المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 287

هناك وقت للتوضيح.

تراجعت من أمام ماري ليز وحدت عنها ضاماً يدي إلى صدري معتذراً عن عدم مصافحتي لها قائلاً بتلعثم وخفر إنّها ليست من عاداتي، حدث ذلك في لحظة، وسط ذهول الحاضرين، احمرّ وجه السيدة، تراجعت إلى الوراء خطوة ثمّ قفلت عائدة إلى المنزل وعلامات الغضب الشديد على محياها، وما لبث زوجها أن تبعها بصمت وهو ينظر إليّ شذراً، خيّم الصمت لوهلة ثمّ انفجرت العاصفة، قام قريبي سعيد ينتصر لكرامة أصدقائه المهدورة وهو يصيح في وجهي: ما هذا التخلّف، ما هذا التحجّر، ما هذا التزمّت، ما هذا التطرّف!!، أي دين هذا الذي يهدر كرامة الناس، هؤلاء من علية القوم... هو جرّاح مشهور وهي دكتورة في علم النفس، وتدرّس في الجامعة، وأنت تأتي لتستخف بهما وتهينهما... ما كنت أتصوّر بأنّك تصل إلى هذا الحدّ، مع ما أعرفه عنك من لياقة وحسن تصرّف، وما كنت أتوقّع أن يكون الدين الإسلامي منفّراً إلى هذا الحد، وانهمرت علي نعوت ما أنزل الله بها من سلطان.

أخذت أهدّىء من روع صديقي وأحاول تخفيف وقع الأمر عليه قائلاً: لم تتركوا لي الوقت لتوضيح الموقف، أنا لا يمكن أن أرتكب المحرّم ولو على قطع رأسي، على كلّ أرجو أن تستدعيهما للاعتذار وتوضيح الأمر، ومن ثمّ أترككم في أمان الله وأذهب في حال سبيلي.

- ماذا ينفع الاعتذار؟ وأي توضيح تريد بعد الذي فعلته؟ إنّها إهانة لي بالإضافة إليهما.

- إني أعتذر إليك، وأرجوك أن تستدعيهما لمثل ذلك.

بعد إلحاح وإصرار قام ودخل المنزل، وبعد مضي وقت ليس بقصير عاد ومعه الدكتور برنار وحده، فقد رفضت زوجته المجيء فقلت له: أرجوك رجاءً حاراً أن تستدعي زوجتك أيضاً، فهي المعنية مباشرة بالموضوع، وأرغب


الصفحة 288

بالاعتذار إليكما ومحاولة توضيح موقفي، أو إذا سمحت لي يمكن أن أدخل عليها واُحدّثها في الداخل.

- أنا أستغرب موقفك أشدّ الاستغراب، ولا أدري كيف يمكنك التوضيح وقد أهنتنا في الصميم، ورفضت مصافحة زوجتي ومعانقتها، علماً أنّك تعرف أنّنا نحافظ على النظافة بالاستحمام اليومي!!

- أرجوك أن لا تستبق الأمور، وأنا أصرّ أن تستدعي زوجتك، فأنا كفيل بايضاح الأمر لكما.

دخل بعد لأي إلي المنزل وغاب فترة طويلة قبل أن يعود، وزوجته أمامه وعلامات الغضب لا تزال على وجهها، فقمت إليها وبادرت بالاعتذار عن الإزعاج الذي سببته لها، والذي نتج عن سوء الفهم، ودعوتها وزوجها إلى الجلوس قليلاً للحديث.

حوار:

شعرت بأنّ غضبها قد خف بعض الشيء، وجلست وزوجها إلى جانبها وهي تقول: هل لاحظت عليّ أني وسخة فلم تصافحني ولم تعانقني، ثمّ هب أني كذلك، فإنّك ضيفي وفي منزلي واللياقة تقتضي بأن تصافحني، أو أنك تعتبرنا كفارا إذ ان الدكتور سعيد أخبرني الآن أنّك مسلم متشدد؟

فقلت: لا علاقة للأمر بالوساخة أو النظافة ولا بالكفر أو الإيمان، وقد كنت صافحت زوجك قبلك بدون أي تردد، وهو على ملتك.

- إذاً ما الأمر؟

فكرّت في نفسي بأنّ خير وسائل الدفاع هو الهجوم وسألت الله العون فقلت:

- لقد كنت أعتقد أنّ الأوروبيين يواجهون الأمر بموضوعية وعلم، إذ إنّه


الصفحة 289

لابد للتطور العلمي من أن يترك أثره في السلوك الاجتماعي للبشر، خاصة أنّ كلاكما متعلّم ومثقف بدرجة عالية، فلم تكلّفا نفسيكما عناء السؤال عن سبب تصرّف قمت به، بل واجهتماني بردّة فعل عنيفة على أمر أعتبره أنا في غاية البساطة، ولا يستحق كلّ هذا الغضب، وهنا يتبيّن لي أنّ مفهوم الحضارة والتخلّف لا علاقة له بالعلم أو بالجهل، ولا بالفقر أو بالغني، ولا بالعالم الثالث أو العالم الأول.

لقد كان لكلامي هذا وقعٌ مفاجىء عليهما، فجلس ومعهما الدكتور سعيد وزوجته وكأنّ على رؤوسهم الطير، ينتظرون تتمة حديثي وهم مرتبكون، فكيف لرجل جاء يعتذر عما اعتبروه خطأً كبيراً تجاههم، فإذا به يتابع هجومه ويكاد يتهمهم بالتخلف، فتركتهم تحت وقع المفاجأة وتابعت حديثي بسرعة متوجهاً إلى الدكتور برنار قائلاً:

- يا دكتور، لمن تعود ملكية هذه الفيلا الجميلة وهذه الحديقة التي نحن فيها الآن؟

- إنها لي ولزوجتي.

- ما رأيك أن أستولي أنا على جزء منها، وأدخله في ملكيتي، وأتصرف فيه كيفما أشاء بلا قيد أو شرط فهل تقبل؟

- هذا كلام هراء، كيف لي أن أقبل أن تتصرف في ملك هو لي وحدي.

- لو كانت شريعة الغاب هي السائدة لأمكنني أن أفعل ذلك دون أن تتمكن من معارضتي في شيء، إلاّ أن هناك قوانين وأنظمة تحدد علاقات البشر بعضها ببعض، (قلت هذا وأنا أعرف ما تعني الأمور المادية وأمور الملكية الخاصة في العقل الغربي، وهو الباب الذي أردت أن أنفذ منه للنقاش معهم ودعوتهم للإسلام).

- إلى أين تريد أن تصل من قولك هذا؟

- إن كنت لا تقبل أن أشاركك في ملكية منزلك، فكيف تقبل أن أشاركك


الصفحة 290

في ملكية زوجتك؟إنّ زوجتك إمرأة جميلة، وأيّ رجل يرغب في أن يصافحها ويعانقها، بل وأكثر من ذلك، وأناأيضاً لو تركت الأمر لغريزتي وأهوائي أن تتحكم بي لفعلت، إلاّ أنّ الأمر عندي محكوم من خلال أنظمة وقوانين موضوعة من قبل خالق البشر وموجودة تفاصيلها في الدين الذي أعتنقه وهو الإسلام.

ثمّ أردفت قائلاً: هل دخلت يوماً محلاً لبيع الجواهر؟

قال: نعم.

هل وجدت الجواهر الثمينة مرمية في أي زاوية كيفما اتفق، يمكن لأي داخل أن يراها ويقلّبها ويلمسها كيفما يشاء، أم أن صاحب المحل يحافظ عليها بأن يضعها في مكان مغلق مرتفع بحيث لا يسمح لأحد أن يلمسها على هواه؟ كذلك المرأة عندنا نحن المسلمين فإنّها جوهرة البشر، لا يسمح لأي كان أن يلمسها ويدنّسها، ولا لأعين الخيانة أن تحدّق بها، أو تخترق قدسيتها، كما هو الحال عندكم في الغرب، حيث فقدت المرأة كامل أنوثتها فتحولت إلى سلعة تشرى وتباع وتستعمل للرذيلة والفجور، ونُزع منها أي احساس بأنها تنتمي إلى عالم الإنسان، وجمعيات حقوق المرأة ومساواتها بالرجل الموجودة في بلادكم إلاّ غطاء لكلّ ذلك.

كنت أتكلّم وهم في صمت مطبق يحدّقون في ذهول، فهذا منطق جديد لم يسمعوا به من قبل، وتحوّل غضبهم إلى بدايات إعجاب بمجرى الحديث وهم ينتظرون الكلمة التي ستلي، فتابعت قائلاً:

- ألا ترون معي أنّ التحّلل الخُلُقي السائد في الغرب اليوم، والتفسخ الاجتماعي والتفكّك العائلي كلّ هذه الأمور ناتجة عن الانفتاح غير المحدود وغير المنظّم في العلاقات بين الرجل والمرأة، وهذا يبدأ من المصافحة والملامسة وينتهي بعظائم الأمور؟

ألا ترون أنّكم في أعماقكم، ونتيجة لفطرة الجنس البشري ترفضون كلّ


الصفحة 291

ذلك ن لكنّكم لا تتجّرأون على اعلانه خوفاً من أن تتهموا بالتخلّف، متمسكين بقشور تعتبرونها حضارة، وما هي إلاّ مظاهر زائفة، بل هي التخلّف بعينه؟

هل من الطبيعي أن تتخذ كلّ زوجة خديناً لها أو أكثر، مع ما يؤدي ذلك إلى تهتّك وفجور واختلاط في النسل؟

أم أن تبقى الفتاة عندكم تعدّ الأيام والليالي حتّى إذا بلغت الخامسة عشر من عمرها تخلّت عن مسكنها الأسري - إن وجد - لتذهب وتبحث عن حياتها الخاصة تمثلاً بما سمعته أو رأته أو شاهدته؟

أم أن مئات المراكز التي تأوي أطفالاً لقطاء ثمار الشهوة المحرّمة والتهتّك هي الحضارة، ولديكم من الاحصاءات حول هذه الأمور ما يذهل الألباب؟

أم أنّ آلاف العجزة الذين يموتون في بيوتهم لا يُعرف بموتهم إلاّ بعد أيام من خلال رائحة الجثث التي تفوح على الجيران، وذلك لأنّ مفهوم الأسرة والعائلة أصبح من مخلّفات الماضي!! أهذه هي الحضارة؟!!

وبقيت على هذا المنوال لمدّة تزيد عن الساعتين إلى أن قاطعتني ماري ليز بسؤال على استحياء: لكن ألا تعتقد بأنّ المسلمين متشدّدون كثيراً بموضوع النساء، فيمنعونهن من الخروج والعمل، ويجبرونهن على ارتداء الحجاب؟ ثمّ ماذا عن تعدّد الزوجات أليس هذا من مخلفات القرون الوسطى؟

أجبتها بهدوء: إنّ الإسلام لا يمنع المرأة والرجل إلاّ مما يؤدي إلى ما وصلت عليه مجتمعاتكم اليوم، وكلّ ما عدا ذلك فهو مباح.

فالحجاب هو الرادع الأساسي لصون المرأة نفسها من غرائز الرجال، ولصون الرجال من نتائج إثارة غرائزهم ن مما سيؤدي إلى تهتك المجتمع.

أمّا مع المحافظة على الحجاب فالإسلام لا يمنع المرأة من الخروج، ولا من العمل ولا من المشاركة في شتى النشاطات الفكرية والعلمية والاجتماعية، ولنا في تاريخنا وحاضرنا الأمثلة الكثيرة.


الصفحة 292

أمّا ما عدا ذلك فكلّ ممنوع على النساء ممنوع على الرجال، وما بداية المشكلة بيننا إلاّ بسبب امتناعي عن مصافحتك امتثالاً لأمر ديني، فإنّ المنع جار عليّ كما على المرأة.

أما موضوع تعدّد النساء المباح في الإسلام بشروط ، فإنّ فيه حّلاً لحالات كثيرة اجتماعية وغيرها ممّا وقع فيها مجتمعكم، والمنصفون من مفكريكم بدأوا يعترفون بذلك، ففي تشريعات الإسلام الحلول الناجعة لجميع مشاكلكم الحضارية والاجتماعية ولا توجد حلول وسطى.

طال الوقت واعتذرت من الحاضرين على إطالة الكلام، وسألت إن كان اعتذاري مقبولاً لديهم، طالباً الإذن بالانصراف، وأنا أعلم بأنّ شيئاً ما تغيّر في عقولهم وتفكيرهم، فقام الدكتور برنار يرجوني المبيت عندهم، كما كان برنامجنا قبل المشكلة، فاعتذرت وطلبت من سعيد مفتاح منزله وهممت بالخروج لأستقل القطار المتوجه إلى بروكسل، وإذا بالدكتور برنار وزوجته يلحقان بي طالبين لإذن باللقاء معي مرة أخرى للتعرف على جوانب أخرى من الإسلام، والإجابة على مجموعة أسئلة تدور في ذهنهما، فرحّبت بذلك أشدّ ترحيب قائلاً: إني باق في بلجيكا لعدة أيام أخرى، ولا عمل لدي، وإني سأكون في خدمتهما أي وقت يشاآن.

وهكذا كان، فما مر اليوم الثاني إلاّ وتلقيت اتصالاً منهما يطلبان موعداً للحضور، فقلت: انّي بانتظارهما، ودارت نقاشات مفصلة حول كل الأمور التي تجول في خلدهما، فعاد إلى السؤال عن الأمور التي تتعلّق بالمرأة حتّى أشبعناها نقاشاً ودراسة، ثمّ حول مفهوم التثليث، وضرورة وجود الدين، والمعاد، وأفضت عليهما بسرد قصص المسلمين الأوائل منذ بعثة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحياة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد استمرت جلساتنا عشر ليال في كلّ ليلة عدة ساعات إلى أن جاء ذلك اليوم الأغر.


الصفحة 293

{اِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}(1)

أنهى الدكتور برنار عمله باكراً في المستشفى ذاك النهار، فاتصل بي قائلاً: إنّه سيحضر إليّ مع زوجته، وفي حال حضوره فاجأني بسؤاله المفرح: جهاد، كيف يمكن للإنسان أن يصبح مسلماً؟

أجبته بتأثر: لا شيء، لا عمادة ولا مناولة ولا اعتراف، إنّه تحوّل قلبي وشهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله.

فأجاب مستغرباً: هذا كل شيء؟

قلت: نعم.

فصاح بصوت عال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله، ثمّ تبعته زوجته ماري ليز.

طلبت منهما الإعادة ; لأن اللكنة كانت فرنسية والأحرف غير واضحة، ففعلا فباركت لهما وعانقت الدكتور برنار ومددت يدي على سبيل المداعبة لمصافحة ماري ليز، فتراجعت وعيناها مغرورقتان بالدموع، ثمّ طلبا مني تعلّم كيفية ممارسة الشعائر فعلّمتهما أحكام الغسل والوضوء والصلاة والصوم والفروع الأخرى، ووعدت بارسال كتب لهما لا يضاح كل هذه الأمور.

ثمّ استمرت لقاءاتنا عدة أيام قبل عودتي إلى لبنان كانا خلالها يتزودان بشغف من المعرفة بالدين الجديد، وفي يوم سفري ذهبنا سوية إلى السوق حيث ابتعت فستاناً فضفاضاً ومجموعة حجابات شرعية قدّمتهم هدية إلى ماري ليز، ومن وقتها ارتدت اللباس الإسلامي ولم تخلعه أبداً ثُمّ علمت فيما بعد أنّهما أخذا على عاتقهما مهمّة الدعوة إلى الدين الإسلامي في كلّ وقت وكلّ حين، وقد عانت ماري ليز من مضايقات كثيرة في الجامعة بسبب ارتدائها الحجاب، إلاّ أنّها لم

____________

1-سورة النصر: 1.


الصفحة 294

تتراجع أبداً، بل أخذت تدافع عن نفسها بكلّ قوة وشجاعة، ثمّ بعد هجرتهما إلى أميركا أخذت ماري ليز تبث الأفكار الإسلامية إلى تلاميذها من خلال الدروس والمحاضرات وبدعوتهم إلى ندوات جانبية بهدف تعريفهم بالإسلام أكثر.

وبعد هذه القصة المثيرة، فإنّي أدعو إخواني المؤمنين بأن لا يخجلوا بمعتقداتهم أينما كانوا بل ليمارسوا شعائهم بكل فخر واعتزاز، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(1)(2).

____________

1-الطلاق(65) : 2 ـ 3.

2-نقلناها من مجلة نور الإسلام، العددان 37 و38: 58 ـ 60، والعددان 39 و40: 48 ـ 50، بقلم جهاد يوسف تحت عنوان: من قصص التبليغ (بتصرّف يسير).


الصفحة 295

(63) ديلوفا برينتي (علي)

(مسيحي / بلجيكا)

من مواليد بلجيكا، حاصل على شهادة الليسانس في اختصاص الالكترونيك، كان منتمياً للدين المسيحي، طالع الأناجيل الأربعة فوجدها لا تنسجم مع المبادئ التي يدّعيها رجال الدين المسيحيين، وهذا ما دفعه إلى الابتعاد عن الدين.

نور القرآن:

وجد "ديلوفا" نفسه ذات يوم قريباً من كتاب القرآن الكريم، فدفعه حبّ الاستطلاع على أخذ القرآن والتعرّف عليه بصورة إجمالية، أحبّ أن يعرف ما هو سرّ هذا الكتاب الذي جذب إلى نفسة الملايين من الناس في هذه الكرة الأرضية.

وبعد أن قرأ "ديلوفا" مجموعة من الآيات وجد تغيّراً في حالته النفسيّة من خلال تأثرّه بمضامين تلك الآيات.

حاول "ديلوفا" بعد ذلك أن يحصل على نسخة من القرآن، ثمّ بدأ يقرأه بتدّبر وتامّل وبدقّة، وبعد فترة وجد "ديلوفا" دموعه تنهمر خلال قراءة هذا الكتاب المقدّس.

وبمرور الزمان انجذب قلب "ديلوفا" نحو مفاهيم ومضامين القرآن، فدفعه


الصفحة 296

هذا الأمر إلى التعرّف على الإسلام.

الإسلام وتكريم الإنسان:

من أهم الأمور الملفتة للنظر في الدين الإسلامي هي أنّ الإسلام يرى بأنّ الإنسان يولد طاهراً مطهراً بخلاف الدين المسيحي الذي يرى بأنّ الإنسان يولد وهو حامل لخطيئة آدم.

وجد "ديلوفا"بانّ الإسلام يقول حول الإنسان: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(1).

ثمّ أرسل الله تعالى أنبياءه ورسله لهذا الإنسان ليبذلوا غاية جهدهم لهدايته، وتحمّل الأنبياء أشد المعاناة في سبيل هداية الإنسان، ولكنهم مع ذلك لم يبأسوا ولم يفتروا في هذا الطريق.

سأل رجل الإمام علي(عليه السلام) عن حبّه للقاء الله تعالى، فقال: بماذا أحببت لقاءه؟

قال(عليه السلام): "لمّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه، علمت أنّ الذي أكرمني بهذا ليس ينساني، فأحببت لقاءه"(2).

الانجذاب بالإمام علي(عليه السلام) :

تعرّف "ديلوفا" خلال دراسته للتاريخ الإسلامي على شخصية الإمام علي(عليه السلام)، فبدأ يقرأ أحاديثه وكلامه، فتأثرّ به أشدّ التأثير، وتأسّف على ترك المسلمين في صدر الإسلام لهذه الشخصية بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإعراضهم عنه، والتفافهم حول غيره، وعدم عودتهم إليه إلاّ بعد فوات الأوان.

____________

1-الإسراء (17) : 70.

2-الخصال، الشيخ الصدوق: 33، باب الاثنين.


الصفحة 297

واستغرب "ديلوفا" كيف قدّم البعض كطلحة والزبير وزوجة النبي عائشة ومعاوية بن أبي سفيان مصالحهم الشخصية على الإسلام وقاموا بمحاربة الإمام علي(عليه السلام) عندما اتّفق الجميع على خلافته.

ومن هنا عرف "ديلوفا" بأنّ الذين كانوا حول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الصحابة فيهم الصلحاء وفيهم الطلحاء، ولا يمكن أخذ ما جاء به الرسول إلاّ من الصلحاء، وهذا ما يحتّم على الإنسان دراسة حياة الصحابة ومعرفة العدول منهم، وأخذ الشريعة من العدول فقط .

وعرف "ديلوفا" أيضاً بأنّ دين الله تعالى لا يعرف بالرجال، بل ينبغي للإنسان أن يعرف الحق أوّلاً ليعرف بعد ذلك أهل الحق والمتمسكيّن به.


الصفحة 298

(64) سالي ساليو

(علوي بكتاشي / بلغاريا)

ولد عام 1391هـ (1972م) في بلغاريا بمدينة "كُبرات"، ترعرع في أوساط مجتمع ينتمي للمذهب الحنفي المعتقد بالطريقة العلويّة البكتاشية، وهي مسلك يهتم بتهذيب الباطن أكثر من اهتمامه بالعبادات والفرائض الإسلامية.

واصل سالي دراسته في المجال الأكاديمي حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في علم الأحياء فرع معرفة الأشجار، ولكنّه نتيجة رغبته بالعلوم والمعارف الدينية واصل دراسته بعد ذلك في المعهد الإسلامي للصوفية في العاصمة "صوفيا"، وكان التدريس فيها يتمّ عن طريق إلقاء المحاضرات من قبل الأساتذة، ولم يكن لهم كتب دراسية يدرسون على ضوئها.

المحفّز لمعرفتي أئمة أهل البيت(عليهم السلام) :

يقول "سالي": عندما كنت علوياً كنت أحترم كثيراً أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الاثنا عشر، ولكنّني وجدت بعض الطلبة يستصغرون قدرهم ويحطون من شأنهم، وهذا ما دفعني لدراسة حياتهم وسيرتهم والتعرّف الكامل على شخصيتهم، فقررت البحث العلمي لمعرفة الأئمّة الاثني عشر، فراجعت بعض الأشخاص الشيعة وطلبت منهم أن يزوّدونني ببعض الكتب التي تساعدني في بحثي هذا.

ومن هنا أسفر بحثي بعد مدّة طويلة على نتائج لم أكن أتوقعها من قبل.


الصفحة 299

وهذه النتائج هي التي دفعتني لاعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

مقام ومنزلة أئمة أهل البيت(عليهم السلام) :

عرف سالي من خلال دراسته لما يرتبط بأهل البيت(عليهم السلام) بأنّ هذه العترة شملها الاصطفاء الإلهي، كما اصطفى الله تعالى آل عمران وآل إبراهيم وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(1).

وتبعاً لهذا الاصطفاء منح الله تعالى هؤلاء العترة العلم والتسديد وكلّ ما يحتاجون إليه في مهمتهم التي تتمثّل في كونهم الحبل المتصل بين الأرض والسماء.

وقد يتصوّر البعض بأنّ الإمامة يعني خلافة الرسول في أمر إدارة الشؤون السياسية للاُمة فحسب، والإمام هو الحاكم السياسي فقط ، ولكنّ الإمامة في واقع أمرها أعظم من هذا، وليست القيادة السياسية إلاّ جزء من مهام الإمام المعصوم.

قال الإمام الرضا(عليه السلام): "إنّ الله عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء، بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج الناس إليه كملا، فقال عزّ وجلّ: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْ}(2)، وأنزل في حجّة الوداع، وهي آخر عُمره(صلى الله عليه وآله وسلم) {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}(3).

وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى بين لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبُله وتركهم على قصد الحقّ، وأقام لهم عليّاً(عليه السلام) علما وإماماً، وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمّة إلاّ بينه، فمن زعم أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل دينه فقد رد

____________

1-آل عمران (3) : 32 ـ 33.

2-الأنعام (6) : 38.

3-المائدة (5) : 3.


الصفحة 300

كتاب الله عزّ وجلّ، ومن ردّ كتاب الله عزّ وجلّ فهو كافر.

هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الامّة، فيجوز فيها اختيارهم؟

إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم.

إنّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل(عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، فضيلة شرفه الله بها، فأشاد بها ذكره، فقال عزّ وجلّ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}(1).

فقال الخليل(عليه السلام) سروراً بها: {وَمِن ذُريَّتِي}.

قال الله تبارك وتعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(2).

فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصّفوة، ثمّ أكرمه الله بأن جعلها في ذرّيّته أهل الصّفوة والطّهارة، فقال عزّ وجلّ: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}(3).

فلم تزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً، حتّى ورثها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال جل جلاله {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}(4)، فكانت له خاصّة فقلّدها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام) بأمر الله عزّ وجلّ على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عزّ وجلّ: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالاِْيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ}(5)، فهي في ولد عليّ(عليه السلام) خاصّة إلى يوم القيامة، إذ لا نبيّ بعد

____________

1-المائدة (5) : 3.

2-البقرة (2) : 124.

3-الأنبياء (21) : 72 ـ 73.

4-آل عمران (3) : 68.

5-الروم (30) : 56 .


الصفحة 301

محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

فمن أين يختار هؤلاء الجهال أنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء؟

إنّ الإمامة خلافة الله عزّ وجلّ وخلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومقام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وميراث الحسن والحسين(عليهما السلام) إنّ الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين.

إنّ الإمامة أُسّ الإسلام النامي وفرعه السامي.

بالإمام تمام الصلاة، والزّكاة، والصيام، والحجّ، والجهاد، وتوفير الفيء، والصدقات، وإمضاء الحُدود والأحكام، ومنع الثُغور والأطراف.

الإمام يُحل حلال الله ويُحرم حرام الله، ويُقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والحُجة البالغة.

الإمام كالشمس الطالعة للعالم، وهي في الاُفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.

الإمام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدُجى والبلد القفار ولجج البحار.

الإمام الماء العذب على الظمأ، والدالّ على الهُدى، والمنجي من الرّدى.

الإمام النار على اليفاع، الحارّ لمن اصطلى به، والدليل على المسالك، من فارقه فهالك.

الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والأرض البسيطة ن والعين الغزيرة، والغدير والروضة.

الإمام الأمين الرفيق، والوالد الرقيق، والأخ الشفيق، ومفزع العباد في الداهية.

الإمام أمين الله في أرضه، وحُجّته على عباده، وخليفته في بلاده، والداعي


الصفحة 302

إلى الله، والذابّ عن حرم الله.

الإمام المطهر من الذنوب، المبرّأ من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم بالحلم نظام الدين، وعزّ المسلمين، وغيظ المنافقين وبوار الكافرين.

الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحدٌ، ولا يعادله عالمٌ، ولا يوجد عنه بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كُلّه من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهّاب.

فمن ذا الذي يبلُغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟

هيهات هيهات، ضلّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وحسرت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألبّاء، وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله، فأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناءه.

لا، كيف وأنّى وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا، وأين العقول عن هذا، وأين يوجد مثل هذا؟

أظنّوا أنّ ذلك يوجد في غير آل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

كذّبتهم والله أنفسهم، ومنّتهم الأباطيل، وارتقوا مرتقاً صعباً دحضاً، تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلّة،فلم يزدادوا منه إلاّ بعداً، قاتلهم الله أنّى يؤفكون، لقد راموا صعباً، وقالوا إفكاً، وضلوا ضلالاً بعيداً، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين.

رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم:


الصفحة 303

{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(1).

وقال عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ}(3).

وقال عزّ وجلّ: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا}(4)، أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون أم {قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لاَّسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}(5)، و {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}(6)، بل هو {فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(7).

فكيف لهم باختيار الإمام، والإمام عالم لا يجهل، راع لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول، وهو نسل المطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش، والذروة من هاشم، والعترة من آل الرسول، والرضا من الله، شرف الأشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله.

____________

1-القصص (28) : 68.

2-الأحزاب (33) : 36.

3-القلم (68) : 36 ـ 41.

4-محمّد (47) : 24.

5-الأنفال (8) : 21 ـ 23.

6-البقرة (2) : 93.

7-الحديد (57) : 21.


الصفحة 304

إنّ الأنبياء والأئمّة يوفقهم الله عزّ وجلّ ويؤتيهم من مخزون علمه وحلمه مالا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم في قوله عزّ وجلّ: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(1).

وقوله عزّ وجلّ: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}(2).

وقوله عزّ وجلّ في طالوت: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(3).

وقال عزّ وجلّ لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): {وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}(4).

وقال عزّ وجلّ في الأئمّة من أهل بيته وعترته وذريته(عليهم السلام) : {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً}(5).

وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لامور عباده، شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاماً، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، وهو معصومٌ مؤيّد موفقٌ مسدّد، قد أمن الخطايا والزلل والعثار، وخصّه الله بذلك ليكون حجّته على عباده، وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه، أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدّموه؟

تعدّوا وبيت الله الحقّ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون،

____________

1-يونس (10) : 35.

2-البقرة (2) : 269.

3-البقرة (2) : 247.

4-النساء (4) : 113.

5-النساء (4) : 54 ـ 55 .


الصفحة 305

وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوه واتبعوا أهواءهم، فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم، فقال عزّ وجلّ: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(1).

وقال عزّ وجلّ: {فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار}(3)(4).

الاهتداء بنور أهل البيت(عليهم السلام) :

يقول "سالي": بعد معرفتي لعظمة مكانة أهل البيت(عليهم السلام)، وتعميقي للأدلّة المثبتة أحقية إتّباعهم بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أعلنت استبصاري، وكان ذلك عام 1416هـ (1996م) في العاصمة صوفيا.

ويضيف "سالي": من جملة الكتب التي تأثّرت بها هي كتاب "نهج البلاغة"، وكتاب "الصحيفة السجادية"، وكتب الدكتور التيجاني السماوي المترجمة إلى اللغة التركية.

وشرعت بعد إعلان استبصاري بمهمة التبليغ ونشر معتقدات وأفكار مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، كما قمت بترجمة كتاب "الشيعة في الإسلام" للعلاّمة الطباطبائي.

____________

1-القصص (28) : 50 .

2-محمّد (47) : 8 .

3-غافر (40) : 35.

4-أمالي الشيخ الصدوق: 773 ـ 779.


الصفحة 306

(65) محرّم محرّم

(علوي بكتاشي / بلغاريا)

ولد سنة 1401هـ (1981م) في مدينة "دولفو" ببلغاريا في عائلة علوية بكتاشية، أكمل الدراسة المتوسطة، ثمّ هاجر للدراسة في الحوزة العلمية وساهم في تعليم القرآن بعد استبصاره.

سبب استبصاره:

يقول "محرّم": هداني الله إلى التمسّك بالثقلين عن طريق التبليغ الصحيح والهادف لمذهب آل البيت(عليهم السلام) الذي قام به بعض إخواننا الذين سبقونا بالاهتداء إليه والذين درسوا في الحوزات العلمية، حيث وضّحوا لنا معالم الدين، وبيّنوا لنا التاريخ الواقعي للمسلمين، فعرفنا الحق من الباطل، فشكراً لهؤلاء الإخوان الذين تجشّموا عناء التبليغ في القرى البعيدة والمساجد النائية.

هذا وقد أعلنت استبصاري في قرية جرنيك من توابع مدينة دولفو.

التبليغ الديني الصحيح هداية للناس:

قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}(1).

____________

1-الأحزاب (33) : 39.


الصفحة 307

{هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}(1).

{فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}(2).

إنّ التبليغ الديني الصحيح عملٌ شريف لا يقوم بأعبائه إلاّ الأنبياء ومن يقوم مقامهم، وهو عمل واسع وثقيل يأخذ على المبلّغ معظم مناحي الحياة، وهو عمل يحتاج إلى الفعل قبل القول، وإلى الاهتداء قبل الهداية، كما أنّه يتقوّم بالإيمان الراسخ بالرسالة الإلهية المراد تبليغها إلى الناس ليتعظوا ويتذكروا ويهتدوا، ويستلزم الثبات على المبدأ، والتضحية في سبيل الهدف.

وقد قام الرسول الكريم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بواجبه في التبليغ على أحسن وجه، أُنظر إلى حواره مع عمّه أبي طالب حين ضايقته قريش:

"ولمّا اشتدت قريش على أبي طالب، وأنذرته بالحرب إن هو لم يردع محمّداً عن آلهته، وعرضوا عليه أن يملّكوه عليهم، ويُشاطروه أموالهم، ويُقدّموا له ما يشاء إذا تراجع عن موقفه، جاءه أبو طالب، وقال له: يا ابن أخي أبق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق، فظنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه بدا لعمه أن يتراجع إلى حد ما عن موقفه المتصلّب إلى جانبه، وأنّه قد ضعف عن نصرته، قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عمّاه والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته"(3).

ورغم هذه الصلابة النبوية فتبليغ النبي كان بالطرق السلمية ولم يشتمل على القوة أو الإكراه، وقال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(4)، وقال عزّ وجلّ: {ادْعُ إِلِى

____________

1-إبراهيم (14) : 52 .

2-النحل (16) : 35.

3-سيرة المصطفى: 149، واُنظر سيرة ابن إسحاق: 196.

4-البقرة (2) : 256.


الصفحة 308

سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(1).

وهكذا ينبغي أن يسير المبلّغ الذي يقوم بعمل الأنبياء في إيصال المفاهيم الحقّة والأحكام الواضحة إلى الناس، فيجب أن يتّصف بالصفات الخلقية العالية، وأن يتوفرّ على العلم الواسع، حتّى يتمكّن من ممارسة هذا العمل الشريف وأن يعبر هذا الطريق بأمان دون أن ينقلب عمله إلى عمل مضاد للتبليغ الحقيقي.

هذا وقد حثّ القرآن الكريم المؤمنين على طلب العلم ومن ثمّ القيام بالواجب التبليغي لخصوص أقوامهم، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(2)، كما حثّ الرسول الكريم على الهداية والتبليغ فقال لعلي(عليه السلام): "يا علي، لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس"(3).

وبالمقابل دعا القرآن المؤمنين بالاستجابة للنبي وكذلك المبلّغين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}(4).

وقال الإمام الكاظم(عليه السلام) لهشام بن الحكم: "ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة"(5).

وهكذا كان "محرّم محرّم" من المستجيبين للتبليغ الصحيح، فهداه الله إلى صراطه المستقيم.

____________

1-النحل (16) : 125.

2-التوبة (9) : 122.

3-المستدرك على الصحيحين 3: 320، ح6656، المعجم الكبير 1: 332، ح994.

4-الأنفال (8) : 24.

5-الكافي 1: 16، ح12.


الصفحة 309

(66) أبو جعفر مندل

(حنفي / بنغلادش)

ولد عام 1368هـ (1949م) في مدينة "بغلورا" في بنغلادش، نشأ في أسرة أملت عليه المذهب الحنفي، فشبَّ حنفي المذهب تبعاً لأسلافه.

التعرّف على الشيعة:

طرق سمع "مندل" مصطلح مذهب الشيعة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، فأحبّ التعرّف على هذا المذهب.

زار "مندل" ذات يوم الملحق الثقافي العلمي في مدينة "دكا" واستفسر منهم حول مذهب الشيعة.

يقول "مندل" وجّهت بعض الأسئلة لهم حول الشيعة والتشيّع، فبيّنوا لي أهم عقائد الشيعة، والملفت للنظر أنّهم كانوا يستشهدون لإثبات عقائدهم من كتب صحاحنا ومسانيدنا، فكنت أراجع هذه الكتب في ما يقولون، فكنت اتفاجأ عندما أرى صحّة ما يقولون.

مع كتاب نهج البلاغة:

يقول "مندل": بعد البحث والتفحّص وجدت ضالتي في كتاب "نهج البلاغة" حيث دلّني هذا الكتاب على حقائق، وكشف لي وقائع لم أحط بها علماً


الصفحة 310

من قبل، وقد جاء في هذا الكتاب:

عندما رأى أمير المؤمنين(عليه السلام) إعراض القوم عن الإسلام المحمّدي الأصيل، ورأى قلّة وجود الناصر للتصدّي قبال الانحراف الذي تفشّي في الأُمّة الإسلامية، أخذ يحذّر الناس بين الحين والآخر من فداحة الضلال الذي وقعوا فيه، فقام(عليه السلام)ذات يوم في خلافته خطيباً بين الناس للتنبيه على ضلالة القوم واتمام الحجّة على الناس، فخطب خطبته المعروفة بالشقشقيّة.

أهمية الخطبة الشقشقيّة:

تعتبر الخطبة الشقشقيّة من الخطب الملفتة للنظر والتي تركت الأثر البالغ على عامة المسلمين قديماً وحديثاً.

ومن أهم مقاطع هذه الخطبة: "أما والله لقد تقمّصها فلان [ابن أبي قحافة]، وأنّه ليعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عن السيل ولا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا".

فبدأ الإمام علي(عليه السلام) كلامه ببيان الأمر المهم الذي عقب وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو غصب الخلافة التي جعلها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله تعالى له(عليه السلام)، لكن مع الأسف الشديد انقلب أكثر الناس على أعقابهم، واجتهدوا برأيهم مقابل النصّ، فكشف الإمام علي(عليه السلام) في هذه الخطبة عن الكثير من الحقائق لتوعية الحاضرين وتوعية أجيال المستقبل.

اعتراف القوم بغصبهم للخلافة:

من الوقائع التاريخية المهمة التي تكشف أحقية الإمام علي(عليه السلام) بالخلافة بعد الرسول، ما رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفّين أنّه: كتب معاوية لمحمّد بن أبي بكر: "فقد كنا وأبوك معاً في حياة نبيّنا نرى حق عليّ بن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرزاً علينا، فلمّا اختار الله لنبيّه ماعنده، وأتمّ له ما وعده... فكان أبوك


الصفحة 311

وفاروقه أوّل من ابتزّه وخالفه على ذلك... فإن يكن ما نحن فيه صواباً فأبوك أوّله، وإن يكن جوراً فأبوك أسّسه"(1).

تجلّي الحقائق:

تجلّت الحقائق لـ"مندل" بعد البحث والتحقيق، فوجد لزوم اتباع ما أملت عليه الأدلّة والبراهين، فعزم على نبذ معتقداته الموروثة وتشييد عقائده على أساس من الوعي الكامل والأدلّة المؤدية إلى بلورة القناعة في نفسه، فأعلن تشيّعه عام 1404هـ (1984م).

أخذ "مندل" على عاتقه بعد الاستبصار مهمّة التبليغ، فاستبصر على يديه مجموعة من أقربائه وأصدقائه، ثمّ أدّى استبصاره إلى مواجهته لبعض المصاعب منها ايذاء الوهابيين له، حيث هجموا على بيته، وأحرقوا مكتبته، ولكن لم يوثّر تصرّفهم هذا قيد أنمله في عقيدته، بل رسّخ هذا الأمر إيمانه وواصل دربه في تبليغ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

____________

1-وقعة صفيين: 121.


الصفحة 312

(67) محمّد جناب عالي ملاّ

(حنفي / بنغلادش)

ولد عام 1355هـ (1937م) في دولة بنغلادش، وترعرع في أُسرة ملتزمة تنتمي إلى المذهب الحنفي.

تعرَّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) خلال حجّه لبيت الله الحرام في العام الذي هجم جلاوزة النظام السعودي على الحجّاج الإيرانيين، فحفَّزه هذا الأمر على معرفة خلفيات الهجوم ومعرفة هويّة التشيّع.

ومن هذا المنطلق توّجه إلى البحث والتحقيق، وكانت ثمرة بحثه بعد مدّة سبع سنوات اقتناعه بالأدلّة والنصوص الصريحة الدالّة على ولاية أهل البيت(عليهم السلام)فأعلن استبصاره عام 1405هـ (1985م).

المحطة الأولى للاستبصار:

يقول "محمّد جنابعالي ملاّ": كنت أتمنى ومنذ صغري أن أؤدي فريضة حجّ بيت الله الحرام، إلى أن وفّقني الله تعالى في إحدى السنوات لأداء هذه الفريضة، وما أثار دهشتي في تلك السفرة أني رأيت جلاوزة النظام السعودي يقمعون زواراً اجتمعوا لأداء مراسم البراءة من المشركين، فأخمدوا تلك المسيرة بصورة قاسية جدّاً، وسفكوا دماء العديد من الحجاج الأبرياء! وأسقطوهم قتلى رمياً بالرصاص! استغربت من هذه الأفعال القبيحة والشنيعة التي قام بها جلاوزة النظام


الصفحة 313

وفكّرت في نفسي: لماذا قتلوا هؤلاء الحجّاج؟

ألا يتشهد هؤلاء بالشهادتين؟

أليس سفك المسلم لدم أخيه المسلم من أكبر المحرّمات؟

هل التنديد بأمريكا وإسرائيل حلّل سفك دماء هؤلاء الأبرياء؟

وغيرها من الأسئلة والاستفسارات التي لم أجد لها الأجوبة المقنعة.

عرفت بعد ذلك أنّ هؤلاء الحجّاج كانوا من المسلمين الشيعة، فدفعني هذا الأمر إلى البحث والاستفسار مع زملائي وأقربائي حول أُصول معتقدات الشيعة وأفكارهم، واستمرت بحوثي وتحقيقاتي مدّة سبع سنوات حتّى اقتنعت كاملة بالأدلّة والنصوص الواضحة الدالّة على أحقيّة مذهب التشيّع.

مظلومية الشيعة بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) :

لم تكن هذه المواجهة أول مواجهة ضدّ أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، بل سبقتها مواجهات عنيفة عديدة على مرّ العصور منذ وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى يومنا هذا.

فكان حكّام الظلم والجور ينصبون عمّالهم وأياديهم على المدن والقرى الشيعية، وهم بدورهم كانوا يقتلون الشيعة ويعذّبونهم بشتى أنواع العذاب ولأسباب واهية، فطالما قتلوا الشيعة صبراً وشرّدوهم قسراً وسجنوهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم، حتّى وصل الأمر بهم إلى دفن الموالين لأهل البيت(عليهم السلام) أحياءً وسط أعمدة المباني.

يقول ابن أبي الحديد: "استعمل معاوية زياد بن سمية على الكوفة وضمَّ إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيام علي(عليه السلام)، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم"(1).

____________

1-شرح نهج البلاغة 11: 44.


الصفحة 314

وامّا يزيد فلم يكتفِ بصنعة أبيه مع الشيعة، بل لم يكتفِ بما فعله هو من المجازر في كربلاء المقدّسة والمدينة المنورة ومكة المكرمة، حتّى ولّى عبيد الله ابن زياد على الكوفة، ليمثّل الدور الذي مثّله أبوه زياد مع البقية الباقية من الشيعة، فسجن ما طاب له وقتل وصلب وقطع الأيدي والأرجل.

مظلومية الصحابة والتابعين من الشيعة:

لم يأمن من القتل والتنكيل والإيذاء حتّى الشيعة من أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقُتل حجر بن عدي صحابي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّه أبى أن يشتم علياً(عليه السلام).

وصُلِبَ رشيد الهجري وقطعوا يديه ورجليه ولسانه ; لأنه أبى لعن الإمام علي(عليه السلام).

وذُبح قنبر مولى أمير المؤمنين(عليه السلام) ; لأنّه لم يتبرّأ من الإمام(عليه السلام).

كما قُتِلَ وهُجِّر الكثير من الصحابة والتابعين كسعيد بن جبير، كميل بن زياد و... لتشيعهم وموالاتهم وتبعيّتهم لأهل البيت(عليهم السلام).

ومن هذا المنطلق، ونظراً للأدلّة الساطعة من الكتاب والسنّة، اتّخذ "محمّد جنابعالي ملاّ" قراره النهائي وأعلن استبصاره عام 1405هـ (1985م) متمسّكاً بحبل الله المتين المتمثل بالنبيّ المصطفى وأهل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


الصفحة 315

(68) محمّد شفيق الإسلام

(حنفي / بنغلادش)

ولد سنة 1387هـ (1968م) في "منشي غنج" في دولة "بنغلادش"، أكمل الدراسة الإعدادية، وحاز على شهادة الدبلوم، له جملة من النشاطات الاجتماعية والسياسية، وهو نشط في التبليغ الديني وخاصة بعد استبصاره، له كتاب حول دور الأئمّة(عليهم السلام) في إحياء الدين.

تعرّفه على أئمة أهل البيت(عليهم السلام) :

يقول "محمّد": كان لي صديق اهتدى إلى مذهب آل البيت(عليهم السلام) صار من الشيعة الموالين للرسول وآله من المعصومين صلوات الله عليهم.

ثمّ دعاني إلى دراسة مذهب الشيعة، والتعرّف على آل البيت المعصومين(عليهم السلام).

ومن هذا المنطلق جرت بيننا حوارات طويلة، ثمّ حضرت معه الجلسات الدينية التي كان يعقدها أصدقاؤه الشيعة، وبحثت معه العديد من المسائل الخلافية، فشوّقني البحث إلى اكتشاف حقائق جديدة لم يسبق لي التعرّف عليها ثمّ راجعت هذه البحوث في كتب الشيعة والسنة، واستفدت من كتب المستبصرين فتبيّن لي بعد فترة من الزمن أنّني كنت مقصّراً في حقّ آل البيت المعصومين(عليهم السلام)


الصفحة 316

الذين دعانا الرسول للتمسّك بهم مع القرآن، فما كان مني إلاّ أن أُعلن ولائي المطلق لهم دون غيرهم ; لأنّهم قوم لا يقاس بهم أحد، لهم العصمة، والإمامة بعد الرسول وهم بعدُ أهل الفضائل والمناقب والكرامات، ثمّ أعلنت استبصاري سنة 1993م في "نماز يبور".

آل البيت(عليهم السلام) محور الإسلام:

قام الدين الإسلامي وحافظ على وجوده بفضل جهود آل البيت(عليهم السلام)، فهم العمود الفقري الذي حمل هموم الإسلام، وهم الصفوة المختارة التي اصطفاها الله تعالى، وهم الكلمة الباقية في نسل إبراهيم ، أسّس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الإسلام وكان علي(عليه السلام) إلى جانبه من اليوم الأوّل يدافع عنه بكل ما أوتي من قوة.

قالت فاطمة الزهراء(عليها السلام) حول أهل البيت(عليهم السلام) وهي تخاطب الصحابة في خطبتها المشهورة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : "... فاتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون، ولا تتولّوا مدبرين، وأطيعوه فيما أمركم ونهاكم، فإنّما يخشى الله من عباده العلماء، فاحمدوا الله الذي بعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة، فنحن وسيلته في خلقه، ونحن آل رسوله، ونحن حجّة غيبه، وورثة أنبيائه".

ثمّ قالت وهي تشيد بجهود أبيها وبعلها في خدمة الإسلام، وتصف حال الصحابة في تلك الأيام الصعبة: "أنا فاطمة وأبي محمّد، أقولها عوداً على بدء، وما أقول إذ أقول سرفاً ولا شططاً {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}(1).

إن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم، بلغ النذارة، صادعاً بالرسالة، ناكباً عن سنن المشركين، ضارباً لأثباجهم، آخذاً

____________

1-التوبة (9) : 128.


الصفحة 317

باكظامهم، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يجذ الأصنام، وينكت الهام، حتّى أنهزم الجمع، وولّوا الدبر، وحتّى تفرّى الليل عن صبحه، وأسفر الحقُّ

عن محضه، ونطق زعيم الدين، وهدأت فورة الكفر، وخرست شقاشق الشيطان، وفهتم بكلمة الإخلاص.

وكنتم على شفا حفرة من النار، فانقذكم منها نبيّه، تعبدون الأصنام، وتستقسمون بالأزلام، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الرنق، وتقتاتون القدة، أذلّة خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم بنبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد اللتيا والتي، وبعد ما ميني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ}(1)، أو نجم قرن الضلالة، أو فغرت فاغرة المشركين قذف أخوه في لهواتها، لا ينكفيء حتّى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بحده، مكدوداً في ذات الله، قريباً من رسول الله، سيداً في أولياء الله، وأنتم في بلهنية آمنون، وادعون فرحون، تتوكفون الأخبار، وتنكصون عند النزال على الأعقاب، حتّى أقام الله بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) عمود الدين"(2).

وبعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) واصل علي(عليه السلام) نهجه رغم تغلّب أهل الباطل على السلطة، فصبر ومنع المنافقين من استغلال الفرصة في القضاء على أصل الإسلام مثل أبي سفيان الذي كان رأس الكفر، ثمّ صار من رؤوس المنافقين حيث جاء إليه(عليه السلام)، اقترح عليه أن يكون معه فيما لو أراد أن يعيد حقه المغصوب في الخلافة(3).

ثمّ عادت الخلافة الظاهرة إلى الإمام علي(عليه السلام) فجاهد الناكثين والقاسطين

____________

1-المائدة (5) : 64.

2-دلائل الإمامة: 113 ـ 115.

3-راجع كنز العمال 5: 653، ح14144، و657، ح14156، تاريخ مدينة دمشق 23: 464 ـ 465.


الصفحة 318

والمارقين، وعلّم الناس حقيقة التأويل بعد أن بيّن الرسول محكم التنزيل.

وهكذا كان دور الإمام الحسن(عليه السلام) في الصلح مع معاوية بعد أن تبيّن ضعف المسلمين عن الجهاد ضدّ بني أُميّة الشجرة الملعونة في القرآن، حيث حافظ على الإسلام والمسلمين بهذا الصلح الذي لو لا انعقاده لقضى معاوية على أصل الدين كما ظهرت نيّته على ذلك في بعض فلتات لسانه(1).

وأما ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) فقد أوضحت نهج الإسلام عندما يكون على أمة وال مثل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان يشرب الخمور وينتهك الحرمات.

فبمثل هؤلاء حفظ الله الإسلام.

وواصل بقية الأئمّة من آل البيت(عليهم السلام) النهج الإسلامي نفسه بتبيين الأحكام، وهداية الناس، وتهيئة الناس لانتظار الفرج.

ثمّ إن لله وعداً أن يرث المستضعفون الأرض، وأن تملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً على يد الحجّة بقية الله من آل البيت(عليهم السلام) .

فبأهل البيت(عليهم السلام) بدأ الله وبهم يختم، وهم خيرته وموضع رسالته، فمن لحق بهم نجى، ومن تخلّف عنهم هوى كائناً من كان، صحابياً كان أو تابعياً، من المتعبّدين كان أو من المجاهدين، فبدون ولايتهم تحبط أعماله، وبدون الصلاة عليهم يضيع دينه.

مواجهة الواقع:

وجد "محمّد" أنّ من يستبصر فإنّما يستبصر لنفسه، ومن يهتدي بآل البيت(عليهم السلام) فإنّما يهتدي لنفسه، فكان من جميل التوفيق له، أن تعرّف على المعصومين الأربعة عشر وهم آل البيت(عليهم السلام) واهتدى بهديهم، ثمّ سعى في تبليغ ذلك للناس حتّى اهتدى بهديه العشرات وتمسّكوا بحبل الله، وركبوا سفينة النجاة.

____________

1-راجع شرح نهج البلاغة 5: 129.


الصفحة 319

(69) محمّد عبد الجبار

(شافعي / بنغلادش)

ولد عام 1395هـ (1976م) في مدينة "راجشاهي"، واصل دراسته حتّى حصل على شهادة الماجستير في المعارف الإسلامية من جامعة راجشاهي ـ بنغلادش، كما أنّه درس العلوم الدينية في إحدى مدارس أهل السنة، عمل بمدّة تسع سنوات داعية إسلامي، وكان إمام جماعة في عدّة مدارس، وهو يجيد أربع لغات: العربية، البنغلادشية، الإنجليزية والفارسية.

الاستبصار على أثر مطالعة الكتب:

يقول "محمّد عبد الجبار" استغرق بحثي المقارن بين السنة والشيعة مدّة عشرة سنوات، وبدأت البحث بمعيّة صديقي محمّد عبد القيوم، وكان معظم اعتمادنا على قراءة كتب الفريقين.

وواصلنا البحث حتّى التقينا بمبلّغ شيعي وافد من إيران، فعقدنا معه جلسات عديدة للبحث والحوار حول المسائل الخلافية ولاسيّما حديث الغدير، وحديث العشرة المبشّرة بالجنّة، ومسألة عدالة الصحابة، وإيمان أبي طالب، وآية الوضوء و...


الصفحة 320

حذّرونا علماؤنا من الحوار مع الشيعة:

يضيف "محمّد عبد الجبار" لقاءاتنا مع المبلّغ الشيعي أدّت إلى نوع من الحساسية، وأثارت هذه المسألة العديد من التساؤلات حولنا حتّى حذّرنا علماء منطقتنا من كثرة الاحتكاك بهذا العالم الشيعي.

ولكننا تعجّبنا من تحذيرهم، وقلنا لعلمائنا: ما هو الداعي لعدم التعرّف على عقائد من يخالفوننا في العقيدة؟! ولماذا تخشون علينا ونحن بجواركم؟! فإذا واجهنا شبهة فسنعود إليكم لتزيلوها عنّا.

وانّما يُخاف على من يلتقي بمن يخالفه في العقيدة وليس بجنبه عالم يرشده إلى الطريق الصحيح، فيلتبس عليه الأمر، ويقع في شرك الشبهات، فيضلّ عن دينه.

كما أنّنا لسنا بعيدين عن الساحة العلمية، بل نحن من طلبة العلوم الدينية، درسنا المذهب السني أكثر من عشرة سنوات، وعملنا في مجال الدعوة الإسلامية فترة طويلة، وبحثنا في العقائد كثيراً، فنحن أحقّ من غيرنا لمعرفة الفرق الإسلامية الأخرى للردّ عليها، ومعرفة أسباب انحرافها عن جادّة الحقّ، وما يدريكم لعلّنا هدينا هذا المبلغ الشيعي، وجعلناه من أتباع أهل السنة!

ولكن بيّن علماؤنا لنا بأنّ المدّ الشيعي يتّسع يوماً بعد آخر، وقد استبصر الملايين في السنوات الأخيرة، وألّفوا العديد من الكتب في هذا المجال، ولكننا لم نجدّ شيعياً واحداً أصبح من أتباع أهل السنة كاملة، وألّف كتاباً في مجال تغيير انتمائه المذهبي!

تراكم الإشكالات العقائدية:

كان المبلّغ الشيعي يطرح الأسئلة والإشكالات على "محمّد عبد الجبار" ويطلب منه الأجوبة والحلول، ويعطيه المجال الواسع والوقت الكافي للعثور على