المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 356

غانا، فتوّضحت لي الكيثر من المسائل العقائدية والتاريخية والفقهية، وآمنت أنّ مذهب آل البيت(عليهم السلام) هو الدين الذي يحقق النجاة، وهو الدين الذي أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسك به حين أمر بالتمسك بالثقلين، فأعلنت استبصاري في عاصمة بلزي واغاووغو، والحمدُ لله على ركوب سفينة النجاة، وخاصة بعد أن التحق بي أفراد اُسرتي وبعض أصدقائي".

الوهابية وكراهية الناس لهم:

أَسّس المذهب الوهّابي محمّد بن عبد الوهاب الذي وُلد في نجد سنة 1111هـ ، ودعا إلى مذهبه منذ سنة 1143هـ (1)، وكان محمّد عبد الوهاب رجلاً ذا شخصية منفورة حذّر منه أبوه وشيوخه، كما كان أخوه أوّل من ردّ على بدعته(2).

انتشرت الدعوة الوهابية في نجد وحواليها بعد أن حصل اتفاق بين ابن عبد الوهاب وابن سعود أمير الدرعية، وقد اتسمت هذه الدعوة منذ يومها الأوّل بالعنف والاعتداء على القبائل، وسرقة أموالها ومواشيها، وقتل أمرائها، والسيطرة عليها بالقوة وفرض الضرائب المالية التي ما أنزل الله بها من سلطان(3).

ولم تكتفِ الدعوة الوهابية بالاعتداء على القبائل النجدية وفرض السيطرة عليها، بل صعّدت من اعتداءتها فشملت الحجاز والعراق والشام، كما ارتكبت مجزرة فضيعة بحق الحجاج من اليمن، وحصلت لها اعتداءات ومناوشات مع الحجاج من بقية البلدان كمصر والشام والعراق فمنعتهم من الحج أو أرعبتهم فيه، وضايقتهم في المشاعر المقدسة(4).

وكان للعراق النصيب الأوفر من اعتداءات الوهابية حيث اعتدى الوهابيون

____________

1-اُنظر كشف الارتياب في اتباع محمّد بن عبد الوهاب: 7 وما بعدها، المقدمة الأولى.

2-المصدر السابق.

3-المصدر السابق.

4-المصدر السابق.


الصفحة 357

على الحرم الطاهر لأبي عبد الله الحسين(عليه السلام) سبط الرسول الأعظم وريحانته في مدينة كربلاء المقدسة، كما هجموا عدّة مرات على مدينة النجف الأشرف بغية الاعتداء على الحرم الطاهر للإمام علي(عليه السلام)، لكنّهم فشلوا ولم يوفقوا في اقتحام المدينة(1).

رفض المسلمون الدعوة الوهابية عند ظهورها ولازالوا يرفضونها لتكفيرها الناس، واعتدائها عليهم، ولفرض بدعها بالقوة والعنف رغم تفنيد علماء المسلمين لهذه البدع بالدليل النقلي، والمنطق العقلي، وجرّدت الدولة العثمانية وأمير مصر محمّد علي باشا حملات كبيرة ومتعدّدة لمحاربتها وإخمادها(2).

إنّ الدعوة الوهابية التي تدّعي الانتماء إلى المذهب الحنبلي، نفخت في رماد الأحاديث الحشوية والتجسيمية التي ابتلى بها هذا المذهب، كما أعادت الحياة المريضة لأفكار ابن تيمية التي تدّعي اتباع السلف ـ والسلف الصالح منها براء ـ من تحريم زيارة القبور، وإقامة المساجد عليها، والصلاة فيها، و...

تكفير من يتوسل بالعباد الصالحين إلى الله، أو يتبرك بآثارهم، باعتبار أنّ ذلك شرك بالله، وعبادة للوثن.

ومن التناقض العجيب أن تدّعي هذه الحركة أنّها حركة توحيدية جاءت لمحو آثار الوثنية الجاهلية، وهي مبتلاة بالتجسيم البغيض لذات الله سبحانه وصفاته، فهل يتفق التوحيد الخالص كما يدّعون مع التجسيم الصارخ يجعل الله سبحانه وتعالى ذا لحية وأعضاء و...

كما أنّه من العجب الذي لا دليل معهم لرفعه مبادرتهم إلى قتل الناس والاعتداء عليهم بحجّة أنّهم كفّار ; لأنهم لم يتبعوا دعوة ابن عبد الوهاب ولم يهاجروا إلى دار هجرتهم، فشابهوا بذلك الخوارج المارقين عن الدين الذين

____________

1-اُنظر كشف الارتياب في اتباع محمّد بن عبد الوهاب: 7 وما بعدها، المقدمة الأولى.

2-المصدر السابق.


الصفحة 358

عرفوا بالوحشية في سفك دماء المسلمين رغم تديّنهم الظاهري المتشدّد الذي لا يرضى بقتل الذبابة.

ومن هنا يحقّ للمسلمين أن ينفروا من الدعوة الوهابية التي جمعت الجهل والعنف والوحشية والغلوّ، والتكفير والتبديع للمسلمين، كما يحقّ لهم أيضاً نبذهم وطردهم ومحاربتهم لإخماد فتنتهم، وكسر شوكتهم ; لأنّهم قوم ما عرفوا الله حقاً فشككوا في عقائد المسلمين وآذوهم، ونصبوا العداوة لأئمة المسلمين من آل البيت(عليهم السلام) وشيعهم الأبرار، حيث لا يزال الدم الحرام يسفك بيد أزلام الوهابية في بلاد المسلمين وخاصة في العراق، حيث الانفجارات المروعة، والمفخخات الغادرة التي لا ترحم الصغير ولا الكبير، ولا المرأة أو الشاب أو الطفل، لا لشيء سوى التنفيس عن الحقد الذي ملأ قلوبهم السوداء نتيجة أفكارهم البليدة، وعقائدهم التافهة التي يحاولون التستر عليها بإظهار الشدة الكاذبة، وإدعاء الدعوة الإسلامية الصادقة، ولكن هيهات فقد ظهرت فضائحهم، وبان ارتباطهم بأعداء المسلمين الذين مدّوهم بالسلاح وأجازوا لهم صرف المليارات من أموال النفط لنشر دعايتهم وسفك الدماء المصونة.

هذا ولكن ـ كما قدّمنا ـ فإنّ حبل الكذب قصير، وجولة الباطل زائلة، وإن الأرض لله يرثها عباده الصالحون ولو كره الكافرون.


الصفحة 359

(78) حسين سورابي

(مالكي / بوركينا فاسو)

مرتّ ترجمته في (1: 201) من هذه الموسوعة، ونشير إلى معلومات أُخرى لم ندرجها سابقاً.

التعرّف على مذهب الشيعة:

من أهم الدوافع التي ساعدت "حسين" في تغيير أنتمائه، هي التعرّف الصحيح على مذهب الشيعة عن طريق معتقديه، وبهذا تمكّن "حسين" أن يتحرّر من الصورة المشوّهة التي أملاها عليه المخالفون والمغرضون حول مذهب الشيعة.

ومن هذا المنطلق انجذب "حسين" نحو الإلمام الكامل والتعمّق بهذا المذهب، فتعرّف خلال بحثه على مجموعة كتب أعانته في بحثه عن الحقّ من قبيل كتاب "ثمّ اهتديت" و "لأكون مع الصادقين" للدكتور التيجاني السماوي.

وبمجرد أن طالع "حسين" تلك الكتب تجلّت له حقائق قلبت له الموازين، وزلزلت معتقداته الموروثة التي تلقاها من دون فحص وتمحيص.

وواجه "حسين" العديد من التساؤلات التي دفعته يتلهف بفارغ الصبر إلى حلها والعثور عل أجاباتها.

ووجد "حسين" بأنّ أفضل سبيل للوصل إلى الأجابات الشافية والحلول


الصفحة 360

الوافية لأسئلته هو الالتحاق بحوزة أهل البيت(عليهم السلام) من أجل أرواء تعطشه العلمي الذي كان يزداد يوماً بعد آخر.

فانتسب إلى هذه الحوزة ودرس فيها مدة ثلاث سنوات.

لكنه وجد بعد هذه المدّة من الدراسة في هذه الحوزة بأنّها غير قادرة على ملىء فراغاته العقائدية، لقلة تضمّنها المصادر التي كان يفتقر إليها، فترك بلده متّجهاً إلى إيران للإلمام الكامل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام).

وبعد التحاق "حسين" بالحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة، توفرّت له أجواء مناسبة اتاحت له الفرصة للبحث والتحقيق.

وتوصّل "حسين" بعد الدراسة الجادة بأن مذهب التشيّع هو المذهب الحقّ وأنّ الصورة المطروحة في مجتمعه عن التشيّع صورة منحرفة ومزيفة.

وعندها وجد "حسين" بأن الوظيفة الشرعية تُحتّم عليه إصلاح المجتمع الذي يعيش فيه، فرجع إلى بلاده وأصبح من المبلغين لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).


الصفحة 361

(79) عبد الله ويدروغو

(مالكي / بوركينا فاسو)

ولد عام 1363هـ (1944م) في بلدة "وغادغو بوركينا فاسو)، وترعرع في أحضان أسرة مالكية المذهب، فسار وفق نهج آبائه وأسلافه.

واصل دراسته حتّى حصل على الشهادة الثانوية.

يقول "عبد الله ويدروغو": كنت لا أعرف مذهب التشيّع من قبل، وذات يوم وجدت عنوان مركز إسلامي واقع في الدولة الإسلامية في إيران، فراسلت المركز، فارسلوا الي الكتب ذات الصلة بالتشيع وفهمت قليلاً من التشيّع وعن حياة أهل البيت(عليهم السلام)، ومن أهم الأُمور التي تعرّفت عليها:

1 - آية التطهير التي نزلت في حقّ أهل البيت(عليهم السلام).

2 - مظلوميّة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام).

الدوافع لمعرفة الحقيقة:

كان "عبد الله ويدروغو" مسروراً بمطالعة الكتب التي قرأها لأنّها فتحت له آفاقاً جديدة دفعته إلى التغير في الصعيد الفكري والعقائدي.

ومن أهم الأُمور التي زلزلت أركان عقائده الموروثة مسألة مظلومية الزهراء(عليها السلام)، ووصيتها بأنّ تدفن ليلاً!


الصفحة 362

سأل "عبد الله ويدروغو" العلماء عن مظلوميّة الزهراء(عليها السلام) فوجدهم يقرّون بما وقع ن ولكنّهم يحاولون الاجتناب عن الخوض في النزاعات التي وقعت بين الصحابة!

ولكن يقول "عبد الله ويدروغو": فلم اقتنع بهذه الأجوبة، لأنني كنت أعلم بضرورة وجود حقّ وباطل بين المتنازعين، ولا يمكن الجمع بين النقيضين.

مظلومية الزهراء(عليها السلام):

من أهم الاُمور التي بيّنها التاريخ هي ظلم أبي بكر للصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام)، والعجب أن تحدث هذه المظلومية بعد وفاة الرسول بأيام!! وهذا ما ينبىء عن الحسد والحقد الذي كان يضمره بعض الصحابة لآل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد صرّحت الصديقة الزهراء بذلك، عندما خاطبتهم:

"فلمّا اختار الله لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) دار أنبيائه، ومحل أصفيائه، ظهرت حسيكة(1)النفاق، وأنسمل(2) جلباب(3) الدين، وأخلق(4) عهده، وانتقض عقده، ونطق كاظم، ونبغ(5) خامل(6)، وهدر فنيق الباطل، يخطر في عرصاتكم واطلع الشيطان راسه من معرسه، صارخاً بكم، فألفاكم لدعوته مصيخين..."

تاريخ فدك(7) :

أخرج الطبري، عن ابن إسحاق "... وحاصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أهل خيبر في

____________

1-الحسيكة: العداوة والحقد.

2-أسمل الثوب، سمل، وانسمل إذا أخلق وبلي.

3-الجلباب: الإزار.

4-اخلاق العهد: كناية عن ضعفه وإهمال العمل به.

5-نبغ الشيء إذا طلع وظهر.

6-الخامل: الوضيع الذي لا يكاد يعرف.

7-فدك: اسم منطقة في أطراف المدينة تبعد عنها 15 فرسخاً.


الصفحة 363

حصنهم، الوطيح والسلالم، حتّى اذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ويحقن لهم دمائهم، ففعل، وكان رسول الله قد حاز الأموال كلّها، الشق ونطاة والكنيبة، وجميع حصونهم إلاّ ما كان من ذنيك الحصنين، فلمّا سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يسألونه أن يسيّرهم ويحقن دمائهم لهم، ويخلوا له الأموال، ففعل، وكان ممن مشى فلمّا نزل أهل خيبر على ذلك، سألوا رسول الله أن يعاملهم بالأموال على النصف، وقالو ا نحن أعلم بها منكم، وأعمر لها، فصالحهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، وصالحه أهل فدك على مثل ذلك،، فكانت خيبر فيئاً للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب..."(1).

وقد ورد في مصادر الفريقين، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى فدك لبضعته الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام) في حياته.

فقد ذكر السيوطي في الدر المنثور، في تفسير الآية الكريمة: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}(2)، أنّه روى ابن عبّاس وأبو سعيد الخدري وغيرهما عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّهم قالوا: لمّا نزلت هذه الآية، دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة(عليها السلام)فأعطاها فدك(3).

وما جاء في كتاب أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف قال: "بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس القوم وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله..."

في القضية المعروفة عن موقف عمر بن عبد العزيز والمأمون في ردّ فدك إلى ولد الزهراء(عليها السلام) ذكر الجوهري: وروي أنّه ردّها بغلاّتها منذ ولي، فقيل له نقمت

____________

1-تاريخ الطبري 3: 15.

2-الإسراء (17) : 26.

3-الدر المنثور للسيوطي 4: 320.


الصفحة 364

على أبي بكر وعمر فعلها، فطعنت عليها ونسبتهما إلى الظلم والغصب، وقد اجتمع عنده في ذلك قريش ومشايخ أهل الشام من علماء السوء.

فقال عمر بن عبد العزيز: قد صح عندي وعندكم أنّ فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ادعت فدك وكانت في يدها، وما كانت لتكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع شهادت علي وأم أيمن وأم سلمة، وفاطمة عندي صادقة فيما تدعي، وان لم تقم البيّنة، وهي سيدة نساء أهل الجنّة ن فأنا اليوم أردها على ورثتها أتقرب بذلك إلى رسول الله، وأرجو أن تكون فاطمة والحسن والحسين يشفعون لي في يوم القيامة لو كنت بدل أبي بكر، وأدعت فاطمة كنت أصدّقها على دعوائها، فسلّمها إلى محمّد ابن علي الباقر(عليه السلام)..."(1).

غصب أبي بكر لفدك:

يبيّن التاريخ أن فدك كانت نحلة لبضعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فاطمة الزهراء(عليها السلام) وأنّ القوم كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام) وشحت نفوس القوم" وغصبوها.

عندما غصب أبو بكر الخلافة، أخرج وكلاء الزهراء(عليها السلام) من فدك، فهناك شواهد تدلّ على أن أبا بكر ظلم الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام) منها:

1 - أنّ فدك كانت في يد الزهراء(عليها السلام)، فعلى هذا تكون صاحبة اليد، وصاحب اليد لا يطالب بالبيّنة، وعند ما طلب أبو بكر الشهود، جاء أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار، فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حقّها وميراثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ملكته في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فقال أبو بكر: هذافيء للمسلمين، فإن أقامت شهوداً أنّ رسول الله جعلها لها وإلاّ فلا حقّ لها فيه!!

____________

1-السقيفة وقدك للجواهري: 146.


الصفحة 365

فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): يا أبا بكر، أتحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى من المسلمين؟

قال: لا.

قال: فإنّ كان يد في المسلمين شيء يملكونه، ثمّ ادعيت أنا فيه، من تسأل البينة؟

قال: إياك كنت أسأل البيّنة.

قال: فما بال فاطمة سألتها البيّنة على ما في يدها؟ وقد ملكته في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعده ولم نسأل المسلمين بيّنة على ما ادعوه شهوداً، كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟

فسكت أبو بكر.

فقال عمر: يا علي دعنا من كلامك فإنّا لا نقوى على حجّتك..."(1).

فقلت في نفسي، يا عجباً من خليفة المسلمين فتارة يريد البيّنة من المدعي،وتارة يريدها من صاحب اليد!!

2 - لقد نزلت الآية الكريمة بإذهاب الرجس عن الزهراء(عليها السلام) وطهارتها من الدنس وإقامة البراهين على أنّها صدّيقة، ومن له تلك الخصال لا يحتاج إلى بيّنة.

فقد ذكر القرطبي في الاستيعاب في معرفة الأصحاب في فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: وحدثنا محمّد بن حميد، حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عبادة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما رأيت أحداً كان أصدق لهجةً من فاطمة ; الاّ أن يكون الذي ولدها(صلى الله عليه وآله وسلم)"(2).

هذا وقد ثبت في الصحاح أنّ ابا بكر أعطى من ادعى من الصحابة ما ادعوه من دون بيّنة فقد ذكر البخاري في كتاب الشهادات بالإسناد عن جابر بن عبد

____________

1-الاحتجاج 1: 237.

2-الاستيعاب: 4: 1897.


الصفحة 366

الله(رضي الله عنه)، قال: لمّا مات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) جاء لأبي بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي، قال أبو بكر: من كان له على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دين أو كانت له قبله عدة فليأتينا.

قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يده ثلاث مرات قال جابر: فعد في يدي خمسمائة ثمّ خمسمائة ثمّ خمسمائة(1).

فلماذا إذا لم يطالب أبو بكر البيّنة من جابر ويطالبها من بضعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على رغم أنّها صادقة؟ أو جابر أبرّ من فاطمة الزهراء(عليها السلام)؟! أو أنّ الحقد على آل النبي أدّى به إلى هذا الصنيع؟!

وعلى فرض أنّ فاطمة(عليها السلام) تحتاج إلى بيّنة، فلماذا لم يضمّ أبو بكر الشهادة الناقصة كما ادعاه إلى اليمين والشاهدة ليكمل النصاب؟! كما فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّ رسول الله قبل شهادة الرجل الواحد ورجعلها في قضية ذو الشهادتين بمنزلة شهادة رجلين.

وهذا ينبي عن سوء سريرته ; لأنّه لم يكن همّه إلاّ أن يغصب فدك.

ومثل هذه الإفعال ليست بمستبعدة لمن عرف حسب ونسب أبي بكر ابن أبي قحافة، وقد استغرب أبوه يوم بويع ابنه للخلافة وقال له: كيف ارتضاك الناس يا بني مع خمول بيتك، وانحطاط منزلتك، لا بقدم سابق في فخر، ولا بعلم، ولا بشجاعة، ولا بكرم ولا بعبادة..."(2).

اُنظر إن كان أبوه يتعجب لاستخلافه بنعته بهذا الصفات فمن يكون ابن أبي قحافة"!!

فعرفت حقيقة الأمر وإن الصحابة لا سيما أبو بكر قد ظلموا بضعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وآذوهما وغصبوا حقها فيا ترى أي عقل سليم بل غير سليم يحكم أن مثل هذا الشخص يكون خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!!

____________

1-صحيح البخاري ج4 باب من اقام البيّنة بعد اليمين.

2-الاحتجاج 1: 226.


الصفحة 367

فهذه أمور قبحها معلوم بالوجدان فمن ينكرها وينكر قبحها كمن لا وجدان له.

فتنور قلبي بنور الإيمان والحقيقة وأخرجني الله من الظلام والضلالة والتحقت بسفينة النجاة سفينة آل محمّد(عليهم السلام) حيث قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق"(1)، والحمد لله ربّ العالمين.

____________

1-أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 12: 91، والحاكم في المستدرك 3: 151 وصححه نقلاً عن الغدير.


الصفحة 368

(80) علي تراروي

(وهابي / بوركينا فاسو)

ولد سنة 1390هـ (1961م) في "بوبو جو لاسو" في جمهورية بوركينا فاسو الأفريقية، وأكمل الدراسة الإعدادية في المعهد الديني الثانوي، ودخل الجامعة في فرع الشريعة والدراسات الإسلامية، وحصل على شهادة الليسانس فيها من جامعة قطر سنة 1990م، وتفرّغ بعد ذلك للدعوة الوهابية في بلاده، وصار ممثّلاً لهيئاتها لمدّة خمس سنوات، مثل: هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية (السعودية)، وجمعية إحياء التراث الإسلامي (الكويتية)، ولجنة مسلمي أفريقيا (الكويتية).

سبب استبصاره:

يقول الأخ "تراروي": "نشأت وترعرعت على أيدي الوهابيين، وقطعت مراحل التعلّم في المدارس والمعاهد والجامعات الوهابية في دولة قطر في مدّة استغرقت عشر سنوات.

وطبيعة نشأتي هذه جعلت منّي وهابياً متشدّداً ومتعصّباً، لا سيّما ضدّ الشيعة الذين لم أتعلّم عنهم ـ خلال هذه السنوات الطويلة ـ إلاّ شبهات متمثّلة في الزعم بوجود قرآن آخر غير القرآن الذي يعرفه المسلمون، وكذلك الزعم بنبّوة الإمام علي(عليه السلام)!! ولعن أمين الوحي جبرائيل(عليه السلام) الذي خان الأمانة وخان الإمام


الصفحة 369

عليّ(عليه السلام) بتسليم الرسالة إلى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه توجد صور على الجدران الخارجية لمعظم البيوت في إيران، بغرض الوقوف أمامها كلّ صباح للّعن ورمي القاذورات!! وكذلك الزعم بإباحة الزنا (المتعة) وإعارة الفروج و...

محصّلة هذه الشبهات حملتني إلى اتّخاذ موقف عدواني مفرط تجاه الشيعة الذين وفدوا على جامعة قطر من المنطقة الشرقية السعودية، ووصلت بي العداوة إلى حدّ كنت رافضاً لردّ السلام عليهم، ممتنعاً لدخول دورة المياه المشتركة بيننا

- نظراً لكوننا في شقّة واحدة -، وكنت معتقداً بأنّ مجرّد لمس أيّ كتاب شيعي موجب غضب الله تعالى.

وخلال عملي التبليغي الداعي إلى الانحراف الوهابي، تركّزت جهودي على ترويج المذهب بأساليب مختلفة، فتمكّنت من إدخال فوج كبير من المسلمين (الأبرياء) في الوهابية، وكان للمشاريع الخيرية ـ التي كنت منفّذاً لها، ومشرفاً عليها ـ الدور الإيجابي في ذلك، وكانت مكانتي الاجتماعية متميّزة، وكنت متمتعاً بوضع اقتصادي ممتاز، ممّا سهّل لي الإنفاق على الجمعيات الصغيرة للنهوض بمستواها، ومن ثمّ إدراجها تحت الراية الوهابية.

على هذا المنوال كان وضعي قبل التشيّع، وهكذا جرت معي الأُمور قبل سنة 1416هـ .

وذات يوم وبينما أنا على مائدة الغداء، إذ دخل علي صديقي الأخ مسعود من دولة ساحل العاج المجاورة لبلدي، حاملاً نسخة قديمة ذات حجم كبير من كتاب "المراجعات"(1)، وبعد تناولنا طعام الغداء، استأذنت منه في تصفّح الكتاب ففتحته عشوائياً على المراجعة المعالجة لموضوع ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) انطلاقاً

____________

1-كتاب يحتوي على محاورات علميّة جرت بين العالم الشيعي السيّد عبد الحسين شرف الدين، والعالم السنّي شيخ جامع الأزهر سليم البشري في موضوع الخلاف الرئيسي بين الفريقين وهو الإمامة.


الصفحة 370

من الآية الشريفة {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ...}(1).

استعرت منه الكتاب لمدّة ثلاثة أيام بعد أن أصبت بحالة شديدة من الرعب والاضطراب، فقرأتها من الجلد إلى الجلد، ووقفت على حقائق شجّعتني على المضيّ قدماً في البحث، ثمّ حصلت لي استفسارات قادتني إلى الأخ نادر فواز (أحد الأخوة اللبنانين المقيمين في مدينتي على رأس مصنع للأحذية) فاسعفني بالكتب الأربعة (ثمّ اهتديت، لأكون مع الصادقين، فأسالوا أهل الذكر، الشيعة هم أهل السنة) للدكتور التيجاني السماوي)(2).

وما أن أتممت قراءة هذه الكتب حتّى تحولّت من وهابي أعمى إلى شيعي مستبصر متمسّك بالعروة الوثقى.

وما أن أعلنت تشيّعي، حتّى اُتّهمت بالكفر وبإرادة الفتنة بين المسلمين، وأنّه يجب طردي من المدينة، وتمّ فصلي من المناصب الوهابية (إمامة الجماعة ـ الممثلية ـ التدريس عضوية الجمعية ـ الوعظ والإرشاد...)، وهجرني الأصدقاء، وتراجع وضعي الاقتصادي، ولكن والحمد لله لم يؤثّر فيّ ذلك كثيراً، حيث كنت قد هيّأت نفسي لمثل هذا المصير.

وبدأت ـ مع بعض الإخوة ـ حركة شيعية نشطة في مدينتي (بوبو جو لاسو) أدّت إلى انتشار مذهب أهل البيت(عليهم السلام) انتشاراً سريعاً في ربوع المدينة ومحيطها، لما لمذهبهم(عليهم السلام) ـ وهو الإسلام في الواقع ـ من نصاعة الحقّ، وقوّة المنطق والتعقّل،ووجود الحلول المناسبة لمشاكل العصر بالاستناد إلى القرآن الكريم والسنّة الشريفة.

____________

1-المائدة (5) : 55.

2-من كبار المستبصرين المهتدين إلى مذهب آل البيت(عليهم السلام)، وهو من تونس، وله مؤلّفات عديدة.


الصفحة 371

أهمّية الحوار بين علماء المسلمين:

يدعو القرآن الكريم الإنسانية جمعاء إلى التعارف والحوار، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...}(1).

كما يدعو القرآن أيضاً للحوار بين الأديان والمذاهب، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...}(2)، وقال سبحانه أيضاً: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِّنَ الرُّسُلِ...}(3).

إنّ الحوار والتفاهم بين الناس والحضارات والأديان المختلفة مندوب إليه شرعاً وعقلاً، وعلى هذا الأمر أجمع عقلاء العالم، وقامت سيرتهم، وسار منهجهم، فيكون من الأولى أن يقع الحوار، ويتواصل التفاهم بين أبناء الدين الواحد الذين يعبدون ربّاً واحداً، ويؤمنون بنبيّ واحد وكتاب واحد، ويتوجّهون في الصلاة إلى قبلة واحدة.

إنّ الحوار بين المسلمين محبّذٌ بصورة عامة، وهو ضروري بين علمائهم ونخبهم الثقافية بصورة خاصة، وهو السبيل الأفضل ـ إن لم يكن الوحيد ـ للحلّ الجذري لمشاكل المسلمين وخلافاتهم، وهو الذي يعيد للأُمّة عزّها، ويهديها إلى الطريق الصحيح في البناء الحضاري المنشود، القائم على العدل والإنصاف.

من هنا نجد أنّ المحاورات العلمية الهادئة، والبعيدة عن مؤثّرات الأهواء، وهيجانات التغالب الكاذبة يمكنها أن تقدّم دفعاً قوّياً لمسيرة الأمّة نحو الهداية والتقدّم والاتّحاد، وهكذا كان الأمر في هذه المراجعات العلمية التي جرت في موضوع شائك قسّم الأُمّة لمدّة أربعة عشر قرناً، سالت على أثره الدماء، وقامت عليه الأحقاد، قال الشهرستاني في الملل والنحل: "ما سُلّ سيف في الإسلام على

____________

1-الحجرات (49) : 13.

2-آل عمران (3) : 64.

3-المائدة (5) : 19.


الصفحة 372

قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان"(1).

إنّ هذه المراجعات العلمية التي جرت بعيداً عن الأضواء قد أدّت فيما بعد إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية، وسيادة روح الوحدة بين أبنائها ممّا جرّ إلى إصدار شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت فتوىً يجيز بها التعبّد وفق المذهب الجعفري ـ وهو على رأس مؤسسة سنيّة لها تاريخ وكيان قديم ـ وهو بذلك يكون قد رفع ظلماً مارسته المؤسسات الدينية الرسمية ضدّ هذا المذهب على طول التاريخ.

إنّ الاعتراف بالآخر، واحترام عقائده يعدُّ من أرقى وسائل التفاهم التي تقود الأُمّة إلى وراثة الأرض، وتحكيم الدين الإلهي الذي يضمن سعادتها، ويحققّ آمالها.

قال العلاّمة شرف الدين في مقدّمة كتابه: "كان مما اتّفقنا عليه أنّ الطائفتين ـ الشيعة والسنّة ـ مسلمون يدينون حقّاً بدين الإسلام الحنيف".

ثمّ يضيف: "ونحن لو محّصنا التاريخ الإسلامي، وتبينّا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات ; لعرفنا أنّ السبب الموجب لهذا الاختلاف إنّما هو ثورة لعقيدة، ودفاع عن نظرية أو تحزب لرأي...

وقد طبعت الأجيال المختلفة في الإمامة على حبّ هذه العصبية وألّفت هذه الحزبيّة، بدون تدبّر وبدون رويّة، ولو أنّ كلاً من الطائفتين نظرت في بيّنات الأخرى نظر المتفاهم لا نظر الساخط المخاصم، لحصحص الحقّ وظهر الصبح لذي عينين".

إذن هكذا يجب أن يكون الحوار بين المسلمين، وعلى هذا المنوال تقوم حضارتهم ويسود دينهم، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}(2).

____________

1-الملل والنحل 1: 24.

2-آل عمران (3) : 19.


الصفحة 373

(81) عيسى ترنغدي

(مالكي / بوركينا فاسو)

ولد عام 1390هـ (1971م) في دولة بوركينا فاسو، واصل دراسته الاكاديمية في علم النفس والاجتماع والدراسات التاريخية والفلسفة الإسلامية، ثمّ توجّه إلى الدراسة الدينية فدرس الفقه المالكي، والتحق بأشهر الحوزات العلمية الموجودة في غرب أفريقا حتّى حصل على إجازة تفسير الصاوي على تفسير الجلالين من قبل علماء أهل السنة، ثمّ توجّه إلى الوعظ والإرشاد والتدريس وتفسير القرآن.

مسار دراستي الدينية:

يقول "عيسى": حُبّاً مني للعلوم والمعارف الإسلامية سافرت إلى العاصمة "اكرا" في غانا لأواصل دراستي في مدارسها الدينية، فالتحقت في البدء بمدرسة الوهابيين، فدرست فيها مدّة سنة واحدة، ثمّ خلال بحثي وتتبعي عن الحقيقة تعرفت على المنهج الصوفي التيجاني، فتوجّهت نحوه لفترة ما، ثمّ مواصلة لدراستي الدينية سمعت بمدرسة شيعية فالتحقت بها، وكان أوّل تعرّفي على كلمة "الشيعة" كفرقة من الفرق الإسلامية هو عن طريق مطالعة كتاب مؤتمر علماء بغداد، ولكنني كنت حائراً بين الأفكار والرؤى الإسلامية التي كنت أتلقّاها من هنا وهناك، فقررت أن أبذل قصارى جهدي لأصل إلى الإسلام الذي دعا إليه رسولنا


الصفحة 374

الكريم، فشمّرت عن ساعد الجد، وكانت النتيجة أنّني وجدت مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو المذهب الوحيد السائر على الصراط المستقيم.

وكان لبعض الكتب من قبيل العقائد الإمامية للشيخ المظفّر، وكتاب الباب الحادي عشر للعلامة الحلّي، وكتب التيجاني السماوي أكبر دور في معرفتي للحقيقة.

نشاطه الديني بعد الاستبصار:

يضيف "عيسى ترنغدي": أعلنت استبصاري واعتناقي لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد البحث الجاد والتّتبع والدراسة المتواصلة عام 1991م، وذلك في غانا بالعاصمة اكرا حينما كنت أدرس في الحوزة العلمية التي بقيت فيها مدّة أربع سنوات.

ثمّ بذل "عيسى ترنغدي" جهده لتبليغ مذهب التشيّع، فعاد إلى بلده، وأسس جمعية أهل البيت(عليهم السلام) ومدرسة الإمام المهدي(عليه السلام)، وتصدّى لمسؤولية خدمة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ولم تمض فترة حتّى التحق بمدرسته مائة طالب وطالبة.

يقول "عيسى ترنغدي": "كان هدفي من تأسيس مدرسة الإمام المهدي(عليه السلام)هو أن يتخرّج منها مجموعة من الطلبة ليحملوا على عاتقهم مهمّة الدعوة إلى أهل البيت(عليهم السلام)، وكان هدفي من تأسيس جمعية أهل البيت(عليهم السلام) هو الاهتمام بشؤون التبليغ، وعقد مجالس المناظرات مع علماء الأديان والمذاهب الأخرى والتعريف بمذهب التشيّع وإحياء المناسبات المتعلّقة بالعترة الطاهرة، من قبيل: مواليدهم ووفياتهم، كما كان من الأهداف الرئيسية لهذه الجمعية الدعوة إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، ورصّ الصفوف، والتقريب بين المذاهب.

وإنّني جعلت حياتي ونفسي ونفيسي وقفاً لتبليغ مذهب أهل البيت(عليهم السلام)ونشر معارف الأئمّة في غرب أفريقيا، وأسأل الله تعالى أن يجعل محياي محيا محمّد وآل محمّد، ومماتي ممات محمّد وآل محمّد، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت، وإليه أنيب.


الصفحة 375

(82) شريف أحمد

(شافعي / بورندي)

مرّت ترجمته في (1: 295) من هذه الموسوعة، ونشير إلى سائر ما حصلنا علية من معلومات لم تذكر من قبل.

أجرى "شريف أحمد" العديد من الحوارات مع أصدقائه قبل استبصاره، وكانت حوارتهم في مسجد أنصار السنة وكان في إحدى تلك الحوارات حديثهم حول أهل البيت(عليهم السلام).

يقول "شريف أحمد" وبينما كنّا نتحدّث حول الموضوع دخل شخصٌ وجلس بقربنا، فلم نعتني به، وواصلنا حديثنا، وبعد فترة أحببت أن يشاركنا هذا القادم، فاستمحت عذراً من أعضاء الجلسة وتشاورت معهم في هذا المجال فقبلوا ذلك فالتفت إلي ذلك الشخص، وقلت له: هل ترغب أن تشاركنا في البحث؟

فقال: نعم، وبكل ترحاب.

فقلت له: ماذا تعرف عن منزلة أهل البيت(عليهم السلام).

فقال: أعتقد أنّ أهل البيت(عليهم السلام) قد ظُلموا منذ ارتحال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والتحاقه بالرفيق الأعلى، وأنّ حقّهم قد غُصب، ولا يزال الناس لا يعرفونهم ولا يعلمون منزلتهم، مع أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أكّد على اتباعهم والأخذ بنهجهم، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "أني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي".


الصفحة 376

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) "إنّ مثل أهل بيتي فيكم كسفية نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق".

فقاطعته قائلاً: وهل ما تقوله موجود في كتبنا.

فرد عليّ قائلاً: نعم راجع كتب الصحاح وغيرها، وبيّن لي المصدر، فإنّ هذه الأحاديث اتفق عليها قاطبة علماء المسلمين.

فاستغربت من كلامه، وقلت في نفسي: لابدّ لي من مراجعة المصادر التي ذكرها لمعرفة مدى صحة ما يقوله هذا الشخص.

نتائج غير متوقّعة:

يقول "شريف": بعد مراجعتي للمصادر التي ذكرها ذلك الشخص وجدت أنّ ما قاله صحيح، والذي زاد في دهشتي اعتراف علمائنا بصحة هذه الأحاديث؟

فقد ذكر مسلم حديث الثقلين ونصّه:

قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثمّ قال: "أما بعد أيّها الناس فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربي فاجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحثّ على كتاب الله ورغب فيه، ثمّ قال: "وأهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل بيتي"(1).

وذكر القندوزي في ينابيع المودّة، قال رسول لله(صلى الله عليه وآله وسلم): "مثل أهل بيتي مثل سفية نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق"(2).

وبعد كشف الحقائق لـ"شريف أحمد" عزم على ترك معتقداته السابقة

____________

1-صحيح مسلم 7: 123، مسند أحمد 3: 14.

2-القندوزي (ينابيع المودّة) 1: 14.


الصفحة 377

والأخذ بمنهج أهل البيت(عليهم السلام)، فأعلن تشيّعه، وأخذ على كاهله مهمّة التبليغ، وأصبح من المدافعين عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وقد أثار الوهابيّون المشاكل أمامه، لكنه تمكّن من تخطي هذه العقبات والاستمرار في دفاعه عن العقيدة الحقّة.


الصفحة 378

(83) موريس جل

(حنفي / البوسنة والهرسك)

ولد عام 1388هـ (1969م) في مدينة متيس في فرنسا، ونشأ في أسرة حنفية المذهب، واصل دراسته حتّى حصل على شهادة الثانوية، ثمّ هاجرت عائلته إلى البوسنة فدرس في المدارس الدينية في "سراييفو" بالبوسنة، وتخّرج منها مبلّغاً وخطيباً.

لقاؤه بالشيعة:

يقول "موريس": كنت مغرماً بالشرق، وأحبّ السفر إليه، ولم أكن أعرف الشيعة قبل مجيئي إلى دول الشرق، وكان من جملة الدول التي زرتها إيران، فالتقيت بها بالشيعة، وتعرّفت على مذهبهم الذي كان جديداً عليّ فشغفت بالبحث عنه والتحقيق حوله.

بدأت بالبحث والسؤال، وكنت أكتشف كلّ يوم شيئاً جديداً لم أسمع به من قبل، وراجعت الكتب السنية والمصادر الأساسية فوجدت إمكان إثبات الكثير مما يذكره الشيعة من خلال الكتب والمصادر السنية.

ومن هذا المنطلق عرفت مظلومية أهل البيت(عليهم السلام)، وكيف حاولت السلطات الجائرة إخفاء مناقبهم، وجعل الحواجز بينها وبين المسلمين، ولكنني بعد الاطلاع


الصفحة 379

على هذه المناقب قرّرت التحرّر من موروثاتي العقائدية، والانتماء إلى مذهب يفرض نفسه عليّ بالدليل والبرهان، ولهذا لم تمض فترة بعد البحث إلاّ وجدت نفسي من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فأعلنت استبصاري عام 1997م في إيران، ثمّ بقيت فيها لطلب المزيد من علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام).

الصعوبات التي واجهتها:

يقول "موريس": قد يظنّ البعض أنّ عملية الاستبصار سهلة ويسيرة ويمكن اجتيازها ببساطة، ولكن الأمر ليس كذلك.

وأمّا بالنسبة إلى تجربتي فإنّني كنت شيخاً ومدرّساً ومبلّغاً في المدرسة الدينية في "سراييفو" لمدّة ست سنوات، وفي "البوسنة" لمدّة أربع سنوات، وفي "المانيا" لمدّة سنتين، ولم يكن من السهل عليّ تحطيم كلّ تلك المكانة التي امتلكها، والبقاء في أرض الغربة من أجل الدفاع عن العقيدة، ولكنه تعالى يسّر لي هذا الأمر ووفقني إليه ومنحني القوّة لمواجهة كلّ العقبات التي اعترت طريقي حين وبعد الاستبصار.

لماذا ترك مدرسة الخلفاء:

وجد "موريس" بأنّ تقديسه للخلفاء قبل الاستبصار كان من منطلق الاتّباع الأعمى لموروثة العقائدي، ولكن عندما اتّضحت له الأمور بعد البحث والتحقيق، وعرف الحجم الحقيقي للخلفاء، وجد من السهل الإعراض عنهم والالتحقاق بركب أهل البيت(عليهم السلام) ولا سيّما اتّباع الإمام علي(عليه السلام) بدل اتّباع غيره.

ومن أهم الأمور الملفتة للنظر في خصوص معرفة مقام الإمام علي(عليه السلام) هي كيفية تعامل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) معه(عليه السلام)، والفضائل التي بيّنها(صلى الله عليه وآله وسلم) بامر من الله تعالى لمن يريد معرفة المصدر الذي يمكن الوثوق به بعد التحاق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى.


الصفحة 380

حديث المنزلة:

يعدّ حديث المنزلة من أبرز الأحاديث المبيّنة لمكانة الإمام علي(عليه السلام)، ولا يخفى أنّ هذا الحديث من الأحاديث المتّفق عليها بين الشيعة وأهل السنّة وقد ورد في الصحيحين.

وجاء في هذا الحديث أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال للإمام علي(عليه السلام): "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي"(1).

ولا يخفى أنّ من أبرز منازل هارون من موسى هي الخلافة، حيث قال هارون لموسى {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي}(2).

ومنها: الوزارة، حيث قال موسى في دعائه: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}(3).

وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً}(4).

والحديث الشريف الوارد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يكشف بوضوح ثبوت كلّ هذه المنازل للإمام علي(عليه السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما كانت ثابتة لهارون.

ولا يخفى بأنّ وفاة هارون قبل موسى لا يضرّ في دلالة هذا الحديث ; لأنّ الحديث عام ولو كان هارون حيّاً بعد موسى لكان هو الخليفة من بعده.

كما ظنّ البعض بأنّ هذا الحديث ورد فقط في غزوة تبوك عندما خلف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام علي(عليه السلام) في المدينة فقال له هذا الحديث، ودلالته هو الخلافة الموقّتة على المدينة فترة غياب الرسول عنها، ولكن هذا الحديث غير مختص

____________

1-صحيح مسلم 4: 1489، ح2404.

2-الأعراف (7) : 142.

3-طه (20) : 25 ـ 32.

4-الفرقان (25) : 35.


الصفحة 381

بغزوة تبوك، بل قاله الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في موارد متعددة، منها: قاله لأمّ سلمة(1)، ويوم سدّ أبواب دور الصحابة إلاّ باب دار الإمام علي(عليه السلام)(2)، ويوم المؤاخاة(3)، و...

ومن هنا نستنتج بأنّ هذا الحديث من الأحاديث الدالة بوضوح على أحقّية الإمام علي(عليه السلام) بالخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأحقّية اتّباعه بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن أبرز الأدلة هذا الحديث على مقام سام للإمام علي(عليه السلام) أنّ معاوية بن أبي سفيان أمر سعد بن أبي الوقاص بسبّ الإمام علي(عليه السلام) وهذا الحديث من أبرز الأدلّة التي تدل على مقام الإمام عليّ(عليه السلام) السامي أن معاوية فامتنع سعد من ذلك.

فقال له معاوية: ما منعك أن تسب أبا تراب؟

فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي(4)...

الأدلة مقنعة:

عندما وجد "موريس" الأدلة المقنعة التي تفرض عليه اتّباع الإمام علي(عليه السلام)وأهل البيت(عليهم السلام) لم يتردد أبداً في الاستبصار، ولم يتمهّل في هذا الأمر ليفسح للشيطان المجال لوسوسته وصرفه عن اتّخاذ قرار تغيير انتمائه المذهبي.

وفي عام 1416هـ (1997م) أعلن "موريس" استبصاره، ثمّ التحق بالحوزة العلمية ليكتسب المزيد من علوم آل محمّد(عليهم السلام)، وليوسّع آفاق معرفته الدينية، وليكون بعد ذلك قادراً على دعوة الآخرين إلى الحق والحقيقة.

____________

1-تاريخ مدينة دمشق 42: 169.

2-تاريخ مدينة دمشق 42: 141، 165.

3-المناقب، الخوارزمي: 140، ح159.

4-صحيح مسلم 4: 1490، ح2404.


الصفحة 382

(84) أبوان (أبو ذر)

(مسيحي / بولندا)

ولد أبوان في المملكة البولندية عام (1330هـ)، من أبوين مسيحيين، وبعد مضي فترة من عمره دخل إحدى المدارس، ثمّ سافر إلى روسيا لإكمال دراسته فيها، وقد شاهد أنّ النظام التدريسي يعارض الدين، فقرّر ترك المدرسة.

الهجرة الصعبة إلى إيران:

غادر "أبوان" البلاد الروسية قاصداً إيران للبحث عن عمل، إلاّ أنّ سفره لم يكن بصورة قانونية، فقبض عليه حرس الحدود وأودعوه السجن، بقي في الحبس مدة (19) يوماً، وتعرّف خلال هذه الفترة على سجينين مسلمين، أحدهما شيعي إيراني والآخر سنّي تركي، وقد كان يستمع لما يدور بينهما من أحاديث حول وضع الإسلام والمسلمين، وكذلك حول نقاط الاختلاف بين الفريقين، ممّا وفّر له فرصة ـ مجانية وسانحة ـ مكّنته من الاطلاع على بعض معتقدات الطرفين.

وقد كانت من أشد نقاط الاختلاف التي تناظر فيها هذين السجينين هي مسألة الخلافة، يقول "أبوان": رأيت المسلم السنّي يتحامل على المسلم الشيعي، وينسبه إلى المروق من الدين، فعجبّت من ذلك، وقلت في نفسي: كيف ينسبه إلى ذلك، وهما سيّان في العقيدة؟!


الصفحة 383

سألت الشيعي عن سبب ذلك، فقال: إنّنا معاشر الإمامية نقول بخلافة رجل هو صهر نبيّنا، وابن عمّه، وهو الخليفة بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل، وهو الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وهذا ـ السنّي ـ ينفي خلافته، وهذا سبب تحامله عليّ، ونسبته لي إلى المروق من الدين.

وقد دارت أحاديث أُخرى بينهما بهذا الخصوص، وهكذا عرف "أبوان" منزلة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في قبال غيره من الصحابة، لا سيما الذين غصبوا الخلافة منه.

التعرّف على شخصية أمير المؤمنين(عليه السلام) :

أطلع "أبوان" على عظمة شخصية أمير المؤمنين(عليه السلام) وعلو مقامه وسموّه وفضله، وعرف وجود تيار في أوساط المسلمين يحاول جاهداً إخفاء هذه الفضائل، وذلك لما أضمروا من حقد وحسد له.

فقد ورد في شواهد التنزيل في تفسير الآية الكريمة {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ}(1).

بإسناده عن العبّاس بن هشام عن أبيه قال: حدّثني أبي قال: نظر خزيمة بن ثابت إلى علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فقال له علي(عليه السلام): أما ترى كيف احسد على فضل الله بموضعي من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وما رزقنيه الله من العلم فيه [كذا]؟

فقال خزيمة:

رأو نعمت الله ليست عليهم عليك وفضلاً بارعاً لا تنازعهُ
من الدين والدنيا لك المنى وقوف المنى أخلاقه وطبايعهُ
فعضوا من الغيظ الطويل أكفهم عليك ومن لم يرضى فالله خادعه(2)

____________

1-النساء (4) : 54 .

2-شواهد التنزيل 1: 185.


الصفحة 384

وعن أحمد بن حنبل في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) بإسناده عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: شكوت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حسد الناس أياي فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة؟ أول من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيمان وعن شمائلنا وذرارينا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا(1).

حتّى تحول هذا الحسد إلى ظاهرة علنية، وبدأ المسلمون يسبّون الإمام علي(عليه السلام) على المنابر تبعاً للسياسة التي اتخذها معاوية، وانجرفو إلى المتاهة التي صار ضحيتها أهل الشام وغيرهم من المسلمين آنذاك، بل حتّى وفي زماننا هذا، وهذا لأنّهم اعتادو على متابعة أقوال السلطة والحاكمة بدلاً من أتباع ما يملي عليهم الدين والنصوص الواضحة والواردة في مصادر السنّة المعتبرة.

ومنها ما ورد في صحيح مسلم بسنده إلى علي بن أبي طالب، قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمّي(صلى الله عليه وآله وسلم) إليّ، أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق"(2) ولو تحرر المسلمون من أوهام قداسة كلّ الصحابة وما فعلوه لما طال بهم المطاف إلى ما هم عليه الآن.

مواقف معاوية في سب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) :

ذكر ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة فصل: "فيما روي من سبّ معاوية وحزبه لعلي" قال: إنّ معاوية أمر الناس بالعراق وبالشام وغيرهما سب علي(عليه السلام) والبراءة منه، وخطب بذلك على منابر الإسلام وصار ذلك سنّة..."

وذكر أبو عثمان أيضاً أنّ هشام بن عبد الملك لما حجّ خطب بالموسم فقام إليه إنسان، فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب...".

____________

1-ذكره في هامش شواهد التنزيل 1: 185.

2-صحيح مسلم 1: 61.


الصفحة 385

وكذا روى أبو عثمان أيضاً أنّ قوماً من بني أمية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين أنّك قد بلغت ما أملت فلو كففت من لعن هذا الرجل! فقال: لا والله حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً(1).

لماذا فعل معاوية ذلك؟

رأى "أبوان" أنّ لكلّ هذه الوقائع التاريخية جذوراً عريقةً نشأت فيها هذه الأباطيل، وأنها لم تكن اُموراً وقعت في ليلة وضحاها. فسعى "أبوان" في معرفة الحقيقة المختزنة في الماضي فتبين له من خلال البحث الشاق الذي بذله إلى معرفة جذور الخلافات، وأنّ القوم بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سعوا في دفن فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)، وذلك تلبية لمآربهم التي كانوا يسعون من ورائها، مهملين كلّ القيم الإنسانية والدينية والأخلاقية.

أمير المؤمنين(عليه السلام) الهادي والحجّة بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) :

بعد تخطي هذه العقبات واجتيازها عثر "أبوان" على نصوص تدل على أتباع أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأنّه الهادي بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ عدم اتباعه يدفع الأُمة نحو الجاهلية الجهلاء.

فقد ذكر صاحب مستدرك الصحيحين بسنده عن عبّاد بن عبد الله الأسدي، عن علي(عليه السلام) {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد}(2).

قال علي(عليه السلام): "رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المنذر وأنا الهادي" قال وهذا حديث صحيح الإسناد(3).

وذكر محبّ الدين الطبري في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) عن أنس بن مالك

____________

1-شرح ابن أبي الحديد 4: 56 و57 .

2-الرعد (13) : 7.

3-فضائل الخمسة من الصحاح الستة 1: 314.


الصفحة 386

رضي الله عنه قال: كنت عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فرأى أنّ علياً مقبلاً، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) "يا أنس" فقلت: لبيك، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): "هذا المقبل حجّتي على أُمتي يوم القيامة"(1).

وأيضاً عن أنس بن مالك قال: كان عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) طير، فقال "اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير" فجاء علي بن أبي طالب فأكل معه(2).

مرحلة الهداية:

راى "أبوان" ضرورة اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولزوم اجتياز العقبات التي جعلها المغرضون من السلطة واخفائهم للحقائق ووجدهم كما قال عنهم أمير المؤمنين(عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية كأنّهم لم يسمعوا قول الله تعالى {تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَْرْضِ وَلاَ فَسَاداً}(3)، بلى والله لقد سمعوها ووعوها لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها..."(4).

فأطاحت الدنيا بهم من حيث لا يشعرون، فأصبحوا ينكرون فضائل أهل البيت(عليهم السلام) ويخبئون حقائق لم تكن تقبل التستر وهل يمكن ستر الشمس عن تلألؤها.

فمنّ الله على قلب "أبوان" بالولاية وجعله ممن المتمسكين بها والناجين يوم القيامة.

____________

1-الرياض النضرة 137، ذكر اختصاصه بأنّه حجّة النبي . . .

2-الرياض النضرة 99، ذكر اخصاصة بأحبيته الله تعالى له.

3-القصص (28) : 83 .

4-الخطبة الشقشقية، شرح ابن أبي الحديد 1: 151.


الصفحة 387

(85) الدكتور جيساس (علي)

(مسيحي / بيرو)

ولد في دولة "بيرو" الواقعة في أميركا الجنوبية، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، نشأ في أسرة مسيحية، ثمّ تعرّف على الفلسفة الإسلامية، فقارن بينها وبين الفلسفة الغربية حتّى دفعه هذا الأمر إلى الاهتمام بدراسة الدين الإسلامي، ومن هنا تعرّف "جيساس" على حقائق أنارت له الدرب ودفعته إلى الاستبصار.

المقارنة بين الفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية:

توصّل "جيساس" خلال دراسته بأنّ الفلسفة الغربية اعتمدت على العقل البشري وحده لتخوض في مجالات خارجة عن نطاق قدرته، وهذا ما دفعها للوصل إلى نتائج خاطئة ومتناقضة تؤدّي إلى الحيرة والاضطراب أكثر من حلّها للمشاكل الفكرية.

ولكن الفلسفة الإسلامية اعتمدت على العقول المتنوّرة بالشريعة السماوية، واعتمدت في مقدّماتها على الحقائق الغيبية الواردة من المصادر الدينية المعتبرة، وهذا ما جعلها غنيّة ومفيدة وأكثر تلبية للاحتياجات الفكرية البشرية.


الصفحة 388

نطاق قدرة العقل في معرفة الأمور الغيبية:

عرف "جيساس" بأنّ قدرة البشر محدودة، وهذا العقل غير قادر على معرفة الغيب، والسبيل الوحيد لمعرفة الغيب هم الأنبياء، وأنّ الفلسفة لوحدها غير قادرة على تبيين رؤية كونية كاملة وشاملة.

ومن هنا توجّه "جيساس" إلى التعمّق في دراسة الديانة المسيحية، وقام بموازاة ذلك بدراسة الدين الإسلامي.

ومن خلال هذه المقارنة توصّل "جيساس" إلى أحقيّة الدين الإسلامي وأكمليته وأفضليته، فلهذا اتّخذ قراره النهائي، وعزم على تغيير انتمائه الديني.

عقبات في طريق الاستبصار:

عندما اتّخذ "جيساس" قراره في اعتناق الدين الإسلامي، وتمكّن من اجتياز العقبات النفسية والاجتماعية واجه مشكلة تعدّد المذاهب في داخل الدائرة الإسلامية.

ووجد "جيساس" أمامه العديد من الفرق الإسلامية بحيث تدّعي كلّ واحدة أنّها على الحق وغيرها على الباطل، فتحيّر في بداية الأمر، ولكنّه عرف بأنّ الإسلام في أصوله وأسسه أحق من الأديان الأخرى.

المرحلة الجديدة في البحث:

بدأ "جيساس" بعد اعتناقه للإسلام مرحلة جديدة من البحث في دائرة المذاهب الإسلامية، فدرس عقائد مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وعقائد مذهب أهل السنّة، فأجرى دراسة مقارنة في مجال التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد.

وبعد فترة من بحثه توصّل إلى أحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وأهم ما لفت نظرة مظلومية الشيعة والتشيّع على مرّ العصور.

ومن منطلق البحث عن مظلومية أهل البيت(عليهم السلام)، وأتباعهم عرف


الصفحة 389

"جيساس" بأنّ الطريق الوحيد لمعرفة ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هم أهل البيت(عليهم السلام).

وكتب أهل السنّة ومصادرهم المعتبرة مليئة بذكر فضائل أهل البيت(عليهم السلام)، وفي هذا دلالة على أحقيّة منهج هؤلاء وصحّة اتّباعهم والالتحاق بركبهم.

توجّه "جيساس" بعد الاستبصار إلى تعميق دراسته الفلسفية، فدرس الفلسفة الإسلامية بدقّة وتأمّل، ثمّ بدأ ينشر فكر أهل البيت(عليهم السلام) بين أقربائه واصدقائه وزملائه، وبدأ بتبيين تجربته إلى الآخرين ليتمّ عليهم الحجّة، ويقدّم لهم الحق كهدية لعلّهم ينتفعون منها.


الصفحة 390

(86) أنصار لمبان

(حنفي / تايلند)

ولد عام 1398هـ (1978م) في تايلند بمدينة باتالوم، ونشأ في عائلة حنفية المذهب.

يقول "أنصار لمبان": درست القرآن الكريم في مسجد منطقتنا عند أحد الأساتذة، وبعد ثلاث سنوات من تتلمذي تشيّع هذا الأستاذ وبدأ يدعونا للبحث عن الحقّ ويبين لنا أدلة أحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

فاستغرب جميع الطلبة من تغيير الأستاد لانتمائه العقائدي، وادعائه ما يلزم أنّه الوحيد على الحقّ وجميع من في منطقتنا على باطل!

وانصرف البعض عن الحضور في درس الأستاذ، ولكنّني كنت ممّن واصل المشاركة في جلساته التعليمية، لأنّني كنت واثقاً بعدالة الأستاذ ومستواه العلمي، وكنت على يقين بأنّ الأستاذ لم يغيّر انتماءه المذهبي ولم يتحمّل المصاعب التي واجهته بعد الاستبصار لأغراض دنيويّة أو لمصالح شخصية، وإنّما يسير من منطلق القناعة التي توصّل إليها بالأدلة والبراهين ومن منطلق ورعه وتقواه الذي يفرض عليه الالتزام العملي بالأدلة العلمية التي يتوصّل إليها.