المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 321

الأجوبة، وكان "محمّد عبد الجبار" يأخذ الأسئلة والإشكالات إلى أساتذته وكبار علماء أهل السنة فلا يسمع منهم سوى التحذير من الحوار مع الشيعي.

ومن هذا المنطلق تراكمت الإشكالات عند "محمّد عبد الجبار" وصديقه مما دفعهما هذا الأمر إلى البحث بأنفسهم في بطون كتب أهل السنة.

ولكن كانت النتيجة في نهاية المطاف أن أعلن "محمّد عبد الجبار" استبصاره مع صديقه عام 1995م، ثمّ سافرا إلى إيران معاً، والتحقا بالحوزة العلمية في مدينة قم لينهلوا من علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) .

مؤلفاته بعد الاستبصار:

توفّرت لـ"محمّد عبد الجبار" بعد الاستبصار فرصة الحديث مع أقربائه وأصدقائه للتعريف بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) فتأثّر بكلامه البعض وابتعد عنه البعض الآخر، ففكّر "محمّد عبد الجبار" بتدوين الأدلة التي دفعته للاستبصار لينشرها في كتاب، ويتمكّن من إيصال صوت الحق إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

الكتب التي ألّفها:

1 - حياة رسول الله منذ الطفولة إلى ما قبل الهجرة.

2 - حاجة المجتمع إلى وجود الإمام.

3 - الصلاة والسلام في المجتمع.

وترجم "محمّد عبد الجبار" الكتب التي اعتقد بقدرة تأثيرها على أبناء بنغلادش، منها:

1 - تفسير القرآن، محسن قراءتي.

2 - التبليغ، محسن قراءتي.

3 - دور الأئمّة في إحياء الدين، مرتضى العسكري.

ولا يزال "محمّد عبد الجبار" مستمر في عملية ارتقاء مستواه العلمي من جهة، ونشر علوم محمّد وآل محمّد من جهة أخرى.


الصفحة 322

(70) محمّد عبد القيوم

(شافعي / بنغلادش)

ولد عام 1378هـ (1959م) ببلدة "نوابكنج" في "بنغلادش"، ثمّ عاش في أجواء أملت عليه الانتماء إلى المذهب الشافعي، فتأثّر بهذه الأجواء المحيطة به، ويقي متّبعاً عقيدة أسلافه حتّى أملت عليه الأدلّة تغيير أنتمائه المذهبي وتحوّل إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

لمحة عن نشاطه العلمي:

واصل "محمّد" دراسته حتّى حاز على شهادة الماجستير في المعارف الإسلامية، كما واصل دراسته الدينية حتّى تخرّج من الجامعة العالية في بنغلادش، وحاز على شهادة "البكالوريوس".

واصل "محمّد" نشاطه الديني في الصعيد الاجتماعي، ومارس دوره بالتبليغ في المساجد، ويصلّي صلاة الجمعة لمدّة 9 سنوات في أحد المساجد.

يقول "محمّد": كان لأحد المستبصرين اللذين مَنَّ الله عليهم بنور الهداية المحمدية نشاط بارز في بلدتنا، حيث كان يجمع الشباب ويطرح عليهم جملة من المسائل العقائدية ويوجّه لهم العديد من الأسئلة ويحفزّهم على البحث عن إجابتها، ثمّ يعينهم في وصولهم إلى الإجابة.


الصفحة 323

فكانت هذه الأسئلة تدفعنا إلى الاستفسار من أساتذتنا وعلمائنا، ولكنّنا كنّا نواجه منهم التعامل الشديد والمواجهة الحادّة والتحذير من مجالسة اللذين يزرعون الشكوك والشبهات في نفوسنا إزاء معتقدات أسلافنا.

ومن هنا شعر "محمّد" بأن أسسه العقائدية تفتقر إلى الدليل والبرهان، وأنّها لا تستطيع النهوض في مقابل الأسئلة الموجّهة إليها، فانكشف له ضعف معتقداته، وهذا ما دفعه إلى البحث والتحقيق في المجال العقائدي، فاستمر في البحث لمدة عشر سنوات ; لأنّه وجد بأنّ الأُسس العقائدية تستحق أكبر قدر ممكن من العناء والاهتمام، فسلك هذا الطريق وسعى جاهداً في أنقاذ نفسه من التيه والتخبّط في الصعيد العقائدي.

فانهالت عليه الشكوك كلما تهاون عن بعضها ووجد ما هو أعظم فيها، ولكنّه تمكّن خلال البحث من العثور على الإجابة الصحيحة والتخلّص من اجتياز الموانع التي واجهته في طريق البحث، ومن هنا عرف بأنّ أُسس عقائده كانت غير مبنية على الأدلّة والبراهين الصحيحة.

ومن جملة المسائل التي اهتم بها "محمّد" خلال بحثه هي مسألة عدالة الصحابة التي تعتبر عند أهل السنة من المسائل التي تحيطها حالة من القداسة لا يمكن المساس بها والتي لا يشوبها شائب.

عدالة الصحابة حقيقة أم ترهات:

بدأ "محمّد" في دراسة معمّقة في تاريخ الصحابة لعله يجد مفراً من حيرته ويجد ما يُرجع له توازنه الفكري المفقود لكنّه رجع يجر أذيال الخيبة عندما شاهد في التاريخ حقائق عن الصحابة غيرت نظريته عنهم، وتبعاً لذلك سلبت منه قيمة المذهب الذي كان ينتمي إليه، وعرف تباين اراء المذهبين حول عدالة الصحابة ورأى بأنّ مذهب أتباع أهل البيت(عليهم السلام) يذهب إلى عدالة من استقام في طريقه ولم


الصفحة 324

يتبع الهوى في حياته، وذهب جمهور أهل السنة إلى عدالة كلّ صحابي كائناً من كان حيث يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة ما لفظه "... للصحابة رضي الله عنهم أجمعين خصّيصة، وهي أنّه لا يُسأل عن عدالة أحد منهم، وذلك أمرٌ مسلّم عند كافة العلماء ; لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الشرع ومن الكتاب والسنّة "(1).

لكننا عندما نتأمل في القرآن والسنّة نجد مدى صحّة ما يدعيه ابن حجر، فمن الآيات النافية لعدالة الصحابة المطلقة قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم}(2)، فقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عبّاس في تفسير الآية الكريمة قال: قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الجمعة خطيباً فقال: "قم يا فلان أخرج فإنّك منافق... فأخبرهم بأسمائهم ففضحهم"(3).

ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(4)، فقد ذكر جُلّ المفسرين أنّها نزلت في الوليد بن عقبة، منهم القرطبي نقلاً عن سعيد عن قتادة.

أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث الوليد بن عُقبة مصدقاً إلى بني المصطلق، فلمّا أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم ـ في رواية لاحنة كانت بينه وبينهم ـ ، فرجع إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبره أنّهم قد ارتدّوا عن الإسلام.

فبعث نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد وأمره أنّ يتثبّت ولا يعجل، فانطلق خالد

____________

1-الإصابة 1: 17.

2-التوبة (9) : 101.

3-الدرّ المنثور 3: 486.

4-الحجرات (49) : 6.


الصفحة 325

حتّى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه فلمّا جاؤوا أخبروا خالداً أنّهم متمسّكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلمّا أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره، فنزلت هذه الآية، فكان يقول نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "التأني من الله والعجلة من الشيطان".

وفي رواية: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه إلى بني المصطلق بعد إسلامهم، فلمّا سمعوا به ركبوا إليه، فلمّا سمع بهم خافهم، فرجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوا صدقاتهم فهمّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بغزوهم، فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة، فاستمر راجعاً وبلغنا أنّه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا لذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، وسمي الوليد فاسقاً أي كاذباً(1).

وكذا ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة ما نصهُ:

"الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويّ، أخو عثمان بن عفان لأمّه، أُمهما أروى بنت كريز ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمُها البيضاء بنت عبد المطلب، يكنى أبا وهب.

قُتل أبوه بعد الفراغ من غزوة بدر صبراً، وكان شديداً على المسلمين، كثير الأذى لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ; فكان مّمن أُسر ببدر، فأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقتله ; فقال: يا محمّد، من للصبية! قال: "النار"، وأسلم الوليد وأخوه عمارة يوم الفتح، ويقال: إنّه نزل فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا...}(2).

قال ابن عبد البر: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أنّها نزلت فيه ;

____________

1-الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 15 ـ 16: 204.

2-الحجرات (49) : 6.


الصفحة 326

وذلك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه مصدقاً إلى بني المصطلق، فعاد، فأخبر عنهم أنهم ارتدُوا ومنعوا الصدقة، وكانوا خرجوا يتلقونه وعليهم السلاح، فظنّ أنّهم خرجوا يقاتلونه، فرجع، فبعث إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد فأخبره بأنّهم على الإسلام ; فنزلت هذه الآية.

قال مصعب الزبيري: وكان من رجال قريش وسراتهم، وقصةُ صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة مخرجة، وقصةُ عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين، وعزله عثمان بعد جلده عن الكوفة، وولاها سعيد بن العاص"(1).

وكذا أخرج البخاري عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "...يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله... إلاّ وأنّه يجاء برجال من أمتي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا ربّ أصيحابي فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك".

فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}(2).

فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم"(3).

الاستبصار بعد تجلي الحقيقة:

عندما تجلّت الحقائق لـ"محمّد" نتيجة غربلته لمعتقداته الموروثة، وعرف زيف ما يدعيهم علماؤهم، وكيف أنّهم رغم وجود الأدلّة الهائلة التي توضح لهم الطريق أزاحوا الناس عن الصراط المستقيم تلبية لأهوائهم ومطامعهم ومصالحهم الشخصية و...

____________

1-الإصابة في تمييز الصحابة 6: 481.

2-المائدة (5) : 117.

3-صحيح البخاري 3: 188 باب وكنت عليهم شهيداً.


الصفحة 327

وعندما أنزاحت الستائر عن أبصار "محمّد" وأضاء الله بصره بنور الإيمان وانتهل منه ما يروي ضمأه المتعطش، التحق بركب آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وسار في ظل رايتهم نحو الأهداف الدينية السامية.


الصفحة 328

(71) محمّد معين الدين

(حنفي / بنغلادش)

ولد عام 1389هـ (1970م) في بنغلادش بمدينة "وإلاّ"، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، واصل دراسته حتّى نال شهادة الماجستير في الرياضيات.

منطلق البحث العلمي:

يقول "محمّد معين الدين": كنت منتمياً لإحدى الأحزاب الإسلامية في بلادي، فشغل بالي ذات فترة أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام، فسألت علماء بلادنا عن هذه المسألة، فأجابوني بأجوبة لم اقتنع بها، وبقي فكري مشغولأ بها فترة طويلة من الزمن، حتّى صادف مجيء شخص شيعي إلى منطقتنا لعمل تجاري، فالتقيت به وجرى الحديث بيننا في هذا المجال.

يضيف "محمّد معين الدين": من خلال حواري مع الشيعي تعرّفت على حقائق تاريخية وعقائدية لم أسمع بها من قبل أبداً، فاهتزّ وجودي من الأعماق، وعرفت بأنّني ضحية التحريف والتزوير الذي تلاعب بالحقائق على مرّ العصور، فقرّرت البحث بنفسي والتنقيب عن الحقائق لوحدي، ومن هنا بدأت رحلتي في البحث عن الحقيقة.


الصفحة 329

أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام:

بقي "محمّد معين الدين" بعد لقائه بذلك الشخص الشيعي متعطّشاً لمعرفة الحقّ، فواصل دراسته انطلاقاً من التساؤل الأوّل الذي طرأ على باله، وهو: ما هي أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام.

بذل "محمّد معين الدين" غاية جهده في هذا الصعيد حتّى تبيّن له بأنّ من أهم أسباب ضعف العالم الإسلامي هو مخالفة المسلمين لأوامر الله تعالى في خصوص اتباع الثقلين اللذين تركهما رسول الله من بعده ليكون الالتزام بهما سبباً لعدم الوقوع في أودية الضلال، وهذان الثقلان هما القرآن والعترة.

وعرف "محمّد معين الدين" بأنّ الله تعالى لم يترك الأُمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سُدى، ولم يحرم الناس من وجود حُجّة بينه وبينهم، إلاّ أن يحرم الناس أنفسهم منها.

وقد أشار أئمة أهل البيت(عليهم السلام) إلى هذه الحقيقة، فقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ الله عزّ وجلّ أجلّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام"(1).

بداية تعرّفي على أئمة أهل البيت(عليهم السلام) :

عرف "محمّد معين الدين" خلال بحثه عن أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام بأنّه يحتاج إلى معرفة الإسلام ليعرف أولاً هل المسلمون التزموا بالإسلام ومع ذلك وقعوا في دائرة الحرمان الحضاري، أم أنّهم لم يلتزموا به فكانت نتيجتهم التخلّف والانهيار؟

ومن هنا بحث "محمّد معين الدين" عن الضمانات التي تركها رسول الله من بعده والتي يؤدّي التمسّك بها إلى عدم الانحراف عن جادة الصواب، فتوصّل إلى هذه النتيجة، بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أكدّ كثيراً على التمسّك من بعده بالأئمّة الاثني عشرمن أهل بيته، ولكن المسار الذي سار عليه المسلمون والحكومات الجائرة

____________

1-بصائر الدرجات: 485، ح3.


الصفحة 330

التي استلمت دفّة الحكم بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لا سيما بني أُميّة وبني العبّاس حاربوا أئمّة أهل البيت، وأوجدوا العديد من الحواجز والموانع بينهم وبين المسلمين.

لماذا اهتم رسول الله بأهل بيته:

أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، باب الناس تبعاً لقريش، بسنده عن حصين، عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعته يقول:"إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيها اثنا عشر خليفة".

قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي علي، قال: فقلت لأبي ما قال؟

قال: "كلّهم من قريش"(1).

وقال ابن حجر الهيتمي في "صواعقه": وجاء من طرق كثيرة يقوّي بعضها البعض... "ألا أنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق..."(2).

يقول "محمّد معين الدين" من الأُمور الأُخرى التي حفّزتني على البحث، أنّني واجهت العديد من أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الدالة على انقسام الأُمة من بعده إلى العديد من الفرق التي لا ينجو منها إلاّ واحدة، فعرفت خطورة الأمر الذي أنا فيه، وعرفت أن المشكلة الحقيقية ليست البحث عن أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام، بل الأهم من ذلك أنّ المسلمين ـ كما بيّن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ انقسموا إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة!!(3)

ثمرة البحث:

إنّ البحث الذي بدأه "محمّد معين الدين" عن أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام، أخذ بيده للبحث عن الفرقة الناجية، ومن هنا وجد "محمّد" نفسه يدنو خطوة خطوة نحو التمسّك بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وتكاملت الأسباب حتّى أعلن استبصاره عام 1412هـ (1992م).

____________

1-صحيح مسلم ج6، كتاب الإمارة، باب الناس تبعاً لقريش.

2-الصواعق المحرقة: 352.

3-مسند أحمد 3: 120، باب مسند أنس بن مالك.


الصفحة 331

(72) أحمد أبو بكر

(مالكي / بنين)

ولد سنة 1392هـ (1973م) في مدينة "بوكو" في دولة بنين الأفريقية، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب المالكي، درس في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في غانا، ثمّ درس في الحوزة العلمية بقم بعد استبصاره.

في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) :

يقول "أحمد": سافرت إلى الكثير من البلدان الأفريقية، وتعرّفت على العديد من الأشخاص، وكان يهمّني دائماً الحضور في المساجد والمجالس الدينية.

وفي إحدى السفرات، ذهبت إلى مدينة "باكو" والتقيت بعدد من الشيوخ الذين درسوا في الحوزة العلمية في قم المقدسة، فجرى بيننا حوارات شيّقة فنالت بحوثهم إعجابي، فلّما رأوا اشتياقي إلى الإلمام بالعلوم والمعارف التي يعرضونها، اقترحوا عليّ الدراسة في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، فقبلت ذلك.

وفي مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) درست وطالعت العديد من الكتب، وكانت هذه الكتب كلّها جديدة عليّ لم يسبق لي قراءتها، أو التفكير بمضامينها، ثمّ تعرّفت من خلال هذه الكتب على تاريخ الإسلام، ومختلف عقائد المذاهب الإسلامية، وخاصة المذهب الجعفري الذي لم نسمع به من قبل في بيئتنا، لكن كنّا قد سمعنا


الصفحة 332

بعض الشيء عن الإمام علي(عليه السلام) وبعض الأئمّة من ولده(عليهم السلام).

وكان ما قرأته في هذه الكتب محكماً ومستدلاًّ عليه من القرآن الكريم والسنة الشريفة، وإن كان مختلفاً في كثير من الأحيان مع معتقداتي وتصوراتي عن الإسلام التي تلقيتها من بيئتي التي عشت فيها سابقاً، ولكنني بدأت بالدراسة الجدّية للأمر، فاتّضحت لي الكثير من الحقائق التي لم أجد أحداً من علمائنا يشير إليها ولو على نحو الإجمال.

لقد عرفت من خلال مطالعاتي ودراستي أنّ الكثير من الحقائق التاريخية كتبت بصورة مقلوبة وأنّ العديد من الشخصيات الدينية وصفت بالعظمة والقداسة وهي لا تستحق إلاّ اللعن، أمثال معاوية ويزيد.

كما أطّلعت على أهم المسائل الخلافية بين المسلمين كالإمامة، وكذلك الخلافات الفقهية كالوضوء وغيره، وفهمت استدلال كلّ فرقة فيها، ساعياً في ذلك مطالعة الكتب الأصلية لهم، فتبيّن لي بعد البحث أنّ مذهب العترة هو المذهب الصحيح لوصية الرسول بالتمسّك بالقرآن والعترة معاً في حديث الثقلين.

ومن هذا المنطلق أعلنت استبصاري وأشهرت ولايتي للأئمة المعصومين(عليهم السلام) عام 1993م، في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وتبعني في ذلك أفراد أُسرتي والعديد من أصدقائي بعد مناقشات جرت بيني وبينهم، بيّنت لهم من خلالها معالم الحق وأركان الدين.

من الذي يكتب التاريخ:

يقال: إنّ التاريخ يكتبه الفاتحون.

وهذه المقولة صادقة في كثير من حقب التاريخ، كما يذعن بها الباحثون في التاريخ.

ولا تصدُق هذه المقوله كما صدقت على تاريخ صدر الإسلام، حيث كُتب


الصفحة 333

هذا التاريخ وفق أهواء قريش وخاصة بني أمية الذين حاربوا الإسلام من أوّل يوم، لكن المفارقات المبكية المضحكة، والمخازي العظيمة التي ارتكبها أعداء الإسلام من قريش وأتباعهم جعلت الإسلام المنتصر ملعبة بيد أعدائه يحرّفونه كما يشاؤون، ويملكون الناس باسمه.

ولولا جهاد آل البيت(عليهم السلام) لما بقي للإسلام بقية، حيث فضحوا مؤامرات أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين الذي لبسوا الإسلام لبس الفرو مقلوباً، كما حافظ أهل البيت(عليهم السلام) على أصل الدين الإسلامي مقابل كيد أعدائه حيث كلّفهم ذلك التضحيات الجسام كالقتل والتشريد والسجون و...

لكنّ الأمر الذي زاد في الطين بلّة هو أنّ قريش وخاصة بني أُمية ادّعوا الإسلام واتخذوه وسيلة لنيل مآربهم الدنيئة بعد أن ضيّع المسلمون ولاتهم الحقيقيين، فدين عظيم كالإسلام لابدّ أن يقوده من عيّنه الرسول العظيم من أولي السابقة فيه، لا أبناء الطلقاء الذين عفا عنهم الرسول الكريم، وأنفق الأموال الطائلة لتآلفهم وتثبيتهم على الدين.

لكنّ الذي حصل بعد وفاة الرسول الكريم هو السيطرة على الحكم من قبل من لم يختاره الله سبحانه ولم يعيّنه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وزعمت هذه الفئة المتغلّبة الحفاظ على مصلحة الإسلام، فكانت النتيجة أن يستلم معاوية قيادة المسلمين بعد ثلاثين سنة من وفاة الرسول ليسعى في هدم الإسلام عروة عروة وليكتب تاريخ الإسلام كما يحلو له، وليضع الأحاديث كما تشاء أهواؤه، فيرفع من لافضلية له، ويسعى في الحطّ من شأن أصحاب المناقب.

لكنّ الدين دين الله بقى خالداً بجهود حماته من آل البيت(عليهم السلام) صفوة الله، وذهبت قريش وبنو أُمية بالمخازي إلى نار جهنم، لكن من المؤسف أنّهم تركوا أذناباً جعلوا الدفاع عن بني أُمية ديناً لهم، والنصب لأهل البيت(عليهم السلام) وسيلة لضرب الإسلام الأصيل باسم الإسلام، يخرجون في كلّ جيل من الناس، فيعبثون في


الصفحة 334

الأرض الفساد، ويهلكون الحرث والنسل، فهم داء دويّ أعدّه الشيطان اللعين لمحاربة الإسلام والمسلمين إلى أن يشاء الله سبحانه أن يرث الأرض المستضعفون على يد الحجّة المنتظر(عليه السلام) فيهلكهم ويبيدهم عن آخرهم في الدنيا قبل عقاب الآخرة.

شخصية معاوية الحقيقية:

عندما ظهر الإسلام وبادر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الدعوة، كان معاوية من جملة المحاربين للإسلام، فهو من أبناء الجاهلية، ومن بني أُمية الشجرة الملعونة في القرآن، وابن أبي سفيان قائد قريش المعادي للإسلام، وابن هند التي لاك فوها كبد حمزة عمّ النبي الشهيد في حرب أحد، فمثل هذا الشخص صار بعد ذلك أمير المؤمنين، وخالاً لهم، كاتباً للوحي بقلم من ذهب أنزله جبرئيل(1)!! وصار من أصحاب الفضائل، وكتبت في شأنه كتباً تصفه بالحلم والدهاء والكرم و... ولكّنه كان سفيهاً من أهل الغدر والفجور، وصعلوكاً لا مال له وعندما هيمن على بيت مال المسلمين بدأ يعطي هذا وذاك ليصل إلى التأمر على الناس.

إنّ حلم معاوية المدّعى له لم يكن حلماً في الواقع، وإنّما كان تصنّعاً منه لسياسة الناس واستجلاب طاعتهم، وكان معاوية يستخدم الإرهاب، ومن نماذج إرهابه أنّه أرسل قواده لإخافة أهل المدينة وأهل اليمن وأهل العراق بارتكاب المجازر، وسفك الدماء المحرمة، فقُتل من الصحابة أشرافهم في الحرب اغتيالاً وصبراً، كعمّار بن ياسر الذي قال عنه النبي: "تقتله الفئة الباغية"(2)، وكحجر بن عدي الكندي الذي قتله صبراً وتعذيباً في أيام تسلّطه على الناس بعد انتهاء الحروب ومع ذلك نجد اليوم من يترحّم على معاوية، ويتولاّه ويصف مخازيه

____________

1-سير أعلام النبلاء 3: 129.

2-صحيح البخاري 3: 207، مسند أحمد 3: 91، البداية والنهاية 3:؟؟؟؟


الصفحة 335

بالبطولات، أو نجد من يدافع عنه ويتأوّل له نصباً لأهل البيت(عليهم السلام) الممتحنين، أو تعصباً لمذاهب ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد اعترف معاوية في أكثر من موطن بأنّه ارتكب ما ارتكب من أجل الاستيلاء على الحكم، وقد اعترف بلسانه أنّه لا حلم له وإنّما يتصنّعه تصنّعاً.

روي عنه أنّه لما قدم المدينة حاجّاً، فسمع الصوت في دار عثمان: "يا أمير المؤمنيناه، يا أمير المؤمنيناه.

فقال: ما هذا؟

قالوا: بنت عثمان تندب عثمان.

فصرف الناس"، ثمّ ذهب إليها فقال: يا ابنة عم، إنّ الناس قد بذلوا لنا الطاعة على كره، وبذلنا لهم حلماً على غيظ!!، فإن رددنا حلمنا ردّوا طاعتهم، ولأن تكوني بنت أمير المؤمنين خير من أن تكوني واحدة من عرض الناس، فلا سمعناك بعد اليوم ذكرت عثمان"(1).

فهذا اعتراف منه أنّه كان يظهر الحلم وباطنه يغلي غيظاً، أظهر الحلم ونسي عثمان الذي ادعى أنّه يطلب دمه، فاشتهر في الناس قميص عثمان للحجّة الكاذبة، والشعار المزيّف، لكنّه وجّه حقده بعد تمكّنه من السلطة إلى كلّ إنسان شريف، فحارب الشيعة ومحى أسماءهم من الديوان وهم أهل الدين، وعنوان الشرف ثمّ أمر ولاته بقتل الشيعة في كل مصر، وضيقوا عليهم العيش والسبل، فأين كان حلمه المدعى؟!

هذه هي خصال معاوية وأمثاله كثير في صدر الإسلام، تولاّهم الناس جهلاً منهم وهم يظنوا بذلك أنّهم يوالون الدين وأهله، ويلزمون الحقّ وأنصاره، وما علموا أنّ سياسيات الملوك تقتضي ما تقتضي ولو كان كفراً يظهرونه على أنّه الدين أو خزياً يظهرونه على أنّه الفضيلة، وهكذا تربّت الأجيال مخدوعة، وهكذا مرّت

____________

1-أمير المؤمنين معاوية بن سفيان لابن تيميّة: 49.


الصفحة 336

المئات من السنين والحقّ مطمور بلفائف الباطل وأحابيل الشيطان ولكن رغم هذا الكم الهائل من التضليل، فقد جعل الله تعالى الحق واضحاً لمن يسعى ويجاهد من أجل الوصول إليه.

وكان "أحمد أبو بكر" ممّن جاهد في هذا السبيل، ولهذا وفّقه الله تعالى لمعرفة الحق والتمسّك بالولاية التي هي حصن الدين، من تمسّك بها أمن من عذاب الله ودخل جنته.


الصفحة 337

(73) عبد المؤمن عمر

(وهابي / بنين)

ولد عام 1387هـ (1968م) في "عيس ـ صد" بدولة بنين، درس في المدرسة الأكاديمية إلى مرحلة الإعدادية، ثمّ التحق بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)الواقعة في مدينة "باراكو"، فتتلمذ عند الأستاذ الشيخ داود إبراهيم ، والشيخ عبد العزيز عيس، والشيخ السيوطي، وكان هؤلاء الأساتذة ممّن درسوا مدّة تسع سنوات في إيران، في مدينة قم، الدروس الدينية، وكانوا من خريجي الحوزاة العلمية.

يقول "عبد المؤمن عمر": التحقت بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) بغية طلب العلم، ولم تكن لديّ أية معرفة بالاختلاف العقائدي والفقهي الموجود بين مختلف المذاهب الإسلامية، ولا سيما بين المذهب السنّي والشيعي.

كلّ ما كنّا نعرفه، أنّ الله تعالى خلقنا، وبعث لنا النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ليهدينا، وعلينا اتّباع شريعته، والاقتداء بسنّتة، ولهذا دخلنا المدارس الدينية لنطلب العلوم التي تقرّبنا إلى الله تعالى، ولكنّني تفاجأت بكم هائل من الاختلافات بحيث خشيت أن يؤدي استغراقي في حلّ هذا الاختلاف إلى الابتعاد عن أصل حقيقة عبودية الله تعالى، ولكنني قررت البحث بتأنّي، وبنيّة خالصة، وبتوجّه نزيه عن الرذائل ولا سيما التعصب، فكانت النتيجة أن هداني الله تعالى لاتباع أهل البيت(عليهم السلام).


الصفحة 338

آية الولاية:

يقول "عبد المؤمن عمر": تُعدّ أية الولاية من أهم أسباب استبصاري.

قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(1).

اتفق جميع علماء التفسير والحديث من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وكثير من مفسّري السنّة، على أنّ هذه الآية نزلت في الإمام علي(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه على المسكين وهو يصلّي في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قال السيوطي في الدر المنثور: أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عبّاس، قال: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): "من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع.

فانزل الله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(2).

ويقول الشيعة: بأنّ هذه الآية تبيّن بأن يكون الإمام والخليفة بعد رسول الله هو الإمام علي(عليه السلام) حيث قرن الله تعالى ولايته بولايته وولاية رسوله.

دلالات آية الولاية:

المراد من الولي في آية الولاية هو الأولى بالتصرّف ; لانّ لفظ "إنّما" في صدر هذه الآية تفيد الحصر باتفاق أهل اللغة العربية، فتكون الولاية محصورة بهم.

وأمّا سبب استعمال لفظ الجمع في خصوص الإمام علي(عليه السلام) فإنّ أهل اللغة متعارف عندهم استخدام لفظ الجمع للواحد على سبيل التعظيم والتفخيم.

وجد "عبد المؤمن عمر" بأنّ علماء أهل السنّة يصرّون على أن معنى الولي في هذه الآية هو المحبّ والناصر.

____________

1-المائدة (5) : 55 .

2-الدر المنثور 2: 293، سورة المائدة، ذيل الآية 55 .


الصفحة 339

فلو سلّمنا بذلك، فسيكون المقصود من الآية أنّ المسلمين ملزمون بمحبّة الإمام علي ونصرته، وموقف الإمام علي من خلافة أبي بكر بعد وفاة الرسول واضح، وقد امتنع الإمام من بيعة أبي بكر، وطلب العون والنصرة من المهاجرين والأنصار، وجلس في داره مخالفاً لخلافة أبي بكر، معترضاً عليها.

فلو سلّمنا بأنّ آية الولاية تأمر المسلمين بمحبّة الإمام علي(عليه السلام) ونصرته، فأين كانت محبتهم ونصرتهم له عندما امتنع عن بيعة أبي بكر، وقال: "ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين"(1).

وقال الإمام علي(عليه السلام) بعد أن أتيح له مجال إبداء الرأي: "أما والله لقد تقمّصها فلان (ابن أبي قحافة)، وهو يعلم أن محلّي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا أرى تراثي نهبا، حتّى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده...

فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كلامها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحّم، فمني الناس ـ لعمر الله ـ بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض، فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم.

فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم، حتّى صرت أقرن

____________

1-نهج البلاغة: 1: 124، رقم 74.


الصفحة 340

إلى هذه النظائر..."(1).

وإذا كان الأوائل قد التبس عليهم الأمر، أو أعمت الفتنة أعينهم، فاتّبعوا البعض على غير هدىً، فلماذا نتبعهم بعد انكشاف الأمر لنا؟

ومسألة الإمامة ليست مسألة خلافة زمنية فحسب، ليقول أحد: هل يؤدّي محنتكم حول الخلافة إلى عودة التاريخ واستبدال الخليفة الحقّ مكان الخليفة الباطل، بل المسألة مسألة معرفة المصدر الذي يعتمد عليه الإنسان لمعرفة ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأهل البيت أولى الناس بمعرفة الوحي الذي نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّهم أهل البيت، وأهل البيت أدرى بما في البيت.

ولكن مع الأسف غُصبت منهم المرجعية الدينية وأعطيت للصحابة، كما غُصبت منهم المرجعية السياسية واُعطيت للخلفاء.

وكلّ واحد منّا مسؤول يوم القيامة عن المصدر الذي يعتمد عليه في معرفة ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يخفى أنّ أهل السنّة يعتمدون على الصحابة في هذا المجال، ولهذا يؤمنون بعدالة جميع الصحابة، ولكن الواقع التاريخي يكشف أنّ الصحابة سبّ بعضهم البعض، بل قاتل بعضهم البعض، ومن أعظم من طلحة والزبير وهما من العشرة المبشرة في الجنّة ومن أعظم في الصحابة من عائشة وهي الملقبة بأمّ المؤمنين، ولكن هؤلاء خرجوا على إمام زمانهم وقاتلوه وأدوا إلى سفك دماء الأبرياء، فمن هو المسؤول عما قاموا به؟!

ويا ترى بعدمعرفة هذه الأُمور من الأفضل معرفة ما جاء به الرسول: أهل البيت(عليهم السلام) أو الصحابة؟!

ومن هنا عرف "عبد المؤمن عمر" الحقّ، فأعلن تشيّعه واستبصاره عام 1990م في مدينة باركو، وبدأ بنشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام).

____________

1-نهج البلاغة 1: 30، رقم 3، الخطبة الشقشقيّة.


الصفحة 341

(74) محمّد عبد الله

(مالكي / بنين)

ولد سنة 1402هـ (1982م) في دولة "بنين" مدينة "باكو"، ونشأ في أُسرة تنتمي إلى المذهب المالكي، أكمل دراسته الابتدائية، ثمّ أرسله والده إلى مدرسة دينية وهابية.

يقول "محمّد": كان لي صديقاً منذ أيام الطفولة، قضيت معه فترة طويلة، حتّى أنتهى بنا المطاف إلى الافتراق، وحيث كان صديقي شيعياً فلهذا ذهب إلى مدرسة الشيعة في بلدتنا تعرف بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، وحيث كان والدي وهابي المعتقد فلهذا ألحقني بمدرسة دينية وهابية، لتتسع معرفتي بالمذهب الوهابي.

وبعد فترة التقيت بصديقي الشيعي، وكان هذا اللقاء مباركاً ; لأنّه حفّزني للمزيد من التعقّل وترك التعصب الجاهلي.

اللقاء المستمر بين الصديقين:

يقول "محمّد" رأيت صديقي يتوضئ بصورة تختلف في بعض أجزائها عمّا تعلمنّاه من علمائنا، فاستغربت فاعترضت عليه وقلت له: وضؤوك هذا باطل!

فابتسم صديقي، ثمّ بدأ يبيّن لي وبكل هدوء الأدلّة التي دفعته للوضوء بهذه الصورة، فلمّا اصغيت إلى أدلتّه لم يكن لي جواباً أقدّمه إليه، ولكنني كنت واثقاً بأنّ


الصفحة 342

علمائنا أعرف بالحقّ من صديقي، ولكي لا أصاب بالهزيمة أمام صديقي، قلت له بأنّي سأبيّن لهم وسأتيك بالجواب.

وفي اليوم الثاني ذهبت إلى المدرسة وكتبت آية الوضوء على لوحة الصف، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}(1).

طلبت من الأستاذ أن يشرحها ويبيّن كيفية الاستدلال بها، فأجابني وفق ما تعلمناه سابقاً، فاعترضت عليه بتلك الأدلّة التي واجهني بها صديقي، فرد الأُستاذ بأدلّة ضعيفة جداً، فبينّت له وجه ضعفها، لكنه تذمّر، وحاول التهرّب من البحث ومن هنا بدات الشكوك تتسربّ في عقيدتي، وبدأت أقتنع بادلّة صديقي.

والذي زاد في دهشتي أنّه كيف يقع الاختلاف في الوضوء الذي مارسه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مدى حياته، وما هو منشأ وزمان هذا الخلاف وما هو الحق؟!

وعندها التقيت بصديقي الشيعي مرة أُخرى، وشرحت له ما جرى بيني وبين الأُستاذ، وقلت له بأنّني لم أصل مع الأستاذ إلى النتيجة المطلوبة. لكني مع ذلك أسعى للكشف عن الحقيقة!

فقال لي: ما رأيك أن تأتي لمدرستنا ولو لمدّة شهر واحد، عسى أن يكون هذا الأمر محفّزاً لك في معرفة الحقيقة التي تسعى للبحث عنها؟

فقبلت أقتراحه وذهبت إلى مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، وبدأت بالتحقيق حول موضوع الوضوء والمواضيع الأُخرى بشوق هائم وتعطش لمعرفة الحقيقة.

أضواء على تاريخ منشأ الخلاف في الوضوء:

لم ينقل لنا التاريخ وقوع أيّ اختلاف في صدر الإسلام في خصوص مسألة الموضوع، فلهذا نستنتج بأنّ وضوء المسلمين آنذاك كان وفق وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)،

____________

1-المائدة (5) : 6.


الصفحة 343

فيا ترى من أين حصلت هذه التلابسات والإبهامات حول هذا الموضوع؟

فلابد من تتبع ما عقب وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في زمان الخلفاء والثلاث لكي يتضح ما هو الحق في المسألة.

الوضوء من عهد أبي بكر وعمر:

لم نعثر في عهد أبي بكر على وقوع الخلاف أنذاك بين المسلمين في الوضوء، فمن الواضح أنّهم لم يغيروا السنّة بعد في هذا المجال، مع العلم بأنّهم حرّفوا ما حرفّوا منها، ولكن لسنا في صدد بيان التحريفات الواقعة أنذاك وكذا لم نعثر على ما يكشف لنا نشوء الاختلاف في عهد عمر بن الخطاب إلاّ في بعض أجزاء الوضوء وهي المسح على الخفين.

الوضوء في عهد عثمان بن عفان:

قد تبين من خلال المراجعة للكتب المعتبرة عند مذهب أهل السنّة أن الاختلاف قد نشاء في زمان الخليفة الثالث، فيعتبر هو الذي قام بالتحريف في السنّة النبوية الشريفة في خصوص الوضوء.

فقد أخرج البخاري ومسلم بسندهما عن ابن شهاب: أنّ عطاء بن يزيد الليثيّ أخبره أنّ حمران مولى عثمان أخبره، أنّ عثمان بن عفّان بن عفّان (رضي الله عنه) دعا بوضوءـ فتوضّأ ـ فغسل كفّيه ثلاث مرّات، ثمّ مضمض واستنثر، ثمّ غسل وجهه ثلاث مرّات، ثمّ غسل يده اليمنى إلى المرافق ثلاث مرّات، ثمّ غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثمّ مسح رأسه، ثمّ غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرّات،ثمّ غسل اليسرى مثل ذلك، ثمّ قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) توضّأ نحو وضوئي هذا، ثمّ قال رسول الله: "من توضّأ نحو وضوئي هذا، ثمّ قام فركع


الصفحة 344

ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه"(1).

أخرج المتّقيّ الهنديّ، عن أبي مالك الدمشقيّ قوله: "حُدثت أنّ عثمان بن عفّان اختلف في خلافته في الوضوء"(2).

أخرج مسلم في صحيحه، عن قتيبة بن سعيد وأحمد بن عبدة الضبي قالا: "حدّثنا عبد العزيز ـ وهو الدراوردي ـ عن زيد بن أسلم، عن حمران مولى عثمان قال: أتيت عثمان بن عفّان بوضوء، فتوضّأ ثمّ قال: إن ناساً يتحدثون عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأحاديث، لا أدري ما هي! ألا إنّي رأيت رسول الله توضّأ مثل وضوئي هذا ثمّ قال: "من توضّأ هكذا غفر له ما تقدّم من ذنبه"(3).

الأحاديث تحت المجهر:

الملفت للنظر في خصوص الأحاديث الواردة حول الوضوء أنّها تتضمّن العديد من الإشارات الواضحة التي تبيّن لنا حقائق نشير إليها:

أولاً: ما رواه البخاري أنّ عثمان بين لنا كيفيّة وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

كيف أن عثمان مع أنّه لم يروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سوى 146 حديثاً، يروي لنا في كيفيّة وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من 20 حديثاً، مع أن أبا هريرة المعروف عنه أنّه لم يترك شاردةً ولا واردة إلاّ رواها عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والذي روى 5374 حديثاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يذكر هذا النوع من الوضوء، حتّى لم تنقل عنه ورواية واحدة في هذا المضمون؟!!

ثانياً: قول المتقي الهندي في كنز العمال: إنّ عثمان اختلف في خلافته في الوضوء!

كيف يحق لعثمان أن يختلف في الوضوء الذي كان يمارسه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مدى

____________

1-صحيح البخاري 1: 52، صحيح مسلم 1: 204 ـ 3.

2-كنز العمال 9: 443 ـ 26890.

3-صحيح مسلم 1: 207 ـ 8، كنز العمال 9: 423 ـ 26797.


الصفحة 345

حياته؟!! يا ترى هل كان وضوء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غير صحيح أم أنّ اجتهادات عثمان كانت في مقابل النصّ؟!

ثالثاً: ما رواه مسلم في قول عثمان: إنّ أناساً يتحدثون بأحاديث لا أدري ما هي...؟!!

يظهر جلياً لنا من خلال هذا النصّ أنّ عثمان لم يكن يعرف أحكام الوضوء بصورة كاملة، فكيف مع عدم علمه كما يصرح بأنّه لا يدري يطرح نوعاً من الوضوء ويخضع الناس إلى هذا النوع من الكيفية الخاصة في الوضوء؟!!

الحقيقة تتجلى:

يقول "محمّد" بعد البحث والتحقيق الذي بذلت فيه قصارى جهدي توصّلت إلى النتائج التالية:

1 - أنّ وضوء الشيعة هو الوضوء الصحيح، وأنّهم اتبعوا الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه.

2 - أنّ الشيعة هم المستمسّكون بالسنّة الصحيحة.

بعد معرفة هذه الحقائق رفضت المذهب الذي كنت أعتنقه، والتحقت بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وأعلنت تشيعي وسرت على منهجهم.


الصفحة 346

(75) السيدي محمّد سانكارا

(مالكي / بوركينا فاسو)

ولد عام 1398هـ (1978م) في دولة بوركينا فاسو، وترعرع في أُسرة مالكية المذهب تيجانية الطريقة، وكان والده يدير إحدى الجلسات التيجانية في منطقته، وكان "السيدي محمّد" متأثّراً بوالده، فتلقى منه جميع علوم الطريقة التيجانية حتّى تأهّل للنيابة عنه حال غيابه.

وبعد فترة عُيّن "السيدي محمّد" معاوناً لاحدى المدارس الدينية في منطقة (كوكا) فبدأ عمله بإتقان، وكان يحاول دائماً الارتقاء والتسامي في جميع الأصعدة.

بداية تعرّفه على التشيّع:

وجد "السيدي محمّد" الرغبة في نفسه لدراسة المذاهب الإسلامية والتعرّف على معتقداتهم، فبدأ رحلته في البحث، ولمعرفة التشيّع التحق بمدرسة الوحدة الإسلامية ودرس فيها عامين حتّى نال إعجابه المذهب الشيعي، فتعمّق في دراسة مبادئه وأكثر من قراءة أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) حتّى توصّل إلى القناعة الكاملة بترك مذهبه الموروث واعتناق مذهب التشيّع.


الصفحة 347

محبّة أهل البيت(عليهم السلام):

وجد "السيدي محمّد" خلال دراسته في صعيد التاريخ الإسلامي وعلوم الحديث بأنّ أهل البيت(عليهم السلام) يحظون بأهمية كبرى في الكتاب والسُنّة، وهناك آيات وأحاديث كثيرة تؤكّد وتأمر المسلمين بالالتفاف حول أهل البيت(عليهم السلام)، ومن الآيات الملفتة للنظر في هذا الصعيد قوله تعالى: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}(1).

ذكر القرطبي في تفسير هذه الآية في رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: لما أنزل الله عزّ وجلّ: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين نودّهم؟ قال: "علي وفاطمة وابناؤهما"(2).

وعندما لم يجد البعض سبيلاً لسلب هذه الفضيلة عن أهل البيت(عليهم السلام) قالو بأنّ هذه الآية منسوخة!! فأجابهم القرطبي: "كفى قبحاً بقول من يقول: إنّ التقرب إلى الله بطاعته ومودّة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته منسوخ، وقد قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): "من مات على حب آل محمّد مات شهيداً، ومن مات على حب آل محمّد جعل الله زوار قبره الملائكة والرحمة، ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة..."(3).

وذكر الآلوسي في تفسير القربى: "... عن ابن عبّاس قال: لما نزلت هذه الآية {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ...}، قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودّتهم؟ قال: علي وفاطمة وولدها...

وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال: لما جىء بعلي بن الحسين رضى الله عنهما أسيراً، فاُقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم.

____________

1-الشورى (42) : 23.

2-الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8: 16.

3-نفس المصدر.


الصفحة 348

فقال له علي رضى الله عنه: أقرأت القرآن؟

قال: نعم.

قال: أقرأت آل حم؟

قال: نعم.

قال: ما قرأت {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}؟

قال: فإنكم لأنتم هم؟

قال: نعم.

وإلى هذا أشار الكميت في قوله:

وجدنا لكم في آل حم أيةً تأوّلها منا تقي ومعرب

وأضاف الآلوسي: "والخطاب على هذا القول لجميع الأُمّة لا للأنصار فقط .

وإن ورد ما يوهم ذلك، فإنّهم كلّهم مكلّفون بمودّة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم: "إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اُذكّركم الله تعالى في أهل بيتي"

وأخرج الترمذي ـ وحسنّه الطبراني ـ والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن عبّاس قال: قال عليه الصلاة والسلام: "أحبّوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمة، وأحبّوني لحبّ الله تعالى، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي".

وأخرج ابن حبّان والحاكم عن ابن سعيد قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلاّ أدخله الله تعالى النار".

إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من الأخبار..

وأنا أقول قول الشافعي...

يا راكباً قف بالمحصّب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض

الصفحة 349
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبُّ آل محمّد فليشهد الثقلان أنّي رافضي

انتهى كلام الآلوسي(1)

توصّل "السيدي محمّد" من خلال قراءته للنصوص المهتمة بأهل البيت(عليهم السلام)، بأنّ اهتمام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل بيته لم يكن بداع عاطفي أو شخصي، وإنّما كان هذا الاهتمام لأنّ أهل البيت هم امتداد الرسالة، وتؤدّي مودّتهم إلى الالتحاق بركبهم وأخذ سنّة الرسول منهم، وهذا هوالمطلوب.

ومن هنا تبلورت قناعة "السيدي محمّد" بأحقيّة مذهب التشيّع، وبمرور الزمان تحوّلت هذه القناعة إلى عقيدة دفعته إلى التخلّي عن عقائده الموروثة، فأعلن استبصاره، وبدأ يدعوا الآخرين إلى معرفة الحقائق الجديدة التي توصّل إليها.

ولم تمض فترة إلاّ واستبصر على يد "السيدي محمّد" أبوه واُسرته والعديد من الطلبة والأساتذة وتمكن والده عن طريق الجلسة التيجانية التي يرأسها أن يدعوا الكثير إلى معرفة أهل البيت(عليهم السلام) بصورة صحيحة وكاملة.

هذا وما زال "السيدي محمّد" يواصل دراسته الدينية، كما يعمل على نشر مذهب التشيّع بين أبناء مجتمعه.

____________

1-روح المعاني 13: 22 ـ 23.


الصفحة 350

(76) حسن سنكري

(سنّي / بوركينا فاسو)

ولد سنة 1383هـ (1964م) في مدينة "نينانو" بجمهورية "بوركينا فاسو"، وبعد طيّه مراحل طلب العلم تصدى لإدارة مدرسة "منهاج الهدى" الدينية في مدينة "غارنغو".

سبب استبصاره:

يقول الأخ "حسن": "اهتديت إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) سنة 1410هـ (1990م)، وذلك عندما التقيت ببعض الطلاّب المتخرّجين من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في غانا حيث وضّحوا لي بعض المسائل الخلافية، وبيّنوا لي الحقّ فيها، كما أهدوني بعض الكتب العقائدية الشيعية، وكان منها كتاب "أصل الشيعة وأصولها" للعلاّمة المرحوم الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، حيث تأثّرت به كثيراً، ولست فيه معنى الحقّ والإنصاف، وعرفت أنّ الثقل في الميزان مع الشيعة، والأرجحيّة والوفاء بالمكيال مع مكيالهم، فما كان منّي إلاّ أن أتّبع الحقّ، والحقّ أحقّ أن يُتّبع".


الصفحة 351

نشأة التشيّع، وانتشاره:

إنّ التشيّع ليس مذهباً لقيطاً، ولا هو نحلةٌ مبتدعة، بل هو اتباع لعلي بن أبي طالب(عليه السلام) بطل الإسلام، ووصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفته على أُمّته، ولم يأت هذا الاتّباع له المزّين بالمودّة الصادقة عن هوىً أعمى، بل أمر به الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي لا ينطق عن الهوى، وامتثل أمره عدد من الصحابة فهاموا في حبّه، واختصّوا به حتّى عرفوا بشيعة علي(1) في زمان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قال الشيخ كاشف الغطاء: "إنّ أوّل من وضع بذرة التشيّع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية، يعني أنّ بذرة التشيّع وضعت مع بذرة الإسلام، جنباً إلى جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتّى نمت وأزهرت في حياته، ثمّ أثمرت بعد وفاته"(2).

وقد أخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال: "لمّا نزلت {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}(3)، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام): "هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين"(4).

وقال علي(عليه السلام): "إنّه لعهد النبي الأمّي إليّ: أن لا يحبّني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق"(5).

وفي حديث الطير: "اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك"(6).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: "عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ حيث كان"(7).

____________

1-اُنظر وركبت السفينة، لمروان خليفات: 618.

2-أصل الشيعة وأصولها: 184.

3-البينة (98) : 7.

4-الدر المنثور 6: 379.

5-صحيح مسلم 1: 84، ح131.

6-سنن الترمذي 6: 84، ح3721.

7-مجمع الزوائد 7: 235.


الصفحة 352

ولمّا توفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بايع علي(عليه السلام) ابا بكر بعد إبطاء يوضّحُ: أنّ خلافة أبي بكر كانت باطلة، لكنه بايع حفاظاً على أصل بقاء الدين الإسلامي، ولئلا يعود الناس إلى جاهليتهم الجهلاء، وتابعه على ذلك شيعته ومحبّوه.

قال الشيخ كاشف الغطاء: "ثمّ لمّا ارتحل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الدار إلى دار القرار، رأى جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعليّ: إمّا لصغر سنّه!! أو لأنّ قريشاً كرهت أن تجتمع النبوّة والخلافة لبني هاشم، زعماً منهم أنّ النبوّة والخلافة إليهم يضعونها حيث شاؤوا!! والأُمور اُخرى لسنا بصدد البحث عنها، ولكنّه باتّفاق الفريقين امتنع عن البيعة، بل في صحيح البخاري ـ في باب غزوة خيبر ـ : أنّه لم يُبايع إلاّ بعد ستة أشهر(1)، وتبعه على ذلك جماعة من عيون الصحابة، كالزبير وعمّار والمقداد وآخرين.

ثمّ لمّا رأى أنّ تخلّفه يوجب فتقاً في الإسلام لا يُرتق، وكسراً لا يُجبر... بايع وسالم، وأغضى عمّا يراه حقّاً له، محافظة على الإسلام أن تتصدّع وحدته، وتتفرق كلمته... وبقى شيعته منضوين تحت جناحه، ومستنيرين بمصباحه"(2).

ثمّ لمّا بايع الناس الإمام علي(عليه السلام) على الخلافة، ورفض معاوية بيعته، وخرج عليه كان لابدّ للإمام(عليه السلام) أن يقمع الباطل، وينصر الإسلام لوجود الناصر.

وقد تبيّن الحقّ من الباطل بوضوح خاصّة بعد وفاة الإمام علي(عليه السلام)، حيث سيطر معاوية على الاُمور بعد سمّ الإمام الحسن(عليه السلام)(3)، فسار بسيرة الأكاسرة، وخلع رداء الزهد والورع ـ الذي سار عليه من تقدّمه اعتقاداً أو شعاراً ـ وصار الغدر والقهر هما الشعار، والترغيب والترهيب هما الوسيلة لحفظ السلطان، ثمّ قهر الأُمة على بيعة يزيد، وما أدراك ما يزيد!

____________

1-صحيح البخاري 5: 82 .

2-أصل الشيعة وأصولها: 192 ـ 193.

3-مقاتل الطالبيين: 48.


الصفحة 353

قال الشيخ كاشف الغطاء: "ومن ذلك اليوم ـ أعني خلافة معاوية ويزيد ـ انفضلت السلطة المدنية عن الدينية، وكانت مجتمعة في الخلفاء الأوّلين، فكان الخليفة يقبض على إحداهما باليمين وعلى الأخرى بالشمال، ولكن من عهد معاوية عرفوا أنّه ليس من الدين على شيء، وأنّ الدين له أئمة ومراجع هم أهله وأحقّ به، ولم يجدوا من توفّرت فيه شروط الإمامة ـ من: العلم، والزهد، والشجاعة، وشرف الحسب والنسب ـ غير علي(عليه السلام) وولده.

ضُمَّ إلى ذلك ما يرويه الصحابة للناس من كلمات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقِّهم، والإيعاز إلى أحقّيتهم، فلم يزل التشيّع لعلي(عليه السلام) وأولاده ـ بهذا وأمثاله ـ ينمو ويسري في جميع الأمّة الإسلامية سريان البُرء في جسد العليل، خفيّاً وظاهراً، ومستوراً وبارزاً"(1).

ثمّ إنّ يزيد بن معاوية قتل الحسين(عليه السلام) في كربلاء ; لأنّه رفض هذه البيعة الظالمة قائلاً: "فإنّ مثلي لا يعطي بيعته سراً"(2)، نعم، ريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يبايع يزيد الخمور والفجور والقرود والفهود، فقتله بنو اُمّية ذبحاً وروّعوا أطفاله وعياله، ولم يراعوا فيه ذمّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وكان هذا ممّا زاد في انتشار التشيّع، ومحبوبية أهل البيت(عليهم السلام) ; لأنّهم ظلموا وهم في الإسلام أصله، وفي الشرف سنامه.

وبعد زوال ملك بني اُمّية، جاء العبّاسيون فظلموا آل البيت(عليهم السلام) أيضاً رغم ادّعائهم أنّهم قاموا لإزالة الظلم حتّى قال الشاعر:


تا الله إنْ كانت اُميّةُ قد أتَتْ قتلَ ابنَ بنتِ نبيّها مَظلُوما
فلقد أَتتهُ بنو أبيه بِمثلِهِ هذا لَعمرك قبرهُ مهدوما

____________

1-أصل الشيعة واصولها: 201.

2-تاريخ الطبري 4: 251، باب خلافة يزيد.


الصفحة 354
أسفوا على أن لا يكونوا شارَ كوا في قَتلِهِ فَتَتَبَعُوه رميما(1)

إذن هكذا كان أمر التشيّع، غرسه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وحاول السلاطين الظلمة قلع شجرته، ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.

____________

1-اُنظر تاريخ الخلفاء لليسوطي: 347.


الصفحة 355

(77) حسن كوني لاسينا

(مالكي / بوركينا فاسو)

ولد سنة 1391هـ (1972م) في مدينة (بسافاني) في جمهورية بوركينا فاسو، تخرّج من المدرسة الإعدادية، ودرس في المدارس الدينية، كما كان له نشاط تبليغي ديني قبل الاستبصار.

سبب استبصاره:

يقول "حسن": كان حبّ أهل البيت(عليهم السلام) في مجتمعنا كالدين الفطري، فلا يبتدأ شخص بعمل ما إلاّ ويقول: (اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد) كباراً وصغاراً، لكن مع ذلك لم أسمع أنا ـ على الأقل ـ بكلمة الشيعة في طفولتي وسمعت بها في مقتبل الشباب، فاتصلت ببعض مراكزهم ومؤسساتهم وحصلت منهم على بعض الكتب، فاعجبني الطابع العلمي التوثيقي فيها، واستنادها إلى الكتب وروايات أهل السنّة في مقام الاحتجاج في المسائل الخلافية بين الطرفين.

كما أعجبني اُسلوب الخطاب الشيعي الهادئ الرزين، على خلاف الخطاب الوهابي المنتشر في منطقتنا والذي يتم بالكراهية والتكفير والجمود، ممّا جعل أبناء منطقتنا ينفرون منهم فطرياً.

وقال "حسن": "التحقت بعد ذلك بإحدى المدارس الدينية الشيعية في