المكتبة العقائدية » المحسن السبط مولود أم سقط (لـ محمد مهدي الخرسان)



الصفحة 31

الثالث عشر من المصادر هو (مجمع الزوائد) (1) للهيثمي (ت 807 هـ)، جاء فيه ذكر الحديث المروي عن هانئ بن هانئ, ثم قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار إلاّ أنّه قال: سميتهم بأسماء ولد هارون جبر وجبير ومجبّر. والطبراني, ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح غير هانئ بن هانئ، وهو ثقة.

ثم ورد في المصدر المذكور الحديث الآخر: وعنه _ عن عليّ _ قال: لما ولد الحسن سميته حرباً, وكنت أحب أن أكتني بأبي حرب, فجاء النبي(صلى الله عليه وآله) فحنكه, فقال: ما سميتم ابني؟ فقلنا: حرباً, فقال: هو الحسن، ثم ولد الحسين فسميته حرباً, فأتى النبي(صلى الله عليه وآله) فحنكه فقال: ما سميتم ابني؟ فقلنا: حرباً, فقال: هو الحسين.

ثم قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني بنحوه بأسانيد, ورجال أحدهما رجال الصحيح.

الرابع عشر من المصادر هو عيون الأخبار وفنون الآثار(2) للداعي المطلق إدريس عماد الدين القرشي (ت 872 هـ )، جاء فيه ما لفظه:

وروي عن أبي غسان بإسناده عن عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: لما ولد الحسن بن عليّ سمته أمّه حرباً, فجاء النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلنا: حرباً, قال: لا بل هو حسن.

فلما ولد الحسين سمته أمّه أيضاً حرباً، فجاء النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلنا: حرباً, قال: لا بل هو حسين, فلمّا ولد محسن سمّته أمه حرباً، فجاء النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلنا: حرباً، قال: لا، بل هو محسن، ثم قال: إنّي سميتهم بأسماء أولاد هارون شبر وشبير ومشبر.

وعقّب المؤلف على ذلك بقوله: ومن هذه الرواية دليل على أنّ محسن ولد

____________

1- مجمع الزوائد للهيثمي 8 : 52.

2- عيون الأخبار وفنون الآثار 4: 6.


الصفحة 32

على عهد النبي(صلى الله عليه وآله)، والأشهر الذي عليه الإجماع أيضاً أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) سمّاه وهو في بطن فاطمة, وأنّها أسقطته حين راعها عمر بن الخطاب ودفع على بطنها الباب, والله أعلم بالصواب.

تعقيب على صور الحديث:

هذه نماذج من صور الحديث في مختلف المصادر, وهي من الأمهات التي يرجع إليها المتأخرون وعنها يأخذون, وحسب القارئ هذه المصادر الثلاثة عشر فهي تُغني عن غيرها، ولنعد الآن إلى صور الحديث فنُلقي عليها نظرة فاحصة، لنعرف مدى التفاوت الذي حصل بين ما جاء في أقدم مصدر, وبين ما جاء بعده، مع العلم بأنّ الحديث واحد، وراويه الأول واحد، ثم الذي رواه عنه أيضاً هو واحد, فلماذا نجدُ التفاوت؟

ومهما كان ذلك لفظياً أو بسيطاً, فهو بالتالي يكشف عن عدم الدقة في النقل, ويورث ذلك عدم الثقة بالناقل، وبالتالي إلى عدم اعتبار الحديث, فخذ أمثلة على ذلك:

1 _ جاء في ثاني المصادر وهو كتاب (مسند الطيالسي) فقد روى حديث أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليّ, وقد ورد فيه أنّ علياً كان يحب أن يكتنى بأبي حرب فسمّى ولده حرباً ...، فغيّره النبي(صلى الله عليه وآله) وسمّاه حسناً، ثم ولد الحسين سماه عليّ حرباً وغيّره النبي(صلى الله عليه وآله) وسمّاه حسيناً.

وإلى هنا انتهى الحديث ولم يأت عن ولادة الثالث شيء، ولا عن تسمية النبي(صلى الله عليه وآله) لهما باسم ابني هارون، بينما نجد نفس الحديث بنفس السند في المصادر التالية فيه نقص وفيه زيادة, ففي بعضها ليس فيه ذكر لمحبة عليّ أن يكتني بأبي حرب، بينما فيه زيادة ذكر ولادة المحسن وأنّ علياً سمّاه حرباً, فغيّره النبي(صلى الله عليه وآله) وسمّاه المحسن، مضافاً إلى زيادة قوله(صلى الله عليه وآله) : سميتهم بأسماء ولد هارون... الخ. فمن أين جاءت تلك الزيادة؟ ولماذا طرأ ذلك النقصان, فاختفت محبة عليّ


الصفحة 33

أن يكتنى بأبي حرب!!

2 _ وخذ مثالاً ثانياً ما جاء في الحديث الثاني الذي رواه ابن سعد في الطبقات, وهو الثالث في سُلّم المصادر, تجد الحديث يرويه أبو إسحاق مرسلاً ليس فيه ذكر عمّن أخذه، وفيه تجد حبّ عليّ أن يكتني بأبي حرب, وفيه زيادة أخرى هي قوله (صلى الله عليه وآله) في كل ولادة: (ما شأن حرب وهو حسن) (ما شأن حرب وهو حسين) (ما شأن حرب وهو محسن أو محسّن) [بالتشديد] وهذه الزيادة الأخيرة لم ترد إلاّ في حديث أبي إسحاق المرسل الذي أخرجه ابن سعد في الطبقات, ولم ترد في بقية المصادر التي أوردت الحديث.

3 _ وخذ مثالاً ثالثاً حديث هانئ بن هانئ عن عليّ, وقارن بين ألفاظه في مختلف مصادره تقف على التفاوت فيها, ولابدّ لنا من الإشارة إلى أنّ هانئ بن هانئ الذي حدّث عن عليّ(عليه السلام) لم يروِ عنه غير أبي إسحاق, كما سيأتي بيان ذلك.

فهذا التفاوت والاختلاف إما أن يكون منه أو من أبي إسحاق, وفي كلتا الحالتين يتطرق الريب إلى صدقهما في النقل، أما الحمل على رجال السند من بعد أبي إسحاق حتى أصحاب المصادر ربّما كان فيه تجنٍ عليهم، لأنّهم رووا ما سمعوا، وإن كانت المؤاخذة قد ترد عليهم حين رووا ذلك على ما فيه من تفاوتٍ وتهافت.

4 _ وخذ مثالاً رابعاً ما جاء في المصدر الثالث عشر, ففيه مضافاً إلى إرساله أنّ الذي سمّى الأبناء بحرب هي أمهم فاطمة(عليها السلام), وهذا بخلاف ما مرّ أنّ علياً(عليه السلام) هو الذي سمى أو أحبّ أن يسمّي، فجميع هذه الملاحظات تسقط الحديث المذكور عن الاعتبار.

والآن لنقرأ شيئاً عن الرواة لنعرف وزنهم في ميزان الجرح والتعديل.


الصفحة 34

الفصل الثاني

البحث عن رجال الاسناد

ولنبدأ بهم حسب ذكرهم في المصادر, فرجال الحديث في المصدر الأول _ وهو سيرة ابن إسحاق _ قال: أنا (أخبرنا) يونس, عن يونس بن عمرو, عن أبيه, عن هانئ بن هانئ.

فيونس الأول هو: ابن بكير، قال الآجري عن أبي داود: ليس هو عندي بحجة، كان يأخذ ابن إسحاق فيوصله بالأحاديث، ومع ذلك قالوا عنه: كان صدوقاً إلاّ أنّه كان يتبع السلطان، وكان مرجّئاً، ومع ذلك روى له مسلم متابعة!!

ويونس الثاني هو: ابن عمرو _ أبي إسحاق _ السبيعي روى عن أبيه، وقد أثنوا عليه في كتب الرجال، ومن الثناء عليه: كان يقدم عثمان على عليّ, ولعل ذلك هو سبب قول أبي حاتم: صدوق لا يحتج به (خلاصة تهذيب الكمال).

وفي المصدر الثاني: وهو (مسند أبي داود الطيالسي): حدّثنا قيس, عن أبي إسحاق, عن هانئ بن هانئ, عن عليّ(عليه السلام).

فأما قيس _ شيخ أبي داود _ فقد قال هو نفسه عنه: ما أخرجت له إلاّ ثلاثة أحاديث، حدّث بأحاديث عن منصور هي عن عبيدة، وأحاديث عن مغيرة هي عن فراس، وقال أحمد: روى أحاديث منكرة، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن قيس، وكان ابن معين يقول عنه: ليس بشيء، وقال: ضعيف الحديث لا يساوي شيئاً(1).

____________

1- تهذيب التهذيب 8 : 393.


الصفحة 35

أما باقي رجال السند فستأتي حالهم عند ذكر المصادر التالية حسب تسلسلها.

وفي المصدر الثالث: وهو الطبقات الكبرى فقد روى ابن سعد عن عبيد الله ابن موسى, قالوا عنه: ثقة يتشيع, عن إسرائيل بن يونس: ثقة تكلّم فيه بلا حجة, عن أبي إسحاق السبيعي ثقة عابد اختلط بآخره, عن هانئ بن هانئ الهمداني الكوفي، قال ابن المديني: مجهول، وقال الشافعي: لا يُعرف، وأهل العلم لا ينسبون حديثه لجهالة حاله(1).

وقال ابن سعد في الطبقات(2): كان يتشيع وهو منكر الحديث.

وقال الذهبي(3): ليس بالمعروف, وقد ورد ذكره في كتب الرجال الشيعية، ولم يذكر فيه مدح، نعم روي أنّه كان من آخر رسل أهل الكوفة إلى الحسين(عليه السلام)، هو وسعيد بن عبد الله الحنفي يطلبون منه القدوم عليهم، وأنّهم ينتظرونه ولا رأي لهم في غيره، فأجابهم (عليه السلام) وأرسل الجواب مع الرسولين المذكورين, كما ذكر ذلك الشيخ المفيد في الإرشاد(4)، والطبري(5) وغيره ذكروا مثل ذلك.

ولدى التحقيق في أسماء شهداء الطف لم أقف على ذكر لهانئ بن هانئ المذكور بينهم، بينما ورد اسم سعيد بن عبد الله الحنفي في عداد الشهداء، وكان من المفترض فيه أن يكون كزميله الحنفي ولم يذكر أنه كذلك, ونكتفي بهذا عنه، ويتضح أنّ الرجل مجهول الحال أو مجروح، ومَن وثقه لا يقوم بحجة تدفع

____________

1- المصدر نفسه 11: 12.

2- طبقات ابن سعد 6: 155.

3- المغني في الضعفاء 2: 707.

4- الارشاد: 203.

5- تاريخ الطبري 6: 198.


الصفحة 36

أقوال الجارحين من أئمة الفن.

وقد قال ابن عبد البر في الاستقصاء (ترجمة رقم 2182): كل مَن لم يرو عنه إلاّ رجل واحد لا يعرف إلاّ بذلك, فهو مجهول عندهم لا تقوم به حجة.

فتبيّن أنّ الحديث بهذا السند الضعيف لا يصح أن يحتج به.

أما الحديث الثاني في الطبقات فهو عن الحسن بن موسى, وهو الأشيب أبو عليّ البغدادي ثقة, عن زهير بن معاوية أبو خيثمة ثقة ثبت وسماعه عن أبي إسحاق بآخرة، وقد تقدم أن أبا إسحاق اختلط بآخرة فلاحظ ذلك, فالحديث مضاف إلى إرساله إذ لم يدرك أبو إسحاق الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ليروي عنه, فأبو إسحاق في هذا إما مرسِل أو مدلِّس, لأنّه روى الحديث كما مرّ بالسند الأول عن هانئ بن هانئ وهو هنا لم يذكره.

أما أسانيد المصادر الباقية فحيث أنّها تنتهي إلى إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ, وقد عرفنا حال هؤلاء, فلا حاجة إلى بسط القول في الرجال الّذين رووا الحديث عن إسرائيل, يبقى لنا و قفة عابرة مع أولئك الّذين اهتموا بتصحيح الاسناد كالبزار والحاكم والهيثمي وغيرهم ممّن سبقت الإشارة إلى أقوالهم، فإنّ حجتهم _ الواهية _ أنّ رجال بعض أسانيده هم رجال الصحيح, كما مرّ عن رجال أحمد والبزار وحكاه الهيثمي. وكأنّ الصحيح عندهم هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وأسفي على تلك الجهود المضاعة لإثبات أنّ صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله, مع كثرة ما فيه من هنات وهفوات, وما أخذ عليه وفيه من مؤاخذات, يعرفها أولئك المخرفون قبل غيرهم.

ومهما يكن حالهم فلسنا بصددهم, وإنّما الذي يهمنا أن نقوله: إنّ جميع الأسانيد في الحديث في جميع المصادر تنتهي إلى أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ، ومرّت بنا كلمة الشافعي وغيره, فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يحتج بالحديث المذكور, وكذلك بالنسبة إلى الحديث الثاني الذي رواه أبو إسحاق مرسلاً.


الصفحة 37

بقى هنا شيء يجب أن ننبه عليه, هو ما جاء مرسلاً عن سالم بن أبي الجعد, قال عليّ: كنت رجلاً أحبّ الحرب، فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حرباً, فسمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) الحسن، قال: فلما ولد الحسين فهممت أن أسميه حرباً لأنّي كنت أحبّ الحرب، وسماه رسول الله(صلى الله عليه وآله) الحسين, وقال: إنّي سميت ابنيّ هذين باسمي ابني هارون شبراً وشبيراً.

وهذا الحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات(1)، والهيثمي في مجمع الزوائد(2)، والطبراني في المعجم الكبير(3)، ولمّا كان مرسلاً فلا حاجة إلى عطف النظر إلى رجال السند فيه.

كما لا حاجة إلى البحث عن أبي غسان الراوي للحديث مرسلاً عن عليّ(عليه السلام)كما في المصدر الثالث عشر, فلا تغني معرفة حاله، مع جهالة الراوي عنهم من رجاله، وهذا هو المصدر الوحيد الذي ذكرته وصاحبه من غير أهل السنة، كما أنّه ليس من الشيعة الإمامية، بل هو من الإسماعيلية، وإنّما ذكرته للتنبيه على تسرّب حديث الاكتناء بأبي حرب في التراث الإسلامي، دون الالتفات إلى ما فيه من هنات.

____________

1- طبقات ابن سعد: 239.

2- مجمع الزوائد 8: 52.

3- المعجم الكبير3: 97.


الصفحة 38

الفصل الثالث

البحث عن متن الحديث

والبحث في هذا المجال يكون من خلال ست نقاط على النحو التالي:

النقطة الأولى: وفيها تحقيق المراد من اسم حرب، فهل هو اسم المعنى الوصفي؟ أم اسم العلم الشخصي؟ وما المراد منهما في الحديث.

النقطة الثانية: هل كان اسم حرب من الأسماء المبغوضة أم المحبوبة؟

النقطة الثالثة: ماذا كان يعني إصرار الإمام _ إن صدقت الأحلام _ في تسمية أبنائه بحرب اسم المعنى الوصفي, أم اسم العلم الشخصي؟

النقطة الرابعة: ما هي الدوافع المغرية في شخصية حرب اسم العلم الشخصي؟ بدءاً من آبائه, ومروراً به, وانتهاءاً بأبنائه؟

النقطة الخامسة: في كنى الإمام وما هي أحبّ كناه إليه؟

النقطة السادسة: وأخيراً ماذا وراء الأكمة من تعتيم وظلمة لتضليل الأمة؟


الصفحة 39

النقطة الأولى
في تحقيق المراد من اسم حرب

النقطة الأولى: في تحقيق المراد من اسم حرب وهل هو اسم المعنى؟ أم اسم العلم؟ ومن المراد منهما في الحديث؟

إذا رجعنا إلى المصدر الأول والحديث الثالث من المصدر الخامس, وجدنا قول الإمام _ فيما نسب إليه _: ((وقد كنت أحبّ أن أكتني بأبي حرب)) وفي مرسل أبي إسحاق كما في المصدر الثاني نقرأ قول أبي إسحاق: ((وكان يعجبه أن يكنّى أبا حرب))، أما في مرسل سالم بن أبي جعد نقرأ قول الإمام: ((كنت رجلاً أحبّ الحرب)).

ومهما أغضينا النظر عن الاختلاف في معاني الكلمات الثلاث, فإنّ هذا إن دل على شيء فيدلّ على أنّ المراد بحرب هو اسم المعنى الوصفي, ولعله إستناداً إلى ذلك ذهب العقّاد _ وربما غيره أيضاً _ إلى أنّ المراد من حب الإمام أن يكتني بأبي حرب؛ لأنّه رجل شجاع يحب الحرب، فلنقرأ ما يقوله العقّاد, وهو يتحدث عن سيرة الإمام مع بنيه, بعد أن حكى قول الإمام في حق الوالد على الولد، وحق الولد على الوالد وهو: (أن يحسّن اسمه, ويحسّن أدبه، ويعلّمه القرآن).

قال العقّاد: ومن إحسان التسمية أنّه همّ بتسمية ابنه حرباً، لأنّه يرشحه للجهاد وهو أشرف صناعاته، لولا أنّ رسول الله سمّاه الحسن وهو أحسن، فجرى على هذا الاختيار في تسمية أخويه الحسين والمحسن, وأتم حق أبنائه في إحسان أسمائهم,


الصفحة 40

فاختار لهم أسماء النبي, وأسلافه من الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان(1)(2).

ولا نريد مناقشة العقّاد في تعليله العليل؛ بأنّ علياً لشجاعته المنقطعة النظير, كان يحبّ أن يعدّ ابنه فيرشحه لتلك الشجاعة عن طريق تسميته بحرب؟!

وكأنّ مجرّد التسمية باسم صفة, سوف يؤثّر خصائص تلك الصفة في المسمّى!؟ وما أدري بماذا يجيب _ لو كان حياً _ عن تخلّف الصفة فعلاً عن الموصوف بها اسماً، فكم من اسمه اسد وهو في الحروب نعامة, وكم من اسمه حاتم وهو في بخله زاد على ما در، وكم وكم...، ولنا في أسماء الأضداد ما يغني عن إكثار الشواهد، إذن ليس الأمر كما ذهب إليه العقّاد وغيره.

ثم هل لنا أن نسأل عن شجاعة أبناء عليّ التي ورثوها, وكانت ظاهرة للعيان خصوصاً في حرب الجمل، وصفين, والنهروان, هل كانت نتيجة تسميتهم بحرب؟! وهذا ما لم يكن ولم يقع، أم هي صناعة على نحو صناعات أبيهم كما قاله العقّاد فيه! ثمّ ما بالنا نجد التفاوت في تلك الصناعة, فيمتاز بعضهم على بعض في الحروب, أوليسوا هم جميعاً خرّيجو مدرسة واحدة، والمربّي لهم واحد.

وما دام الإمام _ إن صدقت الأحلام التي راودت مخيّلة الوضّاعين _ كان يحب أن يكتنى بأبي حرب لأنّه يحبّ الحرب، وقد حاول ثلاث مرّات أن يسمّي أحد أبنائه من ولد فاطمة(عليها السلام) فلم يقرّه النبي(صلى الله عليه وآله)، فلماذا لم يسمّ أحد الباقين من أبنائه الّذين هم من غير فاطمة(عليها السلام) بهذا الاسم المحبّب إليه!! ولم يكن ثمة النبي(صلى الله عليه وآله) موجوداً حتى يغيّره مثلاً.

____________

1- موسوعة العقّاد (العبقريات الإسلامية): 821 .

2- تسمية أبناء الإمام بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان, فقد روى البلاذري في أنساب الأشراف2: 192، قال: وكان عمر بن الخطاب سمّى عمر بن عليّ باسمه ووهب له غلاماً. أقول: وما يدرينا لعلّ في مخبآت الآثار ما يكشف أنّ عمر تبع مَنْ قبله في ذلك, ومن أتى بعده كان على وتيرته, على أنّه ورد في تسمية ابنه عثمان: سماه باسم عثمان بن مظعون السلف الصالح, كما ورد في وصفه.


الصفحة 41

وأيضاً ما دام الإمام كان مغرماً باسم حرب لأنّه شجاع, ويحب أن يكتني بأبي حرب وقد غيّره النبي(صلى الله عليه وآله), فلماذا لم يعدل إلى ما يرادف ذلك في المعنى كالهيجاء والوغى والقتال والنـزال والطعان, فينال بذلك مبتغاه حين يلقّب بأبي الهيجاء مثلاً, أو أبي الوغى, وأبي مقاتل, وأبي منازل, وأبي مطاعن, كما كان العرب يفعلون ذلك، وحتى كانوا يكتنون بأسماء آلات الحرب كالصارم والهندي والخطي، فهذا أبو الصوارم، وذاك أبو الخطي، وثالث أبو الهندي، وهكذا دواليك, فخذ ما شئت من أمثلة لديك.

فقد جاء في حديث رواه الصدوق في معاني الأخبار(1) بسنده عن أحمد بن أشيم, قال للرضا (عليه السلام): جعلت فداك لم سمّى العرب أولادهم بكلب ونمر وفهد وأشباه ذلك؟ قال: ((كانت العرب أصحاب حرب، فكانت تهوّل على العدو بأسماء أولادهم))، ويسمون عبيدهم فرجاً ومباركاً وميموناً وأشباه ذلك يتيمّنون بها.

ثم لو كانت ارادته اسم المعنى الوصفي من حرب, لتحول بعد التغيير الأول إلى بعض مشتقاته اللفظية, مثل (محارب) فيسمى ولده الثاني أو الثالث, ولينظر هل كان النبي(صلى الله عليه وآله) يقرّه على ذلك أم يغيّره؟

ثم أنّ سيرة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في حروبه كلّها كانت سيرة مثلى, تأبى على مناوئيه وأعدائه فضلاً عن أوليائه أن يقولوا بأنّه كان يحب الحرب، لأنّه شجاع متعطش لإراقة الدماء وإزهاق الأرواح.

فإنّا نقرأ حياته في الحروب التي خاض غمارها أيّام الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بدءاً من بدر ثم اُحد وحنين والأحزاب وخيبر وإلى آخرها, فلم يكن يعدو أوامر النبي(صلى الله عليه وآله), ولم يرهق الناس بطشاً حتى يؤذن له.

____________

1- معاني الأخبار للصدوق: 391؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 315.


الصفحة 42

وما حديث مبارزته لعمرو بن عبدود إلا دليل على تلك السيرة المثلى، فهو حيث يقرّره بأنّه يجيب إلى إحدى خصال ثلاث, فيبدأ بدعوته إلى الاسلام، وحين يأبى عليه ذلك, يطلب منه أن يرجع بالجيش عن محاربة النبي(صلى الله عليه وآله) ثانياً، وحين يأبى ذلك يطلب إليه النـزول إلى الحرب.

وأما الحروب التي بعد النبي(صلى الله عليه وآله) فقد فرضت عليه, ولم يكن راغباً في إثارتها, لولا بغي البغاة عليه, من ناكثين وقاسطين ومارقين, ومع ذلك كله كان لا يبدؤهم بقتال حتى يعذر إليهم، يتريّث طويلاً, ويبعث الرسل تلو الرسل إلى أعدائه، بالإعذار تلو الإعذار، ثم الإنذار تلو الإنذار، يخوفهم عواقب البغي والعدوان، ويحذّرهم مغبّة إغواء الشيطان لهم, حذار عواقب الحرب الوخيمة، حتى إذا تمادوا في طغيانهم، وأصرّوا على منابذته ومناجزته، ثم هُم بدؤوه بالقتال، شمّر للحرب عن ساعده، فخاض الغمرة وأصلاهم نارها، وألزم عقباهم عارها.

هذا عليّ(عليه السلام) الذي كان يحب الحرب!؟ نعم يخوض الحرب حين لا مناص من خوضها وقد شبّت وقدتها، أما أنه يحبها ويدعو إليها فلا، بل هو رجل السلم والسلام، وما علم المسلمون الحكم في قتال أهل القبلة إلاّ من سيرته في الحروب الثلاثة: الجمل وصفين والنهروان.

فهل مثل هذا الإنسان يمكن أن يقال فيه كان يحب أن يكتني بأبي حرب، لأنه يحب الحرب، ويجعل العقّاد من ذلك دليلاً على حسن اختيار الإمام لأحسن الأسماء لأبنائه، على أنّ في باقي قوله بعد ذلك: وأتمّ حق أبنائه في إحسان أسمائهم فاختار لهم أسماء النبي(صلى الله عليه وآله) وأسلافه، ما يستبعد اسم المعنى الوصفي (لحرب) فلاحظ.

والآن وبعد هذه التساؤلات التي استبعدت أن يكون المراد بحرب في زعم الزاعمين أن علياً أحب أن يكتنى بأبي حرب، يعني الحرب ضد السلم, إذن هل المراد بحرب اسم علم شخصي شغف الإمام به حباً, فأحبّ أن يسمّي أحد أبنائه باسمه تيمناً به, وإذا كان ذلك فمن هو ذلك صاحب الاسم المزعوم؟


الصفحة 43

وإذا رجعنا إلى تاريخ تلك الحقبة التي ذكروا أن علياً سمّى أوهمّ أو أحبّ أن يكتني بتسمية ابنه الأول (حرب) لانجد إلاّ حرب بن أمية بن عبد شمس، وهذا هو والد أبي سفيان صخر بن حرب، وهو جدّ معاوية بن أبي سفيان.

ولعل القارئ داعبت مخيلته ظنون توحي إليه بأنّ الحديث من نسيج أحفاد حرب، ليجعلوا من أبيهم انساناً محبباً ومرموقاً حتى همّ عليّ، أو سمّى, أو أحبّ أن يسمّي أحد أبنائه باسمه، وكرر ذلك ثلاث مرّات إلاّ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) غيّر، إذن كان لحرب ذكر ونباهة ومقام معلوم مزعوم, ولنترك التعقيب فعلاً على ذلك حتى نقرأ ما يلي من النقطة الثانية، ولكن أود تنبيه القارئ إلى أنّ الذي يشير إلى المراد بحرب هو اسم العلم الشخصي, هو قوله (صلى الله عليه وآله): (ما شأن حرب)؟ كما مرّ في الحديث الثاني في المصدر الثالث.


الصفحة 44

النقطة الثانية
هل كان اسم حرب من الأسماء المحبوبة أم المبغوضة؟

هذا سؤال يصح أن يقال إذا كان القارئ على علم بأنّ هناك أسماء محبوبة وأخرى مبغوضة، ورد التنبيه عليها من الشرع, وليس المقصود هنا بالمحبوبية والمبغوضية ما يراه الإنسان في نفسه.

وإذا رجعنا إلى الأحاديث التي وردت عن صاحب الشرع في تلك المسألة, نجد أن النبي(صلى الله عليه وآله) كان يغيّر الاسم القبيح _ كما في حديث عائشة (في الفتح الكبير للنبهاني) نقلاً عن الترمذي وهو في جامعه(1).

وقد روى الحميري في قرب الإسناد(2) بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه:, أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يغيّر الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان.

وقد غيّر بعض الأسماء، كما في حديث سعيد بن المسيب بن حزن أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قال لجده حزن: ما اسمك؟ قال: حزن, قال: أنت سهل، قال له: السهل يوطأ أو يمتهن, قال سعيد: فما زالت الحزونة فينا بعد. والحديث أخرجه أبو داود في السنن(3) كما أخرجه غيره.

وإلى القارئ نموذجاً من الأسماء التي غيّرها النبي(صلى الله عليه وآله).

قال أبو داود: وغيّر النبي(صلى الله عليه وآله) اسم العاص, وعزيز، وعقلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وحباب، وشهاب فسماه هشاماً, وسمى حرباً سلماً، وسمى المضطجع

____________

1- الفتح الكبير للنبهاني2: 385، عن سنن الترمذي 2: 107.

2- قرب الإسناد للحميري: 45.

3- سنن أبي داود 4: 289.


الصفحة 45

المنبعث، وأرضاً تسمى عَفِرَة سماها خَضِرة _ بمعجمة _ وشعب الضلالة سماه شعب الهدى، وبنو الزنية سمّاهم بني الرشدة، وسمى بني مغوية بني رشدة.

قال أبو داود: وتركت أسانيدها للاختصار(1).

وأخرج الترمذي في صحيحه(2) والبغوي في مصابيح السنّة(3) أنه غيّر اسم عاصية بنت عمر فسماها جميلة.

وقد ذكر البخاري في صحيحه في كتاب الأدب بعض تلك الأسماء، وزاد في كتاب الأدب المفرد كثيراً من الأحاديث في ذلك فلتراجع.

وإذا علمنا أنّ هناك أسماء مبغوضة غيّرها النبي(صلى الله عليه وآله), وكان منها اسم حرب فغيّره وسمّاه سلماً _ كما مرّ عن أبي داود _ فما بال الإمام عليّ(عليه السلام) يحبّ أن يكتني بحرب؟ أو لم يكن يعلم بما رواه أبو وهب الجشمي في خصوص حرب؟ وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد(4) وغيره بأسانيدهم عن أبي وهب _ وكانت له صحبة _ عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله (عزوجل) عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبح الأسماء حرب ومرّة)(5).

____________

1- سنن أبي داود 4: 289.

2- صحيح الترمذي 2: 137.

3- مصابيح السنّة للبغوي 2: 148.

4- الأدب المفرد للبخاري: 211، وأبو داود في السنن 2: 307؛ والبيهقي في السنن الكبرى 9: 306؛ وأحمد في المسند4: 345، وابن القيم في زاد المعاد : 258 _ 260؛ والنبهاني في الفتح الكبير 2: 385؛ وابن عبد البر في الاستيعاب 2: 78.

5- لقد ورد الحديث عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) :كما في الجعفريات ملحقاً بكتاب قرب الإسناد بلفظ (نعم الأسماء عبد الله وعبد الرحمن والأسماء المعبّدة، وشرها همام والحارث...) وأخرجه السيد الراوندي في نوادره : 9، وفيه: (نعم الأسماء عبد الله وعبد الرحمن والأسماء المعبدة، وشرها همام والحارث ... ) ونقله عن النوادر في البحار 104 : 130 ، ومستدرك الوسائل3 : 618 ، ولقد ورد في حديث جابر مرفوعاً أنّه (صلى الله عليه وآله) قال: (وشر الأسماء ضرار ومرّة وحرب وظالم) راجع الخصال للصدوق: 228.


الصفحة 46

أفهل يُعقل أنّ أباوهب الجشمي, وهو رجل كانت له صحبة كما يصفونه, يروي هذا الحديث وعلي لا يرويه ولا يدريه؟ وهو هو في سابقته وصحبته ومكانته وحظوته؟ وهو القائل: ((ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه, يرفع لي كلّ يوم علماً من أخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به))(1).

أوليس يدل اصرار الإمام على التسمية بحرب _ سواء قلنا بأنّه اسم معنى أي ضد السلم, أو قلنا بأنّه اسم علم كما يحلو لواضعيه _ أنّ علياً يصرّ على مخالفة النبي(صلى الله عليه وآله)، وأستغفر الله من ذلك.

قال ابن قيّم الجوزية في زاد المعاد(2):

(فصل) ولمّا كان مسمى الحرب والمرة أكره شيء للنفوس وأقبحها عندها، كان أقبح الأسماء حرباً ومرة، وعلى قياس هذا حنظلة وحزن وما أشبههما، وما أجدر هذه الأسماء بتأثيرها في مسمياتها كأثر اسم حزن الحزونة في سعيد وأهل بيته.

وقال أيضاً في فصل آخر بعده: ولمّا كان الأنبياء سادات بني آدم... كانت أسماؤهم أشرف الأسماء، فندب النبي(صلى الله عليه وآله) أمّته إلى التسمّي بأسمائهم, كما في سنن أبي داود والنسائي عنه: ((تسمّوا بأسماء الأنبياء)).

ولو لم يكن في ذلك من المصالح إلاّ أنّ الاسم يذكّر بمسماه، ويقتضي التعلق بمعناه لكفى به مصلحة، مع ما في ذلك من حفظ أسماء الأنبياء وذكرها، وأن لا تنسى وأن يذكر أسماؤهم بأوصافهم وأحوالهم.

____________

1- نهج البلاغة، شرح محمّد عبدة 2: 182.

2- زاد المعاد لابن قيّم الجوزية 2: 6.


الصفحة 47

أقول: فإذا كان الحال هكذا في الأسماء، فمنها محبوب ومنها مبغوض، وكان حرب من الأسماء المبغوضة، فهل يعقل أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، كان يحب الاكتناء بأبي حرب _ الاسم المبغوض _ ليكون على ذكر منه؟ إنّها فرية عليه، ولكم افترى عليه أعداؤه.

والآن لابدّ لنا من وقفة وتأمل عند هذا الإصرار المزعوم، لنطلع من خلال ذلك على طبيعة الحدث الذي عاشه الإمام يوم أحب أن يكتني بأبي حرب كما يزعمون.


الصفحة 48

النقطة الثالثة
ماذا يعني إصرار الإمام في تسمية أبنائه بحرب؟

النقطة الثالثة: ماذا كان يعني إصرار الإمام _ إن صدقت الأحلام _ في تسمية أبنائه بحرب؟

إنّ في زعم إصرار الإمام عليّ(عليه السلام) تكرار التجربة الفاشلة _ إن صدقت أحلام صُنّاعي الحديث _ حملاً كثيراً من الآصار على عليّ؟!

فعليٌ يحب أن يُسمي أوّل أبنائه حرباً _ الاسم المبغوض _ وكأنّه إنسان لا يعلم أنّ ذلك من أقبح الأسماء؟ وعلي يكرّر تلك الرغبة الملحّة مع تغيير النبي(صلى الله عليه وآله) لذلك الاسم أول مرّة, وعلي لا ينتفع بتلك التجربة، ولا يأخذ منها عبرة، وكأنّه إنسان لا تعظه التجارب! فيعاود مُصرّاً على اسم حرب والنبي(صلى الله عليه وآله) يغيّره, وعلي يكرر تجربته الثالثة _ كما يقولون _ ثم يغيّر النبي(صلى الله عليه وآله) الاسم.

ثم عليّ(عليه السلام) لا يدرك مغزى قول النبي(صلى الله عليه وآله): (ما شأن حرب هو حسن) ومرّة ثانية يقول كلمته: (ما شأن حرب هو حسين) وثالثة يقول أيضاً: (ما شأن حرب هو محسن)؟

ففي كلّ هذه المرّات وعلي(عليه السلام) بعد على اصراره؟ يا لله أهكذا كان أبو الحسن عليّ بن أبي طالب يضحي بكل ما لديه من رصيد الجهاد والجهود في خدمة النبي(صلى الله عليه وآله) ودينه الحنيف، وهو أول من آمن به! كيف يضحي بجميع ذلك على مذبح الشهوات والرغبات؟ أهي الأنانية؟ ليحقق مكسباً عظيماً حين يسمي أحد أبنائه حرباً ولا يصغي لتغيير النبي(صلى الله عليه وآله) سمعاً؟ أهذا هو عليّ الذي همّ أو أحب أو سمّى أبناءه حرباً فغيّرها النبي(صلى الله عليه وآله)؟ نعم, فهو كذلك بهذه الصورة التي رسمها له أعداؤه من خلال هذا الحديث، ولكن أهكذا كان عليّ(عليه السلام) حقيقة؟


الصفحة 49

لاها الله إنّها الشناشن الأخزمية، والضغائن الجاهلية، ووراء ذلك كله بعدُ سر مصون، ليس في الغيب المكنون، ولكن من باب ذر الرماد في العيون، وإذا تمّ لهم ما يريدون, ففي ذلك مكسب عظيم يجني المفترون الأفّاكون، في طمس الحقائق وتشويه التاريخ، وسنكشف عنه بعد أن نقرأ البيان عن النوازع المغرية في اسم حرب، وذلك في النقطة الرابعة.

ولم يكن هذا هو الافتراء الوحيد على عليّ(عليه السلام), فقد افترى عليه في زمانه وبعد زمانه، كما افتري على أخيه الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) من قبل, وما ذلك الافتراء إلاّ نتائج الحكم الأموي البغيض، الذي شوّه ما استطاع لذلك سبيلاً، فكانت سماسرة الوضع يلهثون وراء أصفره الرنّان، فيضعون له ما يشاء ويطلب منهم الحكام، ولا نريد الخوض في تفاصيل ذلك لئلاّ يطول الكلام.

ولنرجع البصر إلى خصوص الافتراء على عليّ(عليه السلام) في خصوص الأسماء، فقد أخرج الكليني في الكافي والطوسي في التهذيب(1) باسنادهما عن معمر بن خثيم قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): ((ما تكتني))؟ قال: ما اكتنيت بعدُ, ومالي من ولد ولا امرأة ولا جارية، قال: ((فما يمنعك من ذلك))؟ قال: قلت: حديث بلغنا عن عليّ(عليه السلام) قال: من اكتنى وليس له أهل فهو أبو جعر, فقال أبو جعفر (عليه السلام): ((شوه، ليس هذا من حديث عليّ، إنّا لنكنّي أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم)).

فانظر بربك إلى هذا الحديث الذي كشف عن دوافع الافتراء المؤلم في أيّام الإمام الباقر (عليه السلام) الذي توفي سنة 114، فما ظنك بما حدث من بعد ذلك؟

____________

1- الكافي2: 87 ، التهذيب للطوسي 7: 438 و2: 246.


الصفحة 50

النقطة الرابعة
الدوافع المغرية في شخصية حرب؟

النقطة الرابعة: في بحث الدوافع المغرية في شخصية حرب بدءاً من آبائه ومروراً به وانتهاءاً بأبنائه.

ليس العجب من رواة السوء حين يروون مثل ذلك الحديث المزعوم, وليس العجب من زوامل الأسفار الّذين يثبتون الحديث في أسفارهم, وليس العجب من تهالك بعض الحفاظ في تصحيح الاسناد، ليثبت للأشهاد أنّه حصل على صك الغفران بصحة السند, وكأنّ ذلك يكفي ويغني عن النظر في المتن، وإن كان منكراً من القول وزوراً.

ليس العجب من كل أولئك, ما داموا جميعاً في صف المعسكر المناوئ لعلي(عليه السلام), أو ممّن شايع مناوئيه.

ولكن العجب كل العجب أن نقرأ الحديث في بعض كتب شيعة عليّ(عليه السلام), ينقلونه عن الخصوم ويمرّون عليه مرور الكرام، وكأنّهم لم يفقهوا ما فيه، وتلك _ لعمر الحق _ مصيبة سلامة الطوية التي تجني البلية, مع فقدان الرويّة، وفتح الشهيّة لجمع كل ما هبّ ودبّ مما روى الأولياء والأعداء من دون تمحيص، غافلين عن دس السم في العسل.

وأعجب من ذلك كلّه أن يكون ضحية الكذب والافتراء عليه شخصية الإسلام الأولى بعد نبيه الكريم, والذي صحّ فيه قول زائره: (أشهد أنّك أوّل مظلوم وأوّل من غصب حقه).

وقد يهون ذلك العجب إذا تذكرنا أنّ الافتراء عليه كان منذ عهد النبي(صلى الله عليه وآله) حتى أن الأفّاكين رفعوا عليه شكاوى إلى النبي(صلى الله عليه وآله)، فلم يشكهم ونهرهم وقال


الصفحة 51

لهم: ((ما تريدون من عليّ، عليّ منّي وأنا من عليّ)) (1).

ولكن العجب أشد العجب من أن يفترى على عليّ فيضحى به باسم الإسلام، وهو أوّل من آمن به, فيجعل منه إنسان كأنّه لا يفقه من الإسلام حكماً ولا أدباً, وهو الذي لولاه ما قام للإسلام عمود, ولا اخضرّ له عود, وحين تقرع طبول أعدائه, وتتراقص على أنغامهم أقلام بعض السذّج من أوليائه، دون أن يشعروا, بأنّ ذلك الطبل إنّما كان للحرب، وليس هو طبل الميلاد أو طبل الأفراح, ولم يشعروا _ ويا للأسف _ أنّ بني حرب _ حزب الشيطان _ قد حاربوا علياً بكل حول وطول، وبشتى الوسائل التي واتتهم السبل إليها.

فلئن حاربوه بالسيف ولم يشف ذلك غليلهم, ولئن حاربوه باللعن على منابر المسلمين تنقيصاً له ولم يبرد بذلك أوار حقدهم، ولئن قعدوا له بكل مرصد فافتروا عليه خطبة ابنة أبي جهل, ونسجوا لها ما ساعدتهم أنوالهم، ولئن.. ولئن... وفي كل ذلك لم يصنعوا شيئاً، بل كانت النتائج عكس ما أرادوا.

فهم كلّما أرادوا النيل منه وإذا هم كأنّما يأخذون بضبعيه، ويرفعونه إلى سماء المجد والعظمة, والآن ماذا يمنعهم أن يصوروه إنساناً يحبهم؟ وإن كانوا هم لا يحبّونه؟ وما الذي يمنعهم أن يبنوا لهم صرحاً ممرداً من قوارير الأحلام على قاعدة عليّ(عليه السلام) الصُلبة في الإسلام, فيجعلوا من آبائهم وأجدادهم شخوصاً محببة, يتمنّى إنسان مثل عليّ في مكانته المفضّلة أن يكتني باسم جدهم, وهذا هو ما يوحيه الحديث المزعوم, حديث يروي: كان عليّ يحب أن يكتني بأبي حرب.

والآن لنقرأ عن حرب وآبائه وأبنائه في مواقفهم من آباء وأجداد عليّ، لنرى هل يُعقل أن يكون عليّ أحبّ أن يكتني بأبي حرب؟ فنقول:

____________

1- راجع كتاب (عليّ إمام البررة) 2: 80 _ 95.


الصفحة 52

في ذكر حرب بن أميّة:

إنّه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف, وفي عبد مناف يجتمع نسب عليّ(عليه السلام) والهاشميين مع أبناء عبد شمس.

قال المقريزي: وقد كانت المنافرة لا تزال بين بني هاشم وبين عبد شمس(1).

وقال: وكانت المنافرة بين هاشم بن عبد مناف بن قصي, وبين ابن أخيه أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف, وسببها أن هاشماً كانت إليه الرفادة مع السقاية، وذلك أنّ أخاه عبد شمس كان يسافر وكان يقيم بمكة، وكان رجلاً مقلاً وله ولد كثير، فاصطلحت قريش على أن يلي هاشم السقاية والرفادة، وكان هاشم رجلاً موسراً, وكان إذا حضر موسم الحج قام في قريش فقال:

يا معشر قريش إنّكم جيران الله وأهل بيته، وإنّكم يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله يعظمون حرمة بيته، وهم ضيوف الله, وأحق المضيّف بالكرامة ضيفه، وقد خصّكم الله بذلك وأكرمكم به, حفظه منكم أفضل ما حفظ جار من جاره, فأكرموا ضيفه وزوّاره، فإنّهم يأتون شعثاً غُبراً من كلّ بلد على ضوامر كالقداح، وقد أزحفوا وتفلوا وقملوا, فأقروهم وأنموهم وأعينوهم.

وكانت قريش ترافد على ذلك، حتى أن كان أهل البيت يرسلون اليسير على قدرهم, فيضمّه هاشم إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس فإن عجز كمّله، وكان هاشم يخرج في كلّ سنة مالاً كثيراً, وكان قوم من قريش يترافدون فكانوا أهل يسار، فكان كلّ إنسان منهم ربما أرسل بمائة مثقال هرقلية.

وكان هاشم يأمر بحياض من أدُم فتجعل في موضع زمزم _ من قبل أن تحفر زمزم _ ثم يستقي فيها من البئار التي بمكة فيشرب الحاج، وكان أوّل ما يطعمهم قبل التروية بيوم بمكة، ويطعمهم بمنى وبعرفة وبجمع، فكان يثرد لهم الخبز, واللحم والخبز والسمن، والسويق والتمر, ويحمل لهم الماء حتى يتفرق

____________

1- النـزاع والتخاصم: 18.


الصفحة 53

الناس لبلادهم، وكان هاشم يسمّى عمرواً، وإنّما قيل له هاشم لهشمه الثريد بمكة, وفيه يقول مادحه:


عمرو العلا هشم الثريد لقومهورجال مكة مسنتون عجاف

وكان أمية بن عبد شمس ذا مال, فتكلّف أن يفعل كما فعل هاشم من إطعام قريش فعجز عن ذلك، فشمت به ناس من قريش وعابوه، فغضب ونافر هاشماً على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، وعلى جلاء عشر سنين، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي_ جد عمرو بن الحمق_ وكان منـزله عسفان, وخرج مع أمية أبو همهمة حبيب بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر بن مالك الفهري.

فقال الكاهن: والقمر الباهر, والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدي بعَلَم مسافر، من مُنجد وغائر، لقد سبق هاشمُ أمية إلى المآثر, أوّل منه وآخر, وأبو همهمة بذلك خابر.

وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر, وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين(1).

قال العقّاد: فكان هذا أوّل عداوة وقعت في بني هاشم وبني أمية.

أقول: وتجد حديث هذه المنافرة في جملة من المصادر التاريخية منها المنمّق لمحمد بن حبيب(2), ثم قال ابن حبيب:

ومن ثم يقال: انّ أمية استلحق أبا عمرو ابنه، وهو ذكوان وهو رجل من أهل صفورية، فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه بعده, فأولدها أمية وهو أبو معيط, ويقال: استلحق ذكوان أيضاً أبان.

أقول: وما ذكره ابن حبيب منسوباً إلى القيل, فقد ذكره المقريزي في النــزاع

____________

1- شخصيات اسلامية ضمن موسوعة العقّاد: 549.

2- المنمق: 103.


الصفحة 54

والتخاصم(1) كحقيقة ثابتة وبما هو أقبح من ذلك، حيث قال: وصنع أمية في الجاهلية شيئاً لم يصنعه أحد من العرب, زوّج ابنه أبا عمرو بن أمية امرأته في حياة منه، والمقتيون في الاسلام هم الّذين أولدوا نساء آبائهم واستنكحوهن من بعد موتهم, وأما أن تزوجها في حياته ويبنى عليها وهو يراه, فإنّ هذا لم يكن قط(2), وأمية جاوز هذا المعنى ولم يرض بهذا المقدار حتى نـزل عن ماله وزوّجها منه ثم قال: وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية قد زاد في المقت درجتين, يشير إلى ما مرّ عن ابن حبيب.

قال المقريزي في النـزاع والتخاصم(3): ولم يكن أمية في نفسه هناك، وإنما يرفعه أبوه وبنوه, وكان مضعوفاً، وكان صاحب عهار، يدل على ذلك قول نفيل ابن عبد العزى جد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين تنافر حرب بن أمية وعبد المطلب بن هاشم, فنفر عبد المطلب، وتعجب من اقدامه عليه وقال:


أبوك معاهر وأبوه عفّوذاد الفيل عن بلد الحرام

وذلك أنّ أمية كان تعرض لامرأة من بني زهرة, فضربه رجل منهم ضربة بالسيف، وأراد بنو أمية ومن تابعهم إخراج بني زهرة من مكة, فقام دونهم قيس بن عدي السهمي وكانوا أخواله, وكان منيع الجانب, شديد العارضة, حميّ الأنف, أبيّ النفس، فقام دونهم وقال: (أصبح ليل) فذهبت مثلاً, ونادى: (ألا إنّ الظاعن مقيم) ففي هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف بن زهرة:


مهلاً أميّ فإنّ البغي مهلكةلا يـــكسبنّك يــومٌ شـرّه ذكر
تبدو كواكبه والشمس طالعةيصبّ في الكأس منه الصاب والمقر

____________

1- النـزاع والتخاصم: 22.

2- ذكر ذلك الجاحظ في رسالته الثانية من رسائله، وهي من كتاب فضل هاشم على عبد شمس راجع ص75، جمع وتحقيق حسن السندوبي، ط: مصر سنة 1352 هـ .

3- النـزاع والتخاصم: 21.


الصفحة 55

أقول: فهذا أمية والد حرب, وكان كأبيه فقد حسد عبد المطلب بن هاشم على مآثره، فنافره إلى نفيل بن عبد العزّى جد عمر بن الخطاب، فقال حين تنافرا إليه وقد عجب من اقدام حرب على منافرة عبد المطلب, فقال كما في النــزاع والتخاصم(1) كما مرّ:


أبوك معاهر وأبوه عفّوذاد الفيل عن بلد الحرام

ثم قال له: يا أبا عمرو أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة, وأقلّ منك لامة، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صفداً _ عطاءً_ . وحديث هذه المنافرة في المحبّر والمنمّق وغيرهما فليرجع إليهما طالبها(2).

هذا هو حرب الذي زعموا أنّ علياً أحب اسمه فأراد أن يكتني به، فهل نسي عليّ(عليه السلام) أنّه الذي نافر جديه هاشم وعبد المطلب فحكم لهما المحكمون، وأخزوه حتى أجلي عن مكة إلى الشام, فأقام بها عشر سنين؟

ثم هل أنّ علياً نسي أنّ حرباً هو والد أبي سفيان رأس الكفر والشقاق، والذي كان زنديقاً(3) كما يقول عنه المؤرّخون, ويكفي في خزايته, مواقفه بدءاً من بدء الدعوة ومروراً بحروب بدر وأحد والأحزاب, وأخيراً بفتح مكة؟

ثم هل نسي عليّ أنّ حرب هو والد أم جميل _ وهي حمالة الحطب _ التي كانت تؤذي النبي(صلى الله عليه وآله) حتى نـزلت سورة في ذمها وذم زوجها, فقال تعالى: { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَب وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ

____________

1- المصدر نفسه.

2- المحبّر: 173، المنمّق: 94.

3- سامي النشار في كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1: 231، وقال في كتابه أيضاً 2: 66: وكان من أخطر الزنادقة أبو سفيان الأموي وعدو الإسلام العتيد


الصفحة 56

مَسَد}(1) فهل يُعقل أنّ علياً لا يعرف مَن هو حرب؟ ومن هم آباء حرب؟ ومن هم أبناء حرب حتى يغرم باسم حرب؟

والآن بعد هذا الخطو السريع في رحاب التاريخ، فهل رأينا من دافعٍ أو شافع مغرٍ يحمل علياً على التهالك في تسمية أبنائه (بحرب)؟

هل كانت بين البيتين في ميزان التفاضل موازنة صحيحة، في منكب أو موكب يتساوى فيها رجال البيتين؟ هل كانت لدى المقارنة بين رجال الحييّن مساواة في حول أو طول؟ ثم أليس هو القائل في هذا المضمار رداً على معاوية حفيد حرب:

وأما قولك: إنّا بنو عبد مناف فكذلك نحن، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحق كالمبطل, ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلفاً يتبع سلفاً هوى في نار جهنم(2).

ألم يسمع علي قول أبيه في بني حرب حيث يقول: (3)


قديماً أبوهم كان عبداً لجدنابني أمة شهلاء جاش بها البحر
لقد سفهوا أحلامهم في محمّدفكانوا كجعر بئس ما ظفطت جعر

كيف لم يسمع؟ وكيف لم يعلم؟ والأمر بين الحييّن من الوضوح حتى كان يعرفه بنو هاشم كما يعرفه أبناء حرب أنفسهم.

فهذا ابن جعفر يقول ليزيد بن معاوية مفاخراً له بحضور أبيه معاوية: بأيّ آبائك تفاخرني؟! أبحرب الذي أجرناه؟ أم بأمية الذي ملكناه؟ أم بعبد شمس

____________

1- مسد : 1 _ 5 .

2- نهج البلاغة لابن أبي الحديد1: 219.

3- المصدر4: 467.


الصفحة 57

الذي كفلناه؟ فقال معاوية: لحرب بن أمية يقال هذا؟ ما كنت أحسب أن أحداً في عصر حرب يزعم أنّه أشرف من حرب، فقال عبد الله بن جعفر: بلى أشرف منه من كفأ إناءه عليه وجلّله بردائه, فنهى معاوية ولده عن مفاخرة بني هاشم، وأنّهم لا يجهلون ما علموا، ولا يجد مبغضهم لهم سباً (1).

فاتضح من خلال ما تقدم أن ليس في شخصية حرب من دوافع مغرية تدعو الإمام علياً(عليه السلام) لأن يحب أن يكتنى باسمه, فيبقى الحديث المزعوم الذي لم يثبت لصنّاعه ما أرادوه، حبراً على ورق فلا يسمن ولا يغني إذا ما قرأنا ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير(2) بسنده عن سودة بنت مشرح قالت: كنت فيمن حضر فاطمة (رضي الله عنها) حين ضربها المخاض في نسوة، فأتى النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: (كيف هي؟) قالت: إنها لمجهودة يارسول الله، قال: (فإذا هي وضعت فلا تسبقني فيه بشيء) قالت: فوضعت فسروّه ولفوه في خرقة صفراء، فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: (ما فعلت؟) قالت: قد ولدت غلاماً وسررته ولففته في خرقة، قال: (عصيتني) قالت: أعوذ بالله من معصية الله ومن غضب رسوله، قال: (ائتيني به) فأتيته به، فألقى الخرقة الصفراء، ولفّه في خرقة بيضاء، وتفل في فيه، وألبأه بريقه، فجاء علي2 فقال: (ما سميته يا علي؟) قال: سمّيته جعفراً يا رسول الله، قال: (لا ولكن حسن وبعده حسين، وأنت أبو حسن الخير) (3).

____________

1- المصدر4: 435.

2- المعجم الكبير 3: 23.

3- محقق الكتاب في الهامش: قال في المجمع 9: 175، رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما عمر بن فيروز وعمر بن عمير ولم أعرفهما، وبقية رجاله وثّقوا. وسيأتي (786 / 24).
ولدى مراجعة الموضع المشار إليه، وجدت الحديث كما هو إلا أن فيه اسم القابلة سودة بنت مسرح، ولم ينبه المحقق على ذلك، والصواب ما في الموضع الثاني، وقد ذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة 4: 318، وأشار إلى الحديث المذكور باختصار.


الصفحة 58

فالآن حصحص الحق، وتبيّن الصدق، بأنّ علياً أراد تسمية ابنه الأول باسم أخيه جعفر شهيد مؤتة، إلا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) سمّاه حسناً كما سمى الوليد الثاني حسيناً قبل أن يولد، مما دلّ على أن الوحي الإلهي تصرّف في المقام، فأين يكون موضع الحديث المزعوم بعد ما نقرأ حديث سودة بنت مسرح القابلة؟

وبعد بيان زيف الحديث المزعوم من هذا الجانب، فهل ثمة جانب آخر يريد الوضاعون الاستفادة منه؟

نعم، وذلك هو الجانب الأهم، وهو الذي أخفوه أو حاولوا إخفاءه وذلك هو: إثبات ولادة المحسن السبط الثالث للرسول(صلى الله عليه وآله) في عهده، وهذا الوليد الذكر هو الثالث من أبناء الإمام أمير المؤمنين من الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام).

وهذا ما سنقرأ عنه شيئاً في النقطة السادسة.


الصفحة 59

النقطة الخامسة
في كنى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)

كان من حق هذا الموضوع تقديمه في البحث على ما سبق لو كنّا نبحث عن كنى الإمام(عليه السلام) وكم هي؟ وما هي؟ إلاّ أن بحثنا لم يكن في ذلك، وإنما تطرقنا إليه بسبب حديث الاكتناء بأبي حرب الذي نسجه النسّاجون، وطبّل له المهرّجون، فحمله زوامل الاسفار والمخرّفون ولمّا انتهينا إلى تزييفه سنداً ومتناً، لزمنا أن نعرّج على موضوع كنى الإمام(عليه السلام)؛ لنرى هل كانت له كنى يعرف بها قبل ولادة أبنائه؟ وبماذا كان يكنى؟ ومن كنّاه؟ وما هي أحب كناه إليه؟

والجواب عن جميع هذه التساؤلات إنّما يكفي فيه البحث عن كنيته بأبي تراب دون بقية كناه كأبي الحسن وأبي الحسين أو أبي الحسنين أو أبي الرياحنتين أو أبي السبطين، ونحو ذلك ما هو حادث بعد ولادة الأبناء له، وإن كانت بعضها كنّاه بها النبي(صلى الله عليه وآله) كأبي الريحانتين، وقد سلّم بها عليه كما في حديث جابر قال (صلى الله عليه وآله): ((سلام عليك أبا الريحانتين، أوصيك بريحانتي من الدنيا فعن قليل ينهد ركناك والله خليفتي عليك))، قاله لعلي (أبو نعيم وابن عساكر _ عن جابر)(1).

ولمّا كان الحديث عن كنيته (بأبي تراب) يستدعي معرفة الزمن الذي

____________

1- كنز العمّال 12: 220.


الصفحة 60

حصلت فيه، وإذا عرفنا أنها وردت في أحاديث كثيرة وكانت من النبي(صلى الله عليه وآله) وقد كنّاه بها مراراً حين يراه في كل مرّة متوسداً التراب وقد أثر فيه، فيقول له: أنت أبو تراب، وتلك الأحاديث اختلف زمانها وتفاوتت أحداثها، فلابد لنا من عرضها حسب تسلسلها الزمني:

المرة الأولى في حديث المؤاخاة:

وهو حديث مستفيض نقلاً, أخبت بصحته الحفّاظ, وأخرجه أصحاب الحديث والسير والتواريخ, ولا يتطرق إليه ريب, ويكفي في روايته المصادر التالية: المعجم الكبير(1) والأوسط وهما للطبراني, ومجمع الزوائد للهيثمي(2) عن ابن عباس قال:

لما آخى النبي(صلى الله عليه وآله) بين أصحابه من المهاجرين والأنصار, فلم يؤاخ بين علي بن أبي طالب وبين أحد منهم، وخرج مغضباً حتى أتى جدولاً فتوسّد ذراعه فسفت عليه الريح, فطلبه النبي(صلى الله عليه وآله) حتى وجده، فوكزه برجله فقال له: قم فما صلحت أن تكون إلا أبا تراب؟ أغضبت عليّ حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين أحد منهم؟ أما أن ترضى أن تكون منّي بمنــزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبي بعدي، ألا من أحبّك حُفّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة جاهلية, وحوسب بعمله في الإسلام.

أقول: وأخرجه المتقي الهندي في كنـز العمال(3)، والخوارزمي الحنفي في المناقب(4)، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة(5).

____________

1- المعجم الكبير 11: 62.

2- مجمع الزوائد للهيثمي 9: 111.

3- كنـز العمّال 12: 206.

4- المناقب: 22.

5- الفصول المهمّة: 22.