المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 211

(41) معظّم عليّ معظّم

(سنّي / باكستان)

ولد سنة 1381هـ (1962م) في باكستان، بمدينة "جهلم"، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب السنّي، وكان أبوه من المتعصّبين لمذهبه الذي ورثه من آبائه، وكان يبغض مذهب التشيّع، ويكثر من النيل منهم والإطاحة بهم.

منطلق الحوار المذهبي:

يقول "معظّم عليّ": سمع أبي ذات يوم بأنّ أخيه غيّر انتماءه المذهبّي، وترك المذهب السنّي، واعتنق مذهب التشيّع، فغضب عند استماعه لهذا الخبر، وحلف بأنّه سيقتل أخوه!

ولكنه سرعان ما عرف بأنّ أخاه سافر إلى مدينة أخرى خشية أن يصيبه السوء ممن ساءهم استبصاره.

يضيف "معظّم عليّ": استمرّ ابتعاد عمّي عنّا مدّة ثلاث سنوات، فلم يتحمل أبي ذلك، وقرر السفر إلى المدينة التي يتواجد فيها أخيه ليقتله ويتخلّص من شرّه، ويطهّر أسرتنا من هذا العار الذي لحق بها.

فشدّ أبي رحاله، وسافر إلى تلك المدينة، وقصد أخيه فلمّا التقى به، قال له: وجب عليّ أن أسفك دمك ; لانّك هجرت مذهب السنّة والجماعة، واعتنقت


الصفحة 212

مذهب التشيّع.

قال له أخيه: كيف تجوّز لنفسك قتلي وأنا مسلم؟ ويحتّم عليك الإنصاف أن تصغي إلى الأدلّة والبراهين التي دفعتني إلى الاستبصار، وما يدريك لعلّ هذه الأدلّة والبراهين تدفعك أيضاً إلى الاستبصار!

فصرخ أبي بوجهه وقال: أنا مستعد أن أصبح يهودياً أو مسيحياً، ولكن من المستحيل أن أصبح شيعياً ; لأنّ عقلي لا يسمح لي بالتعرّض للخلفاء الراشدين، وضميري لا يجيز لي تنقيص مكانة الصحابة ولا سيما الخليفة أبي بكر وعمر بن الخطاب.

فقال له أخيه: قد تكون صادقاً، ولكنك تنظر إلى الحقائق من زاوية معيّنة، ومن خلال ما ورثته من آبائنا، وما سمعته من العلماء المحيطين بك، وأنا اُنظر إلى الأمور من زاوية أخرى ; لأنّ البحث كشف لي عن حقائق لم أكن مطّلعاً عليها من قبل، وأنا أيضاً كنت مثلك لا أسمح لأحد أن يقوم بتنقيص أي صحابي، ولكنني اطلعت على حقائق غيّرت وجهة نظري، ورجائي منك أن تسمح لي بأن أبيّن لك ما تعرّفت عليه، فإذا لم تقتنع فأنت مخيّر، وبإمكانك أن تصنع بي ما شئت.

وهنا بقى والد "معظّم عليّ" غاضباً، ومتوتّراً ينتظر ما يريد أن يبيّنه له أخيه.

ثمّ لم يتحّمل، وقال لأخيه: هات ماعندك!

قال له أخيه: ما رأيك بفاطمة الزهراء ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قال له: وما صلة هذا ببحثنا؟

قال له أخيه: إنّ له صلة كبيرة جدّاً ; لأنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) فارقت هذه الحياة الدنيا وهي ساخطة على أبي بكر وعمر!

قال له: ومن قال لك بهذا، وانّما هذا الكلام من مخترعات الشيعة، ومن أكاذيبهم التي يريدون بها تشويه سمعة أبي بكر وعمر.

قال له أخيه: وأنا أيضاً كنت أفكّر كما تفكّر الآن، ولكنّي سألت علماءنا،


الصفحة 213

وبحثت في الكتب، فوجدت صدق هذا الكلام، وبإمكانك أن تسأل العلماء في هذا المجال.

فقال له: أنا سأذهب، وسأسأل العلماء، فإذا كان الكلام كما تقول فسأتركك لشأنك، وإلاّ فسأعود، وأعاقبك على الافتراءات التي تنسبها لأبي بكر وعمر بن الخطاب.

البحث عن الحقيقة:

يقول "معظّم عليّ": بدأ أبي بعد ذلك بالبحث، وسأل العالم السنّي الذي كان يثق به ويعتمد عليه في مكان عمله، حيث كان أبي ضابطاً في الجيش.

فقال له العالم: اترك هذه الأمور، فإنّها قضايا تاريخية، وعليك أن تهتم بتهذيب نفسك، وأداء واجباتك العبادية، وينبغي أن لا تشغل نفسك بأمور لا تعنيك.

فقال له أبي: كيف لا تهمّني هذه الأمور، وهي تبيّن موقفي من الخليفة أبي بكر وعمر بن الخطاب، أليس من حقّي أن أعلم بأنّ أبا بكر هل أسخط ابنة رسول الله أم لا، وهل كان محقّاً في ذلك أم لا؟

وإذا لم تتّضح لي هذه المسائل، فستشكّل شبهة تؤرّق بالي، وتسلب استقراري، وسيبقى موقفي من الخلفاء موقفاً متزلزلاً، وسيبعدني هذا الأمر من تعصّبي لهم.

قال له العالم: ألم أقل لك اترك هذه الأمور، فأنت بدأت تشكّك في مكانة الخلفاء الراشدين، ولم يتّضح بعد لك الأمر.

فنهض أبي من مكانه، وأحضر القرآن الكريم، ووضعه بين يدي العالم، وقال له: أقسم عليك بهذا الكتاب إلاّ ما بيّنت لي الحقيقة.

فقال العالم: إذا كان لابد من بيان ذلك، فإنّ الأمر كما تقول الشيعة، وأنّ أبا


الصفحة 214

بكر وعمر بن الخطاب تعاملا بقسوة مع فاطمة الزهراء، وهجم عمر بن الخطاب على بيت الزهراء، وأحضر الحطب ليحرق البيت(1)، ولمّا سمعت الزهراء أصوات عمر ومن جاء معه نادت بأعلى صوتها: "يا أبت، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة"(2).

ثمّ منع أبو بكر وعمر فاطمة الزهراء من إرث أبيها، وسلبا منها "فدك" التي كانت أرض أهداها الرسول إليها في زمن حياته(3).

وورد أنّ فاطمة قالت لأبي بكر وعمر: "أرأيتكما إنّ حدّثتكما حديثاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تعرفإنّه وتفعلان به؟

قالا: نعم.

قالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد احبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟

قالا: نعم، سمعناه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قالت: فإني أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ لاشكونكما إليه...

ثمّ قالت الزهراء لأبي بكر: والله لأدعون الله عليك في كلّ صلاة أصليها!"(4)

وقد ورد في صحيح البخاري: "فغضبت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت..."(5).

وورد أيضاً في صحيح البخاري أيضاً: "فوجدت [أي: غضبت] فاطمة على

____________

1-اُنظر: تاريخ الطبري 3: 202.

2-الإمامة والسياسة 1: 20.

3-اُنظر: صحيح البخاري 4: 42.

4-الإمامة والسياسة 1: 19 ـ 20.

5-صحيح البخاري 4: 96.


الصفحة 215

أبي بكر... فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ(عليه السلام) ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها"(1).

ردود فعل قاسية بعد معرفة الحقّ

يقول "معظّم عليّ" تفاجأ أبي بعد أن تعرّف على الحقّ وبعد معرفته لشخصية أبو بكر وعمر، ثمّ ترك الصلاة والصوم والعبادات، وقال بأنّي أيقنت بطلان مذهب أهل السنّة، وأمّا اتباعي لمذهب الشيعة، فإنّ نفسي لا تسمح لي بذلك.

وبقي أبي على هذه الحالة لفترة طويلة، حتّى شاهد ذات ليلة في عالم الرؤيا أحد الصلحاء، وهو يقول له: أرسلتني فاطمة الزهراء إليك ; لأقول لك لماذا تجحد الحقّ وأنت تعرفه؟!

فاستيقظ أبي فزعاً، ثمّ قرّر الاستبصار، ثمّ أعلن تشيّعه، وعاد إلى أداء تكاليفه الشرعيّة.

فلمّا عرفت أمّي ذلك اخبرته بأنّها تشيّعت قبله، ولكنّها لم تعلن ذلك خشية أن يصيبها سوء منه، ومن هذا المنطلق أعلنّا جميعاً استبصارنا.

طلب العلم:

يقول "معظّم عليّ": تعرّف أبي ـ بعد استبصاره ـ على أحد علماء الشيعة الأخيار، واقترح هذا العالم على أبي أن يرسلني لطلب العلم، فقبل أبي، فسجلت اسمي في مدرسة هذا العالم، وشرعت بتلقّي علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ سافرت سنة 1401هـ (1981م) إلى مدينة قم المقدّسة وانتسبت إلى الحوزة العلمية، ودرست فيها أكثر من عشرين سنة، وكنت بين حين وآخر أعود إلى منطقتنا لنشر علوم أهل البيت(عليهم السلام).

وسافرت خلال هذه الفترة إلى العديد من الدول ; لنشر مذهب التشيّع.

____________

1-صحيح البخاري 5: 177.


الصفحة 216

(42) منظور أحمد

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1340هـ (1922م) في "وزير آباد"، وهو ينتمي لأسرة حنفية المذهب تُدعى بـ"كورهي".

اختار مذهب الشيعة الإمامية بعد أن توصّل إلى القناعة التامّة بأنّ الخلفاء الشرعيين لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك لوجود الأحاديث النبوية الصحيحة التي أمرت باتّباعهم والتمسّك بهم ومن هذه الأحاديث، حديث الثقلين(1).

قال "العلاّمة الحلي" ما نصه: "ما رواه الجمهور من قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) "إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض" وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) "مَثَلُ أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نَجَا ومن تخلّف عنها غرق" وهذا يدلّ على وجوب التمسّك بقول أهل بيته، وسيّدهم عليّ(عليه السلام)، فيكون واجب الطاعة على الكلّ، فيكون هو الإمام دون غيره

____________

1-اُنظر: مسند أحمد 5: 181 ـ 182، طبعة دار صادر ـ بيروت، وخصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، للنسائي: 150، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري 3: 19، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وغيرها من المصادر.


الصفحة 217

من الصحابة"(1).

كما استدلّ "أبو الصلاح الحلبي" بهذا الحديث على الإمامة والعصمة، حيث قال: "ومن ذلك: ما اتّفقت الأمّة عليه من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، ما إنّ تمسّكتم بهما لن تضلّوا".

فأخبر(صلى الله عليه وآله وسلم) بوجود قوم من آلِهِ مقارنين للكتاب في الوجود والحجّة، وذلك يقتضي عصمتهم، ولأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بالتمسّك بهم، والأمر بذلك يقتضي مصلحتهم، لقبح الأمر بطاعة من يجوز منه القبح مطلقاً، ولأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حكم بأمان المتمسّك بهم من الضلال، وذلك يوجب كونهم ممّن لا يجوز منه الضلال، وإذا ثبتت عصمة المذكورين في الخبر، ثبت توجّه خطابه إلى أئمّتنا(عليهم السلام)، لعدم ثبوتها لمن عداهم، أو دعواها له، وذلك يقتضي إمامتهم من الوجهين المذكورين"(2).

واستدل "الشهيد الأول(قدس سره)" بهذا الحديث على وجوب اتباعهم والتمسّك بهم فقال: "انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قرنهم بالكتاب العزيز الذي يجب اتّباعه، فيجب اتّباعهم قضية للعطف وللتصريح به أيضاً، وذلك مشهور نقله الشيعة تواتراً.

ورواه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم، قال: قام فينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: "أمّا بعد، أيّها الناس فإنّما أنا بشر يُوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله عزّ وجلّ واستمسكوا به" فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: "وأهل بيتي أُذكّركم الله عزّ وجلّ في أهل بيتي" ـ ثلاث مرات ـ".

ورواه غيره من العامة بعبارات شتّى، تشترك في وجوب التمسّك بالكتاب

____________

1-منهاج الكرامة للعلاّمة الحلي: 155 ـ 156.

2-تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي: 181.


الصفحة 218

وأهل البيت(عليهم السلام)(1).

ما بعد التحقيق:

من هذا الحديث وغيره من الأحاديث الكثيرة التي تفرض على المسلم اتّباع منهج أهل البيت(عليهم السلام)، والتمسّك به اختار "منظور أحمد" مذهب الشيعة الإماميّة ; لكونه المذهب الحقّ الذي يجب ان يتّبع والطريق الوحيد للنجاة يوم القيامة.

ويقول "منظور أحمد" أصبحتُ الآن معتقداً بإمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)وأوّلهم الإمام عليّ(عليه السلام) ،وأنّهم هم الخلفاء حقّاً بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

____________

1-ذكرى الشيعة للشهيد الأول 1: 57 ـ 58 .


الصفحة 219

(43) منظور حسين البخاري

(حنفي / باكستان)

ولد عام 1345هـ (1927م) في "اجناله ـ لواء سركودها" وينتمي لأسرة حنفية المذهب، عمل مدرّسا في المدارس الحكومية ،كما أنّه مؤلّف ومدير مجلّة "المبلّغ" التي تصدر في دار "العلوم المحمدية" في سركودها.

اعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) نتيجة تأثّره بقضية "فدك" وما جرى على الزهراء(عليها السلام) من جور وظلم في تلك الحقبة المظلمة من تاريخ المسلمين.

يقول "منظور حسين": إنّ أهم ما دعاني إلى تغيير عقيدتي، هي مسألة فدك، التي بان فيها ظلم أبي بكر وعمر لابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وانتهاك حرمتها وحرمة أبيها، والاستخفاف بتعظيم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لشأنها، وما قال في حقّها(عليها السلام)، وهي المعصومة بنص القرآن الكريم، والتي كانت أعزّ الناس إلى أبيها.

ظلامة الزهراء(عليها السلام) :

قال العلاّمة الحلّي حول مسألة فدك: "ومنع أبو بكر فاطمة(عليها السلام)إرثها، فقالت له: يابن أبي قحافة، أترث أباك ولا أرث أبي.

والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها ـ وكان هو الغريم لها ; لأنّ الصدقة تحلّ له ـ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة، على ما


الصفحة 220

رووه عنه: والقرآن يُخالف ذلك ; لأنّ الله تعالى قال: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ...}(1)، ولم يجعل الله تعالى ذلك خاصّاً بالأمّة دونه(صلى الله عليه وآله وسلم) وكذّب روايتهم فقال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ...}(2)، وقال تعالى عن زكريّا: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}(3) ولمّا ذكرت فاطمة(عليها السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهبها فدكاً، قال لها: هاتِ أسود أو أحمر يشهد لك بذلك! فجاءت بأمّ أيمن فشهدتْ لها بذلك، فقال: امرأة لا يُقبل قولها! وقد رووا جميعاً أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "أُمُّ أيمن امرأة من أهل الجنّة".

فجاء أمير المؤمنين(عليه السلام) فشهد لها، فقال: "هذا بعلُك، يجرّهُ إلى نفسه، ولا نحكم بشهادته لك"! وقد رووا جميعاً أنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيث دار، لن يفترقا حتّى يردا عَلي الحوض"(4)، فغضبت فاطمة(عليها السلام)عند ذلك وانصرفتْ وحلفتْ لا تكلّمه ولا صاحبه حتّى تلقى أباها وتشكو إليه، فلمّا حضرتها الوفاة أوصتْ عليّاً أن يدفنها ليلاً ولا يدع أحداً منهم يصلّي عليها(5).

وقد رووا جميعاً أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "يا فاطمة، إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك" ورووا جميعاً أنّه قال: "فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله"(6).

____________

1-النساء (4) : 11.

2-النمل (27) : 16.

3-مريم (19) : 5 ـ 6.

4-تاريخ بغداد الخطيب البغدادي 14: 321، واُنظر: ما في معناه: مسند أبي يعلى 2: 318، تاريخ دمشق 42: 449، مجمع الزوائد 7: 235، وغيرها.

5-اُنظر: صحيح البخاري 8: 185 كتاب الفرائض.

6-اُنظر: صحيح البخاري 5: 26 و36 باب مناقب فاطمة(عليها السلام).


الصفحة 221

ولو كان هذا الخبر(1) حقاّ، لما جاز له ترك البغلة التي خلّفها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وسيفه وعمامته عند أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولما حكم به له لمّا ادّعاها العبّاس. ولكأن أهل البيت الذين طهّرهم الله تعالى في كتابه عن الرجس مرتكبين ما لا يجوز ; لأنّ الصدقة عليهم محرّمة.

بعد ذلك جاء إليه مال البحرين، وعنده جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال له: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لي: إذا أتى مال البحرين حثوتُ لك ثمّ حثوت لك ـ ثلاثاً ـ فقال له: تقدّم فخُذ بعدّتها، فأخذ من مال بيت المسلمين من غير بيّنة، بل لمجرّد الدعوى(2)(3).

ما دعاني إلى الاستبصار:

يقول: "منظور حسين": من أهم ما دعاني إلى اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، هو وصوله إلينا من النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة المعصومين(عليهم السلام)، وهذا بخلاف بقيّة المذاهب، فإنّها قد انقطعت عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) بفصل غيرهم.

ويضيف أيضاً: وقد علمت بالتحقيق أنّ الطريق الوحيد للنجاة يوم القيامة هو ما عليه أهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم، وأسأل الله تعالى أن يميتنا على محبّتهم، ويحشرنا معهم يوم اللقاء.

____________

1-اي الخبر الذي رواه أبو بكر منفرداً.

2-ذكر ذلك أحمد في مسند 3: 310، ح3917.

3-منهاج الكرامة، العلاّمة الحلّي: 70 ـ 73.


الصفحة 222

(44) نور حسين صابر سابوي

(سنّي / باكستان)

عاش في مدينة جهنك الباكستانية وتوفّي فيها سنة 1364هـ (1945م) كان حاصلاً على شهادة الدكتوراه، ومنتمياً للمذهب الحنفي استبصر واهتدى لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) نتيجة تحقيقاته في المذاهب الإسلاميّة، وقد كان محقّقا فاضلاً، حيث ألّف كتباً عديدة، منها:

1ـ مذهب الشيعة

2ـ الأنوار الجعفرية

3ـ أنوار القرآن

4ـ البراهين القرآنية في الرد على فتح الرحمن وأدلّة القرقاني.

5ـ أدلّة الشيعة على مذهب أبناء العامّة

6ـ تحفة الأحناف في الردّ على تحفة الإنصاف

7ـ خاتم النبوة

8ـ الفتوى الصابرية في الردّ على الفتوى القطبية

9ـ الولي نعم الوصي في الرد على الصدّيق نعم الرفيق

10ـ وقائع الغدير

11ـ ظهور المهدي(عليه السلام)


الصفحة 223

بشائر القرآن بظهور المهدي(عليه السلام) :

بشّر القرآن الكريم البشرية بانتصار الإسلام في آخر الزمان، وزَرَع الآمال في دربها بقيام دولة العدل الإلهي لتمتلأ الدنيا منه بعدما ملئت ظلماً وجوراً، على يدي إنسان معصوم من العترة الطاهرة، لتتجلّى معيّة القرآن والعترة اللذين أمرنا بالتمسّك بهما معاً دون غيرهما في هذه الدنيا حيث إنّهما صنوان لا يفترقان أبداً ـ حتّى يردا حوض الكوثر ـ ويرد كلّ المؤمنين بهما معهم، حيث السعادة والهناء، والارتواء الذي لا ظمأ بعده.

قال تعالى {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}(1).

وقال الإمام عليّ(عليه السلام) "لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسِها عَطْفَ الضروس على ولدها، وتلا(عليه السلام) عقيب ذلك: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ...}"(2).

وقال أيضاً: "المستضعفون في الأرض، المذكورون في الكتاب، الذين يجعلهم الله أئمة: نحن أهل البيت، يَبعث الله مهديَّهم فيعزُّهم ويذلُّ عدوهم"(3).

وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(4)، وجاء في تفسير مجمع البيان للطبرسي عن الإمام عليّ بن الحسين(عليهما السلام): أنّه قرأ الآية وقال: "هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل الله ذلك بهم

____________

1-القصص (28) : 5 ـ 6.

2-نهج البلاغة 4: 47، الحكمة 209، خصائص الأئمّة للرضي: 70، ينابيع المودة 3: 272.

3-بحار الأنوار 51: 63.

4-النور (24) : 55 .


الصفحة 224

على أيدي رجل منّا، وهو مهديُّ هذه الأُمّة"(1).

وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاََْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}(2).

وورد عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: هم أصحاب المهدي(عليه السلام) في آخر الزمان(3).

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون}(4).

وورد عن عباية أنّه سمع أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ...}، أظَهَرَ بعد ذلك؟ قالوا: نعم. قال(عليه السلام): كلا فوالذي نفسي بيده حتّى لا تبقى قرية إلاّ وينادى فيها بشهادة أن لا إله إلاّ الله بُكرةً وعشياً(5).

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(6).

وورد عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): "أنّ صاحب هذا الأمر محفوظ له أصحابه، لو ذهب الناس جميعاً أتى الله له بأصحابه وهم الذين قال الله: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ}(7).

وهم الذين قال الله فيهم: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى

____________

1-مجمع البيان 7: 267.

2-الأنبياء (21) : 105.

3-مجمع البيان 7: 120.

4-التوبة (9) : 33.

5-مجمع البيان 9: 464، واُنظر: بحار الأنوار 51: 60.

6-المائدة (5) : 54 .

7-الأنعام (6) : 89 .


الصفحة 225

الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ}(1)".

وقال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ}(2).

وورد عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): الآيات الأئمة، والآية المنتظرة القائم(عليه السلام)فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وان آمنت لمن تقدّمه آبائه(عليهم السلام)(3).

____________

1-الغيبة للنعماني: 330، بحار الأنوار 52: 70.

2-الأنعام (6) : 158.

3-كمال الدين: 336.


الصفحة 226

(45) خداش عبد القيس

(الناكثين / البحرين)

ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: "بعث طلحة والزُّبير رجلاً من عبد القبس يقال له: خداش إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وقالا له: إنّا نبعثك إلى رجل طال ما كنّا نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة، وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا من أن تمتنع من ذلك، وأن تحاجّه لنا حتّى تقفه على أمر معلوم، واعلم أنّه أعظم الناس دعوى فلا يكسرنّك ذلك عنه، ومن الأبواب الّتي يخدع الناس بها الطعام والشراب والعسل والدُّهن وأن يخالي الرّجل، فلا تأكل له طعاماً، ولا تشرب له شراباً، ولا تمسّ له عسلاً ولا دهناً ولا تخل معه واحذر هذا كلّه منه.

وانطلق على بركة الله، فإذا رأيته فاقرأ آية السخرة، وتعوَّذ بالله من كيده وكيد الشيطان. فإذا جلست إليه فلا تمكّنه من بصرك كلّه ولا تستأنس به، ثمّ قل له: إنَّ أخويك في الدين وابني عمّك في القرابة يناشدانك القطيعة، ويقولان لك:

أما تعلم أنّا تركنا الناس لك وخالفنا عشائرنا فيك منذ قبض الله عزّ وجلّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فلمّا نلت أدنى منال ضيّعت حرمتنا وقطعت رجاءنا، ثمّ قد رأيت أفعالنا فيك وقدرتنا على النأي عنك، وسعة البلاد دونك، وإنَّ من كان يصرفك عنّا وعن صلتنا كان أقلّ لك نفعاً وأضعف عنك دفعاً منّا، وقد وضح الصبح لذي عينين،


الصفحة 227

وقد بلغنا عنك انتهاك لنا ودعاء علينا، فما الذي يحملك على ذلك؟! فقد كنّا نرى أنّك أشجع فرسان العرب، أتتّخذ اللّعن لنا ديناً، وترى أنّ ذلك يكسرنا عنك.

فلمّا أتى خداش أمير المؤمنين(عليه السلام) صنع ما أمراه، فلمّا نظر إليه علي(عليه السلام) ـ وهو يناجي نفسه ـ ضحك وقال: هنايا أخا عبد قيس ـ وأشار له إلى مجلس قريب منه ـ فقال: ما أوسع المكان، اُريد أن اُؤدي إليك رسالة.

قال: بل تطعم وتشرب وتحلُّ ثيابك وتدهن ثمّ تؤدّي رسالتك، قم يا قنبر فأنزله.

قال: ما بي إلى شيء ممّا ذكرت حاجة.

قال: فأخلو بك؟

قال: كلّ سرّ لي علانية.

قال: فأنشدك بالله الذي هو أقرب إليك من نفسك، الحائل بينك وبين قلبك، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أتقدّم إليك الزبير بما عرضت عليك؟

قال: اللّهم نعم.

قال: لو كتمت بعد ما سألتك ما ارتدّ إليك طرفك، فأنشدك الله هل علّمك كلاماً تقوله إذا أتيتني؟

قال: اللّهم نعم.

قال عليّ(عليه السلام): آية السخرة؟

قال: نعم.

قال: فاقرأها فقرأها وجعل عليّ(عليه السلام) يكرّرها ويردّدها ويفتح عليه إذا أخطأ حتّى إذا قرأها سبعين مرّة.

قال الرجل: ما يرى أمير المؤمنين(عليه السلام) أمره بترددها سبعين مرّة؟

ثمّ قال له: أتجد قلبك اطمأن.

قال: إي: ـ والذي نفسي بيده ـ


الصفحة 228

قال: فما قالا لك؟ فأخبره.

فقال: قل لهما: كفى بمنطقكما حجّة عليكما، ولكنّ الله لا يهدي القوم الظالمين، زعمتما أنّكما أخواي في الدين وابنا عمّي في النسب، فأمّا النسب فلا اُنكره وإن كان النسب مقطوعاً إلاّ ما وصله الله بالاسلام.

وأمّا قولكما: إنّكما أخواي في الدين، فإنّ كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب الله عزّ وجلّ، وعصيتما أمره بأفعالكما في أخيكما في الدين، وإلاّ فقد كذبتما وافتريتما بادّعائكما أنكما أخواي في الدين.

وأمّا مفارقتكما الناس منذ قبض الله محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ كنتما فارقتماهم بحقّ فقد نقضتما ذلك الحقّ بفراقكما إيّاي أخيراً، وإن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكم مع الحدث الذي أحدثتما، مع أنّ صفقتكما بمفارقتكما الناس لم تكن إلاّ لطمع الدنيا، زعمتما وذلك قولكما: "فقطعت رجاءنا" لا تعيبان بحمد الله من ديني شيئاً وأمّا الذي صرفني عن صلتكما، فالذي صرفكما عن الحقّ وحملكما على خلعه من رقابكما كما يخلع الحرون لجامه وهو الله ربّي لا اُشرك به شيئاً فلا تقولا: "أقلّ نفعاً وأضعف دفعاً" فتستحقّا اسم الشرك مع النفاق.

وأمّا قولكما: إنّي أشجع فرسان العرب، وهربكما من لعني ودعائي، فإنّ لكلّ موقف عملاً إذا اختلفت الأسنّة وما جت لبود الخيل وملأ سحراكما أجوافكما، فثمّ يكفيني الله بكمال القلب، وأمّا إذا أبيتما بأنّي أدعوا لله فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحرٌ من قوم سحرة زعمتما ; اللّهم أقعص الزبير بشرّ قتلة واسفك دمه على ضلالة وعرّف طلحة المذلّة وادّخر لهما في الآخرة شرّاً من ذلك، إن كانا ظلماني وافتريا عليَّ وكتما شهادتهما وعصياك وعصيا رسولك فيَّ، قل: آمين، قال خداش: آمين.

ثمّ قال خداش لنفسه: والله ما رأيت لحية قطُّ أبين خطأ منك، حامل حجّة ينقض بعضها بعضاً لم يجعل الله لها مساكاً، أنا أبرأ إلى الله منهما.


الصفحة 229

قال علي(عليه السلام): ارجع إليهما وأعلمهما ما قلت.

قال: لا والله حتّى تسأل الله أن يردّني إليك عاجلاً وأن يوفّقني لرضاه فيك، ففعل فلم يلبث أن انصرف وقتل معه يوم الجمل رحمه الله(1).

____________

1-الاُصول من الكافي 1: 343، باب، ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة، الحديث الأوّل.


الصفحة 230

(46) علاء عبد الله عبد الرحمن

(شافعي / البحرين)

ولد سنة 1397هـ (1977م) في "المنامة" عاصمة البحرين، ويحمل شهادة الدبلوم العالي من أحد المعاهد.

كيف تعرّفت على التشيّع:

يقول علاء: ولدت في أسرة معتدلة التديّن، وبحكم معيشتي في البحرين فقد كنت أعرف عن المذهب الشيعي، لأنّ أغلب سكان البحرين من الشيعة، ولكن لم أكن أعرف عن المذهب الشيعي الكثير، وكنت أحتك مع أبناء الشيعة في المدرسة والمعهد، ولكن لم أكن أناقشهم في الدين، ولكنّي كنت أستمع إليهم أثناء نقاشهم مع السنّة، ومن استماعي إلى المناقشات بدأت أستنتج أن هناك نقص في المذهب السنّي، ومنذ ذلك اليوم بدأت أسأل عن أسباب الاختلاف بين المذهبين وأيهما على الحق، وقد كنت أدخل في نقاشات عنيفة مع شقيقي الأكبر في أمور عدّة، مثل زيارة القبور، وخصوصا قبر أُمّي ; لأنّه كان متاثراً بالفكر الوهابي.

وفي خضم هذه الأمور تعرفت على أحد الشيعة البحرينيين فاستبشرت خيراً، وذلك لاعتداله في الدين وانفتاحه على المجتمع وتميزه بالذكاء، فقد كانت فرصة لي بأن أتعرّف على المذهب الشيعي بصورته الحقيقية البعيدة عن التعصّب والجهل...، وبدأت أسأل صديقي عن المذهب الشيعي، وقد كانت أجوبته منطقية


الصفحة 231

وواضحة يقبلها العقل والقلب، وقد كنت استمع إليه في مناقشاته مع السنّة، وأرى بيان حجّته وانتصارها على العقول المتحجرة وتقبّله الانتقاد بصدر شرح، عكس أصدقائنا السنّة، وذلك لثقته بأنّه على الحقّ، وكنت أسأله بعد انتهاء مناقشاته في خلوتنا عن بعض الأمور التي لم أستوعبها أثناء النقاش، وكنت ارتاح لاجابته.

وفي أحد الأيام ذهبت معه لزيارة أحد رجال الدين السنّة، ودار نقاش بين صديقي الشيعي والشيخ السنّي في مسجد للسنّة، وقد كان الشيخ السنّي يقع في إشكالات كثيرة يعجز في تقديم إجابة مقنعة، مثل تفسير بعض الأحاديث، وتوضيح الاختلافات بين السنة نفسهم، وعدالة الصحابة، وبعد تلك المناقشة بعدّة شهور زرنا أحد الشيوخ الشيعة في منطقة الجفير، وقد كان معنا بعض الأصدقاء السنة، ورأيت منطق عذب في كلامه ووضوح الجواب ونبرة صوت منخفض، عكس الشيخ السنّي.

وبعد تلك الجلسة انتظرت أن يمشي الجميع إلى منازلهم، فصارحت صديقي الشيعي باستبصاري، وقد طلب منّي الكتمان حتّى أكون على بينة من أمري، وقد أطلعني على بعض الكتب مثل (ثمّ اهتديت، بنور فاطمة اهتديت، المتحولون...) وأنا الآن 1427هـ (2007م) قد أشهرت تشيعي لأهل البيت(عليهم السلام).

زيارة القبور بين الفطرة والدين، وأحابيل المنافقين:

تحترم الإنسانية كلّها الموتى، وتُجري لهم مراسم خاصة تبيّن فيها اعتزازها بمن فقدتهم وفارقتهم، وهذا أمرٌ فطري مركوز في النفس الإنسانية، جرت عليه الأُمم، واحترمته القوانين والشرائع.

ولم نَر على طول التاريخ أُمّة خرجت عن هذا الأمر، أو طائفة أرادت نسيان ذكريات أعزائها، لكن الدهر لا يخلو من العجائب، والإنسانية لا زالت تشاهد تناقضات بعض أبنائها الذين انطمست فطرتهم، وتاهت عقولهم فقد ظهر


الصفحة 232

في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن شخص يُدعى ابن تيمية، فادّعى فهم الإسلام دون غيره، وأنّه يتبع السلف من الصحابة والتابعين والصالحين من أبناء القرون الثلاثة الأُولى بعد الهجرة الشريفة، فأصدر حكماً بحرمة زيارة القبور(1)، وحرّم على الناس السفر أو شدّ الرحال إلى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع نيّة زيارة قبره الشريف باعتباره سفر معصية(2)، بحجة البعد عن تقليد أهل الكتاب، ورغبة في التمسّك بالسنّة النبوية الشريفة!!!

ولكنّه في الواقع لم يتمسّك بالسنّة، وإنّما تمسك بفهمه الخاطى الناتج من اتباع الهوى، جاهلاً أو متجاهلاً أنّ الله لم يترك الناس سدئ، وأنّه جعل للدين أئمة من أهل البيت(عليهم السلام) يهدون الناس، ويصلحون ما فسد من أُمور دينهم، فالدين كلّه لله، ولله بيت يأتيه الناس، وللبيت أهل أُمرنا بطاعتهم، بيت بناه إبراهيم وإسماعيل وفيه آثارهم، بيت فيه مقام إبراهيم وحجر إسماعيل، بيت فيه الحجر الأسود أُمر الناس أن يأتوه ويقبّلوه طاعة لله.

فلم تكن الكعبة عند الله وثناً، ولم يكن مسعى هاجر(عليهم السلام) وموطأ أقدامها صنماً، بل على العكس، عظّم الله شأن هذه الآثار، وخلّد سيرة الأنبياء والأولياء فيها، وجعلها من مراسم الدين، ففرض على الناس الحجّ إليها، والتمسّح بأعتابها.

إنّ الدين لا يخالف الفطرة السليمة، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}(3).

والدين لا يمنع زيارة المرء قبر أُمّه مثلاً، ولقد زار الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قبر أُمّه فبكى وأبكى من حوله(4)، ولكنّ الوهابيون وأسلافهم يمنعون مثل هذه الزيارة ويمنعون مثل هذا البكاء.

____________

1)(2) رحلة ابن بطوطة: 113.

3-الروم (30) : 30.

4-صحيح مسلم 3: 65.


الصفحة 233

إن الحيّ عندهم ولو كان كافراً أفضل من الميّت المؤمن، فالحيّ يضرّ وينفع والميّت انقطع عمله، ولا تأثير له في هذا الكون أبداً على فهمهم الخاطئ.

إنّهم يرون الموت قاطعاً شديداً، وفاصلاً كبيراً بين الحياة الدنيا، والحياة الآخرة، فهذا هو بعض فهمهم الخاطئ للمعاد، فضلاً عمّا تقدّم من الفهم الخاطئ للتوحيد والرسالة ناهيك عن الإمامة، فهم لا يفهمون أصول الدين فضلاً عن فروعه، ولكن لديهم ادعاءاتهم الفارغة، وتهويلاتهم السقيمة وقد قال تعالى: {مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}(1).

إن الوهابية في هذا العصر التي ورثت (حشوية) الحنابلة و(سلفية) ابن تيمية، اختصرت الإسلام العظيم في محاربة القبورية الوثنية ـ كما تدّعي ـ فسوّل لها الشيطان اتهام الناس بالكفر وقتلهم، كما سوّل لها الاعتداء على مشاهد العظماء من الأئمّة والصالحين، فضلاً عن محاولة هدم قبة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كما اعترفت به بعض كتبهم(2).

إنّ الوهابية مذهب باطل طمس فيه أصل الفطرة وشوهت فيه أُصول الدين،وإن زيارة القبور أمر يوافق الفطرة والدين شاءَ الوهابيون أم أبوا.

____________

1-البقرة (2) : 8 ـ 12.

2-دمعة على التوحيد: 143.


الصفحة 234

(47) برناديت كاهل (فاطمة)

(مسيحية / بريطانيا)

ولدت في بريطانيا، حاصلة على شهادة عالية في دراستها الجامعية، نشأت في أسرة مسيحية، ثمّ تعرّفت على الإسلام عن طريق أحد المبلّغين، فلفت الإسلام انتباهها، فدفعها هذا الأمر إلى البحث، ثمّ الاستبصار.

أهمية وجود الأنبياء:

عرفت "برناديت" من خلال دراسة الدين الإسلامي بأنّ الإنسان يحتاج في حياته إلى منهج شامل وكامل يعبّد له طريق وصوله إلى السعادة الدنيوية والأخروية.

ولا يستطيع الإنسان الوصول إلى هذا المنهج الكامل إلاّ عن طريق الاستعانة بالله; لأنّه تعالى لم يخلق العباد عبثاً، وهو أعرف بمصالحهم ومنافعهم.

ولهذا يصطفي الله تعالى خيرة خلقه ليبعثهم إلى الناس بالرسالات والشرائع والفرائض العبادية.

ومن خصائص الأنبياء أنّهم يتمتّعون بأمور خارقة للعادة من أجل إثبات اتّصالهم بالله تعالى، ومن أكبر شواهد صدق نبوّة النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) هو القرآن الكريم الذي تحدّى الله تعالى الجن والإنس أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك.


الصفحة 235

في رحاب القرآن:

قرأت "برناديت" القرآن الكريم بدقّة وتأمّل، وتدبّرت في مضامينه، فوجدته كتاب هداية وكتاب إرشاد وكتاب يأخذ بيد الإنسان إلى الحياة الطيّبة.

ثمّ توجّهت "برناديت" في ظلّ إرشادات المبلّغ الديني الذي تعرّفت عليه بقراءة كتب أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) فتفتّحت آفاقها الفكرية على معلومات جديدة أنارت قلبها، ومنحتها البصيرة والهداية.

الإعجاب بشخصية فاطمة الزهراء(عليها السلام) :

تعرّفت برناديت خلال دراستها للتاريخ الإسلامي على شخصية فاطمة الزهراء بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فتأثّرت بشخصيتها وزهدها وتقواها وإيمانها وكيفية سلوكها وتصرّفاتها ومنهجيّة تعاملها مع الآخرين.

ولهذا عندما أعلنت "برناديت" استبصارها، سمّت نفسها "فاطمة"، ليذكّرها هذا الاسم بسيّدة نساء العالمين، ويكون هذا التذكار سبباً يدفعها لاستذكار المعاني المعنوية والمفاهيم الروحانية، ويدعوها دائماً إلى التمسّك بالأعمال التي تقرّبها إلى الله تعالى.

ترسيخ الملكات الفاضلة:

كانت تظن "برناديت" بأنّ الالتزام بالفرائض والشرائع الإسلامية عمل شاق وعسير جداً، ولكّنها وجدت بعد فترة من الاستبصار والتزامها الكامل بالإسلام، بأنّ الصعوبة تكمن في البداية فقط لعدم اعتياد الإنسان عليها، ولكن بمرور الزمان يتحوّل هذا الالتزام إلى ملكات ترسخ في نفس الإنسان بحيث يستوحش الإنسان من تركها.

وعرفت "برناديت" بأنّ منشأ خوفها من صعوبة الالتزام الديني هو الشيطان، وكان هذا التخويف فعل شيطاني حاول أن يصدّها عن الاستبصار،


الصفحة 236

فشكرت الله تعالى أن ساعدها وأعانها لاجتياز هذه العقبة والموانع الأخرى التي اعترضت طريقها وحاولت صدّها عن الاستبصار.

كما شكرت "برناديت" ربّها أن عرّفها على حججه في الأرض بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويسّر لها سبيل التمسّك بالثقلين كتاب الله وعترة الرسول لتعصم بذلك نفسها من الضلال والضياع والانحراف.


الصفحة 237

(48) جان آلن بادن (رضا)

(مسيحي / بريطانيا)

من مواليد بريطانيا، حاصل على شهادة الليسانس في التجارة والاقتصاد، غذّته البيئة التي ترعرع فيها بعقائد الكنيسة، لكنّه منذ الصغر وجد أنّ بعض الأفكار التي تمليها الكنيسة على أبناء المجتمع أفكار ضيّقة الآفاق، فانفعل ذات مرّة نتيجة الوضعية المتردّية التي تعيشها الكنيسة، فثار شعوره الديني على القضايا المبهمة التي يقدّمها رجال الدين المسيحي بألفاظ غامضة، وانتهى به المطاف ـ بعد بحث وجدل وتأمّلات ـ إلى رفض المسيحية، فبلغت حيرته حينذ أشدّها، ولكن لم يتطرّق اليأس إلى نفسه أبداً ; لأنله عرف اذا لم يجد الهداية في المسيحية، فليس معنى ذلك أنّه لن يجدها مطلقاً.

فواصل بحثه وهو على أمل أن يجد السبيل إليها، فاستمرّت دراسته مدّة طويلة، حتّى وجد ضالّته المشودة في الدين الإسلامي فعندئذ أحسّ أنّه قد وصل إلى شاطئ الأمان، وأنّه اجتاز مرحلة التوتر النفسي وقلق المعرفة التي كان يعاني منها، فمن هذا المنطلق اعتنق الدين الإسلامي الحنيف، ووفّر لنفسه الأجواء المناسبة التي تفسح له المجال لترعرع الفضائل في نفسه، وتمنحه القدرة على الالتزام بالشريعة الإلهية التي قد تعرّف عليها.


الصفحة 238

حقوق الإنسان في الإسلام:

وجد "جان آلن" خلال دراسته للإسلام إعلان مضاد جدّاً ضدّ الإسلام في الدول الغربية، ووجد بأنّ العديد من الجهات السياسية وغير السياسية تحاول وضع العقبات والموانع أمام أبناء المجتمع لئلاّ يدنو من الإسلام، وأبرز سلاح لوضع هذا المانع هو استخدام وسائل الإعلام بمختلف أنماطها في هذا السبيل.

ومن الذرائع التي يتمسّك بها الغرب وتجعلها وسيلة للإطاحة بالإسلام هي مسألة حقوق الإنسان.

ولكن وجد "جان آلن" بعد دراسته لحقوق الإنسان في الإسلام بأنّ هذا الإعلام المضاد من وسائل الإعلام الغربية إنّما هو ردّة فعل منهم إزاء الدول الإسلامية التي ترفض الخضوع لهيمنتهم، كما أنّ علماء الديانات المحرّفة استغلّوا هذه المسألة الحسّاسة لمآربهم التبشيرية.

ولكن عندما يتحرّر الإنسان من طوق هذا الإعلام، ويدخل في دائرة البحث عن الحقيقة يجد بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أعلن عن المساواة بين البشر.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "يا أيّها الناس إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ونبيّكم واحد، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلاّ بالتقوى"(1).

وقال الإمام علي(عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية.. ولا تكونن عليه سبعاً ضارياً تغتنم أكلُهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"(2).

ولو يلقي الإنسان نظرة إجمالية على رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين(عليه السلام) فإنّه سيجد الرؤية الإسلامية الشمولية لحقوق الإنسان العامّة،

____________

1-نهج البلاغة 3: 84، رقم 53 .

2-كنز العمال 3: 42، ح5649 .


الصفحة 239

والاجتماعية ذات الصبغة القانونية، والاجتماعية ذات الصبغة الأخلاقية.

المعرفة الصحيحة للإسلام:

لم يتمكّن "جان آلن" من الاستبصار إلاّ بعد معرفته للإسلام من الطرق الصحيحة، فإنّه لم يكتف بما يقوله الأعداء حول الإسلام، ولو كان مقتنعاً بكلامهم لم يعرف حقيقة الإسلام، ولكنّه بحث حول الإسلام من المصادر الموثّقة، وسأل حول الإسلام من الأشخاص المعتمد عليهم، فلهذا تمكّن في نهاية مطاف بحثه من معرفة الحق والالتزام بهدي الإسلام.


الصفحة 240

(49) جوزيف

(مسيحي ارثوذكس / بريطانيا)

قصة استبصار "جوزيف" نقلاً عن مجلة نور الإسلام، بقلم: قمبر أسدي: صادف في إحدى جولاتي التبليغية، أنني ألقيت سلسلة من المحاضرات عن حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في قاعة قرب مسجد الجمعة الكبير في بلدة تريشنوبولي في بريطانيا.

وهناك دخلت في حوار صريح مع أستاذ جامعي كنت أعرفه منذ زمن وقد نشأت بيننا صداقة، وفي سياق الحوار قال الصديق غير المسلم: ما هو برهانك على نبوّة محمّد، ولكن خارج إطار القرآن الكريم؟

فسألته: إذا كان يحمل نسخة من الكتاب المقدّس، فأعطاني إياها. وهكذا بدأت أقرأ على مسامعه:

الإصحاح الثالث:

"وقال موسى... يبعث الله ربكم برسول من إخوتكم يكون مثلي" [22].

"وكل نفس لا تتبع هذا الرسول سيقضى عليها" [13].

الإصحاح السابع:

"هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل سوف يرسل الله بعدي رسولاً من إخوتكم وسوف تصغون إليه كما تصغون إلي" [37].


الصفحة 241

وينقل يوحنا [14] عن موسى(عليه السلام) قوله:

"سأصلّي للأب وهو سوف يرسل لكم من يريحكم على أن يظل معكم إلى الأبد" [16].

"الحق أقول لكم إنّه من الأفضل لكم أن أمضي، لأنّني إن لم أفعل لن يأتي من يريحكم، ولكن إذا ذهبت فسوف أرسله لكم" [26 ـ 27].

"لا يزال لدي الكثير.. إلاّ أنكم غير قادرين على سماعه الآن" [16 ـ 12].

"عندما يأتي روح الحقيقة، فسوف يرشدكم إلى الحقيقة، لأنّه لن يتحدّث عن نفسه... لكنّه سيحدثكم عن أشياء ستأتي في ما بعد" [16 ـ 13].

فقرأ الصديق المقاطع ملياً ثمّ قال:

ولكن النبوءة تتحدث عن المسيح!

فابتسمت وقلت:

إقرأ مرة أخرى بتأن، ألا تقول الآيات إن الله سيبعث برسول مثل موسى(عليه السلام)، أي أنّه سيكون رجلاً مولوداً من أب وأم مثل موسى(عليه السلام)، وليس كالمسيح المولود من الأم فقط ، وأنتم تسمون المسيح ابن الرب، وهو نبي مثل موسى، ولقد كان موسى نبياً مكلفاً بتبليغ الرسالة، وينبغي على الرسول الذي يتحدّث عنه أن يكون كذلك أيضاً، في حين أن المسيح(عليه السلام) كان يدعو إلى إطاعة القوانين القائمة كالوصايا العشر التي حملها موسى(عليه السلام) إلى ذلك، فعلى المرء أن يتنكر للحسّ السليم ولمنطق العقل حتّى يدّعي أن عيسى(عليه السلام) عندما كان يتحدّث عن قدوم نبي آخر فإنّما كان يتحدّث عن نفسه.

ولقد شعرت أن هذه الأجوبة المستندة إلى (الكتاب المقدس) أوجدت لديه انطباعاً حسناً عن مدى اطلاع المسلمين على الأديان الأُخرى، وعن مدى إيمانهم بوحدانية الله.

ثمّ سألني الصديق: هل تدرسون كل الديانات الأُخرى قبل اعتناق


الصفحة 242

الإسلام؟

قلت: لا، لأننا نولد من أبوين مسلمين ومع ذلك فإننا مأمورون من الله تعالى بأن نبحث عن الحق ونقارنه بغيره، أي أن نقابل بين الإسلام وكل العقائد الأخرى، ومن ثمّ نكوّن قناعاتنا السليمة الخاصة التي يرتضيها الله تعالى، إذ إنّ أي اتّباع أعمى لأي عقيدة يجعل الإنسان مقصّراً ومسؤولاً أمام الله، بل لا بدّ أن يحصل ذلك بعد بذل الجهد في البحث... وقد ذمّ القرآن الكريم في آيات كثيرة أولئك الذين يتبعون آباءهم ويقلّدونهم بدون تفكّر وتدبّر.

وهنا انتقل إلى السؤال التالي:

هل تؤمن بأن الكتاب المقدّس كتاب سماوي؟

فطلبت منه أن يجيبني على الأسئلة التالية:

هل الكتاب الذي بين يديك هو الكتاب الذي أوحى به الله تعالى إلى المسيح(عليه السلام)؟

وهل يمكن أن يكون هناك ابن لأي كان من دون زوج؟ وهل يمكن لأي كان حتّى أنت يا صديقي الذي يؤمن ببنوة المسيح(عليه السلام)، أن يتخيل أن مريم العذراء(عليه السلام) قد اتخذها الله سبحانه زوجة له، فحملت بعيسى(عليه السلام)؟

دعنا نستعذ بالله من شر مثل هذه الأفكار، فتعبير البنوة إذا استخدم في الإنجيل لا يمكن أن يعني سوى أن هذا المخلوق أو الشخص قد وهبه الله الحياة، وإلاّ ماذا تقول عندما يتحدّث المسيح(عليه السلام) عن نفسه بوصفه ابن الإنسان:

"لقد جاء ابن الإنسان، يأكل ويشرب..." [لوقا ـ 7: 34].

"ليشعر ابن الإنسان بالخجل..." [لوقا ـ 9: 26].

"قائلاً يجب أن يسلم ابن الإنسان إلى الناس الذين ارتكبوا الخطايا" [لوقا24].

كذلك يقول إنجيل يوحنا: "ابن الإنسان سوف يعطيكم" [6: 27].


الصفحة 243

إن المسيح(عليه السلام) قد خاطب الله تعالى قائلاً يا أبتي، ولكنّه قال أيضاً يا أبانا. الأمر الذي يعني أن الله هو أب للمسيح(عليه السلام) كما هو أب (خالق) لأي منّا. وبالتالي فإنّ بنوّة المسيح تعني مخلوق الله، وكلمة ابن التي استخدمها المسيح(عليه السلام) إنّما هي بمعنى عبد الله، فالمسيح يقول عن نفسه: إنّه عبد الله.

ثمّ طلبت منه أن يجيبني على سلسلة من الأسئلة التي أجاب عنها جميعاً بالنفي:

هل طلب المسيح(عليه السلام) أو أصدر أمراً بكتابة الإنجيل؟

هل كُتب الإنجيل في خلال حياة المسيح(عليه السلام)؟

هل كُتب الإنجيل بعد موت المسيح(عليه السلام) مباشرة؟

فصمت لحظة ثمّ قال: ولكن الإنجيل هو كلمة الله التي حفظها وكتبها تلامذة المسيح.

فابتسمت وقلت:

يا سيّد جوزيف: لو كان الإنجيل كتاب المسيح وتلامذته، فكيف تفسر الاختلافات بين الأناجيل؟

ألا تحتوي النسخ الكاثوليكية على فروقات عن مثيلاتها البروتستانتية؟

وذكّرته أيضاً أن الأناجيل تختلف حتّى في رواياتها عن الأنبياء المعصومين(عليه السلام).

فسألني: ماذا؟

هل يؤمن المسلمون بأنبياء معصومين إضافة إلى محمّد؟

فرددت عليه بتلاوة بعض آيات القرآن الكريم: {قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّنْهُمْ}(1).

____________

1-آل عمران (3) : 84 .


الصفحة 244

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّن رُّسُلِهِ}(1).

ثمّ بدا أنّه كاد يقتنع بما قدّمت له من إيضاحات، ولذلك رحّب بمتابعة الحوار... فسألته إن كان يقدر أن يجيبني على سؤال آخر: هل المسيح هو ابن الله أم الله نفسه؟

فأجاب: المسيح بحسب الدين المسيحي هو الله نفسه وقد تجسّد في ابنه.

فقلت: هل يمكنك أن تقنع أحداً أنّ الربّ الباقي الأبدي هو في الوقت نفسه غير باق (إنسان) يمكن أن يقع في قبضة غيره من البشر الذين يعذّبونه حتّى الموت؟ هل يمكن لأي شيء أن يكون في الوقت نفسه عالياً ومنخفضاً؟ أبيض وأسود؟ وهل يمكن أن يكون هناك ظلام ونور في الوقت نفسه؟ أي فلسفة هذه؟

وهل فكّرت مرّة أن هناك سؤالاً يواجه كلّ من يؤمن بعقيدة التثليث لابدّ له من الإجابة عليه وهو: إذا كانت ثلاثة كيانات مختلفة هي في الوقت نفسه كيان واحد بالمعنى الكلي للتوحيد، فما الذي يجعلها تبقى كذلك؟ هل هناك عامل أو ظاهرة غير مفهومة تحدث هذا التأثير العجيب؟ فإذا كان هناك مثل هذه الظاهرة فهذه القوة التي تسيطر على العدد والوحدة ستكون هي الله، وليس أيّ من هذه العناصر الثلاثة الخاضعة لسيطرة العامل الخارجي.

ثمّ إنّ هناك إشكاليةً أُخرى لابدّ لأيّ مؤمن بالتثليث أن يجيب عليها أيضاً، وهي: من الذي يحدّد عند انقسام الواحد إلى ثلاثة، أي قسم منه هو الأهم؟ أو لماذا انقسموا إلى ثلاثة وليس أكثر؟ لابدّ أن يكون هناك سبب ما أو عامل ما هو الذي أدّى إلى هذا التأثير، وهذا العامل السببي الذي يملك القوة المسيطرة على الكيانات الثلاثة لابدّ أن يكون الله وليس أيّاً من الثلاثة ; لأن كلاً منها ليس أكثر من معلول هذا العامل السببي.

____________

1-البقرة (2) : 285.


الصفحة 245

لا يمكن لأي إنسان مهما كانت الظروف أن يؤمن بأنّ هناك حدثاً ما يحدث دون وجود عامل مسبب ومؤثر أدّى إلى حدوثه، وهكذا فإن التثليث ظاهرة أحدثتها الكنيسة المسيحية، ولا يمكن لأي منطق أن يبرهن على صحتها.

وأريد منك يا سيّد جوزيف أن تفكر قليلاً في المعتقد الذي يقول: إنّ المسيح هو الله نفسه، أو هو ابن الله، كيف يصمد هذا أمام كلام المسيح على الصليب كما توردون أنّه قال: "ربي ربي هل تخليت عني" [متى 27: 47].

أي فلسفة هذه إذا كان المسيح هو الله نفسه؟ فهل يعني ذلك أن الله قد تخلى عن الله؟

وهل يمكن أن يشعر الله باليأس وأن يطلب من أحد أن يساعده؟

إن إنجيلكم نفسه ـ سيّد جوزيف ـ يقول: إنّ ابن الله قد تخلّى عنه الأب، وبالتالي فإنّ هذا الابن قد فقد بشكل آلي وفوري ما يميزّه كابن، وكذلك فهو قد فقد أيضاً كابن علاقته بأبيه. وبالتالي هل يمكن أن تقول لي يا سيّد جوزيف ما الفائدة بالتعلّق بابن تخلى عنه أبوه؟

فلم يجد جوزيف شيئاً يقوله، وسكت وكأن على رأسه الطير.

وهنا سألني: كيف إذاً توفقّ بين العنف الذي لجأ إليه نبيّ الإسلام وبين كونه نبيّاً مرسلاً من الله؟

فأجبته على الفور:أريد منك أن تذكر لي حادثة واحدة في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يظهر فيها أنّه ارتكب أي اعتداء مستفزّ، أو أنّه بادر إلى الهجوم على أي شخص. فكل معركة قادها وسمح بها إنّما كانت دفاعاً عن النفس. ولو لم يدافع كما فعل لكن مجيؤه إلى هذا العالم والحقائق التي علمها عن حقيقة الله والتي تعلّمها العالم من خلال رسالته المجيدة مذكورة فقط في كتب التاريخ وعرضة للتغيّرات والتزويرات.

الإنجيل لا يدعو إلى الدفاع عن النفس، هذا صحيح فهو يدعو إلى


الصفحة 246

الاستسلام إلى درجة التخلّي عن كلّ ما يملكه المرء إلى المعتدي عليه، فهل هناك أيّ قوة مسيحية تتبع ذلك؟ وحتّى لو كنّا نتحدّث عن التاريخ السياسي للأُمم المسيحية في أوروبا ألا تذكر الطرق اللاإنسانية التي لجأ إليها المسيحيون لنشر عقيدتهم؟

فأجابني من خلال طرح سؤال آخر: إنّ هذا هو مبدأ التطهّر من الخطايا بواسطة دم المسيح، فهو ـ أي المسيح ـ دفع ثمن الخطايا التي ارتكبها بنو الإنسان، أي أنّ الناس المؤمنين هم الذين طهّرهم المسيح(عليه السلام) وخلّصهم، فهل لديكم شيء مماثل في الإسلام؟

فابتسمت وأجبت: يا صديقي، إنّ أعظم هدية من الله للإنسان هي الحسّ السليم، فإن تخلّى الإنسان من تلقاء نفسه عن هذه الملكة فإنّه لا شيء يمكنه أن يساعده، دعني أولاً أحاول أن أرى: إذا كان هذا المبدأ الذي ذكرت يتماشى مع الحسّ السليم، لنفترض أن زيداً وهو شخص مسيحي يؤمن بالمسيح كمخلّص، نهب منزل عمرو، فهل أنّ المنطق أو الحسّ السليم يفترضان أن لا يعاقب زيد انطلاقاً من حكم القانون، وخصوصاً القانون الإلهي العادل لمجرّد أن زيداً يعتبر المسيح مخلّصاً له؟!

كلا.

فواصلت حديثي قائلاً: هناك وجه خطير جداً للمبدأ الذي تحدّثت عنه والقاضي بالتطهّر بعد فداء المسيح(عليه السلام) للخطايا بدمه: عندما ندفع ثمن شيء ما، يصبح هذا الشيء ملكا لنا، والمالك السابق له يتخلّى عن كلّ حق له به، نظراً لأن الثمن قد دُفع أليس كذلك؟

أجل.

إذا كانت خطايا البشر قد دُفع ثمنها وافتديت، فلن يكون لله الحقّ في معاقبة أي خاطىء، وكلّ من يرتكب معصية من المؤمنين بالمسيح يملك الحرية في أن