المكتبة العقائدية » موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)



الصفحة 501

الأئمّة المعصومون المصداق الوحيد لحديث الخلفاء الاثنا عشر:

حدّد حديث الاثني عشر عدد الخلفاء أو الأمراء أو الأوصياء أو الحجج أو القيّمين الذين يخلفون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في إمامة هذه الأُمّة إلى قيام الساعة، وقال الإمام علي(عليه السلام): "إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة غيرهم"(1).

وهذا يدلُّ على أنّ الإمامة قضية لم تترك لاختيار الناس، بل إنّ سلسلة الأئمّة الاثني عشر منظومة إلهية مصطفاة من لدنه سبحانه، ولها ارتباط بدعوة إبراهيم الخليل(عليه السلام)، حيث طلب من الله سبحانه وتعالى أن تكون الإمامة في ذريّته بعد اختيار الله سبحانه وتعالى له إماماً للناس، قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(2).

حيرة علماء مدرسة الخلفاء في تفسير الحديث:

واجه علماء أهل السنّة حيرة شديدة في تفسير الحديث وفق الواقع العملي لمن تسمّى بالخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما هو ديدنهم في تصويب ما جرى في تاريخ المسلمين.

قال ابن العربي المالكي: "إذا عددنا منهم اثني عشر انتهى العدد بالصورة إلى سليمان [بن عبد الملك]، وإذا عددناهم بالمعنى كان معنا منهم خمسة، الخلفاء الأربعة وعمر بن العزيز، ولم أعلم للحديث معنى"(3).

وقال السيوطي: "وقد وجد من الاثني عشر خليفة الخلفاء الأربعة، والحسن ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن

____________

1-نهج البلاغة: 2: 27، الخطبة 144.

2-البقرة (2) : 124.

3-عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي 9: 50، كتاب الفتن، باب 46 ما جاء في الخلفاء.


الصفحة 502

يضمّ إليهم المهتدي من العبّاسيين ; لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك الظاهر ; لما أوتيه من العدل، ويبقى الاثنان المنتظران أحدهما المهديّ ; لأنّه من آل بيت محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)"(1).

وقال ابن كثير: "فهذا الذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة، من أنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق الذي قدّمنا الحديث فيه بالذم والوعيد، فإنّه مسلك فيه نظر، وبيان ذلك: أنّ الخلفاء إلى زمن الوليد بن يزيد هذا أكثر من اثني عشر على كلّ تقدير...

وعلى كلّ تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز، فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية، ويخرج عمر بن عبد العزيز الذي أطبق الأئمّة على شكره وعلى مدحه، وعدّوه من الخلفاء الراشدين...

فإن قال: أنا لا أعتبر إلاّ من اجتمعت الأُمّة عليه، لزمه على هذا القول أن لا يعدّ عليّ بن أبي طالب ولا ابنه [الإمام الحسن(عليه السلام)] ; لأنّ الناس لم يجتمعوا عليهما، وذلك أنّ أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما"(2).

ويضاف إلى ذلك أقوال اُخرى واهية ردّها علماء السنّة أنفسهم، ومن هنا يتبيّن مدى الضعف في تفسير هذا الحديث لدى علماء أهل السنّة، ويظهر واضحاً عدم الاتّفاق فيما بينهم على تفسير مقبول لديهم، وهذا ممّا يدل على أنّ جميع تفاسيرهم للحديث لا تملك نصيباً من الصحة، وهذا هي نتيجة معاندتهم في قضية الإمامة التي هي أساس انحرافهم عن الدين الصحيح.

وعليه فقد اقتضى ذلك أن يتبعوا سياسة الإخفاء والكتمان والحذف والتحريف، والاختلاق والجعل والتأويل والتضعيف والاحراق والنهي عن كتابة

____________

1-تاريخ الخلفاء: 12، ولا ندري هل أنّ لأهل السنّة إمامان منتظران!! والمسلمون ينتظرون إماماً واحداً فقط كما هو معلوم من الروايات المتواترة.

2-البداية والنهاية 6: 183.


الصفحة 503

السنّة الشريفة و . . . و . . .

ولكن يأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره، ويذيع الحقّ ولو على لسان المعاندين ; لأنّ الأمر أمر دين، وليحيى من حيَّ عن بينة، وليهلك من هلك عن بينة.

قال ابن طاووس في ربيع الشيعة:

"وإذا كانت الفرقة المخالفة قد نقلت أحاديث النصّ على عدد الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) كما نقلته الشيعة الإمامية، ولم تنكر ما تضمَّنه الخبر فهو أدل دليل على ان الله تعالى سخرهم لروايته وإقامة لحجته، وإعلاء لكلمته، وما هذا الأمر إلاّ كالخارج للعادة، والخارج عن الأُمور المعتادة، لا يقدر عليه إلاّ الله سبحانه الذي يذلل الصعب، ويقلب القلب، ويسهّل العسير، وهو على كلّ شيء قدير"(1).

وقال الشيخ كاشف الغطاء:

"ولعمري، إنّ هذه الأخبار إن لم تكن من المتواترة على كثرتها، وكثرة رواتها وكثرة الكتب التي نقلت فيها لم يكن متواتر أصلاً ثمّ إن لم تكن متواترة فهي من المحفوفة بالقرائن، وإنّما حفّت بلطف الله وكان مقتضى الحال إخفاءها ; لإخلالها بدينهم المؤسس بالسقيفة المودع في ضمن تلك الصحيفة ومخالفتها لهوى الأُمراء، فظهورها ـ مع أنّ المقام يقتضي إخفاءها ـ قرينة على أنّ الجاحد لا يمكنه إنكارها، كما أنكر كثيراً من أضرابها"(2).

ومن هنا توجّه الأخ يوسف إلى أنّ الدليل العلمي مع أهل البيت المعصومين المؤيّدين من قبل الله سبحانه وتعالى، فاختار مذهبهم الذي ينصره الدين وترك مذهبه الذي لا إمام له مختارٌ من قبل الله، وإنّما اختارهم الناس!! والأمر أمر دين تابع لله.

____________

1-الصوارم المهرقة: 95، نقلاً عن ربيع الشيعة.

2-كشف الغطاء 1: 77.


الصفحة 504

(119) محمّد الأوّل إبراهيم

(سنّي / توغو)

من مواليد مدينة توغو، نشأ في بيئة أملت عليه عقائد مذهب أهل السنّة، وعندما التحق بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) لطلب العلم، لم يكن وقت دخوله للمدرسة يفرّق بين مذهب أهل السنّة ومذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وإنّما كان هدفه مجرّد طلب العلم.

وبعد فترة تعرّف على أستاذ اسمه "سليمان"، فدار بينهما حوار حول الأمور العقائديةن وكان الأستاذ سليمان وهابي المسلك، فلّما تكلّم "محمّد الأوّل" في المجال العقائدي اعترض "سليمان" عليه بشدّة واتّهمه بالضلال والانحراف.

وقال سليمان لمحمّد: إنّ سبب وقوعك في الضلال أنّك انتسبت إلى مدرسة شيعية، فقال له محمّد: إنّ ما أقوله مُدعم بالأدلّة والبراهين، ويمكنك تغيير معتقداني فيما لو بيّنت لي الأدلة المحكمة في هذا المجال.

أدلّة في مقابل أدلّة:

من هنا توجّه "محمّد الأوّل إبراهيم" للبحث بجدّ واجتهاد، وبدأ بدراسة مقارنة بين المذهب الشيعي والمذهب السنّي.

وكان "سليمان" يقدّم أدلته لمحمّد، ثمّ يبيّن "محمّد" أدلته لسليمان، وبعد


الصفحة 505

فترة كشف "محمّد" بأنّه كان على مذهب أهل السنّة انتساباً إلى أبيه، ولكنه بعد دخوله لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) أملت عليه الأدلّة والبراهين أن يكون شيعياً من دون الالتفات إلى هذا التغيير، ولكنه اشتدّ التزامه بالتشيّع بعد معرفته بأهم الاختلافات العقائدية الموجودة بين الشيعة وأهل السنّة وبعد اطلاعه على أدلّة الطرفين.

المقصود من الشيعة:

عرف "محمّد الأوّل" بعد إلمامه بوجود الاختلافات بين المذاهب الإسلامية أنّ الشيعة في اللغة تعني الاتباع، وورد في القرآن الكريم: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لاَِبْرَاهِيمَ}(1)، أي أنّه من أتباع نوح إبراهيم.

والشيعة في اصطلاح المسلمين تعني فرقة إسلامية تعتقد بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عيّن بأمر من الله تعالى الإمام علي(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) للمرجعية الدينية والمرجعية السياسية من بعده.

ويطلق مصطلح الشيعة على شيعة الإمام علي(عليه السلام) لالتزامهم بأمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والتفافهم حول الإمام علي(عليه السلام) بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأوّل من أطلق هذا المصطلح هو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنّا عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل علي فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): "والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة"(2).

وأمّا ادّعاء البعض بأنّ الشيعة والتشيّع وليد عصور متأخرّة فهو ادّعاء واه وفاقد للدليل والبرهان، ولا يخفى أنّ التشيّع كان المذهب الذي واجه أشدّ الهجمات من سلاطين الجور والطغاة، ولكنه على رغم كلّ هذه الضغوطات تمكّن أن يصمد أمام كلّ التيارات المعاكسة، ويزداد أتباعه ـ ولله الحمد ـ يوماً بعد آخر.

____________

1-الصافات (37) : 83 .

2-الدر المنثور للسيوطي 6: 379.


الصفحة 506

(120) أبو حسن التونسي

(سنّي / تونس)

ولد عام 1388هـ (1969م) في تونس، حاصل على شهادة الثانوية، كان منذ صغره مولعاً بمطالعة الكتب والمجلات والحديث مع الآخرين في المجالات الثقافية والعلمية.

ومن هذا المنطلق حصل أبو حسن على خزين علمي تمكّن من خلاله أن يتحرّر من موروثاته العقائدية، ويشيّد لنفسه عقيدة مبتنية على الأدلّة والبراهين، وكان استبصاره عام 1407هـ (1987م).

دين الله لا يعرف بالرجال:

يقول "أبو حسن" حول تقييمه لمذهب أهل السنّة: أهم إشكالية موجودة في إخواننا أهل السنّة أنّهم لا يفصلون بين الإسلام كدين سماوي وبين سيرة الخلفاء، ويعتبرون أنّ الخلفاء هم الإسلام، أي: إذا أشكلت على الخلفاء فأنت تشكل على الإسلام!

وأهم ما يستدل به أهل السنّة على مشروعية خلافة أبي بكر بأنّها لو كانت مخالفة لما يريده الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لما قبلها أكثرية الصحابة، ولكنّهم لا يلتفتون إلى هذه الحقيقة بأنّ الصحابة قد يغفلون عن حقائق كثيرة، كما أنّ الأنصار طالبوا بالخلافة وهم يعلمون بأنّ الخلافة في قريش من خلال حديث الرسول


الصفحة 507

الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).

الانفتاح على الآخر:

يقول "أبو حسن" في مساهمة أرسلها إلى موقع مركز الابحاث العقائدية على الانترنت، جاء فيها: إخوتي الكرام نحن لا نخشى مثل هذه الشبهات، لماذا؟ لأنّنا أصحاب دليل وأصحاب منطق، ولقد زرت أحد الأخوة من بلدتي، وطلبت منه أن يأتيني بكتاب شيعي ولو كتاباً واحداً، ولكن لم يكن عنده ذلك.

قلت له: هذا هو الفرق بين الشيعة وبين أهل السنّة، اذهب إلى كلّ بيت شيعي تجد فيه كتب أهل السنّة، وهذا عظيم، الانفتاح على الآخر، ومعرفته ماذا يطرح؟ وماذا يريد؟

عظمة شأن أصحاب الإمام الحسين(عليه السلام) :

تعتبر واقعة عاشورا من الوقائع المتضمنّة للكثير من الدروس والعبر التي تمدّ الإنسان بالعطاء الروحي والغذاء المعنوي، وتحفّز الطاقات للعمل في ساحة الخير والصلاح.

والكثير من أهل السنّة الذين يقتربون إلى الاستبصار يجدون بأنّ هذا الأمر يستدعي منهم التضحية ولهذا يكون أصحاب الإمام الحسين(عليه السلام) أسوة لهؤلاء فيتلقّوا منهم درس الإيثار والتضحية. وحول عظمة شأن اصحاب الإمام الحسين(عليه السلام) ينقل لنا "أبو حسن التونسي" قصّة طريفة ن وهي: شكّك أحد الأشخاص ذات يوم في دلالة قول الإمام الحسين(عليه السلام): "فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا أخير من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي"(1).

وحاول بهذا التشكيك في الدلالة أن يشكّك في صدور هذا الحديث من

____________

1-الكامل في التاريخ 4: 570 .


الصفحة 508

الإمام الحسين(عليه السلام)، وكان يقول في تشكيكه: بأنّ أصحاب الإمام الحسين لم يقوموا بعمل خارق للعادة، بل كان عملهم أمراً طبيعياً يفعله كلّ إنسان في تلك الظروف التي أظهر العدو أقصى الخسة والوضاعة ; لأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) سبط النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وريحانته، وهو ابن علي(عليه السلام) والزهراء(عليها السلام)، وهو إمام عصره فمن الطبيعي أن ينصره الإنسان المسلم.

ويقول هذا الشخص: رأيت في عالم الرؤيا بعد بيان تشكيكي هذا، وكأنّي حاضر في واقعة الطف فأعلنت للإمام الحسين(عليه السلام) استعدادي لنصرته، فقبل الإمام الحسين(عليه السلام) ذلك، ولمّا حان وقت الصلاة قال الإمام(عليه السلام): نحن نريد إقامة الصلاة فقف أنت هنا كي تحول بيننا وبين سهام العدو حتّى نؤدّي الصلاة.

فقلت: أفعل يا بن رسول الله، فشرع(عليه السلام) بالصلاة، ووقفت أمامه، وبعد لحظات رأيت سهماً ينطلق نحوي بسرعة، فلمّا اقترب طأطأت رأسي دون إرادتي فإذا بالسهم يصيب الإمام(عليه السلام)، فقلت: ما أقبح ما فعلت، لن أسمح بعد هذا بتكرار مثله، أي: بوصول سهم إلى الإمام(عليه السلام).

وبعد قليل أتى سهم ثان فحدث منّي ما حدث في المرّة الأولى، وأصيب الإمام ثانية بسهم آخر، وتكررت الحالة ثالثة ورابعة، والسهام تصيب الإمام أبا عبد الله(عليه السلام) وأنا لا أمنعها من الوصول إليه.

ثمّ حانت منّي التفاتة فرأيت الإمام ينظر إليّ مبتسماً، ثمّ قال: "فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا أخير من أصحابي"(1).

فاستيقظت من منامي وعرفت أنّ الله تعالى أراد أن ينقذني من هذه الغفلة والجهالة، وعرفت أنّنا ينبغي أن نكون من أصحاب العمل، ولا نكون أهل قول مجرد عن العمل.

____________

1-الكامل في التاريخ 4: 57 .


الصفحة 509

التأثّر بواقعة الطف:

يقول "أبو حسن" حول واقعة الطف: كان في السابق يمرّ علينا محرّم، ونحن نعيش البعد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكنّا في تونس نعتبر عاشوراء عيد، ومن هنا نفهم أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لا يعرفه الكثير من العامة وحتّى العلماء معرفة جيّدة ; لأنّ الدور الأموي على مستوى تجهيل الأمّة وإبعاد الناس عن الإسلام الأصيل دور فعّال.

يقول "أبو حسن": كنت جالساً في بيتي وأنا أشاهد بعض الفضائيات الشيعية أيام محرّم الحرام، وإذا بمجموعة من الأخوة في الجنوب وفي الشمال اتّصلوا بي، وقدّموا لي التعازي بمناسبة شهر محرّم، فاستغربت وقلت في نفسي: هذه تونس كانت لا تعتني بمحرم، ولكنها اليوم على رغم جهود الوهابية حصل هذا التحوّل في وطني الغالي، وبدأ الناس في تونس يلبسون السواد، ويضعون بعض الرايات على منازلهم، ومكتوب فيها: "يا حسين، يا مظلوم"، "يا حسين، يا غريب"، "يا حسين، يا شهيد".

ويضيف "أبو حسن": لقد أدخل الإمام زين العابدين(عليه السلام) كربلاء إلى عمق الشعور عند المسلم فجعلها جزءً من كلّ مفردة من مفردات حياتهم، فإذا أكلوا تذكّروا جوع الإمام الحسين(عليه السلام) وإذا شربوا تذكّروا عطش الإمام الحسين(عليه السلام)، وإذا خلدوا إلى الراحة تذكروا تعب الإمام الحسين(عليه السلام) ومعاناته، وبذلك تحوّلت كربلاء بفعل الإمام السجاد(عليه السلام) وطريقته الخاصّة إلى أسلوب حياة لدى قسم كبير من أبناء الأمّة الإسلامية.

وبهذا يستلهم الإنسان دائماً من ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) ما ينير له الدرب في حياته، ويمنحه الاستقامة في كلّ الساحات التي تتطلّب الجهاد والمقاومة.


الصفحة 510

(121) أحمد الحزامي صالح

(مالكي / تونس)

ولد "أحمد الحزامي صالح" بمدينة مارث، 1392هـ (1973م) في تونس، ونشأ معتنقاً للمذهب المالكي ; باعتبار أنّّ عائلته تعتنق هذا المذهب، وتجدر الإشارة إلى أنّه كان مبلّغاً للمالكية في الضواحي والقرى التابعة لمدينته.

قال: أنا شيعي فسخرت منه!

يروي "أحمد الحزامي صالح" قصّة استبصاره فيقول: في عام 1405هـ (1985م) تقريباً كنت أجالس أحد المؤمنين، وصادف ذلك في عشرة شهر محرّم، فسخر البعض من أحد الشيعة لحزنه في هذه الأيام ـ ولم أكن سمعت شيئاً في السابق عن الشيعة ـ فدفعني هذا الأمر للاستفسار، فسألت أخي فقال، الشيعة هم الذين يعبدون الإمام عليّ بن أبي طالب، فتعجّبت من ذلك وتألّمت، وقلت في نفسي: هل يوجد من يعتقد بهذه الخرافات؟!فصرت أنفر منهم وأتجنّبهم.

في عام 1987م تحسّنت علاقة أخي بهذا الشيعي، ومن خلال هذه العلاقة استطاع أن يؤثّر على أخي، ويقنعه بأحقيّة مذهب التشيّع خلال أشهر، وخلال تلك الفترة كنت أمارس التبليغ للمذهب المالكي فرأيت كتاب عنوانه "الخلفاء الراشدون" عند أخي، فسألته عن ذلك الكتاب، فأجابني: أنا شيعي، فسخرت منه، وذكرّته بكلامه السابق، فأخذ يشرح لي وقائع، ويعرّفني بأمور لم يكن هو نفسه


الصفحة 511

عالماً بها، فغضبت منه، وحاولت مناقشته بأحقيّة الخلفاء ـ لا سيّما أبي بكر وعمر ـ وأقمت دليلي على ذلك بالاستناد إلى الحديث المروي عن طريق أهل السنّة: "لو وضع إيمان أمتي في كفّة وإيمان أبي بكر في كفّة أُخرى لرجح إيمان أبي بكر"، فأثبت لي أخي بالأدلّة أنّ هذا الحديث موضوع، كما أثبت لي شرب أبي بكر للخمر(1)وارتكابه للذنوب، في حين أنّ الإمام علي(عليه السلام) لم يشرك في حياته، ولكننا لم نصل إلى نتيجة في تلك الليلة".

إلاّ أنّ الأمر لم ينته بهذا الحد، بل سلك أخوه طريقاً آخر من أجل جذبه وهدايته لمذهب الحق.

مع صديقي الشيعي:

قام شقيق أحمد بترتيب لقاء بين كلّ من أخيه وصديقه الشيعي لغرض طرح المسألة بعمق وشمول أوسع، يقول "أحمد": "التقيت بذلك الشيعي في دكّان أخي،وحاولت التهرّب منه، إلاّ أنّه عاملني بلطف وخلق، وأخذ يشرح لي مشاكل ومعاناة الأمّة الإسلامية وأرجع كلّ تلك المشاكل لرزية يوم الخميس، ويوم السقيفة، فدخلت معه في المناقشة ولم أقبل منه ذلك ولمته لقدحه بالصحابة، وعدّت فذكرت له حديث إيمان أبي بكر، فأبطله بما قاله أخي من قبل، بل وزاد على ذلك بأنّ عمر اعترف أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين من شرّها، وأنّ عمر يقتُل من عاد لمثلها، وذهب فوراً إلى منزله وجاءني بالمصدر، فتعجّبت لذلك، ثمّ استشهد بحديث الثقلين، وآيات من القرآن الكريم لإثبات عصمة أهل البيت(عليهم السلام)، لكنّي لم أقتنع بذلك".

وعلى اثر هذا الجدال توجّه "أحمد" إلى أحد المشايخ، وقصّ عليه ما جرى، فأجابه: بأنّ هؤلاء الشيعة لا يجوز الحديث معهم وقراءة كتبهم!، فلم يقبل

____________

1-مجمع الزوائد 5: 51، باب تحريم الخمر.


الصفحة 512

منه ذلك وأجابه: بأنّ الدين الإسلامي دين البرهان والدليل، فردّ عليه الشيخ: بأنّ الشيعة لهم أسلوب خاص في التشكيك.

لكنّه لم يتعقّل هذه الإجابة، فقد عرف أنّها مجرد تملّص لا أكثر!!

الدخول إلى مرحلة الاحتياط في الدين:

وبقيت محاولات أخيه مستمرة، وطلب منه أن يواصل البحث في كتب الفريقين، وأن يجعل الموضوعية والدقّة من الموازين المهمّة في بحثه، ليتمكّن من التمييز، ثمّ إنّ الصديق الشيعي قام بإعطائه كتاب (ثمّ اهتديت).

يقول "أحمد الحزامي": "أعطاني الشيعي كتاب (ثمّ اهتديت) فطالعته واعجبت به، وإن بقيت بعض الشبهات عالقة في ذهني، كالتهجّم على الصحابة، وبعدها أعطاني كتاب (المراجعات)، وهذا الكتاب درسته بتعمّق، وهنا وقعت في حيرة!!

وبدأت احتاط في عباداتي، ففي الصلاة ـ مثلاً ـ آتي بكلتا الصورتين، وقس على ذلك، وقد بدأت أوقن أنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم الأفضل لكنّي لم أقبل مع ذلك بالبراءة من الصحابة المنحرفين.

ثمّ تعرّفت على شيعي آخر، وحصلت منه على محاضرات إسلامية مسجّلة للشيخ الوائلي والشيخ المالكي، فتبلورت الفكرة في ذهني اكثر فأكثر، ثمّ طالعت كتاب (مؤتمر علماء بغداد) فزاد يقيني، ودامت هذه الفترة حدود ستة أشهر، وهكذا اعتنقت مذهب التشيّع، وأيقنت أنّه هو المذهب الحقّ، وبمرور الأيام بدأت الشبهات العالقة في فكري تنحل وتزول، فغيّرت مسلكي في التبليغ، حيث كنت أروّج للمذهب المالكي، بينما أصحبت اليوم أدعو لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).


الصفحة 513

(122) أحمد الرياحي

(سنّي / تونس)

ولد عام 1400هـ (1980م) في تونس، يدرس حالياً في المرحلة الثانوية، له رغبة خاصة بالبحوث العقائدية، وهذه الرغبة هي التي دفعته في نهاية المطاف إلى تغيير انتمائه المذهبي واعتناق مذهب التشيّع.

دين الرسول قبل بعثته:

من أهم الأسئلة التي اهتم "أحمد" للوصول إلى إجابتها معرفة دين الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل بداية الوحي، وهل كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يمارس بعض الطقوس الدينية؟

فأجابه أحد علماء الشيعة بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان على دين الحنيفية دين جدّه إبراهيم الخليل(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان آباؤه وأمهاته صلوات الله عليهم أيضاً على دين الحنيفية.

وقد سئل الإمام الباقر(عليه السلام) عن الحنيفية، فقال: الحنيفية هي الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، قال(عليه السلام): فطرهم على المعرفة به(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): "كانت شريعة إبراهيم(عليه السلام) التوحيد والإخلاص

____________

1-الكافي، الشيخ الكليني 2: 12.


الصفحة 514

وخلع الأنداد، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها وهي الحنيفية، وأخذ عليه الميثاق أن لا يعبد إلاّ الله، ولا يشرك به شيئاً، وأمره بالصلاة، والأمر والنهي، ولم يحكم عليه أحكام فرض المواريث، وأمره ببناء البيت، والحج، والمناسك، فهذه كلّها شريعته"(1).

وقد كان العرب قبل الإسلام يعملون ببعض الأعمال التي هي من الحنيفية، وقال الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ العرب لم يزالوا على شيء من الحنيفية يصلون الرحم، ويقرون الضيف، ويحجّون البيت، ويقولون: اتّقوا مال اليتيم فإنّ مال اليتيم عقال، ويكفّون عن أشياء من المحارم مخافة العقوبة..."(2)، هذا هو الرأي الأوّل.

وهناك من يرى أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتعبّد على دين الإسلام الذي جاء به فيما بعد إلاّ أنّه لم يؤمر بتبليغ تلك الأحكام إلى الناس حتّى بلغ الأربعين، وهذا هو الرأي الثاني.

وهناك من يرى أنّ نبيّنا لم يكن متعبّداً بشريعة من تقدّم من الأنبياء، ولكن وافقت شريعته شريعة إبراهيم ، فلذلك قال تعالى: {فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}(3).

ولهذا قال الإمام الباقر(عليه السلام): قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "دينه ديني" وسنته سنتي، وأنا أفضل منه، وفضلي من فضله، وفضله من فضلي"(4).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ الحنيفية هي الإسلام"(5).

وذكر جعفر مرتضى العاملي في الصحيح من السيرة:

"إنّ إيمان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتوحيده قبل بعثته يعتبر من المسلّمات، ولكن الاختلاف وقع في أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هل كان متعبّداً بشرع أحد من الأنبياء قبله أو لا؟

____________

1-بحار الأنوار 73: 68.

2-الكافي، الكليني 4: 212.

3-آل عمران (3) : 95.

4-المحاسن 1: 152، ح74.

5-بحار الأنوار 3: 281.


الصفحة 515

وهل هو متعبّد بشرع نوح أو إبراهيم أو عيسى أو بما ثبت أنّه شرع؟ أو لم يكن متعبّداً بشرع أحد؟ ذهب إلى كلّ فريق . . . "(1).

وقال العاملي في موضع آخر "ما نستطيع نحن الجزم به هو أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان مؤمناً موحّداً يعبد الله، ويلتزم بما ثبت له أنّه شرع الله تعالى مما هو من دين الحنيفية شريعة إبراهيم (عليه السلام)، وبما يؤدّي إليه عقله الفطري السليم، وأنّه مؤيّداً، وأنّه كان أفضل الخلق وأكملهم خلقاً وخُلقاً وعقلاً، وكان الملك يعلّمه ويدلّه على محاسن الأخلاق.

كما أنّنا نجدهم ينقلون عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يلتزم بأمور لا تعرف إلاّ من قبل الشرع، وكان لا يأكل الميتة، ويلتزم بالتسميّة والتحميد إلى غير ذلك مما يجده المتتبع لسيرته صلوات الله عليه"(2).

ثمّ قال العاملي: "وقد حرصت الآيات القرآنية العديدة على ربط هذه الأمّة بإبراهيم(عليه السلام)، فلاحظ قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ}(3).

وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}(4).

وقال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}(5).

وقال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ}(6).

____________

1-الصحيح من سيرة النبي الأعظم 2: 195.

2-الصحيح من السيرة 2: 198.

3-الحج (22) : 78.

4-النساء (4) : 125.

5-آل عمران (3) : 95.

6-آل عمران (3) : 68.


الصفحة 516

وقال تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(1).

ثمّ نجد القرآن يصرّح أيضاً بأنّ النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) شخصياً كان مأموراً أيضاً باتّباع ملّة إبراهيم (عليه السلام)، فقد قال سبحانه: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(2).

وقال في موضع آخر: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}(3).

وهذا، وإن كان ظاهره أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر بذلك بعد البعثة وبعد نزول الوحي عليه، لكنه يثبت أيضاً أنّه لا مانع من تعبّده(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل بعثته بما ثبت له أنّه من دين الحنيفية، ومن شرع إبراهيم(عليه السلام)، وليس في ذلك أيّة غضاضة ولا يلزم من ذلك أن يكون نبي الله إبراهيم أفضل من نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ التفاضل إنّما هو في ما هو أبعد من ذلك(4).

اقتطاف ثمار البحث:

واصل "أحمد" بحثه المقارن بين مذهب أهل السنّة ومذهب التشيّع، ولم يقتصر بحثه في الأمور الخلافية فحسب، بل وسّع دائرة بحثه، حتّى أوصله البحث إلى لزوم اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)، وأخذ معالم الدين منهم، فأعلن استبصاره، وبدأ يدعو من يعرفهم إلى الحقائق الجديدة التي توصّل إليها.

____________

1-البقرة (2) : 135.

2-النحل (16) : 123.

3-الأنعام (6) : 161.

4-الصحيح من السيرة، مرتضى العاملي 2: 199.


الصفحة 517

(123) الأسعد بن علي

(مالكي / تونس)

مرّت ترجمته في هذه الموسوعة (2: 129) ونشير إلى سائر ما وقفنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل.

تعتبر دراسة التاريخ الطريق الصحيح الذي يمكن من خلاله الوصول إلى الحقائق التاريخية، ولكن السلطات الجائرة بذلت غاية وسعها لتحريف الوقائع لمصالحها ومآربها، وهذا ما يحتم علينا دراسة التاريخ بصورة شاملة، ووضع الوقائع تحت المجهر لمعرفة مدى صحتها أو سقمها.

ومن هذا المنطلق تبلور اهتمام "الأسعد" في مجال تتبّع الأحداث التاريخية في تأليفه كتاب "صلح الإمام الحسن(عليه السلام) من منظور آخر" حيث سلط فيه الأضواء على هذه الواقعة التاريخية منبّهاً على ضرورة دراسة التاريخ حيث يقول في المقدمة.

ليست دراسة التاريخ ترفاً فكرياً واستغراقاً في الماضي يحجب عنا الواقع وأسئلته، والحاضر ومشكلاته، بل الوعي التاريخي مقدمة لبناء الذات ونحت المجتمعات وتحقيق النهضة، والتغيّر يستند إلى جملة عوامل من، بينها الفهم العميق للتاريخ، والرؤية المتوازنة للماضي.

صحيح أنّنا لا نتحمل مسؤولية ما قام به الأوّلون، ولكن قطعاً ما قاموا به


الصفحة 518

يشّكل الأرضية والقاعدة لأيّ فعل جديد، فقراءة التاريخ والسير في آثار الماضين، يوفّر دروساً مهمةً للاتعاظ والاعتبار من (السلف) ومن تاريخ الشعوب والأمم {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}(1)، {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}(2).

والعودة إلى التاريخ تمنحنا الفرصة للكشف عن نواميسه وقوانينه التي تحكم صعود الحضارات ونزولها ونهضة الشعوب وتقهقرها، وقيام الثورات وسقوطها، وظهور الدول وأصولها{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}(3)، {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}(4)، {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ}(5)، {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}(6).

هذا التأمل في التاريخ يمنح الفرد منّا عمراً تأريخياً يختزن من خلاله كلّ تجارب السابقين، فيتحرك عن بصيرة وإحاطة وخبرة.

يقول الإمام علي(عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن(عليه السلام):

"أي بنيّ، إني لو لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكّرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتّى عدت كأحدهم، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أُمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره"(7).

فإذا كان للتاريخ ودراسته هذه الأهمية، فكيف بقراءة سيرة الرسول والأئمّة

____________

1-الروم (30) : 109.

2-فاطر (35) : 44.

3-الأحزاب (33): 62.

4-فاطر (35) : 43.

5-آل عمران (3) : 137.

6-النساء (4) : 26.

7-نهج البلاغة 41 من وصيّته للحسن(عليه السلام).


الصفحة 519

الأطهار(عليهم السلام)، وهم القادة الربّانيون الذين لا تمثّل حياتهم جزءاً عظيماً وفصلاً منيراً من تاريخ الأمة فحسب، وإنّما تعبّر عن دينها وشريعتها ومرجعياتها العقائدية والسلوكية، فهم مهبط الوحي ومعدن العلم والسبيل إلى الله تعالى.

ولكنّ الباحث حينما يرجع إلى مصادر التاريخ وكتب السير، يواجه عوائق عديدة تحول دون الاستفادة القصوى من هذا المعين المهم في نحت ثقافة المؤمن وبناء وعيه الديني والتاريخي.

فالسيرة جزء من التاريخ، والتاريخ تحكّم في كتابته السلاطين والدول التي سادت ثمّ بادت. فهو خاضع أولاً وبالذات للأهواء والعصبيات، لا للميزان العلمي والموضوعية والتجرد".

إنّ المواقف المبدئية والخطّ الرباني الذي اعتصم به أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فرفضوا الظلم ونبذوا الانحراف وندّدوا بالجور، جعلهم وجهاً لوجه مع مختلف الأنظمة الطاغوتية التي تحكّمت في تاريخ المسلمين، من أمويين وعباسيين وغيرهم...

فالأئمة كانوا دوماً جبهة المعارضة: العلنية أحياناً، والخفية أحياناً أُخرى، وقد لاقوا لأجل ذلك شتّى أنواع التنكيل والتعذيب والتشريد. والسلطات الجائرة لم تقنع بما أصاب أهل البيت(عليهم السلام) من ويلات، فدسّت في صفوفهم ـ إمعاناً في الإيذاء ـ من يشوّه تعاليمهم ويضع الأحاديث والأكاذيب، بل في صفوف المسلمين جميعاً...

فضاع جزء كبير من الحقيقة بين مؤرّخ يسعى لإرضاء السلطان فيحطّ من شأن المعارضة ويهمّشها كما هو ديدن الكتّاب المتاجرين في كلّ عصر، وبين واضع مدلّس كاذب يفتعل الأقاصيص ويختلف الروايات ليشوّه صورة الأئمّة(عليهم السلام)الناصعة، وبين ناقل هذا وذاك دون نقد وتمحيص...

وما يكتب حديثاً عن سيرة الأئمّة لا يخرج في الغالب عن كونه ترديداً لما


الصفحة 520

ذكر في المراجع القديمة، وهذا يحول أيضاً دون استفادة المؤمن المعاصر من تاريخ الأئمّة(عليهم السلام) وربط حياتهم بواقعه، فكلّ دراسة أو قراءة للتاريخ هي ناظرة إلى مرحلتها وزمانها ونمط تفكير أبنائها ومستوى وعيهم.. فلا يمكن أن نقرأ اليوم سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو سيرة الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) كما قرأها القدامى، فقراءتهم كانت استجابة لحاجاتهم وأسئلة عصرهم...

هذه بعض العوائق التي تواجهنا في كتابة السيرة.

وحينما نريد التعاطي مع سيرة الحسن(عليه السلام) تبرز إلى جانب كلّ ذلك مشكلة جديدة ; إنّها مظلمة التحريف والتزييف، ونحن نعلم أنّ جلّ الأئمّة لم يسلموا من تشويه واتهام، فالحسين(عليه السلام) قتل بسيف جدّه؟!! والرضا(عليه السلام) بقبوله ولاية العهد أعطى الشرعية للعباسيين الظالمين! والإمام علي(عليه السلام) أمضى بيعة الخلفاء وتنازل عن حقّه الشرعي! إلى آخره من تفسيرات تتنافى مع عصمتهم، وسلامة خطهم.

ولكن سيرة الحسن(عليه السلام) تواجه ما لا تواجهه سيرة أيّ إمام آخر من التأويلات الباطلة والتشويهات المقصودة".

ويتضمن الكتاب "صلح الإمام الحسن من منظور آخر" أربعة فصول، وهي:

الفصل الأوّل: الإمام الحسن(عليه السلام) من المهد إلى اللحد.

الفصل الثاني: معاهدة الصلح البنود والسياق التاريخي.

الفصال الثالث: أبعاد الصلح وأسراره.

الفصل الرابع: شبهات حول الصلح.

وجعل في الختام الدروس المستلهمة من هذا الصلح تحت عنوان "صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة" حيث يقول: "وصلح الإمام الحسن(عليه السلام) بالذات يؤسّس لجملة من القواعد لابدّ للأُمة عموماً والعاملين خصوصاً الاستفادة منها..."


الصفحة 521

(124) حامد فرحاني

(سنّي / تونس)

ولد عام 1346هـ (1982م) في تونس، فأملت عليه الأجواء المحيطة به الانتماء إلى المذهب السني، لكنه بعد بلوغ مرحلة النضج الفكري والعلمي، بدأ يبحث بدقّة ليؤسس عقائده وفق الأدلّة والبراهين.

استفاد "حامد" من الانترنت كثيراً في بحثه، وراسل العديد من المراكز والمؤسسات، وأصغى إلى مختلف الآراء ليتّبع أحسنها، حتّى جذبه مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ودفعه البحث في نهاية المطاف إلى الاستبصار.

بشارة الكتب السماوية بالإسلام ومذهب أهل البيت(عليهم السلام):

قرأ "حامد" ذات يوم موضوع حول إشارة الكتب السماوية إلى أهل البيت(عليهم السلام)، فبحث حول هذه المسألة حتّى توصّل بأنّ أحد المتخصّصين بالأديان وأهل الكتاب "عودة مهاوش الأردني" ذكر في كتابه "الكتاب المقدّس تحت المجهر" بعض الإشارات في العهدين القديم والجديد، منها:

"وإبراهيم سيكون أمّة كبيرة ومقتدرة، ويتبارك به جميع أمم الأرض، وقد علمت أنّه سيوصي بنيه وأهله من بعده بأن يحفظوا طريق الربّ ليعملوا بالبرّ


الصفحة 522

والعدل حتّى ينجز لإبراهيم ما وعده"(1).

وكذلك ورد: "ويتبارك في نسلك جميع عشائر الأرض"(2).

وبيّن هذا النسل المبارك والكثير بقوله: "وأمّا إسماعيل فقد سمعت قولك فيه، وها أنذا أباركه وأنميّه وأكثره جدّاً جدّاً، ويلد اثني عشر رئيساً، وأجعله أمّة عظيمة"(3).

فربطها المؤلف مع نص في الإنجيل ينص على البشارة برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وبقائه مع المؤمنين إلى الأبد، فقال المسيح: "وأنا أسأل الأب فيعطيكم معزياً آخر ليقيم معكم إلى الأبد"(4).

فبقاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) "المعزي" مع المؤمنين إلى الأبد يقصد منه ما نصّ عليه العهد القديم من ذرية إسماعيل المباركة، وهم أولاده الاثني عشر رئيساً.

فهؤلاء الأئمّة الاثني عشر من أهل بيت النبي هم امتداد وبقاء ذلك المعزي الخاتم من بعده وإلى يوم القيامة أو بالأحرى وحتّى نزول عيسى المسيح(عليه السلام) إلى الأرض والصلاة خلف آخرهم.

وقال ابن تيمية وتلميذه ابن كثير: بأنّ اليهود حينما يسلمون فإنّهم يصبحون شيعة اثنا عشرية ; لأجل هذه الفقرة التي تبشّر بالأئمة الاثني عشر(5).

كما وردت بعض الإشارات في الكتب السماوية عن الإمام الحسين(عليه السلام)ومن ينتقم له من قتلته وهو الإمام المهدي(عليه السلام) والنص هو: "اعدوا المجن والترس، وتقدّموا للحرب، أسرجوا الخيل، واصعدوا أيّها الفرسان وانتضبوا بالخوذ، اصقلوا الرماح، البسوا الدروع.. الخوف حواليهم يقول الربّ، الخفيف لا ينوص والبطل لا

____________

1-الكتاب المقدّس تحت المجهر: 151، نقلاً عن تكوين 18: 18 ـ 19.

2-الكتاب المقدّس تحت المجهر 151، نقلاً عن أعمال الرسل 3: 25.

3-الكتاب المقدّس تحت المجهر: 152، نقلاً عن تكوين 17: 20.

4-الكتاب المقدّس تحت المجهر: 150، نقلاً عن يوحنا: 14 ـ 16.

5-البداية والنهاية 6: 183، الإخبار عن الأئمّة الاثني عشر الذين كلّهم من قريش.


الصفحة 523

ينجو، في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا، من هذا الصاعد كالنيل كأنهار تتلاطم أمواجها".

ثمّ يقول: "اصعدي أيّتها الخيل وهيّجي المركبات ولتخرج الأبطال، كوش وفوط القابضان المجن واللوديون القابضون القوس، فهذا يوم للسيّد ربّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه فيأكلّ السيف ويشبع ويرتوي من دمه، ثمّ تذكر التوراة أنّ السبب في هذا الانتقام من الأعداء هو: "لأنّ للسيّد ربّ الجنود ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات"(1).

لا إكراه في الدين:

من الأسئلة الأخرى التي شغلت ذهن "حامد" كيفية الجمع بين قوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(2)، وما قام الإسلام من فتوحات.

فعرف بعد البحث أنّ صاحب الميزان يقول حول هذه الآية: "أن الإسلام لم يبتن على السيف والدم، ولم يفت بالإكراه والعنوة على خلاف ما زعمه عدّة من الباحثين من المنتحلين وغيرهم أنّ الإسلام دين السيف، واستدلّوا عليه بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين.

وذكرنا في موضوع سابق أنّ القتال الذي ندب إليه الإسلام ليس لغاية إحراز التقدّم وبسط الدين بالقوّة والإكراه، بل لإحياء الحقّ والدفاع عن أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد، وأمّا بعد انبساط التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوّة ولو بالتهوّد والتنصّر فلا نزاع لمسلم مع موحّد ولا جدال فالإشكال ناش من

____________

1-الكتاب المقدّس تحت المجهر: 155، نقلأً عن ارميا 46: 2 ـ 11.

وقد أورد صاحب كتاب "البحث عن الحقيقة" ص49 بالانجليزية هذا النص أيضاً كأحد أدلّة التوراة على خروج صاحب الزمان وقتل أعداء الله.

2-البقرة (2): 256.


الصفحة 524

عدم التدبّر"(1).

وقال العلاّمة الطباطبائي في موضوع آخر: "إنّ القرآن يبيّن أنّ الإسلام مبني على قضاء الفطرة الإنسانية التي لا ينبغي أن يرتاب أنّ كمال الإنسان في حياته هو ما قضت به وحكمت ودعت إليه، وهي تقضي بأنّ التوحيد هو الأساس الذي يجب بناء القوانين الفردية والاجتماعية عليه، وأنّ الدفاع عن هذا الأصل بنشره بين الناس وحفظه من الهلاك والفساد حقّ مشروع للإنسانية يجب استيفائه بأيّ وسيلة ممكنة، وقد روعي في ذلك طريق الاعتدال، فبدأ بالدعوة المجرّدة والصبر على الأذى في جنب الله، ثمّ، الدفاع عن بيضة الإسلام ونفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم، ثمّ القتال الابتدائي الذي هو دفاع عن حقّ الإنسانية وكلمة التوحيد، ولم يبدأ بشيء من القتال إلاّ بعد إتمام الحجّة بالدعوة الحسنة كما جرت عليه السنّة النبوية، قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(2)، والآية مطلقة.

وقال تعالى: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}(3).

وأمّا ما ذكروه من استلزامه الإكراه عند الغلبة فلا ضير فيه بعد توقّف إحياء الإنسانية على تحميل الحقّ المشروع على عدّة من الأفراد بعد البيان وإقامة الحجّة البالغة عليهم، وهذه طريقة دائرة بين الملل والدول، فإنّ المتمرّد المتخلّف عن القوانين المدنية يُدعى إلى تبعيتها، ثمّ يحمل عليه بأيّ وسيلة أمكنت، ولو انجرّ إلى القتال حتّى يطيع وينقاد طوعاً أو كرهاً"(4).

____________

1-الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي 2: 343.

2-النحل (16): 125.

3-الأنفال (8) : 42.

4-الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي 2: 67.


الصفحة 525

(125) حسن بن شقرا

(سنّي / تونس)

ولد "حسن بن شقرا" عام 1358هـ (1940م) في مدينة قابس، منحدراً من عائلة محافظة عريقة الجذور، ونشأ في ظروف أقل ما يقال عنها إنّها استثنائية، بالنظر إلى الاستعمار الفرنسي الذي كان جاثماً على البلاد، وتلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي في مسقط رأسه قبل أن يتحوّل إلى تونس العاصمة، ومن ثمّ قرر السفر إلى فرنسا بعد ما أتمّ المرحلة الثانوية باللغة الفرنسية.

اشتغل "حسن" موظّفاً في إحدى شركات التأمين، ثمّ خبيراً في مجال التأمين بعد أن كسب خبرة طويلة في ذلك المجال.

مفاجأة غيّرت مصير حياتي:

يقول "حسن" متحدّثاً عن قصّة استبصاره: عندما كنت أحزم أمتعة السفر إلى باريس لم يدر بخلدي في ذلك اليوم أنّه سيكون لي طريق آخر غير الذي اخترته لنفسي ومهدّت له وعلّقت عليه آمالاً لا ترتقي إلى شيء سوى اللهث وراء الدنيا وزينتها، كجُلّ خلق الله الذين لم تنفتح بصائرهم على سرّ الوجود وحقيقته، وحتمية الانتقال بين العوالم الثلاثة "الدنيا، البرزخ، الآخرة".

ولم يكن إعدادي لرحلتي تلك من قبيل الإعداد لرحلتي القادمة، بل لعلّها لم تدخل في حساباتي، ولم يكن ذلك كلّه صادراً عن سوء نيّة منّي، ولا تطاولاً


الصفحة 526

على مقام الربوبية من عبد آبق كلّ على مولاه، ولكنه كان نتيجة طبيعية لتداخل الخطوط المنتسبة للدين الإسلامي، وصورة واقعية لمجتمعات إسلامية بطم طميمها خضعت أجيالها راغبة أو راهبة لمنطق الأسلمة الذي انتهجته طوابير الأنظمة المنحرفة التي تعاقبت على رقابها، ولا فريداً في ذلك الزبد نتيجة للعوامل التي ذكرتها.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب"(1).

أيقنت أنّ المضغة التي بين أضلعي صالحة بفضل الله تعالى، وقد اختبرتها في مواضع الخوف والرجاء فوجدتها مستجيبة لأمره تعالى داخلة في ميثاق طاعته.

لم أتوقّع في يوم من الأيام وأنا أخطط لأشياء كنت أراها من الزاوية التي كان يرى بها مجتمعي الذي انتمي إليه وجيلي الذي يعاصرني ضرورة وأساسية أن أصدق عن ذلك التحقيق وأحال عنه إلى بحث آخر وتخطيط آخر وحياة أُخرى، عرّفتني المعنى الحقيقي للحياة فلسفة ووجوداً، والسبب الذي من أجله خلقنا الله تبارك وتعالى، ولعل أبلغ ما قاله سيّد البلغاء وغمام الفصحاء أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا الإطار ما نقل عنه من أنّه سئل: "بم عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربي بفسخ العزائم ونقض الهمم، لما هممت حيل بيني وبين همّي، ولما عزمت خالف القضاء والقدر عزمي علمت أنّ المدبّر غيري"(2).

وأكرم وأنعم به من صرف وتخيير وهداية وتسخير يحال فيها المرء من وجهته الدنيوية المادية إلى التجارة التي لا تبور والطريق إلى مرضاة الله تعالى.

عندما كنت أغادر وطني ومسقط رأسي ومرتع صباي ومخزون ذكرياتي،

____________

1-بحار الأنوار 58: 23، معنى قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين على قلبك)اً.

2-التوحيد، الصدوق: 288.


الصفحة 527

كان الأمل الذي يحدوني متعلّق بخيوط واهية لا تتجاوز الزينة التي أخرج الله لعباده، لم يكن في حسابي أن أجد بعناية الله تعالى بينها خيطاً يوصلني إلى ما وراء ذلك الزائل، ليوقفني على الحقيقة التي أخذت بيدي إلى الإسلام المحمّدي الأصيل، وقيّض الله لي التمسّك بحبله المتين، وأخذني إلى عروته الوثقى، وأبدلني من ألطافه ما يعجز القلب عن أداء شكر تلك النعم والمنن، ولولاه لكنت من {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}(1).

ولقد رأيت من خلال ما مررت به من تجربة وأنا في تأمّلاتي وبحوثي الدينية أن أعزم على كتابة هذه التجربة، وأن أضعها بين يدي كلّ باحث عن الإسلام الحق، الذي لم تدنّسه جاهلية الطغاة بأدناسها، ولا أثّرت فيه أيدي العابثين من زمر المنافقين والمشركين، من أدعياء التسلط على رقاب المسلمين، غايتي من ذلك إنارة قلوب المسلمين البعيدين عن الرياء والتعالي، المتبرّئين من الكبر والمستكبرين، الواضعين أنفسهم موضع العبودية لله تعالى وحده.

لم يكن شغفي بالمطالعة يقف عند حدّ، ولا يكتفي بصنف من الكتب، صحيح أنّ ثقافتي باللغة الفرنسية كانت تدفعني بداية إلى اقتناء المؤلّفات المكتوبة بها غالباً، ولكن ذلك لم يمنعني من قراءة بعض الكتابات العربية.

السبيل لمعرفة الحقّ:

ذات يوم جاءني أحد الأصدقاء يحمل معه كتاباً بعنوان: " la Bible Coranet la Science"، لمؤلّفه موريس بوكاي، فقرأته في وقت قياسي، لما لمست فيه من جدّية في تناول الفكر الديني وعلاقته بالعلم، فقد كان الرجل دقيقاً في تحصيل المعاني الصحيحة للمصطلحات القرآنية، وإيصالها كما هي إلى عقول قرّائه، بينما أساء عدد من المترجمين المسلمين وغيرهم ترجمة تلك المصطلحات فلم تؤدّ

____________

1-الكهف (18) : 104.


الصفحة 528

معناها المقصود، بل كانت بعيدة كلّ البعد عن الحقيقة العلمية، وهو ما حاول المؤلّف أن يقرن به تلك المصطلحات، فصحح ترجمة "العلق" "ودحو الأرض" التي أساء ترجمتها غيره بما يتعارض والمدلول العلمي الذي أراده الله تعالى معناً إعجازياً في عصر يفتقد أبسط أبجديات العلوم التطبيقية والنظرية.

ومن طريف القول أنّ موريس بوكاي لم يأنس لمعنى "دحى" الذي حاول البعض إقناعه به، فسافر إلى البلاد العربية سعياً منه للوقوف على بعض آثار اللغة العربية التي كادت تندثر مع هجمة الأعداء عليها، وتفريط أصحابها فيها، فوجد أنّ معنى "دحى" لا زال الليبيون يستعملونه في تسمية البيض، فيطلقون على الواحدة: "دحيّة"، وهي مشتقاة من "دحى يدحو دحواً"، أي: جعلها كالبيضة، وبمعنى آخر فإنّ الأرض ليست كروية الشكل بقدر ما هي بيضوية، فلم يسبقه في هذا الخصوص مترجم غيره.

ومن خلال ملامستي لأسلوب موريس بوكاي في البحث بكلّ تجرّد وبصيرة وأناة، أثّر ذلك بالنسبة لي في النظر إلى كلّ مسألة، وحصلت لديّ قناعة تمثلت في أنّ الحقيقة لا تدرك إلاّ بالمعرفة والعلم والتجرّد في البحث، فالرجل أعطاني المثال الذي يجب أن يحتذى في طريقة البحث وتتبع الحقيقة.

يقول بوكاي: "لقد قمت أوّلاً بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أيّ فكر مسبق، وبموضوعية تامّة باحثاً عن درجة إتقان القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات أنّ القرآن الكريم يذكر أنواعاً كثيرة من الظواهر الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنصّ العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت منها أنّ القرآن لا يحتوي على أيّة مقولة قابلة للنقد من جهة نظر العلم في العصر الحديث، وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل.

وأمّا بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من


الصفحة 529

الكتاب الأوّل، أي: سفر التكوين، فقد وجدّت مقولات لا تمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا.

وأما بالنسبة للأناجيل فما تكاد تفتح الصفحة الأولى منها حتّى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، ونعني بها شجرة أنساب المسيح، وذلك أنّ نصّ إنجيل متى يتناقض بكلّ جلاء مع إنجيل لوقا، وأنّ هذا الأخير يقدّم لنا صراحة أمراً لا يّتفق مع المعارف الحديثة الخاصّة بقدم الإنسان على الأرض".

ودفعني حبّ الاطّلاع والتأكّد من صحّة كلام بوكاي، إلى تصفّح عدد من الأناجيل المنسوبة للنبي عيسى(عليه السلام)، وهو منها براء، فوجدّت فيها كثيراً من التناقضات، التي تؤكّد على أنّ تلك الكتب هي مختلقة من أناس لم يرثوا تعاليم الأنبياء(عليهم السلام)، ولا كانت معارفهم إلهية، سوى نزر يسير من الأخلاق التي ضمّنوها كتبهم للتمويه على الناس، واختلاف الأناجيل كان لفظاً ومعنى، فلا الواحد يشبه الآخر في شيء سوى العنوان، ولم يعد هناك ذكر للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) سوى ما ذكره برنابا في إنجيله مستبدلاً اسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمصطلح الفرقليط ، أي: راكب الجمل.

أهم سبب وجود الاختلاف بين الناس:

لم يكن تحريف الكتب السماوية سببه تقصير الأنبياء(عليهم السلام) في أداء عهدتهم، ولا هو نقص حاصل في تشريعاتهم، بل العلّة كامنة في انحراف أممهم عن المسار المرسوم لهم، ومخالفتهم للنهج الذي تركهم عليه أنبياؤهم(عليهم السلام)، قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}(1).

وحصلت لديّ قناعة بأنّ منشأ اختلاف الناس سياسي، ومدار صراعه السلطة والحكم، ولم يكن الدين في ذلك إلاّ ضحيّة تلك الصراعات، وكان تحريف الأحكام وتأويلها على غير حقيقتها السلاح الذي استعمله البغاة من أجل تضليل

____________

1-آل عمران (3) : 19.


الصفحة 530

أممهم.

لم تكن فترة إقامتي بفرنسا تكتسي أهمية، ولا حصل لي فيها تطوّر أو تغيير عقائدي، فالمهم بالنسبة لي حصل بعد انتقالي من فرنسا إلى سويسرا، وتحديداً أثناء فترة إقامتي بها.

هناك تطوّرت علاقاتي وتنوّعت بشكل نوعي على وجه الخصوص، فالغربة عامل مهم في صقل الوجدان، وسبب من أسباب انطلاق الروح والعقل إلى فضاءات متنوّعة من المعرفة والتأمّل.

علّمتني الغربة الاعتماد على نفسي في كلّ صغيرة وكبيرة، والصبر على كلّ حال، وبذل الجهد في الظفر بصديق يكون رفيق الدرب، وحافظ السر، ومعين النوائب.

وقد كنت محظوظاً في جميع ذلك، فقد وفّقني الله تعالى إلى الكثير من مننه وعطاياه، وخصوصاً قلباً منفتحاً على الخير وأهله، وعقلاً مرناً يقبل النقاش ويتعامل بالمنطق السليم.

وباعتبار أنّ المغترب يسعى دائماً إلى التقرّب من بني جلدته وأهل ملّته ; لأنّهم ملاذه في الشدائد، وأهل السلوى والمواساة عند المصائب، فعرفت الكثيرين في أماكن متفرقة من سويسرا.

وفكّرت في أداء مناسك العمرة استعداداً لأداء فريضة الحج على أحسن الوجوه، ولمّا عرضت عليّ فكرة السفر إلى الحجاز مع عدد من الإخوة وافقت فوراً على مرافقتهم للعمرة.

السفر إلى الحجاز:

حان موعد السفر إلى بلاد الحجاز، وكان الشوق يكاد يطير بي إلى تلك الربوع قبل أن تطير الطائرة، إنّها منّة من منن الباري تعالى في أن ألتحق بالأماكن


الصفحة 531

المقدّسة لأداء فريضة العمرة، وزيارة مقام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالشكر له أوّلاً وأخيراً.

امتطينا الطائرة، وتحرّكت بنا إلى الحجاز في أجواء روحية منعشة، ورغم طول السفرة فلم أشعر بالزمن يمر، وكنت بين تفكّر وذكر وشوق.

وحطّت الطائرة في مطار جدّة ومنه إلى مدينة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) على متن طائرة أُخرى، وفي يثرب مكثنا ثمانية أيام في ضيافة سيّد الأوّلين والآخرين(صلى الله عليه وآله وسلم)، تلك المدينة التي ما تزال تحتفظ بطابعها القديم في الاحتفاء والفرح بضيوف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمام مقامه الشريف، شهدت تطاولاً عليه وانتهاكاً لحرمته، وتعدّياً صارخاً على المسلمين الذين جاؤوا ليسلّموا عليه، ويتكرر المشهد مع كلّ الذين يحاولون الاقتراب من شبّاك الحجرة الشريفة صيحات الجلاوزة الذين انتصبوا على جانبي الحجرة: القبلة من هنا.. ابتعد يا مشرك.. ذلك ما تعلّموه من مؤسس ضلالتهم محمّد بن عبد الوهاب الذي قال: عصاي هذه أنفع من محمّد(1)، لذلك فالوهابية يرون أنّ التوسّل والاستشفاع بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وطلب الحاجات عنده من البدع والضلالات والشرك الذي يخرج عن الإسلام، وبناء على ذلك الاعتقاد فهم يتعاملون مع ضيوف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في منتهى القسوة والفظاظة.

وسمعت الكثير عن تلك الانتهاكات بحقّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وضيوفه من الحجاج والزوّار والمعتمرين، لكنني لي أصدّق كلّ ما كان يقال، مستبعداً أن يقدم أحد من المسلمين مهما كانت درجة استهتاره على التعدّي على حرمة خاتم الأنبياء والمرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وتقدّمت إلى الحجرة الشريفة لأسلّم وأدعوا، وقد تملّكتني أحاسيس، وغمرت كياني مشاعر اختلطت فيها الهيبة بوجود النبي، والفرح بزيارته ولقائه،

____________

1-الصحيح من سيرة النبي الأعظم 1: 32.