المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 391

لماذا ظُلمت الزهراء(عليها السلام) :

يقول "أنصار لمبان": من الأُمور التي لفتت انتباهي خلال مطالعتي لتاريخنا الإسلامي هو أسلوب تعامل أبي بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطّاب مع سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها.

وطرأ هذا التساؤل في ذهني: لماذا "لما توفيّت (فاطمة)(عليها السلام) دفنها زوجها علي(عليه السلام) ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر أن يصلّي عليها"(1).

ومن منطلق هذا البحث توصّلت إلى حقائق غيّرت رؤيتي الدينيّة، وعرفت بأنّني كنت فيما سبق اتّبع أهل السنّة من منطلق التقليد الأعمى فحسب، وأنّ الأدلة تفرض عليّ أن أُعيد النظر في انتمائي المذهبي.

الهجوم على بيت الزهراء(عليها السلام) :

عندما توفى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) اجتمع القوم في سقيفة بني ساعدة وجثمان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُغسّل ولم يدفن بعد؟!

فتشاجروا في أمر الخلافة، ثمّ تمّت مبايعة أبي بكر فلتةً(2)، وخرج التكتل السياسي الغالب يزفّ خلافة أبي بكر، ويهرّج لها ويدعوا الناس إليها، "فسمع العبّاس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)"(3).

وبما إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّن في العديد من المواقف النصّ إلالهي على خلافة الإمام علي(عليه السلام) فلهذا لم يبايع أمير المؤمنين(عليه السلام) ومجموعة من الصحابة أبا بكر:

وذكر أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد أسماء الذين لم

____________

1-صحيح البخاري 5: 82 باب غزوة خيبر.

2-صحيح البخاري 8: 26، كتاب المحاربين من أهل... مسند أحمد 1: 55، حديث السقيفة.

3-العقد الفريد، سقيفة بني ساعدة 5: 22.


الصفحة 392

يبايعوا أبا بكر، "وقعدوا في بيت فاطمة حتّى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فاقتلهم!

فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا بن الخطاب، أجئت لتُحرق دارنا؟ قال: نعم..."(1).

وذكر ابن قتيبه في كتابه الإمامة والسياسية:

إنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ(عليه السلام)، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها.

فقيل له: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة؟

فقال: وإن...

فوقفت فاطمة(عليها السلام) على بابها، فقالت: "لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقّاً".

فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألاّ تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟

فقال أبو بكر لقنفد وهو مولى له: اذهب فادع لي علياً.

قال: فذهب إلى علي، فقال له: "ما حاجتك"؟

فقال: يدعوك خليفة رسول الله.

فقال علي: "لسريع ما كذبتم على رسول الله".

فرجع فأبلغ الرسالة، قال: فبكى أبو بكر طويلاً.

فقال عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة.

فقال أبو بكر لقنفد: عد إليه، فقل له: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع.

فجاءه قنفد، فأدى ما أمر به.

____________

1-العقد الفريد 5: 13، الذين تخلفوا عن بيعة.


الصفحة 393

فرفع علي صوته فقال: "سبحان الله لقد ادعى ما ليس له.

فرجع قنفد، فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلاً، ثمّ قام عمر، فمشى معه جماعة، حتّى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب، فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة.

فلمّا سمع القوم صوتها وبكائها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا علياً، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع.

فقال: "إن أنا لم أفعل فمه".

قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك.

فقال: "إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله".

ثقال عمر: أمّا عبد الله فنعم، وأمّا أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلّم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟

فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي بقبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصيح ويبكي، وينادي: "يابن أم إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني".

فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة، فإنا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها، حولت وجهها إلى الحائط ، فسّلما عليها، فلم ترد عليهما السلام.

فتكّلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله! والله إنّ قرابة رسول الله أحبّ إلي من قرابتي، وإنّك لأّحب إلي من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أنّي مت، ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وامنعك حقك وميراثك من رسول الله، إلاّ أني سمعت أباك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "لا نورث، ما تركنا فهو صدقة".

فقالت: "أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تعرفانه وتفعلان به"؟


الصفحة 394

قالا: نعم.

فقالت: "نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضى فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني"؟

قالا: نعم سمعناه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قالت: "فإنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه".

فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثمّ انتحب أبو بكر يبكي، حتّى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: "والله لأدعون الله عليك في كلّ صلاة أصليها"(1).

وذكر المسعودي، صاحب كتاب تاريخ مروج الذهب في الحوادث التي أعقبت وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):

عندما لم يبايع أمير المؤمنين(عليه السلام) أبا بكر "فانصرف عنهم فأقام أمير المؤمنين(عليه السلام) ومن معه من شيعته في منزله بما عهد إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فوجهوا إلى منزله فهجموا عليه، واحرقوا بابه، واستخرجوه منه كرهاً وضغطوا سيّدة النساء بالباب حتّى اسقطت (محسناً) واخذوه بالبيعة فأمتنع..."(2).

وقال القاضي النعماني المتوفي سنة 363هـ في أرجوزته المختارة:

فاقتحموا حجابها فأعولت فضربوها بينهم فأسقطت

حتّى قال:

وقتلهم فاطمة الزهراءِ اضرم حرّ النار في احشائي(3)

واعترف أبو بكر بهجومه على دار فاطمة(عليها السلام) وقال عندما جاءته المنية:

____________

1-الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري: 30 ـ 31.

2-إثبات الوصية، المسعودي: 146.

3-الأرجوزة المختارة: 88: 2 (و).


الصفحة 395

"فأمّا الثلاث التي فعلتهن ووددت أنّي لم أكن فعلتها، فوددت أنّي لم أكن اكشف عن بيت فاطمة..."(1).

نعم، كشف أبو بكر عن بيت فاطمة وهو يعلم قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها"(2).

ويروي البخاري: أنّ فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)... هجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت(3).

يقول "أنصار لمبان": عندما جمعت بين هذه الحقائق توصّلت إلى أحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فأعلنت استبصاري، وبدأت بتوسيع نطاق معلوماتي الدينية فالتحقت بإحدى المدارس الشيعية الموجودة في بلدنا، ودرست فيها لمدّة ثلاث سنوات، ثمّ هاجرت إلى مدينة قم المقدسة في إيران لطلب العلم.

وها أنا الآن أشعر بالارتياح نتيجة اتباعي لعقائد توصلت إلى أحقيتها بنفسي نتيجة البحث والدراسة.

____________

1-السقيفة وفدك، الجوهري: 42، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 202، وذكره الطبراني في المعجم الكبير 1: 62، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 3: 109.

2-صحيح مسلم، باب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ح6258، 94، 62.

3-صحيح البخاري 4: 42 باب دعاء النبي، واُنظر مسند أحمد: 1: 6، مسند أبي بكر.


الصفحة 396

(87) تانجنانك بودي (فاطمة)

(بوذية / تايلند)

ولدت عام 1395هـ (1976م) في تايلند، ونشأت في أُسرة بوذية، ثمّ سافرت إلى اليابان بحثاً عن فرصة للعمل واستقرت هناك، وعملت في مجالات مختلفة.

هواية البحث:

كانت تهوى "تانجنانك" قراءة الكتب والبحث حول الرؤية الكونية، وهذا ما دفعها إلى قراءة مختلف الكتب منها الكتب الإسلامية.

وبمرور الزمان تحولّت هذه الهواية إلى هدف ; لأنّها تعتقد بوجود خالق حكيم ومدبّر لهذا العالم، وهذا الحكيم لم يخلقنا عبثاً بل خلقنا لغاية، وقد جاء 124000 نبي ادّعوا أنهم من الله وحذروا الناس من جهنم وبشّروهم بالجنّة.

وهذا ما يدفع الإنسان إلى التأمّل والانتباه إلى عظمة الخطر الذي يهدّده بعد الموت، ومن هنا بدأت "تانجنانك" بحثها بصورة جادة.

اهتمام الإسلام بالأُمور العقائدية:

اهتم الإسلام بالعقائد، واعتبر التوحيد الأصل الأوّل من أُصول الدين، وهو الإيمان بالله وتفرّده بالوحدانية.


الصفحة 397

ومن هنا نبذ الإسلام الشرك، وكشف بأنّ المستحق الوحيد للعبودية هو الله تعالى فحسب.

قال تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(1).

فالله تعالى هو المعبود الوحيد الذي يستحق العبادة، ولا يجوز الاستنكاف عن عبادته وهو المعبود الوحيد الذي يستحقّ الخضوع والخنوع لتفرده بالعظمة الحقيقية.

ولهذا ردّ الله تعالى على من يعبدون غيره، كمن يعبدون المسيح عيسى بن مريم أو عبدة الملائكة الذين كانوا يعبدون السيّد المسيح ويعبدون الملائكة ويستنكفون من عبادة الله بأنّه: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً}(2).

مستلزمات الإيمان بالله:

إنّ الإيمان بالله تعالى يستلزم الإيمان بالملائكة والإيمان برسل الله كلّهم وما جاؤوا من كتب سماوية والإيمان باليوم الآخر، ولهذا قال تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}(3).

الرسالات السماوية:

قارنت "تانجنانك بودي" بين الديانة البوذية وبين الديانات السماوية،

____________

1-العنكبوت (29) : 17.

2-النساء (4) : 172.

3-البقرة (2) : 136.


الصفحة 398

فرأت بأنّ الديانة البوذية لا تعتمد على مستند علمي ومحكم يكشف رضى الله تعالى، بخلاف الديانات السماوية المحرز ثبوتها ونزولها من قبل الله تعالى.

وهذا ما دفع "تانجنانك بودي" إلى دراسة الأديان السماوية، ومن خلال هذه الدراسة كشفت "تانجنانك" بأنّ الديانة الإسلامية اكمل الديانات، كما أنّه خلال سفرها إلى إيران تعرّفت على المذهب الشيعي، فقامت بمقارنة هذا المذهب مع المذاهب الإسلامية الأخرى حتّى توصلت إلى أحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)فأعلنت استبصارها عام 2002م في إيران.


الصفحة 399

(88) فخر الدين الماورا نهري

(سنّي / تركمنستان)

كان يسكن في بلاد ماوراء النهر، وكان منتمياً لمذهب أهل السنة حتّى توفّرت له ظروف دفعته إلى الاستبصار واعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ هاجر إلى مدينة قم لرفع مستواه العلمي والمزيد من التعرّف على معارف أهل البيت(عليهم السلام)، ودرس عند المولى محمّد ظاهر القمي، ثمّ تمكّن من تأليف بعض الكتب الدينية من قبيل، شرح توحيد المفضّل، شرح حديث الغمامة في معجزة مولانا علي(عليه السلام)، ثمّ توفيّ في أواخر دولة السلطان شاه عبّاس الثاني(1).

معرفة الله في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) :

من أهم الأمور التي لفتت انتباه فخر الدين في المذهب الشيعي هي مسألة التوحيد، ولهذا كان أوّل كتاب ألّفه بعد الاستبصار هو شرح توحيد المفضّل.

ومن خصائص ومميزات التوحيد في المذهب الشيعي أنّه يوازن بين العقل والقلب في معرفة الله تعالى.

ولا يوجد في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) إفراط في مجال تعدّي العقل عن حدوده ودخوله في نطاقات خارجة عن نطاقات قدرته كما فعل بعض الفلاسفة،

____________

1-اُنظر: رياض العلماء 4: 331.


الصفحة 400

ولا يوجد إفراط في مجال المعرفة القلبية بحيث يهمل جانب التعقّل كما فعل بعض المتصوّفة.

وكلام أهل البيت(عليهم السلام) في مجال التوحيد نور، يضيء بصيرة الإنسان، ويبيّن له سبيل معرفة الله تعالى.

وقد حذّرت مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) كثيراً عن التفكير في ذات الله تعالى، وقال الإمام الباقر(عليه السلام): "تكلّموا في خلق الله، ولا تتكلّموا في الله، فإنّ الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلاّ تحيّراً"(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): "من نظر في الله كيف هو هلك"(2).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): "إياكم والتفكرّ في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فاُنظروا إلى عظيم خلفه"(3).

مراحل معرفة الله تعالى:

إنّ المرحلة الأولى التي يتمكّن من خلالها الإنسان التعرّف على الله تعالى هي العقل، والمعرفة عن طريق المفاهيم الذهنية.

وبهذه الطريقة يحصل الإنسان على الأدلة والبراهين العقلية لإثبات وجود الله ووحدانيّته وصفاته.

والمرحلة الثانية لمعرفة الله تعالى هي المعرفة القلبية، وتأتي هذه المرحلة بعد المرحلة الأولى التي يصل فيها الإنسان إلى القناعة بوجود الله تعالى، ثمّ يثبت له وجود النبي من قبل الله تعالى، فيدفعه هذا الأمر إلى التزام العمل ومجاهدة الأهواء للاستقامة في تطبيق الشريعة الإلهية، ومن يسلك هذا السبيل فسيعينه الله تعالى، ويرزقه المعرفة القلبية التي لها أبلغ الأثر في وجود الإنسان.

____________

1-الكافي، الشيخ الكليني 1: 92.

2-الكافي، الشيخ الكليني 1: 93.

3-نفس المصدر.


الصفحة 401

قال تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}(1).

أي: يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحقّ والباطل، ولهذا النور يهتدي الإنسان إلى معرفة الله القلبية.

____________

1-الأنفال (8) : 29.


الصفحة 402

(89) ماريا افريانوقا (مريم)

(حنفية / تركمنستان)

ولدت عام 1401هـ (1981م) في مدينة "كاكا" بجمهورية تركمنستان، ونشأت في أُسرة حنفية المذهب، التحقت بالجامعة في كلية إدارة البنوك، وهي تجيد عدّة لغات منها: الروسية والتركمانية والفارسية.

بداية تعرّفها على التشيّع:

تعرّفت "ماريا" ذات يوم على شاب إيراني طلب منها الزواج، ولما قامت "ماريا" بالبحث عنه عرفت أنّه ينتمي إلى عقيدة تختلف عن العقيدة التي ورثتها من آبائها، ولكنّها لم تهتم بهذا الاختلاف لعدم اهتمامها بشؤونها الدينية فقبلت الزواج منه، ولكن بعد الزواج أحبّت التعرّف على المذهب الذي ينتمي إليه زوجها.

قرأت "ماريا" بعض الكتب عن الإمام علي(عليه السلام) باللغة الروسية فتأثّرت بها، كما أعادت قراءتها للقرآن الكريم، فازداد وعيها الديني، وهذا ما دفعها إلى ارتداء الحجاب بعد أن لم تكن تهتم به، ثمّ جاءت إلى إيران مع زوجها، وبمرور الزمان تبلورت عندها القناعة بأحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فأعلنت تشيّعها، ثمّ واصلت مطالعتها للكتب الدينية، ومتابعتها للبرامج المذهبية التي كانت تعرض عبر القنوات


الصفحة 403

الفضائية، وهذا ما دفعها إلى اكتساب الآفاق الواسعة في عالم العلم والمعرفة الدينية.

انبهارها بشخصية الإمام علي(عليه السلام) :

وجدت "ماريا" بأنّ الإمام علي(عليه السلام) شخصية عظيمة حارت فيها العقول، وتاهت فيها الأحلام، فبين غال مُفرط يعتقد فيه الربوبية، وبين ناصب له العداوة ـ مُفرط أيضاً ـ يعتقد فيه الابتعاد عن الإيمان، وبين قوم مفرطين ضيعوا قدره فساووه بغيره ممّن لا يلحق أن يرى غبار بطولاته، أو يسمع رعيد صولاته.

وقليل هم شيعته الحقيقيون الذين سلكوا منهجه في دروب الحياة، فأسهروا عيونهم بالبكاء، وانحنت قاماتهم من القيام، وخمصت بطونهم من الصيام، فكانوا عمش العيون، صفر الوجوه كما وصفهم الإمام علي(عليه السلام).

أمّا محبّوه فكثيرون، وهل يوجد إنسان سويّ لا يعشق البطولة المجسمة فيه، ولا تهزّه مناقبه التي لا تعدّ ولا تحصى، وهل يوجد مسلم لا تبهره كراماته، من الولادة في الكعبة الشريفة إلى استشهاده في محراب العبادة.

ومن العجائب أن أحبّه ومجدّه ناس هم على الديانة المسيحية، لكنّ هذا لم يمنعهم من إنشاد القصائد الغراء في ذكر فضائله أو تأليف الكتب في تمجيد خصائصه، ومن هؤلاء عبد المسيح الأنطاكي، وبولس سلامة، وخليل فرحات، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة وشبلي شميل، وجرجي زيدان، وسليمان كتّاني، وفيليب حتّي، وأنطون بارا ونصري سلهب، وجورج جرداق، وسعيد عقل، وجوزيف الهاشم، وأمين الريحاني، وغيرهم الذين كتبوا حول الإمام علي(عليه السلام)نتيجة تأثّرهم بشخصيته العظيمة.(1)

____________

1-لمعرفة ما كتبه هؤلاء، اُنظر الإمام علي في الفكر المسيحي المعاصر لمؤلفه راجي أنور هيفا.


الصفحة 404

كان علي(عليه السلام) ولايزال بطل الإسلام، وولي المسلمين، يُمتحنُ به الناس في كلّ عصر، فمن تمسّك بولايته نجى، ومن تمسّك بولاية غيره هوى، من عرفه حسنت عاقبته، ومن جهله ضيع آخرته وإن أفنى عمره في العبادة، فعلي(عليه السلام) هو قسيم الجنّة والنار(1)، وهو ساقي حوض الكوثر، وهو حامل اللواء(2) في عرصات القيامة.

وكيف لا يستبصر به من سلمت فطرته، أنّى ولا يهتدي به من طابت سريرته.

صبرُه أخجل صبر أيوب النبي.

وشجاعته جدّلت الأبطال، كعمرو بن عبد ود، ومرحب اليهودي، وغيرهم آلافاً مؤلفة.

وعلمه استقاه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة، فهو باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد علّمه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ألف باب من العلم، ينفتح له من كل باب ألف باب(3).

وكان الإمام علي أخلص الناس قلباً وحناناً وعملاً لله وللرسول صلوات الله عليه وآله، لم يتكلّم في حضرته وهو إمام البلاغة، وربّ الفصاحة وتكلّم الآخرون، وكان(عليه السلام) الوحيد الذي دفع الصدقة في مناجاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)(4)

وبخل الآخرون، أقام الصلاة وآتى الزكاة حتّى زكّى بخاتمه في ركوع الصلاة وتقبل الله منه فذكر الله تعالى موقفه هذا في محكم كتابه ليتلى على مدى

____________

1-اُنظر: بصائر الدرجات: 434، الباب 18: أنّه قسيم الجنّة والنار، أمالي الشيخ الصدوق: 442، ح590، كنز العمال 13: 151، ح36475.

2-اُنظر بحار الأنوار 39: 211، باب أنّه(عليه السلام): ساقي الحوض وحامل اللواء.

3-الخصال: 643، ح23.

4-مستدرك الوسائل 5: 218، ح6، باب 30، مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) 1: 187.


الصفحة 405

العصور(1)، وزكّى الآخرون بخواتيم كثيرة طلباً لنزول القرآن فلم ينزل.

وبات الإمام علي(عليه السلام) على فراش الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) رغم هالة الموت المخيمة عليه باختيار الرسول نفسه له لهذه المهمة ولم يختر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) غيره، وكان مع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ مواطن الخطر يدفع عنه الكرب، ويجلي عنه الشدائد.

ثمّ أختبر الله تعالى عباده بولاية هذا الشخص، فعرف قدرها البعض فسعدوا بها، وجهلها الكثيرون فمادت بهم السبل، وتاهت عنهم الأحلام والعقول، فساءت عاقبتهم رغم السابقة لبعضهم مثل الزبير الصحابي الذي طالما جلى سيفه الكرب عن الرسول بتعبير علي نفسه(2).

كلمة أوّد تقديمها لكلّ المسلمين:

تقول "ماريا": كان الناس فيما سبق عندما يسمعون عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام)لا يسعهم الوصول إلى المعرفة الصحيحة عن معتقدات هذا المذهب، وكان لعلماء السوء القدرة على تشويه هذا المذهب نتيجة ضعف نشر المعلومات والقدرة على التعتيم، ولكننا في يومنا هذا نعيش في رحاب فضاء واسع، فسح المجال لكلّ إنسان أن يتعرّف عبر وسائل الإعلام الحديثة كالإنترنت والقنوات الفضائية والمذياع على عقائد ورؤى من يخالفه في العقيدة والفكر، وهذا ما يتيح له مجال الاستماع إلى الأقوال واتّباع أحسنها بعد التأمّل وإمعان النظر فيها، فعلينا انتهاز هذه الفرصة والتحرّر من التقليد الأعمى لموروثاتنا العقائدية.

____________

1-سورة المائدة (5) : 55 .

2-تاريخ الطبري 3: 540 .


الصفحة 406

(90) يوري كابيسوف (يوسف رمضان)

(حنفي / تركمنستان)

ولد عام 1373هـ (1954م) بمدينة مرو في جمهورية تركمنستان درس في معهد هندسة الكهرباء، كما درس في جامعة الإمام الشافعي الإسلامية بمدينة بنج قلعة في داغستان لمدّة سنة واحدة، وعمل نائباً لمفتي المسلمين في جمهورية استياي الشمالية في روسيا، وكان عضواً في مجلس تنسيق الدوائر الدينية للمسلمين في روسيا.

ترجم بعض الكتب من اللغة الفارسية إلى اللغة الروسية وبالعكس، دوّن بعض المقالات الإسلامية.

في مدينة قم المقدّسة:

حصل "يوري كابيسوف" على منحه للدراسة الدينية في إيران، فسافر إلى مدينة قم، وانتسب إلى حوزتها العريقة، وفيها جرت له حوارات مفصّلة وعميقة مع الأساتذة والطلبة وخاصة الذين سبقوه في الاستبصار، كما قرأ بعض الكتب العقائدية المبيّنة للمسائل الخلافية، فعرف من خلال ذلك أحقية مذهب آل البيت(عليهم السلام)ووجوب اتّباعه والتمسّك به لدعوته إلى التمسّك بالقرآن والعترة، كما أمر الرسول الأعظم في حديث الثقلين بحيث تكون المرجعية والإمامة لهم بعد


الصفحة 407

وفاة الرسول الكريم فأعلن استبصاره سنة 1998م، ثمّ قام بتبليغ العقائد الحقة بعد مراحل متعددة من البحث العميق، فاهتدى على يديه الكثيرون من أبناء اُسرته وأصدقائه الذي أعلنوا ولاءهم للأئمة الأطهار.

امامة أهل البيت(عليهم السلام) :

بلّغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رسالت ربّه بأكملها، ولم يقصّر في أدائها، وكانت مسألة الولاية من بعده من المسائل المهمّة التي لا يعقل أن يتركها عاقل فضلاً عن النبي المعصوم المرسل من قبل ربّ العالمين.

اختار الله سبحانه وتعالى الإمام علي بن أبي طالب وليّاً للمسلمين، وكلّف الرسول العظيم بأداء هذه الرسالة إلى المسلمين، وخشى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من إبلاغ هذا الأمر للناس من دون تمهيد مسبق لها ; لأنّه توقّع مخالفة العرب ـ وخاصة قريش ـ لهذا الأمر ـ وهو الخبير بهم إذ مارس معهم التبليغ المستمر لمدة 23 سنة متواصلة ـ فخاف أن يتّهمه الناس بمحاباة ابن عمه، واحتمل أن يستغل الكفّار والمنافقون هذا الأمر فيرجفون بالناس ويهيجونهم ضدّ الرسول العظيم، وفي هذه الظروف الصعبة جاء النداء الإلهي: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(1)، فما كان من الرسول الأكرم إلاّ أن يجمع المسلمين وهم عائدون من الحجّ ـ في غدير خمّ ويبلّغهم الأمر الإلهي بولاية علي بن أبي طالب فقال لهم: "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه"(2)، فأعلن بصراحة وبشكل رسمي ولاية علي(عليه السلام)، ثمّ قال: "اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه"(3)، وطلب الرسول بذلك نصرة المسلمين للإمام علي

____________

1-المائدة (5) : 67.

2-مسند أحمد 1: 84 و118، 4: 281 و370، 5: 370، مستدرك الحاكم 3: 109 و116 و371، ولاحظ كتاب الغدير للشيخ الأميني.

3-المصدر السابق.


الصفحة 408

وطاعته، ثمّ قام المسلمون بمبايعة علي(عليه السلام) على ولايته، وهنؤوه بالأمر.

لكن الذي تخوّف منه الرسول ظهر جزء منه في يوم الغدير نفسه، إذ جاء أحد الصحابة وأتهم الرسول بتولية ابن عمّه من تلقاء نفسه ومن دون أن يأتي أمر الهي بذلك فتدخلت اليد الإلهية على نحو الإعجاز، وامطرت هذا المتمرّد بالحجر من السماء فقتلته في مكانه(1)، فخمدت الفتنة التي أراد أن يثيرها هذا الصحابي.

وبعد وفاة الرسول ـ بحوالي سبعون يوماً ـ قرّر بعض الصحابة الاستيلاء على خلافة رسول الله، ومنع علي(عليه السلام) من تصدّيه لولاية المسلمين، وزعم هؤلاء أنّهم يخافون الفتنة، فاجابتهم فاطمة الزهراء(عليها السلام) بنت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "ألاّ في الفتنة سقطوا"(2).

وصدقت نبوءتها ـ وهي الصادقة المصدّقة ـ فكانت فتنة كبرى، ضيّع المسلمون فيها ولاية آل البيت(عليهم السلام)، واستبدلوها بولاية علماء السوء، وهكذا بيع الدين بثمن بخس، وساد الناس أراذلهم وتتابعت الفتن كقطع الليل المظلم، واحتلب المسلمون عاقبة أعمالهم دماً عبيطاً لم تنقطع إلى يوم الناس هذا.

كانت إمامة آل البيت(عليهم السلام) نعمة عظيمة ورحمة مهداة وأمان من الفرقة، لكنّ الناس لم يختاروا من اختاره الله فظلموا أنفسهم، وضيّعوا حظّهم، وتفرقوا شذر مذر فسحقاً للقوم الظالمين.

____________

1-تفسير القرطبي 18: 278 ـ 279، وتفسير الكشف والبيان للثعلبي 10: 35.

2-السقيفة وفدك: 143، شرح نهج البلاغة 16: 251.


الصفحة 409

(91) بهجت أفندي

(حنفي / تركيا)

ولد عام 1288هـ في مدينة "زنكه زور" الواقعة بين تركيا وقفقاز، كان منتمياً إلى مذهب الحنفية، حتّى شرح الله صدره للإيمان، فتعرف على أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وسموّ شأنهم، وعلّو مقامهم، وجلالة قدرهم فانتمى إلى مذهبهم(1).

إرواء التعطّش:

بدأ "بهجت أفندي"، بتلقّي العلوم والمعارف الإسلامية من الينبوع الصافي بعد تعرّفه على أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ ألّف كتاباً باللغة التركية تحت عنوان "تاريخ آل محمّد"، وهو الكتاب الذي ترجمه فيما بعد السيّد ميرزا مهدي التبريزي إلى اللغة الفارسية ، وترجمه الشيخ ميرزا علي القمشئي إلى اللغة العربية .

سبب قلّة وجود أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) في مصادر أهل السنّة:

إنّ من أهم الأمور التي وجدها "بهجت أفندي" في أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) والتي لفتت انتباهه، أنّهم يعتمدون في تلقّي ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

____________

1-كنجينة دانشمندان (باللغة الفارسية) 5: 347.


الصفحة 410

ولم يكن هذا الأمر بالنسبة إلى "بهجت أفندي" غريباً بعد معرفته لمقام أهل البيت(عليهم السلام) وعظمة شأنهم، وتأكيد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على التمسّك بهم واتّباعهم والأخذ بهديهم، ولكن ما أثار الاستغراب عنده إعراض أهل السنّة عن هذه الأحاديث.

ومن هنا بدأ "بهجت أفندي" بالبحث، فكانت النتيجة أنّه عرف دور السياسة والأمراء والملوك الجائرين في هذا المجال.

وتبين له أنّ أُمراء الجور حرّفوا الكثير من حقائق الدين لمصالحهم الشخصية، وأوّلوا الكثير من النصوص وفقاً لأهوائهم الفاسدة وسياستهم الظالمة وقد واجه الكثير ممن حاولوا إيصال أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) إلى الناس أنّماطاً مختلفة من القتل والتعذيب والتشريد والتهجير.

ويكفي للباحث مطالعة تاريخ العصر الأموي والعبّاسي لمعرفة ما فعل هؤلاء في حقّ أهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم.

ولم يكن إعراض علماء أهل السنّة عن نقل أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) في مصادرهم إلاّ تمشية مع أهواء هذه السلطات.

دور بني أمية وبني العبّاس في محاربة أهل البيت(عليهم السلام):

إنّ أبرز ما قام به معاوية بن أبي سفيان في محاربته لأهل البيت(عليهم السلام) أنّه أمر بسبّ الإمام علي(عليه السلام) على المنابر، ناهيك عن مخالفته لأوامره والمبادرة إلى مقاتلته.

وكان سبّ الإمام علي من قبل معاوية من الخطوات المدروسة لإطفاء نور أهل البيت(عليهم السلام) وكتب معاوية إلى عمّاله: "اُنظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاؤه ورزقه واشتد الأمر بحيث كان بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه، ومن كان موالياً للإمام علي(عليه السلام)


الصفحة 411

نكلوا به وهدموا داره"(1).

وبلغ الأمر أنّ قوماً من بني أميّة اعترضوا على معاوية فعله هذا، فقال معاوية: "لا والله حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً"(2).

واستمر الاضطهاد لأهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم حتّى بلغ ذروته في واقعة الطف، ثمّ استمر في فترات حكم بقية سلاطين بني أميّة، والتاريخ يشهد على ذلك. أمّا بنو العبّاس فاتّبعوا منهجية بني أميّة في محاربة أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك لوجود الاشتراك بين بني أميّة وبني العبّاس في المصالح والمآرب السياسية.

ويكفي للباحث مراجعة التاريخ ليطلّع على ما قام به خلفاء بني العبّاس(3).

البحث عن الحقيقة:

واصل "بهجت أفندي" بحثه لاكتشاف أسباب هذا العداء، وعندما اتّضحت له أسباب ذلك، عرف بأنّ المذهب الذي كان منتمياً إليه مذهب حكومي نال اعتباره من السلطات الجائرة، وتبلور وفق مصالحهم ومآربهم الشخصية.

ولكن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) مذهب حافظ على ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)على رغم الاضطهاد الذي واجهه على مرّ العصور، وهو المذهب الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه .

مواصلة النشاط العلمي:

إنّ المعلومات التي توصّل إليها "بهجت أفندي" واستفاد منها في تغيير انتمائه المذهبي كانت معلومات كثيرة، ورأى "بهجت" أن ينشر هذه المعلومات بطرق مختلفة من قبيل بيانه للآخرين بصورة شفاهية أو كتبية.

وألّف "بهجت" بعد الاستبصار العديد من الكتب، أهمها: كتاب "مائة يوم في واقعة صفين"، وكتاب "الإرشاد الحمزوي"، و"حجر بن عدي"، و"الحقوق الإرثية".

____________

1-تهذيب التهذيب 7: 281، شرح نهج بالبلاغة 11: 45.

2-شرح نهج البلاغة 4: 57 .

3-راجع مقاتل الطالبيين لأبي الفرج.


الصفحة 412

(92) قدري جليك

(سني / تركيا)

ولد عام 1384هـ (1965م) في مدينة "دياربكر" بتركيا، وتعرّف على الدين الإسلامي خلال نشاطه السياسي، ثمّ استبصر عام 1405هـ (1985م) وهاجر في هذه السنة إلى مدينة قم المقدسة لتوسيع آفاق رؤيته الدينية.

موجز حياته العلمية:

يقول "قدري جليك" جئت عام 1405هـ (1985م) إلى مدينة قم، وقد تعرّفت قبل ذلك على أفكار الإمام الخميني(رحمهم الله) والثورة الإسلامية في تركيا، وبعد مجيئي إلى قم، انتسبت إلى مدرسة الحجتية، وعملت تزامناً مع الدارسة في منظمة الإعلام الإسلامي ومؤسسة "في طريق الحق" ومركز "البعثة"، وكان عملي في هذه المراكز في المجال العلمي والثقافي، كما عملت كمترجم ومقدّم برامج في الإذاعة، وفي نفس الوقت توجهت إلى ترجمة الكتب.

وبعد أن أكملت دراسة "اللمعة الدمشقية" عدت إلى تركيا، ولكننّي لم أترك الترجمة أبداً، وارتبطت بالمراكز العلمية والثقافية المختلفة للعمل في مجال التحقيق والتأليف والترجمة.

ثمّ أسستُ بعد ذلك مركزاً للنشر تحت عنوان "انتشارات الحمد" ونشرتُ خمسة كتب منها "الأربعون حديثاً" للإمام الخميني(رحمهم الله).


الصفحة 413

ومن جملة نشاطي، أنّني جمعت أسئلة الناس واستفساراتهم حول الثورة الإسلامية الإيرانية، وأجبت عليها ثمّ طبعتها في 800 صفحة.

أسّستُ بعد ذلك مركزاً آخراً للنشر باسم "النشر العالمي" استمر عمله إلى عام 1419هـ (1999م)، وطبعت من خلاله ما يقارب 34 كتاباً، ثمّ أصدرت مجلّة باسم "المرأة العالمية" استمرت إلى عشرين عدداً، وكنت أنا صاحب امتياز هذه المجلة، ثمّ عدت إلى إيران توجّهت إلى ترجمة القرآن الكريم ونهج البلاغة، فترجمت نهج البلاغة بصورة كاملة.

أهمية ترجمة المتون الدينية:

يدرك الجميع الأهمية القصوى للترجمة في نقل التراث الفكري والثقافي بين الأُمم، ومالها من أثر في ازدهار المعرفة الإنسانية والدينية عبر التاريخ.

والترجمة: جهد ذهني وفكري وعملية لغوية لنقل المفاهيم من لغة إلى أخرى تتطلّب إبداعاً ممّن يقوم بها، فالمترجم لابدّ له أوّلاً من استيعاب النصّ الذي يودُّ ترجمته بحيث يتعدّى الشكل والأُسلوب إلى المضامين والأفكار، وهذا أمر يتطلّب مهارة لغوية وفكرية عالية.

كما ينبغي له نقل النصّ إلى لغة أُخرى تختلف في التركيب النحوي ومجال الدلالات والمعاني، نقلاً يضمن فهم النص بكل دلالاته ومعانيه، ويشمل أيضاً اطاره الديني والثقافي والتاريخي، ويحتاج هذا العمل أيضاً إلى دقّة النظر في القواعد النحوية والبيانية إضافة إلى الإلمام بالعلوم والمعارف الدينية لتلك اللغة.

يقول "قدري جليك": الترجمة بصفتها عملاً ثقافياً فهي ذات أهمية كبيرة، فالمترجم وقبل ترجمته للنصّ يجب أن يفهمه بكلّ حذافيره ويحقّق في مفاهيمه، ثمّ يقدم على الترجمة، ومن ثمّ الترجمة إحدى الطرق المؤدية إلى التأليفات التحقيقية.


الصفحة 414

وفي سنة 1406هـ (1986م) عندما لم يكن الانترنت في متناول الأيدي، عندما كنت أريد أن أفهم معنى كلمة ذات أهمية بالنسبة لي، كنت أبحث عنها ساعات وساعات وكان هذا الأمر مُحَفَّزاً لإرتقاء مستوى دقّة العمل.

الترجمة الدينية:

تعتبر ترجمة المفاهيم الدينية إحدى أنواع الترجمة، وتُعدُّ هذه الترجمة من أصعب الترجمات ; لأنّها إضافة إلى معرفة اللغتين تتطلّب الإحاطة الإجمالية بالمعتقدات والعبادات والأخلاق والقيم الدينية، ولا يتسنّى نقل هذه المعاني إلى اللغة الأُخرى إلاّ بعد الإلمام بقواعد وأُصول المعارف الدينية، كعلم المنطق والفلسفة وعلم الاجتماع.

وتتضح صعوبة الترجمة الدينية أيضاً عند ترجمة النصوص المقدّسة ـ كالقرآن الكريم ونهج البلاغة ـ إلى اللغات الأُخرى، فلا يستطيع المترجم نقل معانيها بدقة ; لصعوبة نقل بعض المعاني إلى اللغات الأُخرى، حيث لا يفهم أهل اللغة المنقول إليها ما يفهم من النصّ العربي، ولذلك يجب على المترجم عدم الاقتصار على الترجمة اللفظية والحرفية لمعاني هذه النصوص المقدّسة، بل عليه القيام بترجمة معانيها ومضامينها.

يقول "قدري" أعتقد إمكان انتقال المفاهيم الدينية من لغة إلى أُخرى، ولكن يجب معرفة منهجية هذا الانتقال، فتارةً يتمّ الانتقال بالترجمة الحرفية ـ بأن يترجم النصّ كلمة كلمة ـ وبهذا النوع من الانتقال يتعسر إيصال المعاني والمفاهيم بدّقة.

وتارة تكون الترجمة مفهومية، بأن يؤخذ النصّ ويُترجم مفهومياً، وهذه الترجمة أفضل من غيرها وأحسن لإيصال المعاني إلى مخاطبي اللغة الأُخرى.

إنّ هذه الموانع والصعوبات أدّت إلى قلّة عدد المترجمين في هذا المجال،


الصفحة 415

ولعلّ أحد عوامل انحسار الثقافية الإسلامية وعدم إطّلاع الشرق والغرب عليها بالشكل المطلوب، هو دنوّ المستوى المطلوب في مجال الترجمة.

من ناحية أُخرى تصدّى قساوسة الكنيسة ورجال الدين المسيحي واليهودي في البداية ومن ثمّ المستشرقون ـ وعبر قراءتهم وتفسيرهم للمتون الدينية والإسلامية ـ لمهمّة نشر الثقافة الإسلامية عالمياً في قالب خاص يعكس رؤيتهم ـ والتي نعتقد أنها مشوّهة ومنقوصة في كثير من جوانبها ـ ومع الأسف، أضحت تلك الرؤية بالمواصفات المذكورة، الصورة التي يعرفها العالم عن الإسلام والمسلمين في زماننا هذا.

ولذا يجب على المسلم الواعي، أن يعي أهمية ترجمة المتون الدينية إلى اللغات الأُخرى، خصوصاً اللغات الحيّة التي تحظى بعدد كبير من المتكلّمين بها.

من هذا المنطلق ونظراً لاحتياجات المجتمع الإسلامي، يعمل "قدري جليك" ومنذ سنوات في مجال الترجمة، وقد ترجم لحد الآن 136 كتاباً من اللغة العربية والفارسية إلى اللغة التركية الاسطنبولية، ومن الكتب التي قام بترجمتها القرآن الكريم (قيد الترجمة)، نهج البلاغة، ميزان الحكمة، الأربعون حديثاً، آداب الصلاة، تفسير سورة الحمد، شرح حديث جنود العقل والجهل (الإمام الخميني(رحمهم الله)) كلام الوحدة (لعلي شريعتي)، نور الولاية (لجعفر السبحاني) و...

ومن مؤلّفاته باللغة التركية: أنا تومي الثورة الإسلاميّة، الإسلام والعرفان، رسالة الإلهيات، الكلمات القصار، الثقافة الفارسية.


الصفحة 416

(93) محمّد كوزل حسين الآمدي

(شافعي / تركيا)

مرّت ترجمته في 3: 401 من هذه الموسوعة، ونشير إلى معلومات جديدة حول نشاطاته العلمية.

ما بعد الاستبصار:

بعد أن عرف "محمّد كوزل" الحقائق المنيرة التي أخرجته من الظلام، سعى في توسيع آفاق رؤيته، ولكي يكون له الإلمام الكامل بهذه العقيدة ترك بلده متجها إلى إيران ليدرس فيها علوم أهل البيت ليكون، قادراً على بناء عقائده على أسس رصينة لا يشوبها شائبة.

وبعد مجيئه إلى إيران التحق بإحدى الحوزات العلمية، وبذل قصارى جهده في هذا المجال، فشرع في تأليف الكتب، منها كتاب "علي ميزان الحق"، الذي أورد فيه العقائد الصحيحة وبيّن بطلان ما تدعيه بقية المذاهب.

كتاب "علي ميزان الحقّ":

جاء في مقدّمة هذا الكتاب: "لا شكّ في أنّ معرفة الدين الإلهي متوقفة على معرفة الذين جاءوا به، فالإنسان تابع في دينه لمن اقتبسه منه ; فإنّ أخذ دينه من المؤمنين، فيكون تابعاً لهم، وإن أخذه من المنافقين ومرضى القلوب فهو تابع لهم


الصفحة 417

وإن خُيّل له أنّه تابع لدين الله الأصيل.

ولذا يكون البحث في ميزان الحقّ بحثاً عن معرفة أهل الحقّ وعلامات حقيقتهم، ومعرفة الباطل وامارات بطلانهم وضلالتهم...".

ثمّ بيّن المصنّف زيف وبطلان القول بعدالة جميع الصحابة وأيّد مذهب الحقّ الذي يدّعي عدالة بعض الصحابة الذين لم ينحرفوا عن الطريق عقيب ارتحال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى.

ثمّ شرع المؤلّف ببيان مقام وفضل أمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث رأى أنّ بعض ذوي النفوس المريضة، التي كان همّها إخفاء تلك الفضائل للنيل من رغباتهم ومطامعهم، حتّى وصل الأمر إلى إثبات تلك الفضائل إلى غير مستحقيها.

فجعل المؤلّف هذه الفضائل الثابتة للإمام علي(عليه السلام) في خمسة عشر فصلاً:

الفصل الأوّل: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة المؤمن من المنافق.

الفصل الثاني: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة حبيب الله من بغيضه.

الفصل الثالث: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة الذين يؤذون الله ورسوله.

الفصل الرابع: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة سابّ الله ورسوله.

الفصل الخامس: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة المطيع لله تعالى من العاصي.

الفصل السادس: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة الملازم لدين الله من المفارق.

الفصل السابع: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة المسالم لدين الله من المحارب.

الفصل الثامن: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة وليّ الله من عدوه.

الفصل التاسع: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة حماة دين الله من البغاة والدعاة إلى النار.

الفصل العاشر: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان لمعرفة الحقّ من الباطل.

الفصل الحادي عشر: في أنّ علياً ميزان للهداية ومبيّن لحقية الوحي بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).


الصفحة 418

الفصل الثاني عشر: في أنّ علياً(عليه السلام) ميزان للوصول إلى حقيقة الوحي.. علي باب علم الوحي.

الفصل الثالث عشر: في أنّ علياً(عليه السلام) هو صاحب الأذن الواعية لعلم الوحي.

الفصل الرابع عشر: في ذكر شيء آخر ممّا ورد حول علم علي(عليه السلام).

الفصل الخامس عشر: في أن الأمر أعظم من جميع ما ذكر، ومثل علي(عليه السلام)كمثل الكعبة.

بيّن المصنف أنّ هذه الفضائل كلّها ثابتة في الكتب المعتبرة عند أهل السنّة.

رأى "محمّد كوزل" أنّ الوظيفة الشرعية تحتّم عليه إبلاغ هذه الحقائق لأبناء مجتمعه، فأصبح من المبلّغين لدين أهل البيت(عليهم السلام) بحيث استبصر على يده ما يزيد عن عشرين شخصاً من بلدة ديار بكر، ولا يزال "محمّد كوزل" يبذل قصارى جهده في تعريف المذهب الحقّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام).


الصفحة 419

(94) مراد بزكين

(شافعي / تركيا)

ولد سنة 1399هـ (1979م) في مدينة بالوم بتركيا، ونشأ في عائلة شافعية المذهب، درس لمدة سنتين في مدرسة مولانا الدينية في مدينة الازغ بعد إكماله مرحلة الدراسة المتوسطة، وكانت له نشاطات دينية في إقامة صلاة الجماعة وتعليم القرآن.

كما انتمى للحوزة العلمية بعد استبصاره.

كيفية معرفتي للتشيّع:

يقول "مراد": التقيت في مدرسة مولانا الدينية السنية بعدد من المستبصرين الشيعة، فحدّثوني عن آل البيت(عليهم السلام) ومظلوميتهم فدفعني ذلك إلى البحث عن كلّ ما يخصّ آل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم، فأخذت اُتابع لفترة طويلة بعض القنوات الشيعية لعدم وجود الكتب الشيعية لدي في ذلك الوقت فتأثرت بها كثيراً مقارناً لها بما تبثه القنوات التلفزيونية في بلادنا ـ مع الأسف ـ من أفكار علمانية بعيدة عن الدين، وبما تروج له من أنواع الفساد الذي لاحدّ له ولا حصر.

ويضيف "مراد": دعاني أصدقائي للاستبصار، والاهتداء إلى مذهب آل البيت(عليهم السلام)، فأخذت أقلّدهم في صلاتي ووضوئي وبعض الأمور الأخرى بالتدريج حتّى أعلنت استبصاري سنة 1995م.


الصفحة 420

وسافرت بعد ذلك إلى إيران للدراسة في الحوزة العلمية في قم، حيث تعرّفتُ على المسائل الدينية المختلفة، وخصوصاً التي اختلف فيها المسلمون من الشيعة والسنّة، وعرفت أنّ الحقّ فيها مع آل البيت(عليهم السلام) واكتشفت قلّة إلمامي بحقيقة مذهب أهل السنّة.

من هم أهل السنّة:

أهل السنّة طائفة كبيرة من المسلمين، اختلفت على مذاهب عديدة في العقيدة والفقه، كفرّ بعضهم بعضاً أو ضلّله أو فسّقه، ويجمعهم أنّهم خالفوا أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الصريح بتنصيب الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) ولياً للمسلمين يوم الغدير، واعتقدوا بإمامة أبي بكر الذي تمّ تنصيبه في سقيفة بني ساعدة.

ثمّ اختلفوا بعد ذلك هل أنّ أبا بكر كان الفاضل أو المفضول، أو أنّ المسلمين وفقوا لاختياره لوجود نصّ من الرسول كما قالت البكرية(1)، أو أنّ الاختيار كان صحيحاً للسبق والغلبة أو ما ادعوه من الشورى.

وقد صحّح بعضهم خلافة أبي بكر باختيار واحد من أهل الحّل والعقد وهو عمر(2)، وإن كان عمر نفسه قد صرّح بأنّ بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه(3).

فمذهب أهل السنّة قائمٌ إلى اليوم على اتقاء شرّ هذه الفلتة الباطلة واتباع سلاطينهم في قتل من خالفهم، وخاصّة الشيعة الذين تمسّكوا بالسنّة النبوية في تنصيب علي وآل بيته أئمة للمسلمين.

وتطوّر مذهب أهل السنّة بعد ذلك ـ عملاً ثمّ عقيدةً ـ اتباع كلّ سلطان متغلّب غير منصوص عليه، كائناً من كان، قرشياً كان أومن غيرهم، عربياً كان أو

____________

1-الاقتصاد: 207.

2-المواقف 1: 590 .

3-شرح نهج البلاغة 2: 25، الاقتصاد: 208.


الصفحة 421

أعجمياً، فهم قد اتبعوا سلاطينهم في كلّ ما سنّوه لهم من بدع من تغيير في الصلاة والوضوء والاذان والحجّ والزكاة والنكاح وغيرها، ثمّ أدّعوا أنّ هذه البدع هي سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّها في الواقع سنّة أشياخهم، وأهواء سلاطينهم.

فقد صرّح عمر أنّه يخالف السنّة النبوية في متعة النساء ومتعة الحج(1)، والقول بحي على خير العمل في الأذان وإضافة التثويب (قول: الصلاة خير من النوم) إليه(2)، كما قال عن صلاة التراويح التي ابتدعها نعمت البدعة هذه، ومع ذلك نرى أنّ (أهل السنّة) يتّبعون هذه البدع إلى يومنا هذا ويرون أنّها بدع حسنة، لأنّهم يتبعون الرجال الذين خالفوا علياً(عليه السلام) ولا يتبعون السنّة ويصحّحون ما وقع بتأويله وتبريره أنّهم عرفوا الحق فاتبعوه، على خلاف ما يقوله الإمام علي(عليه السلام): "إعرف الحقّ تعرف أهله"(3)، وعلى ذلك فهم يقولون بعدالة كلّ الصحابة وهم يتعدّون 140 ألفاً، رغم تكفير الصحابة بعضُهم بعضاً ونشوب الحروب فيما بينهم.

وقد صححوا ذلك بحديث موضوع أوضعيف أخذوه على إطلاقه وهو: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم(4)، رغم تصريح القرآن بوجود المنافقين فيهم، وأنّه سيكون منهم المنقلبين على الأعقاب(5)، وتصريح الرسول بانحراف أكثرهم كما في أحاديث الحوض(6)، وقد سمّى منهم الناكثين والقاسطين والمارقين الذين حاربوا علياً(عليه السلام).

فعلى هذا فمذهب أهل السنّة مذهب يجمع المتناقضات، ويؤلّف الأهواء في

____________

1-مسند أحمد 3: 324، كنز العمال 16: 521 .

2-موطأ مالك 1: 72، واُنظر بحار الأنوار 30: 358 و31: 43، كتاب الصلاة، رقم 8 .

3-أمالي المفيد: 5، أنساب الأشراف: 239.

4-اُنظر تحفة الأحوذي 10: 155.

5-آل عمران (3) : 144.

6-مسند أحمد 3: 28 و281، 5: 48 و393 و400، صحيح البخاري 4: 110، صحيح مسلم 68.


الصفحة 422

محاربة السنّة الصحيحة التي اتّبعها علي(عليه السلام) وأولاده المعصومين، وهم في الواقع فرق كثيرة من أشاعرة ومعتزلة ومرجئة وقدرية وصفاتية ومعطلة ومشبهة ومجسمة وسلفية ووهابية، وأهل الحديث، وأهل الرأي، وأهل التأويل وأهل الظاهر، وحنفية ومالكية وشافعية وحنبلية، وأوزاعية، وسفيانية، و.. و...

ولكن عندما تراجع كتب الفرق(1) التي ألّفوها تراهم يقسمون غيرهم إلى فرق عديدة، ويرون أنّهم هم الفرقة الوحيدة الناجية، وهم الفرقة المنصورة المؤيّدة.

إنّ هذه التناقضات لا يمكنها أن تنطلي على الناس، وهي قد سببت مآسي كبيرة للمسلمين، وجرّتهم إلى التخلّف والاندحار.

إن أهل السنّة اليوم لا خلاص لهم إلاّ بقبول مرجعية أهل البيت(عليهم السلام)، ورفض كلّ هذا التراث المتراكم من البدع التي ربّاهم عليها سلاطينهم وخصوصاً الشجرة الملعونة من بني أميّة(2)الذين أظهروا الإسلام نفاقاً ثمّ استخدموه وسيلة لانتزاع السلطان والتأمر على الناس.

إنّ مرجعية أهل البيت(عليهم السلام) لها أدلّة واضحة في القرآن وما تبقى من السنّة النبوية لدى المسلمين، كما أنّ أهل البيت المعصومين لاتهمهم سوى مصلحة الإسلام، وليسوا هم طلاّب سلطان أو تأمر أو سمعة، وهم المطهرّون الذين طهرهم الله من كلّ رجس، وقد دللّوا على ذلك بسيرتهم العطرة وأخلاقهم العالية.

إنّ الإمام علي(عليه السلام) قد صبر على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان حفظاً للإسلام وصلاحاً للمسلمين، لكنّه حارب الناكثين وأزال بدعتهم، وحارب القاسطين من بني أُمية واتباعهم أشّد القتال وصرح بنفاقهم بل كفرهم، كما حارب المارقين وفقأ عين فتنتهم، لكنّه كان يرى أنّ فتنة بني أُميّة شرّ منهم وأخطر على الإسلام

____________

1-اُنظر على سبيل المثال: الفرق بين الفرق لعبد القاهر الاسفرائيني.

2-تفسير الرازي 20: 236 و237.


الصفحة 423

والمسلمين(1).

إنّ أهل السنّة اليوم مدعوين لنفض الغبار الاُموي عن دينهم، وهذا الأمر يحتاج إلى جهاد علمي عظيم، وولاية خالصة لأهل الولاية المعصومين لا غيرهم.

____________

1-في قوله(عليه السلام): لا تقتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه (بنو أمية)، نهج البلاغة 1: 108.


الصفحة 424

(95) إدريس بن مسيب

(سنّي / تنزانيا)

ولد في تنزانيا بـ"بكغوما اجيج"، نشأ في أسرة سنيّة المذهب، ثمّ أعلن استبصاره، وقال في رسالة بعثها إلى بعض المراكز الإسلامية، اعتنقت مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لأنّني رأيت الحق معهم، وذلك لتظافر الأدلّة على أحقيّتهم، منها قوله تعالى في سورة الأحزاب {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(1).

من هم المطهرّون؟

ورد في تفاسير أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) أنّ آية التطهير نزلت في أهل البيت خاصة، وأيضاً جاء في تفاسير أهل السنّة بأنّ هذه الآية نزلت في أهل البيت(عليهم السلام) ولكن البعض من أهل السنّة يشارك مع أهل البيت(عليهم السلام) نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

ولكن إذا دقّق الباحث النظر في هذه الآية يجد أنّ الله تعالى خاطب نساء النبي(عليه السلام) بضمير التأنيث، ولمّا أراد الله تعالى أن يُذهب الرجس عن أهل البيت(عليهم السلام)أتى بضمير التذكير، فقال تعالى: {عنكم} و{يطهركم}

فلو كان المراد الإلهي في هذه الآية نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) جميعاً لأنّث الضمير

____________

1-الأحزاب (33) : 33.


الصفحة 425

ولقال تعالى: "انّما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت ويطهركن تطهيراً".

وقد ورد في تفسير علي بن إبراهيم عن زيد بن علي(عليه السلام) أنّه قال: إنّ جهالاً من الناس يزعمون أنّه إنّما أراد الله بهذا أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كذّبوا وأثموا، وأيم الله لو عني بها أزواج النبي لقال: "عنكن الرجس ويطهركن تطهيرا" ولكن الكلام مؤنّثا، كما قال {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ}(1)، و{لا تبرجن}(2) و{لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ النِّسَاء}(3)(4).

كما أنّ من الأدلّة على عدم صحة قصد نساء النبي في آية التطهير، أنّ الله تعالى هدّد نساء النبي قبل آية التطهير بقوله عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لاَِّزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيماً * يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة مُّبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}(5).

كما هدّد الله تعالى نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله تعالى: {اِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَات مُّؤْمِنَات قَانِتَات تَائِبَات عَابِدَات سَائِحَات ثَيِّبَات وَأَبْكَاراً}(6).

وتكشف هذه الآية بأنّ نساء النبي اللاتي نزلت هذه الآية بحقهن لم يكنّ وقت نزول هذه الآية بمؤمنات ولا قانتات ولا تائبات ولا عابدات ولا سائحات و...

____________

1-الأحزاب (33) : 34.

2-الأحزاب (33) : 33.

3-الأحزاب (33) : 32.

4-تفسير القمّي علي بن إبراهيم 2: 193، الجزء (22).

5-الأحزاب (33) : 28 ـ 30.

6-التحريم (66) : 4 ـ 5 .