2-الأحزاب (33) : 57 .

3-المعجم الكبير للطبراني 22: 397، الاستيعاب لابن عبد البر 4: 1899.


الصفحة 205

غاصب يستولي على كلّ شيء ثمّ يقول سامحوني؟! فهل رجع الحقّ إلى صاحبه الشرعي، وهل عوقب على هتك البيت الطاهر الذي كان يقف على بابه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ يوم ولمدة ستة أشهر، يسلّم على أهله ويقرأ عليهم الآية الشريفة: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(1)(2)، ولكنهما أرادا إظهار الأمر وكأنّه مشكلة عادية تنتهي بالاعتذار، وبذلك يكتسبان الشرعيّة لاغتصاب الخلافة وفدك من أهلها، ويتم إعادة الاعتبار لهما، وكأن شيئاً لم يكن.

ثمّ إنّ الزهراء(عليها السلام) أرادت إلاّ تُلقى ظلامتها، واغتصاب حقّها في مهملات التاريخ، ولئلا يمرّوا أصحابه على حادثتها مرور الكرام.

وأرادت بذلك أن تنير درب الأمّة وترشدها إلى طريق الحقّ والصراط المستقيم لكي لا تقع من بعدها في الضلال، وتُعلمها أنّ من استحق غضب الله تعالى وغضب رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بغضبها، لا يحق له أن يكون خليفة، وقد قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}(3).

انتهاج العقل السليم:

اجتاز "مرغوب أحمد" مصاعب الوسوسة الفكرية في انتقاله من مذهب كان ينتمي إليه نتيجة التقليد الأعمى إلى مذهب مسلّح بنصوص تدعم صحّته وأحقّيّته، حيث يقول: تأمّلت في أصول المذاهب المختلفة وفروعها على ضوء العقل، فاتّضح لي أنّ المذهب الذي يطابق العقل السليم هو مذهب الإمامية الاثني عشرية، فاخترته، وكانت عقيدتي فيه تزداد رسوخاً وثباتاً مع الأيام منذ سبع وثلاثين سنة، وأسأل الله تعالى أن يختم لي بهذا الاعتقاد.

____________

1-الأحزاب (33) : 33.

2-اُنظر مسند أحمد 3: 259، المستدرك 3: 158.

3-الممتحنة (60) : 13.


الصفحة 206

(40) مشتاق أحمد قريشي

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1340هـ (1922م) في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، وترعرع فيها متعلّماً من أصول مذهبها وفروعه، ثمّ التحق بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1371هـ (1952م).

أسباب استبصاره:

من الدوافع المهمّة التي جعلت "مشتاق أحمد" ينتقل إلى المذهب الحقّ هي الفضائل الكثيرة للإمام عليّ(عليه السلام)، التي امتلأت بها كتب المسلمين من السنّة والشيعة، ويشهد بذلك ما نقله ابن حجر في فتح الباري حيث قال: "قال أحمد(1)وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو عليّ النيسابوري: "لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في عليّ"(2).

يقول "مشتاق أحمد قريشي": قارنت بين فضائل الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وفضائل الصحابة على ضوء الأحاديث الواردة في كتب السنّة، واطّلعت

____________

1-إمام المذهب الحنبلي.

2-فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني 7: 89 ، منشورات دارالكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان.


الصفحة 207

على التفاسير الراجعة إلى آيات الكتاب العزيز، والأحاديث النبويّة الشريفة، فوجدت بينهما بعداً شاسعاً كبعد المشرقين.

ويضيف أيضاً: رايت عليّاً(عليه السلام) أشرفهم حسباً ونسباً، فإنّه ولد من أب وأم هاشميين، ولد في بيت الله الحرام، قبلة الأنام ومحل عبادة المسلمين، وقد مصَّ لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فياله من بيت طاهر، وأب طاهر، وبطن طاهرة، ووليد طاهر، ومغذٍّ طاهر.

آية المباهلة:

إنّ من الآيات القرآنية التي لفتت انتباه "مشتاق أحمد" قوله تعالى {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(1)، فأدرك أنّ دلالة هذه الآية المباركة على المقام الشامخ والفضل العظيم لأهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا سيّما أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) من أوضح الأمور وأبينها، وذلك من حيث نفس الحدث الهام الذي تثبت به عظمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحّة نبوّته، وتقوم به دعائم رسالة الإسلام وإثبات أحقّيتها على كافة الأديان والمذاهب، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)اختار لهذا الأمر العظيم والحسّاس (المباهلة) صفوة خلق الله تعالى وأفضلهم على عباده، وهذا ممّا يدلّ على المكانة السامية لأهل البيت(عليهم السلام) عنده عزّ وجلّ، ولأجل ذلك أمر رسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو فاطمة وعليّ والحسن والحسين(عليهم السلام).

وكذا من حيث الفضيلة التي امتاز بها أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) على سائر الخلق وهي كونه "نفس" رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: "روي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أورد الدلائل على نصارى نجران، ثمّ إنّهم أصرّوا على جهلهم، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ الله أمرني إنّ لم تقبلوا

____________

1-آل عمران (3) : 61.


الصفحة 208

الحجّة أن أباهلكم" فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع فننظر في أمرنا، ثمّ نأتيك ،فلمّا رجعوا قالوا للعاقب: وكان ذا رأيهم، يا عبد المسيح، ماترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشرالنصارى، أنّ محمّداً نبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحقّ في أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قطّ فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلاّ الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج وعليه مرط من شعر أسود، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ رضي الله عنه خلفها، وهو يقول: إذا دعوت فأمّنوا، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنّي لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، ثمّ قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك، فقال صلوات الله عليه: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما على المسلمين، فأبوا، فقال: فإنّي إناجزكم القتال، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدّي إليك في كلّ عام ألفي حلة: ألفاً في صفر، وألفاً في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، وقال: والذي نفسي بيده، إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولا ستأصل الله نجران وأهله، حتّى الطير على رؤوس الشجر، ولمّا حال الحول على النصارى كلهم حتّى يهلكوا، وروي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله، ثمّ جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ رضي الله عنهما، ثمّ قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(1)، واعلم أنّ هذه الرواية

____________

1-الأحزاب (33) : 33.


الصفحة 209

كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث"(1).

وقال الجصّاص في "أحكام القرآن": "فنقل رواة السير ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة رضي الله عنهم، ثمّ دعا النصارى الذين حاجّوه إلى المباهلة، فاحجموا عنها، وقال بعضهم لبعض: إنّ باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ناراً، ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة"(2).

وعلى هذا فإنّ أصحاب المباهلة هم: "رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)"، وذلك باتفاق المسلمين كافّة.

((وأنفسنا وأنفسكم)) :

إنّ الأمر المهم والملفت للنظر في هذه الآية الكريمة هو أنّ الإمام عليّ(عليه السلام)"نفس" رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أخبرنا الله تعالى بذلك من خلالها، فينبغي للمسلم أن يتأمّل في ما يترتّب على ذلك من معاني جليلة، وفضائل عظيمة، ومقام سامي لأمير المؤمنين(عليه السلام).

فإنّ وصف الإمام عليّ بـ"نفس" رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ـ وليس المقصود بذلك كما هو واضح أنّه نفسه حقيقة، وإنّما أقرب المجاز إلى الحقيقة ـ، ينتهي بنا إلى أنّ عليّاً(عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم(3) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هو معنى "الإمامة"، وأنّه(عليه السلام) معصوم من كلّ ذنب ورذيلة كالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه(عليه السلام) أفضل من سائر الصحابة، بل الخلق جميعاً، كما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل خلق الله تعالى، وإلى غير ذلك ممّا يتّصف به الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) من صفات.

بيد أنّ ما يختصّ برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من صفات ككونه "خاتم الأنبياء

____________

1-التفسير الكبير، الفخر الرازي 3: 247، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان.

2-أحكام القرآن، الجصّاص 2: 14، نشر دار الكتاب العربي.

3-وهذا ما نصّ عليه الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) في واقعة الغدير.


الصفحة 210

والمرسلين، وأنّه لا نبي بعده"، وكونه أفضل ما خلق الله تعالى بمن فيهم عليّ(عليه السلام)، وما إلى ذلك من مختصّاته(صلى الله عليه وآله وسلم)، لا كلام فيه بين المسلمين سواء من السنّة أو الشيعة.

فيثبت إذن للإمام عليّ(عليه السلام) ما هو المطلوب في مقامنا من كونه(عليه السلام) ذا فضائل كثيرة وعظيمة، التي منها "الإمامة" و"العصمة" وأفضليّته على البشر عدا الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وغير ذلك.