المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 247

يفعل ما يريد وما تدفعه إليه شهواته الوحشية، فليس لله تعالى أي حقّ حتّى في مساءلة أي خاطىء، إذ إن المسيح قد دفع الثمن مسبقاً عن الجميع... هل يمكن أن يكون هذا منطقياً؟ وهل يمكن لهذا المبدأ أن يساعد في استمرار الحياة على الأرض في سلام وأمن؟

وأكملت حديثي قائلاً: تذكّر أن الإسلام يريد من كلّ فرد أن يبقى خاضعاً لضرورة المحاسبة، وأن يتحمّل مسؤولية شخصية عن أعماله الخيّرة والشريرة، وذلك لمصلحته الشخصّية في حياته هو، ولمصلحة حياة المجتمع ككل الذي هو جزء منه ولمصلحة البشرية وكلّ مخلوقات الله.

الإسلام يدعو دائماً ويحض الإنسان على أن يكون مستقيماً، واعداً إياه بالجنّة، ويحذره من المعاصي، مذكّراً إياه بالعواقب، فالقرآن الكريم يحذّر دائماً بقوله: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}(1).

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(2).

{مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}(3).

تهديد الإنسان بعقاب شديد جزاء ما يفعل من شرّ، يكشف القرآن به عن مدى رحمة الله اللانهائية، والذي لا يريد للإنسان مهما كان مرتكباً للمعاصي أن يقنط من رحمة ربه. والشرط الوحيد لعفو الله هو توبة الخاطىء عن ارتكاب الشرّ والمعاصي مصحوباً بنية في تغيير سلوكه في المستقبل، وأن يتوجّه من كلّ قلبه إلى

____________

1-البقرة (2) : 48.

2-الحجرات (49) : 13.

3-الإسراء (17) : 15.


الصفحة 248

طاعة الله وشكره على نعمته.

وبالله عليك قل لي: أيهما في رأيك أقرب إلى العقل والمنطق، أهو أن نجعل الإنسان لا يأبه لما يرتكبه من شرور، أي أن نجعله واثقاً من أنّ الثمن قد دُفع سلفاً، أو أن نحذّره دائماً من عواقب أعماله وعقاب الله العادل له على أي عمل فيه معصية لله؟

وهنا أبدى اعتقاده بصحة ما قدّمته من آراء وأفكار وأظهر إعجابه بالإسلام وأراد شكري على ذلك، فقلت له: عليك فقط أن تشكر الله تعالى على نعمته بتحقيقه للوعد الذي قطعه لكلّ باحث مخلص عن الحقيقة، فالله الرحمن الرحيم قد حقّق وعده بهداية الناس إلى يوم القيامة كما جاء في إنجيل يوحنا عن النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

ولقد تحقّق أيضاً وعد الله، بأن يخلفه(صلى الله عليه وآله وسلم) 12 وصياً من نسل إسماعيل(عليه السلام)، هم الأئمّة الاثنا عشر أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):

"وأما بالنسبة إلى إسماعيل فقد سمعته ولقد باركته ولسوف أجعل له ذرية كبيرة، وسيكون له أجر ولسوف أجعل له أمّة عظيمة" [سفر التكوين 18: 20].

لقد كان جميع هؤلاء الأئمّة ذوي خُلُق عظيم ومرتبة علمية سامية على الرغم من أنّهم لم يتلقّوا تعليماً من أي إنسان آخر في هذا العالم، فإنّهم نهلوا من معين العلم الإلهي لكي ينيروا هذا العالم بالمعرفة الحقيقية بربّ هذا الكون.

ولقد عاش أحد عشر إماماً من الأئمّة الاثنى عشر حياتهم كنماذج للإنسانية الطاهرة في استسلام كامل للمشيئة الإلهية، واستشهدوا جميعاً. وإذا كان أحد يريد أن يرى نموذجاً حقاً لما يعنيه الاستسلام لإرادة الله تعالى وتحمّل المعاناة في سبيل ذلك كأقسى ما يمكن أن يعانيه أحد من آلام ومصاعب، فيجب أن ينظر إلى الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء، فهو لم يطلب من ربّه أن يرفع عنه هذه الكأس، ولا تساءل إن كان ربّه قد تخلّى عنه، بل حمد الله تعالى وأقام الصلاة فيما


الصفحة 249

كان يتم اضطهاده وذبحه وآله بأبشع طريقة ممكنة.

ولم يمض غير وقت قصير على هذا الحوار المثمر حتّى نضجت فكرة اعتناق الإسلام لدى صديقي أستاذ الرياضيات الجامعي البريطاني، فلقد انشرح صدره له إثر اطّلاع مجمل له على عقائده ومفاهيمه وبعض تشريعاته وأخلاقياته، وهكذا نطق بالشهادتين وأعلن إسلامه وباشر الالتزام بموجباته وعباداته، وما لبث أن صار داعياً متحمّساً لنشره، وقد بدأ محاولاته هذه مع والده الذي كان رجلاً مؤمناً وملتزماً بديانته السابقة، فنجح في اقناعه وهدايته إلى طريق الحق بعد محاورات هادئة معه..

وإنني في المناسبة لأدعو كلّ من يمتلك معرفة ودراية بالفكر الإسلامي والفكر المقارن، ويلّم ـ في الوقت نفسه ـ بطريقة التفكير الغربية، وعلى الأخصّ المتواجدين في بلاد الغرب، أن لا يدعوا أيّ فرصة لهم للتعرّف والاحتكاك بأمثال صديقي هذا، فإنني مطمئن بأنّهم سيجدون آذاناً صاغية، وقلوباً منفتحة، وصدوراً رحبة راغبة في الحوار الهادف والتعرّف على معالم ديننا وقيمه، كما أنّهم من جهة ثانية يمكنهم المساعدة على نطاق أوسع في زوال الصورة المشوّهة في أذهان الغربيين عن الإسلام والمسلمين... والله وليّ التوفيق هو هادي العاملين الصابرين(1).

____________

1-مجلة نور الإسلام، العددان 53 و54: 41 ـ 43، والعددان 55 و56: 54 ـ 47 بتصرف يسير.


الصفحة 250

(50) جوليا آليس (مريم)

(مسيحية / بريطانيا)

من مواليد بريطانيا، حاصلة على شهادة الليسانس في اللغة الألمانية، كانت تعتنق الدين المسيحي، وهو الدين الذي انشأ ردود فعل في وسط منتميه، فوّلد بإفراطه لديهم حالة التفريط .

فترعرعت جوليا في أجواء هذا التفريط ، وفي وسط الحياة المادية البحتة، فوجدت نفسها تعيش في ظلّ هذه الأجواء حياة قلقة، بلا طموح سامي ولا هدف رفيع، فلهذا حبّذت أن تعود إلى الدين والإيمان الذي يعيد التوازن وحالة الاعتدال في كيان الإنسان، لكّنها لم تحبّذ أن تعود إلى الديانة المسيحية الجافّة، فتوجّهت إلى ا لبحث حتّى تعرّفت على الإسلام فوجدته ديناً يوفّر لمنتمية الحياة السعيدة في ظلّ توجيهاته التي تحقّق حالة الاعتدال في النفس البشرية، فلهذا توجّهت إلى هذا الدين واختارته لنفسها ديناً تعمل وفق شريعته الربانية.

العفّة والحياء في الدين الإسلامي:

من أهم الأُمور الملفتة للنظر في الدين الإسلامي لعامة النساء هي مسألة تأكيد الإسلام على مسألة تحلّي المرأة بالعفّة ظاهراً وباطناً، وليس الحجاب في الدين الإسلامي إلاّ وسيلة لوقاية المرأة من عدم الانزلاق في أودية الفساد


الصفحة 251

والطغيان.

كما أنّ الإسلام اهتّم بترويج الأخلاق التي من شأنها أن تمنح المرأة من داخل النفس القوة لمواجهة الأهواء النفسية لئلا تنجرف المرأة مع هذه الأهواء فتفقد بذلك المناعة أمام المغريات الخارجية.

كما اهتم الإسلام بمحافظة المرأة على حيائها حين تعاملها مع الرجال وحفظ كرامتها ومقامها، ليكون هذا الحياء وسيلة لوقايتها من تخطّي الخطوط الحمراء التي وضعها الإسلام في خصوص علاقة المرأة بالرجال.

مكانة الأُسرة في الإسلام:

من الأُمور الأُخرى الملفتة للنظر في الدين الإسلامي هي مسألة اهتمام هذا الدين بالأسرة والتأكيد على حفظها وتقوية بنيتها، في الوقت الذي نجد الغرب يسير طريقاً يؤدي إلى تضعيف هذه البنية.

ففي المجتمع الذي يعتبر الجمال هو المقياس لمكانة المرأة ومقامها ففي هذا المجتمع من دون شكّ ستفقد المرأة مكانتها بمجرّد ارتفاع سنّها.

ولكن في الدين السلامي عندما يرتفع سنّ المرأة فإنّها ـ بصورة عامة ـ تتحوّل إلى أُم، وكم جعل الإسلام مقاماً رفيعاً للأُم، كما أنّ الإسلام لم يكتف بالظواهر، ولم يعتبر جمال المرأة مقياساً لقيمتها، بل جعل قيمة كلّ إنسان بمقدار تقرّبه إلى الله تعالى، ولا فرق بين الرجل والمرأة في هذا الصعيد، بل المجال للجميع مفتوح، وكلّ إنسان ينال هذه المرتبة بمقدار الجهود التي يبذلها في هذا المجال.

السبب الأهم في استبصارها:

إنّ الدين الإسلامي دين يجعل الإنسان دائم الاتصال بالله تعالى عن طريق الصلاة المتواصلة التي يصلها الإنسان أوّل ووسط وآخر كلّ يوم، وهذا الاتصال


الصفحة 252

يمنح الإنسان الروحانية والمعنوية التي ثمرتها الطمأنينة والسكينة والشعور بالراحة، وهذا ما شدّ الإنسان بالله تعالى ويجعله أكثر شوقاً للتقرّب إلى الله تعالى.

وهذا الشعور هو الذي دفع "جوليا" إلى ا لاستبصار، كما وجدت "جوليا" عند قراءتها لأحاديث أهل البيت(عليهم السلام) أثراً عميقاً في نفسها وشعرت بأنّ كلام هؤلاء نور يضي لها الدرب في حياتها، فتمسّكت به وسارت بهداه على الصراط المستقيم.


الصفحة 253

(51) جولي كرين (مريم)

(مسيحية / بريطانيا)

ولدت في بريطانيا، حاصلة على شهادة جامعية، كانت منتمية إلى الدين المسيحي لكنّها وجدت أنّ هذه الديانة بمفاهيمها المعقدّة لم تمنحها سوى التخبّط والفوضى والقلق في الصعيد الفكري، فاستمرّت على هذه الحالة حتّى لاحت بصيرتها نور الإسلام، فتوجّهت إلى البحث حول هذا الدين حتّى ثبت لها قدرة الإسلام على انقاذها من الحياة اللاهية العابثة الفاقدة للقيم الربانيّة، فلهذا انجذبت إليه واختارته لنفسها ديناً يضمن لها سعادة الدارين.

منزلة الإنسان في العقيدة الإسلامية:

إنّ الإسلام يعرّف الإنسان بأنّه خليفة الله في الأرض، وهو المخلوق المكرّم الذي فضّله الله على سائر مخلوقاته.

قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(1).

وجعل الله تعالى الحياة الدنيوية فرصة لتكامل الإنسان عن طريق العبادة

____________

1-الإسراء (17) : 70.


الصفحة 254

لله تعالى.

ولاحظ الباري عزّ وجلّ طاقة الإنسان وقدراته فلم يكلّفه فوق نطاق وسعه.

قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}(1).

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطرّوا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق مالم ينطق بشفة"(2).

ومن هنا نستنتج بأنّ العقيدة الإسلامية لاحظت عوامل الضعف في الإنسان والهدف من الفرائض الدينية والأعمال العبادية تكامل الإنسان لا إرهاقة وإتعابه أو دعوته إلى الرهبانية والسير على خلاف فطرته وطبيعته.

الإسلام وفرصة التوبة:

إنّ الإنسان بطبيعته قد يخضع لأهوائه وغرائزه وشهواته، وقد لاحظ الإسلام هذا الأمر في الإنسان، وتعامل معه برفق ولين ومداراة، ولم يغلق الأبواب بوجهه ولم يدفعه إلى اليأس والقنوط ، بل دعاه إلى الرحمة الإلهية الواسعة.

ولم يسمح الإسلام للإنسان أن يعيش حالة الشعور بالخطيئة، ويعذّب نفسه من خلال مداومة تأنيب الضمير، بل دعاه إلى التوبة والاستغفار والإنابة والعودة إلى الله تعالى، والله تعالى ستّار العيوب.

الله في الإسلام:

إنّ الإله الذي تعرّفت عليه "جولي" خلال دراستها للإسلام كان إلهاً حياً عطوفاً رحيماً بخلاف الإله الذي كانت الكنيسة تدعو إليه، وهذا ما جعلها تتفاعل

____________

1-البقرة (2) : 286.

2-الخصال، الشيخ الصدوق: 417، باب التسعة.


الصفحة 255

مع الدين الإسلامي وتنجذب إليه يوماً بعد آخر حتّى وجدت نفسها مسلمة مؤمنة بالله الواحد الأحد الرحمن الرحيم.

وعندما بدأ قلب "جولي" ينبض بمحبة الله تعالى، لانت جميع جوارحها وخضعت بسهولة وبساطة إلى أوامر الله تعالى، ووجدت "جولي" بأنّ الأعمال العبادية الإسلامية تحوّلت إلى غذاء لروحها، ولا يمكنها الابتعاد عنها والقصور فيها ; لأنّها بدأت تحتاج إلى هذا الغذاء وتتلهّف إليه، ولا يمكنها العيش دونه، بل الحياة دونه تتحوّل إلى غربة وكآبة وحرمان.


الصفحة 256

(52) خالد شيلدريك الإنجليزي

(مسيحي / بريطانيا)

من أهالي بريطانيا، عاش في القرن الرابع عشر، اعتنق الإسلام عام 1320هـ (1903م) ثمّ توجّه إلى نشره عن طريق الصحف والمجلاّت.

ورد في كتاب التكامل في الإسلام حول خالد شيلدريك:

منذ اعتناقه الدين الإسلامي قام بواجبه في بثّ الدعاية الإسلامية في إنجلترا وفرنسا وكندا.

وهو يقول: إنّ المبشّرين في الصين بذلوا أموالهم وأنفسهم ونساءهم لتبليغ المسيحية في الأيام الماضية، ولكن لم يتّبعهم سوى عدد قليل جدّاً إزاء الجماهير التي تعتنق الإسلام، وأمّا أتباع المسيحية فلرغبة في المال، أو الوظائف أو النساء اللاتي يردن على المبشّرين في حين لآخر.

والدكتور خالد منهمك اليوم بتصنيف الكتب والمقالات الإسلامية على طريقة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في جرائد الهند الإنجليزية(1).

الإسلام وحرية المبادئ:

تعتبر الحرية في اختيار المبدأ من أهم الأمور التي دعا إليها الإسلام،

____________

1-التكامل في الإسلام 5: 192، رقم41.


الصفحة 257

والمعنى الصحيح لهذا المفهوم هو أن يدرس الإنسان مختلف الأديان ; فإذا عرف الحقّ تمسك به.

وأمّا أن يلتزم الإنسان بدين آبائه من منطلق التقليد الأعمى، وإذا قيل له: ما هو سبب انتمائك لهذا الدين؟ فيقول: أنا حرّ في اختيار ديني، واخترت هذا الدين تقليداً للسلف، فلا يعني هذا الأمر الحرية في اختيار المبدأ، بل هذا الشخص وأمثالة هم أسراء بيد أهوائهم، وهم عبيد الكسل والخمول.

إنّ الإسلام يدعو الإنسان إلى البحث لتشييد معتقداته على أُسس متينة، ولا يرضى الإسلام أن يكون الإنسان مستضعفاً ليملي عليه الآخرون المبادئ، فيتقبلّها من دون طلب دليل أو برهان، ويدعى لها من منطلق التقليد الأعمى.

الحرية الدينية وحروب المسلمين:

إنّ من أبرز الشواهد على التزام الإسلام بالحرية الدينية أنّه في معركة مع أعدائه عندما كان يفتح مدينة أو قرية فإنّه لم يجبرهم على اعتناق الدين الإسلامي، بل كان يعرض عليهم الإسلام ويترك لهم الاختيار الكامل.

كما أن الإسلام لم يمنع أصحاب بقيّة الديانات من إجراء شعائرهم وممارساتهم الدينية، بل فسح لهم المجال للتمسّك بدينهم حتّى بشكل علني.

وأمّا هدف المسلمين من الحروب فإنّه كان بهدف نشر التعاليم الإسلامية الحقّة بين الناس، وتحرير المستضعفين من أيدي المستكبرين، وتوفير الأجواء المناسبة للتقرّب إلى الله تعالى.

والإسلام لا يدعو أبناءه أبداً إلى الاستيلاء على البلدان الأخرى بهدف السيطرة أو كسب المطامع وتحقيق الأغراض غير السليمة، بل هدف الإسلام إعلاء كلمة الله، ونشر الحقائق، ودعوة الناس إلى الهداية، والسير على الصراط المستقيم.


الصفحة 258

ويعود سبب هذا المبدأ إلى رؤية الإسلام لهذا العالم ; لأنّ الدنيا وفق الرؤية الإسلامية دار اختبار وامتحان، وليست دار قرار وخلود، ولهذا فوظيفة المؤمن فيها الالتزام بأوأمر الله تعالى، وبذل الجهد لتحقّق الغرض الذي من أجله خلق الله هذا العالم، وهذا الغرض هو عبودية الإنسان لله تعالى ; لأنّ هذه العبودية هي السبيل الذي بها يتكامل الإنسان ويصل إلى أسمى مراتب الكمال، وبها ينال المنزلة العليا عند الله، وبها يحدّد مصيره في دار الخلود.


الصفحة 259

(53) ديفيد شبرد

(مسيحي / بريطانيا)

من مواليد دولة بريطانيا، حاصل على شهادة الليسانس في فرع الفيزياء، غذّته البيئة التي ترعرع فيها بعقائد الكنيسة، لكّنه لمّا بلغ سنّ الرشد، وجد أنّ الديانة التي عليها لا تسدّ حاجاته الروحية والفكرية، فلهذا اندفع إلى البحث عن ديانة تمدّه بالعطاء والغذاء الروحي بحيث يترك ذلك أثره في سلوكه وتصرّفاته وتوجّهاته، فتعرّف على ديانات مختلفة لكّنه لم يجد كالإسلام ديناً متكاملاً منحه الرؤية الشمولية للكون والحياة، ديناً يدعو إلى السموّ والتكامل والارتقاء بمنهجه وشريعته التي أنزلها الله على خاتم رسله محمّد المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم).

وعندما ذاق "ديويد" حلاوة المبادئ والمعارف الإسلامية لم يبتغ منهجاً وديناً غيرها، ومن هذا المنطلق اعتنق الإسلام وسلك طريقاً قد ارتضاه الله تعالى لعباده، ليكون سبيلاً للتقرّب إليه والوصول إلى رضواته.

الإسلام وتحرير الإنسان:

وجد "ديويد" بأنّ الإسلام حرّر الإنسان من الاستبداد والعبودية للآخرين، وتعدّ ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) أبرز ثورة استهدفت تحرير الإنسان من الظلم والاستغلال والوقوع في أودية الكفر والضلال والانحراف.

كما حرّر الإسلام البشرية من نظريات التمييز بين إنسان وآخر سواء كان


الصفحة 260

ذلك في اللون أو المال أو الجنس أو القوّة، وجعل معيار التفاضل هو الإيمان والتقوى.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(1).

وقال الإمام علي(عليه السلام): "ايّها الناس إنّ آدم لم يلد عبداً ولا أمّة، وإنّ الناس كلّهم أحرار"(2).

ومن جهة أخرى فإنّ الإسلام لم يطلق العنان للإنسان ليتصرّف كيفما يشاء،بل جعل لحريته ضوابط وقواعد تمنعه من الوقوع في الفوضى وتقف بوجه طغيانه وخروجه عن حدّ الاعتدال.

فوازن الإسلام بين الحرية والوقوع في أسر الأهواء والشهوات، ليعيش الإنسان في حالة الاعتدال وليقي نفسه من فقدان التوازن.

ومن هذا المنطق نجد التأكيد الكثير على مسألة تهذيب النفس والتحلّي بالفضائل الحميدة، منها: ما ورد في عهد الإمام علي(عليه السلام) للأشتر عندما نصّبه والياً على مصر: "هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر... أمرهُ بتقوى الله، وإيثار طاعته... وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات... فإنّ النفس أمارة بالسوء إلاّ ما رحم الله... فاملك هواك، وشحَّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك، فإنّ الشُّحَّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحبَّت أو كرهت..."(3).

دور تهذيب النفس في الاستبصار:

وجد "ديويد" أنّه بعد معرفة الحق لا يسعه التغلّب على أهوائه النفسية، واتّخاذ قرار تغيير انتمائه الديني إلاّ عن طريق تهذيب نفسه وسحق شهواته

____________

1-الحجرات (49) : 13.

2-الروضة من الكافي، للكليني 8: 69، ح26.

3-نهج البلاغة 3: 82، رقم 53 .


الصفحة 261

والوقوف بوجه أنانياته، كما أنّه عرف أنّه بمفرده لا يطيق تحمّل هذه المسؤولية، ولابدّ من الاستعانة بالله في هذا الطريق، ومدّ يد الدعاء إليه، وطلب العون منه.

وبهذا تمكّن "ديويد" أن يستبصر ويستقيم على الصراط المستقيم.


الصفحة 262

(54) ريانا (خديجة)

(مسيحية / بريطانيا)

ولدت في بريطانيا، ونشأت في أُسرة تعتنق الديانة المسيحية، ولكّنها حاولت بعد ذلك أن ترفع مستوى وعيها الديني، وأحبّت أن تكون على بصيرة في أمر دينها، فوجدت أنّ حبّ الاستطلاع في الأُمور الدينية بحاجة إلى فكر ينفتح ويتسع في آفاق البحث ليتحرّر من حالة التقليد الأعمى والجمود والاحترام للمقدّسات الزائفة.

تحدّي العقبات:

انطلقت "ريانا" بقوّة في بحثها لتتحدّى كلّ العقبات التي تعتري حركتها باتجاه وصولها إلى الحقيقة التي يطمئن إليها القلب، فوجدت الأمر يتطلّب منها كبت أهوائها وتهذيب نفسها وتطهير قلبها من أدران الميول والرغبات، فبادرت إلى تحقيق حالة التوازن في كيانها ليسعها بعد ذلك أن تصل إلى الرؤية الواضحة في تقييمها للمدارس الفكرية المتضاربة، فجاهدت نفسها في هذا السبيل حتّى شرح الله تعالى قلبها للإسلام، فغمر كيانها النور واستضاءت بصيرتها، فاعتنقت بعد ذلك الإسلام وتمكّنت بذلك أن تحرّر نفسها من الأزمة الفكرية التي كانت تعاني منها طيلة دراستها الموضوعية لمعرفة الحقيقة.


الصفحة 263

الغذاء الروحي:

إنّ من أهم الأسباب التي دفعت "ريانا" إلى الاستبصار، أنّها وجدت في التزامها بالتعاليم الإسلامية الواردة عن أئمة أهل البيت الشعور بالراحة والاستقرار والطمأنينة وعرفت بأنّ الإسلام أكثر قدرةً على تعميق صلتها بالله تعالى.

وهذه الطمأنينة هي التي كانت بمثابة الغذاء الروحي الذي حفّز "ريانا" على الاستبصار، ومكّنتها من اجتياز العقبات بسهولة، ودفعتها لقبول الحقّ على رغم وجود التيارات المخالفة العديدة التي حاولت أن تصرفها عن عزمها في الصعيد العقائدي.

ثمن الحرمان من المتع الدنيوية:

واجهت "ريانا" بعد التزامها الديني بالصعوبة في الصعيد العملي على الرغم من ارتياحها النفسي لاختيارها الواعي، ولكّنها عرفت بعد مضي فترة بأنّ هذه الصعوبة موقّتة وناشئة نتيجة الملاكات السلبية التي كانت راسخة في نفسها من البيئة السابقة، وعرفت أنّها بمثابة شجرة اجتثت من أرضية غير صالحة، وغُرست من جديد في أرضية صالحة، فالشجرة من دون شكّ ستعاني في بداية الأمر وقد تذبل قليلاً، ولكّنها بمرور الزمان تعتاد على الأجواء الجديدة وتزدهر عشرات الأضعاف أكثر مّما لو بقت في الأرضية غير المناسبة.

وعرفت "ريانا" أنّ الجهود التي تبذلها محفوطة عند الله تعالى، وأنّ ثمنها الجنّة، والغربة التي تعاني منها زائلة، وأنّ ما يبقى هو عملها الصالح الذي تقوم به بعد تشييد عقائدها وفق الأُسس الصحيحة والقواعد المبرئة للذمّة.

ومن هذا المنطلق واصلت "ريانا" استقامتها على الصراط المستقيم، ثمّ بدأت بتثقيف صديقاتها وتوعيتهن ورفع مستواهن العلمي، لتكوّن بذلك في مجتمعها مجموعة تتعاون وتتعاضد فيما بينها حول محور التقوى، وتتواصى بالحقّ وتتواصى بالصبر.


الصفحة 264

(55) ساندرا تلينج (سمية)

(مسيحية / بريطانيا)

من مواليد بريطانيا، حاصلة على شهادة الدبلوم، أحبّت أن تبحث عقيدتها وأصول إيمانها لتصل إلى الحقيقة، فتعيش في ظلالها هادئة النفس ومطمئنة القلب،فعاشت ساعات التأمّل والنقاء متضرّعة إلى بارئها داعية ليأخذ الباري بيدها إلى سبيل الرشاد، فاستجاب لها الباري دعاؤها، فوفر لها أرضية تعرّفت فيها على كتابه الذي أنزله على خاتم رسله النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان ذلك سبباً لاستضاءة عقلها بنور الإسلام، ثمّ التقت بإحدى الشخصيات العلمية، فأكمل لها السبيل للسير على الصراط المستقيم، فعرّفها على مقام ومكانة أهل البيت(عليهم السلام)فعندئذ استضاء عقلها بنور الإيمان، واعتنقت مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وتوجّهت إلى العمل وفق ما أمرتها الشريعة الإسلامية الأصيلة، لتزيل بذلك الأدران التي كانت عالقة بفطرتها، والتي كانت سبباً لحجب بصيرتها عن رؤية نور الحق، ثمّ سمّت نفسها "سمية" باسم أوّل شهيدة في الإسلام، ضحّت بنفسها في سبيل إعلاء كلمة الحق.

إعجابها بالمنهج التربوي الإسلامي:

من أهم الأمور التي لفتت نظر "ساندرا" خلال دراستها للدين الإسلامي أنّها وجدت بأنّ المنهج التربوي الإسلامي منهج واقعي يلاحظ بدقّة الطبيعة


الصفحة 265

البشرية فلا يغيّرها ولا يلغيها، وإنّما يتعامل معها بصورة دقيقة ومدروسة.

والأصول النفسية للتربية عبارة عن التهيّؤ النفسي بمعنى تمهيد الأرضية قبل القيام بأيّ عمل تربوي ; لأنّ قلب الإنسان مضطرب، وقد يكون في بعض الحالات غير مستعد لتقبّل النصيحة، وقد قال الإمام على بن موسى الرضا(عليه السلام): "إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً ونشاطاً وفتوراً، فإذا أقبلت بصرت وفهمت، وإذا أدبرت كلّت وملّت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها"(1).

والأصل الثاني الذي يهتم به الإسلام في منهجه التربوي هي مسألة التعقّل، وتعدّ الدعوة إلى التعقّل في الإسلام من أساسيات المنهج التربوي ; لأنّ العقل هو الأساس للنجاح في جميع مراحل التربية.

قال الإمام الصادق(عليه السلام): "دعامة الإنسان العقل، والعقل منه الفطنة والفهم والحفظ والعلم، وبالعقل يكمل وهو دليله ومبصره ومفتاح أمره، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً حافظاً ذاكراً فطناً فهماً، فعلم بذلك كيف ولم وحيث، وعرف من نصحه وغشّه، فإذا عرف ذلك عرف مجراه وموصوله ومفصوله، وأخلص الوحدانية لله، والإقرار بالطاعة، فإذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فات، ووارداً على ما هو آت، يعرف ما هو فيه، ولأيّ شيء هو هاهنا، ومن أين يأتيه، وإلى ما هو صائر، وذلك كلّه من تأييد العقل"(2).

وقال الإمام علي(عليه السلام): "من استعان بالعقل سدّده"(3).

والأصل الثالث الذي يهتم به الإسلام هو التعلّم ولا سيّما في مرحلة الطفولة; لأنّ العلم يوسّع آفاق الرؤى، ويؤدّي إلى نضوج العقل، وينير الدرب للإنسان نحو الاستقامة الفكرية والعاطفية السلوكية.

____________

1-أعلام الدين، للديلمي: 307.

2-الكافي 1: 25.

3-عيون الحكم والمواعظ : 424.


الصفحة 266

والعلم كالمصباح ينير الطريق للإنسان، ولهذا قال الإمام علي بن الحسين(عليه السلام): "الحمد لله الذي جعل العلم لنا مصباحاً في ظلم الدجى"(1).

وتكمن أهمية العلم في أنّه السبيل الوحيد الذي يرشد الإنسان نحو الطريق الصحيح، وقد قال الإمام علي(عليه السلام): "اعلموا أنّ كمال الدين ورأس الطاعة لله طلب العلم والعمل به"(2).

كما أنّ الذي يعمل بما يعلم فستشمله الرعاية والعناية الربانية، وتزيده نوراً إلى نور ما كان يعلم.

قال الإمام محمّد الباقر(عليه السلام): "من عمل بما يعلم، علّمه الله ما لا يعلم"(3).

أمّا الإنسان الذي لا يعمل وفق علمه، فإنّ عمله سرعان ما سيزول.

قال الإمام علي(عليه السلام): "العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل"(4).

والذي لا يعمل بما يعلم، فسيكون حسابه عسيراً يوم القيامة ; لأنّ العلم سيكون حجّة عليه، ولا يكون له عذر في عدم العمل بما كان يعلم.

والأصل الرابع من أصول التربية الإسلامية هي الجدّ والاجتهاد ; لأنّ التربية ليست مجرّد مفاهيم يختزنها الإنسان في ذهنه، بل التربية عملية إصلاحية تتطلّب الجدّ والاجتهاد والعمل الدؤوب والمثابرة في طريق الاستقامة.

قال الإمام علي(عليه السلام): "روّضوا أنفسكم على الأخلاق الحسنة"(5).

كيف عرفت الحق؟

لم تصل "ساندرا" إلى مرحلة الاستبصار إلاّ من خلال هذه الأصول

____________

1-أعلام الدين: 94.

2-أعلام الدين: 94.

3-أعلام الدين: 301.

4-عيون الحكم والمواعظ : 58 .

5-الخصال، للصدوق: 621.


الصفحة 267

التربوية، ولو لا التهيّؤ النفسي والتعقّل والتعلّم والجدّ والاجتهاد لم تتمكّن "ساندرا" أبداً من اجتياز الموانع والعقبات، ولم تصل إلى الحق، ولكّنها همّت وعزمت وشاءت وأرادت وتقدّمت فساعدها الله في هذا السبيل، وأخذ بيدها إلى شاطئ السلام.


الصفحة 268

(56) مارغريت (مريم)

(مسيحية / بريطانيا)

من مواليد دولة اسكتلاندا، حاصلة على شهادة الدبلوم في السكرتارية، كانت تنتمي إلى الديانة المسيحية، لكنّها بعد أن تعرّفت على الإسلام وجدته ديناً خالياً من التعقيدات، وتبيّن لها أنّه دين يدخل القلب ويهيمن على العقل من دون أن يصدّها مانع ; لأنّه يتضمّن المفاهيم العالية ويدفع الإنسان إلى التحلّي بالأخلاق الرفيعة، فلهذا قرّرت أن تنقذ نفسها من عقائد الكنيسة الغامضة التي كانت لا تزيدها الإحاطة بها إلاّ تيه وحيرة، فتوجّهت إلى دراسة الإسلام، فلمّا بلغت مرتبة الاقتناع الكامل به تخلّت عن معتقداتها السابقة وتحلّت بمفاهيم الإسلام السامية، ثمّ أعلنت اعتناقها لهذا الدين الحنيف.

الحيرة بين المذاهب:

إنّ الاشخاص الذين تأثرت بهم "مارغريت" في اعتناقها للإسلام كانوا من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، والكتب التي قرأتها ـ في بداية الأمر ـ كانت كتباً شيعية، ولكنّ عندما قررت "مارغريت" اعتناق الإسلام، وجدت أمامها مجموعة مذاهب كلّ واحدة منها تدّعي أنّها على الحقّ وغيرها على باطل، وهنا حاولت "مارغريت" التريث في الأمر وقرّرت توسيع دائرة بحثها قليلاً، لتبرئ ذمتها في هذا المجال.


الصفحة 269

وكانت تعلم "مارغريت" بأنّ الجهد الذي تبذله في هذا الصعيد مطلوب ; لأنّ المسألة ترتبط بمصيرها الأُخروي، وهي التي ضحّت بكل شيء، وتركت دينها السابق، وتقبلّت كل العناء وتحملّت المصاعب، فعليها أن تتأنّى لتختار المذهب الحقّ من بين مختلف المذاهب الإسلامية.

وخلال البحث لفتت بعض الأمور أنظار "مارغريت" إليها، ومنها تبلورت عنها القناعة بأحقيّة مذهب أهل البيت لما يمتاز به هذا المذهب دون غيره.

لماذا مذهب التشيّع دون غيره:

إنّ ما يمتاز به مذهب التشيّع هو استقلال علماء الدين فيه وعدم اعتمادهم على السلطات في المجال المالي، فالعالم ومرجع التقليد يدير شؤونه من خلال "الخمس"، وهذا ما يجعله مستقلاً في عمله وغير خاضع لجهة معيّنة، بخلاف علماء باقي المذاهب الإسلامية فإنّهم يستلمون رواتبهم من الدولة، وهذا ما يجعلهم أن يكونوا من وعّاظ السلاطين أكثر من غيرهم.

أضف إلى ذلك أنّ مذهب التشيّع يؤمن بالاجتهاد ولم يغلق باب الاجتهاد في الفقه، بخلاف المذاهب الإسلامية الأُخرى، وهذا الأمر هو الذي جعله قادراً على مواكبة العصر وجعله أكثر عقلانية وأكثر قدرة على حلّ المسائل المستجدة، بخلاف المذاهب الأُخرى التي علقت باب الاجتهاد، وتحوّلت نتيجة ذلك إلى مجموعة طقوس غير قادرة على تكييفها مع المتغيّرات الزمنية.

وبصورة عامة وجدت "مارغريت" بأنّ التشيّع أكثر حجّة في إقناعها، وهو المذهب الوحيد الذي يعتقد بعدم انقطاع الصلة بين الأرض والسماء حيث إنّه يعتقد بوجود حجّة الله وإمام حي في هذا الزمان، وهذا ما يجعل الإنسان أكثر اطمئناناً بوجود الرعاية إلالهية إليه.

وعندما وصلت قناعة "مارغريت" الحد الأعلى في أحقيّة التشيّع، أعلنت استبصارها، والتزممت بكل ما يقرّبها إلى الله تعالى وانتهت عما يبعدها عنه تعالى.


الصفحة 270

(57) ماري كروفر (مريم آقا باب)

(مسيحية / بريطانيا)

ولدت في بريطانيا، ونشأت في أوساط أسرة مسيحية، حصلت على شهادة الماجستير، ثمّ اهتمت بتشييد معتقداتها وأفكارها وفق الأسس الصحية، وقررت التعمّق في معرفة هدف وجودها في هذه الحياة.

بلوغ مرحلة النضج العقلي:

دققت "ماري" في خزين معتقداتها وأسباب انتمائها إليها، فوجدت أنّها موروثة من الأجواء المحيطة بها، ولا قيمة لها من الناحية العلمية، ولابدّ من إجراء دراسات علمية شاملة وعامة توصلها إلى مرحلة اليقين في بلورتها لرؤيتها الكونية ورأت "ماري" بأنّ الضرورة العقلية تحتّم عليها الاتّجاه نحو البحث وطلب العلم ; لأنّ الإنسان العالم يكون أقدر من غيره على طلب الخير ووقاية نفسه من الشر.

موانع في طريق البحث:

من أكبر المشاكل التي واجهتها "ماري" في البحث عدم تفاعل من حولها معها في طريق البحث، فكانت عندما تتحدّث مع صديقاتها حول النتائج العلمية التي توصّلت إليها تواجه استغراباً منهن واستهزاءً بها إزاء اهتمامها بالأمور


الصفحة 271

العلمية.

كانت الأجواء المحيطة بـ"ماري" تفرض عليها اللهو واللعب والاهتمام بالأمور الدنيوية والحديث عن زينتها وزخرفها، ولكن "ماري" كانت تعيش في عالم آخر لا يتفاعل معه من كان حولها.

وهذا ما دفع "ماري" أن تشعر بالغربة وهي في بداية طريق بحثها وتحقيقها العلمي.

الاستقامة في طلب العلم:

عرفت "ماري" بأنّ كلّ إنسان يحصد ما زرع، وكلّ إنسان مكلّف بأعماله، والذين يتجهون نحو السبل الخاطئة فإنّهم لا يضرّون إلاّ أنفسهم، والذين يبذلون الجهد في سبيل معرفة الحق والحقيقة، فإنّهم أيضاً سينالون ثوابهم.

ومن هنا قرّرت "ماري" تحمّل كلّ المتاعب والمشقّات في طريق البحث، وواصلت بحثها، فتحوّلت إلى إنسان هي "مع الناس" ولكن ليست "من الناس"، تعيش معهم بجسدها، ولكن روحها وذهنها وفكرها في مكان آخر يبحث عن الحقيقة.

الإيمان بالله تعالى:

أوّل عقيدة آمنت بها "ماري" عن وعي ووفق ما فرضت عليها الأدلة والبراهين هي عقيدة التوحيد، فآمنت بالله تعالى، وآمنت بوحدانيّته ولزوم عبوديته، وآمنت أنّه سميع بصير، وعليم بذات الصدور، فطلبت منه المساعدة، وتضرّعت إليه، والتجأت نحوه بخشوع وخضوع، وطلبت منه أن ينجيها من الظلام المحيط بها، ويأخذ بيدها نحو النور، فاستجاب الله تعالى دعاءها، وهيّأ لها ظروف التعرّف على رجل دين مؤمن ومتقي وورع اختصر لها طريق البحث، وساعدها في معرفة الحقيقة، وعرفّها برسول الله وأهل بيته(عليهم السلام)، وأعطاها جملة من الكتب


الصفحة 272

الدينية ولاسيما كتب أحاديث أهل البيت(عليهم السلام).

وبعد فترة قصيرة، أعلنت "ماري" استبصارها، والتزمت بشكل كامل بالفرائض الدينية، وارتدت الحجاب، وبدأت تراعي سلوكها وتصرّفاتها، وتراقب نفسها لئلا يصدر منها ما يسخط الله تعالى، وبدأت تحاول دائماً القيام بالأعمال العبادية المرضية لله تعالى.

ولم تبال "ماري" بالاعتراضات التي صدرت من أقربائها وصديقاتها، بل حاولت أن تواجه هذه الاعتراضات بهدوء، وسعت أن تبيّن للآخرين الأسباب التي دفعتها لتغيير معتقداتها وأنكارها والانتماء إلى الدين الإسلامي الحنيف.


الصفحة 273

(58) مري بليا (مريم)

(مسيحية / بريطانيا)

من مواليد بريطانيا، حاصلة على شهادة الديبلوم في السياسة، غذّتها البيئة التي عاشت فيها بعقائد الديانة المسيحية، فتبلور في ذهنها رؤية كونية منسجمة مع أفكار ورؤى الكنيسة، لكّنها في لحظة من لحظات استغراقها في حالة التأمّل وجدت أنّ ما عندها من مخزون فكري لا يتلاءم مع موازينها الفطرية، وتوصّلت إلى هذه النتيجة بأنّ الكنيسة إنطلاقاً من اتجاهها الفكري الضيّق استغرقت في الأُمور التجريدية، فغفلت عن الوجود المادي للإنسان، فسنّت قوانيناً ترتبط ببُعد واحد من أبعاد الإنسان وهو البعد الروحاني، فلهذا بدأت الكنيسة تدعو إلى الرهبانية والانعزال والتقوقع، وهذا ما أثار ردّة فعل ضدّها ودفع بالمجتمع إلى الإفراط ونبذ الجانب المعنوي بتاتا والتوجّه إلى المادية البحتة.

ومن هذا المنطلق بدأت "مري" تبحث عن المنهج الديني السوي، فكانت ثمرة بحثها أنّها وجدت الإسلام الدين الإلهي الوحيد الذي يحمل نظرة شمولية للكائن البشري، فلهذا توجّهت لتعيد النظر في الرؤى التي كانت تحملها، فقامت بعملية غربلة فكرية لتطرح أفكارها الرديئة وتعوّضها بالأفكار والرؤى الإسلامية السامية التي تدفع صاحبها إلى ارتقاء مستواه في كافة الجوانب المرتبطة به.


الصفحة 274

كيفية تعرّفها على الإسلام:

من أهم العوامل التي دفعت "مري" إلى معرفة الإسلام بصورة مناسبة التقاؤها بأحد رجال الدين وحوارها معه حول الإسلام ومعرفتها عن طريقه بالإسلام بصورة زرعت القناعة في قلبها بأنّ الإسلام هو الدين الوحيد المتمكّن من منحها الرؤية الكونية الصحيحة والكاملة والشمولية للعالم.

ومن أهم الأُمور التي دفعت "مري" إلى الوثوق بكلام ذلك العالم أنّها وجدته القدوة في الصعيد الأخلاقي، والنموذج الكامل في التزامه بتعاليم أهل البيت(عليهم السلام) التي كان يدعوا الآخرين إليها.

وبعد فترة من إلمام "مري" بالعقائد الإسلامية، وجدت بأنّ مجرّد اعتقادها بأحقية الإسلام غير كاف لإعلان تحولّها ; لأنّ هذا الإعلان سيكلّفها كثيراً في الصعيد الاجتماعي، ويتبعه استهزاء الآخرين بها وإلصاق عناوين التخلّف والجنون والإرهاب بها.

ومن هنا عرفت "مري" بأنّ تغييرها لانتمائها العقائدي يتطلّب منها مجاهدة النفس وإرغامها والهيمنة عليها وتهيئتها للتضحية في سبيل التزام الحق.

اجتياز القنطرة الصعبة:

كانت "مري" تتصوّر بأنّها بعد الاستبصار ستواجه مشاكل لا تُطاق، ولكّنها بعد إعلانها للاستبصار وجدت بأنّ الله تعالى منحها قوّة صَغُرت أمامها كلّ المشاكل التي واجهتها.

وبمرور الزمان قلّت اعتراضات صديقاتها لها، بل تقبّلنها بقبول حسن، وأصبح أمر إسلامها أمراً اعتيادياً وطبيعياً وغير ملفت للنظر.

ومن هنا عرفت "مري" بأنّ الله تعالى يعين عباده الصالحين، وهو معهم أينما كانوا يرعاهم ويشملهم بلطفه ورحمته الخاصة.


الصفحة 275

(59) نوئل ماهوني (حمزة) باب)

(مسيحي / بريطانيا)

عاش في بيئة بعيدة عن الأجواء الدينية وغير ملتزمة بأوأمر الله تعالى وشرعه، ولكن قلبه الطيّب بدأ يشعر بالضيق من هذه الأجواء، فدفعه هذا الأمر إلى البحث للوصول إلى رؤية كونية مبتنية على البراهين والأدلة.

واتجه "نوئل" بفطرته نحو الكمال، وشعر أنّه يحبّ التسامي والوصول إلى الكمال، ويكره الانحطاط والتسافل.

ورأى "نوئل" بأنّ الأجواء التي يعيش فيها لا تتلاءم مع روحه، وأحسّ بتنازع وصراع في نفسه بين فطرته السليمة المندفعة نحو الكمال وبين نفسه الأمّارة بالسوء والتي تغذيها الأجواء المحيطة بها.

ووجد "نوئل" بأنّه يتجه في الأزمات الصعبة التي يمرّ بها نحو الباري عزّ وجلّ وأنّه يعتقد بأنّه لم يُخلق عبثاً، وإنّما خلق لأهداف سامية يجدر به البحث عنها ومعرفتها لئلا يقع في دائرة الخسران الأبدي.

ومن هنا وجد "نوئل" في نفسه المحفّز للبحث من أجل إشباع تعطشه المعنوي، ومن أجل التحرّر من الضياع الفكري الذي يعاني منه.


الصفحة 276

منطلق التأثّر بالتشيّع:

يقول "نوئل": صادف أن شاركت ذات يوم في المجالس الحسينية التي يقيمها الشيعة في بريطانيا، فتأثرت كثيراً بما سمعت من الأحداث التي وقعت في النهضة الحسينية، ورأيت مدى تأثّر الناس بها، وما فيها من آثار وبركات عظيمة من شأنها إعادة التوازن في الصعيد الاجتماعي.

لماذا وقعت النهضة الحسينية:

تتضمّن نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) النموذج الأسمى للقيم الأخلاقية التي ينبغي أن يّتبعها كلّ إنسان، فقد جسّد الإمام الحسين(عليه السلام) كلّ القيم السامية في مقابل الرذائل والانحرافات التي تجسّدت في أعدائه.

وقد كان غريباً على المسلمين آنذاك أن يرو شخصاً يجسّد هذا النوع من القيّم الأخلاقية السامية مضحيّاً بحياته وكلّ ممتلكاته ; لأنّ أبناء المجتمع آنذاك كانوا منغمسين في ملذّات الحياة الدنيويّة وكان الخمول مهيمناً عليهم، ولهذا كانوا بعيدين عن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان هذا الأمر نتيجة السياسة التي اتبعها معهم معاوية بن أبي سفيان بحيث جعلهم يتبعون السلطان ولو كان السلطان شخصاً معروفاً بالفسق والفجور وشرب الخمر وملاعبة القردة.

ومن هنا قست قلوب الناس بحيث لم يصعب عليهم ارتكاب الجرائم الكبرى، ولهذا قتلوا ابن بنت نبيّهم بسهولة، وهذا ما يبيّن فداحة الانحطاط الأخلاقي وغير الإنساني الموجود في تلك الحقبة الزمنية المظلمة.

التضحية من أجل العقيدة:

رأى "نوئل" بأنّ من أبرز معطيات النهضة الحسينية هي التضحية من أجل العقيدة، وأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) عندما توفّرت له الفرصة المناسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصورة مسلّحة، لم يتردّد في ذلك لحظة واحدة، بل نادى


الصفحة 277

بصوت عال أمام الناس: "ألا ترون أنّ الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه! ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقاً، فإنّي لا أرى الموت إلاّ شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلاّ بَرَما"(1).

فوجد "نوئل" أنّ هذا الدين الذي ضحّى من أجله الإمام الحسين(عليه السلام)يستحقّ هذا الاهتمام منه، فتوجّه بكلّ وجوده إلى معرفة هذا الدين في ضوء دراسة التاريخ ومعرفة الدين الحقّ.

وبعد مضيّ مدّة من البحث وجد "نوئل" بأنّ هذا الدين هو الدين الحقّ وأنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم طريق النجاة، فوجد بأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) كما ورد في الحديث الشريف "مصباح الهدى وسفينة النجاة"(2)، فأضاء "نوئل" حياته المظلمة بنور هذا المصباح الإلهي والتحق بسفينة الإمام الحسين(عليه السلام)، فأعلن استبصاره عام 1420هـ (2000م).

وأصبح "نوئل" بعد ذلك من المبلّغين الداعين إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في جامعة لندن التي كان يدرس فيها العلوم السياسية وتحمّل كافة المصاعب في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، وغدا ناصراً لدين الله في تلك الأوساط التي يحيطها الظلام الدامس من كلّ جانب، فرفع اسم الإمام الحسين(عليه السلام) ليضيىء به ذلك المكان عسى أن يوجد من يهتدي إلى سواء السبيل.

____________

1-تاريخ الطبري 4: 305.

2-مدينة المعاجز، السيّد هاشم البحراني 4: 52 .


الصفحة 278

(60) والتر جان (مجيد)

(مسيحي / بريطانيا)

من مواليد بريطانيا، حاصل على شهادة الليسانس في الإدارة، كان معتنقاً للديانة المسيحية، لكنه اجتهد أن يزيل عن نفسه غيوم العصبية وغبار الجهل ليتمكّن من إزالة الموانع التي تسلب منه إمكانية رؤية الحقيقة، فكان ذلك سبباً لمعرفته أنّ الديانة المسيحية ليست سبباً لإيصاله إلى القرب الإلهي، فبحث عن الصراط المستقيم فوجده متجلّياً في الدين الإسلامي، فلهذا أراح ضميره واعتنق هذا الدين الحنيف، وتمسّك بشريعته السمحاء التي أرشدته إلى سبيل الهداية والرشاد.

العقلانية في الدين الإسلامي:

إنّ من أهم الأمور التي لفتت انتباه "والتر" في الدين الإسلامي أنّه دين عقلاني حرّر الإنسان من الأساطير والخرافة، ودفع الإنسان ليستخدم عقله في الحياة.

وجعل الإسلام مكانة كبيرة للعقل، واعتبره دعامة الدين، والأساس لمعرفة الحق.


الصفحة 279

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "... ولكلّ شيء دعامة، ودعامة الدين العقل"(1).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): "من كان عاقلاً كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنّة"(2).

وفي هذا السياق أكّد الإسلام على نبذ التقليد الأعمى، وبيّن القرآن بأنّ مجرّد الاعتماد على ما وجده عليه الإنسان آباءه لا يعدّ حجة أو دليل ذات قيمة، وكان عبّاد الأوثان يقولون للأنبياء: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}(3).

وكان هؤلاء المشركون يقولون أيضاً للأنبياء: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا}(4).

ولكّن الأنبياء أرادوا تحرير الإنسان من التقليد الأعمى، وكان يدعون الناس إلى التفكّر والتأمّل والتعقّل، ليكون ملاك قبول العقائد هو الدليل والبرهان لا التقليد الأعمى الموروث {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ}(5).

التحرّر من التقليد الأعمى:

عندما سلك "والتر" سبيل التفكّر والتأمّل والتعقّل وجد نفسه يقترب إلى الإسلام بصورة تدريجية، فاستسلم للعقائد والأفكار التي كانت حصاد اجتهاده في البحث والتحقيق، وعندما بلغ القناعة الكاملة بأحقّية الإسلام، أعلن إسلامه وتمسّكه بالثقلين، ثمّ بدأ ينقل تجربته الدينية إلى كلّ شخص يلتقي به ويجد فيه المؤهّلات لقبول الحقّ.

____________

1-المحجّة البيضاء، المحقّق الكاشاني 1: 172.

2-أصول الكافي، الشيخ الكليني 1: 11.

3-الزخرف (43) : 22.

4-يونس (10) : 78.

5-الزخرف (43) : 24.


الصفحة 280

(61) آرين ويلمز (مريم)

(مسيحية / بلجيكا)

ولدت في بلجيكا، واصلت دراستها الأكاديمية، ثمّ دخلت الجامعة فرع الأديان "معرفة الدين الإسلامي" حتّى نالت شهادة الماجستر في هذا التخصّص.

أدّت دراستها للدين الإسلامي إلى إحاطتها بهذا الدين ومبادئه وأسسه الرفيعة، وهذا ما دفعها إلى التخلّي عن الدين المسيحي واعتناق الدين الإسلامي.

امتيازات العقيدة الإسلامية:

وجدت "آرين" بأنّ العقيدة الإسلامية تبلور للإنسان رؤيته الكونية، وتبني الإنسان في مختلف الأصعدة الفكرية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية.

الإسلام والصعيد الفكري:

يحرّر الإسلام في الصعيد الفكري معتنقيه من الاستبداد السياسي، ومن الشهوات النفسية، والانغماس في الملذّات الدنيوية، وبهذا يصون العقل من التأثيرات السلبية، ويفتح أمامه آفاق معرفية واسعة.

ومن جهة أخرى فإنّ تاكيد الإسلام على مسألة طلب العلم والمعرفة فإنّ من عواقبها تنمية الوعي والتحرّر من التقليد الأعمى.


الصفحة 281

الإسلام والصعيد الاجتماعي:

يدعو الإسلام الإنسان في الصعيد الاجتماعي إلى التجارة مع الله تعالى، ومن هذا المنطلق يدفع الإنسان إلى مساعدة الآخرين ولحاظ مصالحهم، والتحرّر من التقوقع في دائرة الذات الضيّقة والأنانيات المقيتة.

ومن منطلق التجارة مع الله تعالى تنمو عند الإنسان خصائص الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، وتنمية روح الإيثار والتضحية، واندفاعه للاهتمام بمصالح الآخرين، وعدم الانتصار لمصالح نفسه.

كما أنّ الإسلام لم يفّرق على أساس اللون أو المال أو الجنس، بل اعتبر التقوى هو المائز بين الناس.

وأخرج الإسلام الناس من دائرة الصراع والتناصر إلى دائرة الائتلاف والتعاون، ودعاهم إلى تشكيل أمّة واحدة تلتف حول محور توحيد وعبودية الله تعالى.

ونبذ الإسلام التفرقة والاختلاف والتناحر والتحزّب، ودعا الناس إلى الوحدة والائتلاف والانسجام والتضامن.

الإسلام والصعيد النفسي:

إنّ العقيدة الإسلامية تساهم بشكل بديهي وواضح في شعور الإنسان بالسكينة والطمأنينة والارتياح والاستقرار النفسي.

وقد حاولت الحضارات المادية بكلّ وسائلها المتطوّرة والحديثة أن تخفّف مصائب الإنسان وتمنحه الراحة والسكينة، ولكنّها عجزت عن ذلك.

والأمور المادية قد تكون قادرة على تحذير وتسكين آلام الإنسان لفترات قصيرة، ولكن الدين هو الذي يمنع الإنسان الراحة والسكينة من الداخل ومن الباطن، ويمنح الإنسان قوّة الاستقامة ومواجهة المصاعب والابتلاءات، وقدرة


الصفحة 282

كبح جماح الشهوات، وبهذا يعيش الإنسان حالة السعادة في الصعيد النفسي.

الإسلام والصعيد الأخلاقي:

يدعوا الإسلام الإنسان وفق أسس تستتبع الثواب والعقاب، ولا يدعو الإنسان إلى مجرّد قوانين إرشادية لا تتضمّن المسؤولية. كما يؤكدّ الإسلام على مسألة الرقابة الإلهية ومسؤولية الإنسان أمام الله تعالى الذي يراه ويسمع كلامه وهو أقرب إليه من حبل الوريد.

ومن هنا يندفع الإنسان إلى الاستقامة في الصعيد الأخلاقي، والتعامل مع نفسه ومع الآخرين.

نبذ التردّد في التمسّك بالحقّ:

إنّ الأدلة والبراهين التي توصلّت إليها "آرين" دفعتها في نهاية المطاف إلى اعتناق الدين الإسلامي والتمسّك بشرائعه والعمل بفرائضه، وكانت السعادة التي تشعر بها "آرين" خلال تمسّكها بالدين الإسلامي هي المحفّز للثبات على هذا الدين والانجذاب إليه من جميع الجوانب.


الصفحة 283

(62) برنار وماري ليز

(مسيحيان / بلجيكا)

قصة استبصار برنار وزوجته ماري ليز، نقلاً من مجلّة "نور الإسلام" بقلم جهاد يوسف: كان ذلك في صيف عام 1402هـ (1982م) حين اجتاحت إسرائيل لبنان ووصلت جحافلها إلى عاصمتنا بيروت وحاصرتها لمدة تزيد عن الشهرين، حاولنا أن نبقى صامدين في بيوتنا مع القلة التي بقيت، إلاّ أنّ المدينة تحولت إلى جحيم بفعل الحصار الذي يشتد خناقه يوماً بعد يوم، وكان لابدّ من القرار الصعب: الرحيل.

انتهزنا فرصة وقف مؤقت لإطلاق النار لنخرج من الملاجىء، ونلقي نظرة أخيرة على منزلنا وعلى المخازن التجارية التي كنا نملكها، كان كُلّ شيء مدمراً، أخذت القرار بالسفر، للراحة أولاً ثمّ لمحاولة تأسيس أعمال جديدة في الخارج، كان الطريق الوحيد للخروج من لبنان هو عن طريق سوريا، ومن مطار دمشق ركبت الطائرة متوجهاً إلى بروكسل عاصمة بلجيكا، هذا البلد الذي طالما ترددت عليه سابقاً بسبب الأعمال التجارية، وحيث كان يقيم عدد من أقاربي.

في بلجيكا:

وصلت إلى بروكسل ظهيرة يوم الجمعة، وتوجّهت إلى منزل أحد أقاربي


الصفحة 284

الذي كانت تربطني به مودة كبيرة، فوجدته يتهيأ مع عائلته للذهاب إلى شاطىء البحر في منطقة تبعد حوالي المائة كيلومتر عن العاصمة لقضاء عطلة نهاية الاسبوع، رحبوا بي أشد الترحيب وحمدوا الله على خروجي بالسلامة من جحيم بيروت، وأخذت الأسئلة تنهال عليّ عن الأوضاع في الوطن وأحوال الناس والأهل والأقارب.

لقد كانت الاتصالات مقطوعة مع لبنان، وكانوا يريدون معرفة كل التفاصيل، وقد كان قريبي، ويدعى سعيد، طبيباً جرّاحاً أتمّ علومه في بلجيكا ويعمل في أحد أكبر مستشفياتها، كان متزوجاً من سيّدة لبنانية مسلمة وله منها ولدان، وهو يتميز بذكاء حاد ونبوغ ومهارة في مهنته، وكان يتحلّى بأخلاق رفيعة وسمعة حسنة وتعلّق بالعادات الشرقية رغم السنين الطويلة التي قضاها في بلاد الغرب، إلاّ أنّ عيبه الوحيد الذي كان يحزنني هو عدم تديّنه، وعدم تقيده بالتعاليم الإسلامية، والسبب يعود إلى أنّه ورغم سلامة فطرته، كان يعاني من جهل فظيع في أمور الدين ناتج عن عدم اختلاطه بالمسلمين وعدم سعيه للمعرفة نظراً للانشغال الدائم في مهنته، والانخراط بحكم العادة، في روتين الحياة الغربية.

بعد أن أخذت قسطاً من الراحة وأديت صلاة الظهر، دعاني سعيد لأن أذهب معهم لقضاء يومين على شاطىء البحر حيث تكون هناك فرصة لإراحة النفس والأعصاب بعد الأيام العصيبة التي قضيتها في بيروت، فاعتذرت منه عن تلبية رغبته ودعوته لأن يتابع برنامجه المعدّ مع عائلته دون التقيد بوجودي، فأنا سأقضي هذين اليومين في الراحة والتجوّل في أسواق بروكسل والمطالعة، وليس عليه أن يغيّر برنامجه من أجلي.

استغرب سعيد موقفي مع ما يعلمه عني من حبي للسباحة، وقد كان لنا فيها صولات وجولات في أنهار لبنان أيام الصبا الأولى، وألحّ عليّ بالذهاب معهم وأنّه لا يمكن أن يتركني أقضي هذه الأيام وحدي مهما كلف الأمر.


الصفحة 285

اعتذرت مجدداً بحزم وإصرار وأعلمته بأن المشكلة ليست في أنّي لا أحب السباحة فإنّي لا أزال أعشقها، إلاّ أن الذهاب إلى شاطىء البحر مع وجود النساء السافرات العاريات مخالف لتعاليم الدين، وهذا ما لا يمكن أن أقوم به طوعاً، وقد دام النقاش بيننا أكثر من ساعة إلى أن رضخ في النهاية مع شيء من الاستهجان، وطلب مني أن أقترح مشروعاً بديلاً لقضاء العطلة، ثمّ خطرت في رأسه فجأة فكرة فقال: ما رأيك أن نذهب سوياً إلى أحد أصدقائي وهو طبيب يعمل معي في المستشفى ويملك "فيلا" مع حديقة وبركة للسباحة في مدينة تبعد ثلاثين كيلومتراً عن بروكسل اسمها "لوفان" فنقضي نهاية الإسبوع عنده في السباحة والترفيه حيث لا نساء ولا ما شابه؟

رحبّت بالفكرة نزولاً عند رغبتي قائلاً أن لا مانع عندي من الذهاب إن كان الأمر كما يقول، فبادر على الفور إلى الاتصال بصديقه الدكتور برنار وأعلمه بذلك، فرحب الدكتور برنار بالأمر وقال: إنّه في الانتظار.

كان لا يزال عليّ أن أحلّ مشكلة الطعام، وقد كان من عادات الغربيين أنهّم إذا استضيفوا إلى منزل أحد الأصدقاء أن يأخذوا معهم هدية كبادرة عن حسن الذوق، كأن يأخذوا مثلاً باقة من الورد أو قالباً من الحلوى أو ما إلى ذلك، فارتأيت أنا أن تكون هديتنا مقداراً من اللحم الحلال، فأكون بذلك قد أصبت عصفورين بحجر واحد، والأهم أنّي أكون قد أبعدت عني الإحراج بقضية الطعام مدّة يومين، وهكذا كان، فابتعت كمية كافية من اللحم من أحد الجزارين المسلمين، وتابعنا المسير حتّى وصلنا إلى مدينة لوفان الجميلة على بعد ثلاثين كيلومتراً إلى الجنوب من بروكسل.

اللقاء المشكلة:

استقبلنا الدكتور برنار بالترحاب الشديد، إذ إنّ أهل الغرب يعانون من


الصفحة 286

الوحدة في حياتهم، ونادراً ما تحصل عندهم لقاءات ذات طابع عائلي حميم بعيدة عن أصول البروتوكول الدقيق، مما يجعلهم يعيشون معظم حياتهم في كآبة.

الفيلا جميلة وأنيقة، مكوّنة من طابقين، تحيط بها حديقة واسعة مزروعة بالأزهار والورود، وفي ركن من أركانها بركة كبيرة للسباحة على شكل L وإلى جانبها غرفة لتغيير الملابس، كان المكان جميلاً ومريحاً للغاية، وما شعرنا بأنفسنا إلاّ ونحن في ثياب السباحة، أنا وسعيد، نغطس في المياه الصافية نغسل فيها ساعات من تعب الأعصاب والمحنة والخوف، وما لبث الدكتور برنار أن انضمّ إلينا وقد كان السرور بادياً عليه، وما قمنا نتمدد على العشب الأخضر، نتنعم بأشعة الشمس الدافئة حتّى لاحت مني التفاتة ناحية المنزل ويا لهول المفاجأة!!

امرأة جميلة في لباس البحر تهبط سلم المنزل باتجاهنا وعلى محياها علامات البشر، لقد كانت زوجة الدكتور برنار، أسقط في يدي وقد كان فاتني تماماً أن أسأل سعيد في خضم نقاشنا حول الموضوع في بروكسل إن كان الدكتور برنار متزوجاً أو يعيش مع امرأة على عادة معظم أهل الغرب، لقد كان لهذه المفاجأة وقعها الكبير عليّ وشعرت بأنّ الأمور ستسوء.

في خلال لحظات كانت السيّدة على بعد خطوات مني، فقد جاءت مستبشرة ضاحكة للترحيب بضيفهم العزيز القادم إليهم من بلاد بعيدة، صاح زوجها يعرّفني قائلاً: هذه زوجتي ماري ليز، وهذا جهاد قريب صديقنا الدكتور سعيد، والسيّدة تتقدّم، وهي تمدّ يدها إلى أن أصبحت أمامي واقتربت مدنية وجهها لمعانقتي على عادة أهل تلك البلاد مع الأصدقاء الحميمين، لقد كان من عادتي في زياراتي المتكررة إلى بلاد الغرب لأعمالي التجارية، حين أتوقع مقابلة سيّدة ما، مديرة شركة أو بنك أو مصنع أو غيره أن أعلمها مسبقاً بأنّ من تقاليد المسلمين الملتزمين عدم مصافحة الرجال للنساء، وذلك منعاً للإحراج، فكان معظمهن ينصاعن باستغراب، إلاّ أن هذه المرة كان الأمر مفاجئاً ولم يكن