×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
 كتاب العلاّمة البلاغي الشيخ محمّد الحسّون (ص ٥ - ص ٣٦)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٥

تمهيد

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمدُ للّه على ما منح من الهداية، ووهب من الدلالة، وصلواته على من ابتعثه رحمة للأنام، ومصباحاً للظلام، وغيثاً للعباد، وعلى أخيه أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين وآلهما الغُرّ الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام ما هطل غمام ووكف(١) رُكام(٢).

قبل ستّ سنوات كُنّا قد انتهينا من كتابة ترجمة لحياة العلاّمة البلاغي، أي في العشرين من شهر جمادى الأخرة سنة ١٤٢٣ هـ، وقمنا في ذلك الوقت بتقديمها إلى "مركز العلوم والثقافة الإسلامية ـ قسم إحياء التراث"، كي تطبع في المؤتمر التكريمي الذي أقامه هذا المركز للعلاّمة البلاغي، في يومي الخامس والسادس من شهر صفر سنة ١٤٢٩ هـ.

وكنّا قد وضعنا الترجمة في ثلاثة أبواب: الأول: حياته الشخصية والاجتماعية، والثاني: حياته العلمية، والثالث: رحيل العلاّمة البلاغي.

وفي ضمن الباب الثاني وضعنا ما عثرنا عليه من شعر العلاّمة البلاغي، الذي كان متناثراً في طيّات كتب كثيرة، بذلنا جهداً كبيراً في جمعه.

وكذلك وضعنا فيه ما عثرنا عليه من مراسلات العلاّمة البلاغي.

وقد قامت اللجنة المشرفة على المؤتمر آنذاك بطباعة ما كتبناه في أول "موسوعة العلاّمة البلاغي" كمدخل لها، إلاّ أنّها وضعت ما عثرنا عليه من شعره ورسائله في المجلّد الثامن من تلك الموسوعة.

فرأينا أن نجمع ما كتبناه عن العلاّمة البلاغي في مجلّد واحد، تتميماً للفائدة،

١-وَكَفَ: قَطَرَ. الصحاح ٤: ١٤٤١ "وكف".

٢-الرَكامُ: السحاب المتراكم. الصحاح ٥: ١٩٣٦ "ركم".

٦

وتسهيلاً للقارئ في اقتنائه، إذ يصعب على البعض اقتناء الموسوعة الكاملة له. علماً بأنّا لم نجرِ أيّ تغيير عمّا كتبناه سابقاً وطبع في الموسوعة سنة ١٤٢٨ هـ وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

محمّد الحسّون
٣ رجب ١٤٢٩ هـ
الموقع على الانترنيت: site.aqaed.com/Mohammad
البريد الالكتروني: [email protected]






٧

المقدّمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

يعدّ العلاّمة محمّد جواد البلاغي من أبرز الوجوه العلميّة في النصف الأوّل من القرن الرابع عشر الهجري ، إذ امتاز بميزات شخصيّة وخُلقيّة واجتماعيّة وعلميّة قلّما تجتمع في شخص واحد .

فهو ينحدر من أُسرة عربيّة عريقة خدمت الشريعة المقدّسة برجالاتها الأدبيّة والعلميّة .

ويتمتّع بأخلاق عالية وتواضع كبير وصل إلى حدّ نكران ذاته المباركة ، اعترف

به كلّ مَن شاهده عن قرب من رفاقه وتلامذته ومعاصريه حتّى الذين يختلفون معه في العقيدة .

وله مواقف اجتماعيّة وسياسيّة مشهودة خدم بها المجتمع الإسلامي عموماً ، وأتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) خصوصاً .

ومنزلته العلميّة الرفيعة تتمثّل في عدد مؤلّفاته الكبير الذي تجاوز الأربعين أثراً في شتّى العلوم الإسلاميّة ، ونوعيّة تلامذته الذين أصبحت لهم أدوار فعّالة فيما بعد في أماكن مختلفة من المجتمع الإسلامي ، فمنهم مراجع دين كبار ، وأساتذة معروفون ، وكتّاب رفدوا الجامعة الإسلاميّة بآثار علميّة ، ومحقّقون مختصّون بإحياء التراث الإسلامي ، وشعراء وأُدباء .

فالعلاّمة البلاغي فقيه أُصولي ، حكيم متكلّم ، محدّث بارع ، فيلسوف ، مفسّر، أديب شاعر ، ورع تقيّ ، متواضع ، عظيم في جميع جوانب سيرته ، يُعدّ من مفاخر عصره علماً وعملا . مجاهد كبير ، له مواقف مشرّفة ضدّ القوّات الانكليزيّة . أوقف حياته المباركة في الذبّ عن الدين ودحض شُبه النصارى والمادّيّين . له مؤلّفات كلاميّة كثيرة ، ولا نغالي إذا قلنا فيه :


وَلَيْسَ عَلى اللهِ بِمُسْتَنْكَر أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِد

٨

ومن نِعم الله عليَّ أن وفّقني لخدمة هذا العالم الجليل ـ الذي أرجو نيل شفاعته يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون ـ بتحقيق بعض آثاره العلميّة ، وكتابة حياة العلاّمة البلاغي الذي سلّطتُ الضوء فيه على جوانب متعدّدة من حياته المباركة .

وطالعت باقي مؤلّفاته المطبوعة ; للوقوف على حياته العلميّة ، ومنهجه في التأليف ، ومقوّمات شخصيّته العلميّة .

علماً بأنّ مؤلّفات العلاّمة البلاغي التي تمّ تحقيقها وطبعها في موسوعته هي عشرون مؤلّفاً ، من ضمنها خمسة من " العقود المفصّلة " .

أمّا باقي مؤلّفاته التي تصل إلى خمسة وعشرين مؤلّفاً فأكثرها مخطوطة ، لم نعثر على نسخة لها ; وذلك لأنّ أكثر مؤلّفاته بقيت في مكتبته الخاصّة التي لا نعلم عن مصيرها شيئاً .

وأرجو من الإخوة الفضلاء والزملاء المحقّقين أن لا يضنّوا علينا بأ يّة ملاحظة أو تصويب ، والمرء قليل بنفسه كثير بأخيه ، والحمد لله ربّ العالمين .

محمّد الحسّون
٢٠ جمادى الآخرة سنة ١٤٢٣
ذكرى مولد الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)





٩

الباب الأوّل
حياته الشخصيّة والاجتماعيّة

وفيه فصول :

الفصل الأوّل: اسمه ونسبه وألقابه

الفصل الثاني: ولادته

الفصل الثالث: أُسرته

الفصل الرابع: نشأته ومراحل حياته

الفصل الخامس: ملامح شخصيّته ومقوّماتها

الفصل السادس: حياته الاجتماعيّة

١٠
١١

الفصل الأوّل
اسمه ونسبه وألقابه

يُعدّ العلاّمة البلاغي من أعلامنا البارزين المتأخّرين ، إذ مضى على وفاته سبعون

عاماً تقريباً من وقت كتابة هذه الأسطر في سنة ١٤٢٣ هـ . فمن المفروض أن لا يقع اختلاف في اسمه ونسبه ، وكذلك في كافّة الأُمور المتعلّقة بحياته الشخصيّة والاجتماعيّة والعلميّة ، كما هو بالنسبة لعلمائنا المتقدّمين الذين من الصعب الوقوف على تفاصيل حياتهم بمختلف أدوارها . ومع ذلك فإنّنا نشاهد اختلاف المترجمين له في شؤون حياته.

اسمه

أصحاب التراجم والسير الذين عاصروا العلاّمة البلاغي ذكروه باسم " جواد " ، كالشيخ محمّد حرز الدين(١) ، والسيّد محسن الأمين(٢) ، والشيخ جعفر محبوبة(٣) .

نعم ، انفرد بتسميته " محمّد جواد " المحدّث الشيخ عبّاس القمّي(٤) .

وكذلك العلاّمة الطهراني في ذريعته عند ذكره لمؤلّفاته .

علماً بأنّ البلاغي قد وقّع باسم " محمّد جواد " في بعض مؤلّفاته ورسائله ، مثل :

١-معارف الرجال ١ : ١٩٦ .

٢-أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٥ .

٣-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦١ .

٤-الكنى والألقاب ١ : ٩٤ .

١٢

العقود المفصّلة ، و آلاء الرحمن في تفسير القرآن ، وفي رسائله إلى أعلام معاصريه(١) .

وهذا لا يُعدّ اختلافاً مهمّاً في اسمه ; إذ كثيراً ما يُضيف الآباء لأسماء أبنائهم اسم " محمّد " تبرّكاً وتيمّناً .

نسبه

نسبه ـ كما ذكرته الكثير من كتب التراجم والسير ـ هو : محمّد جواد ـ أو جواد ـ ابن الشيخ حسن ابن الشيخ طالب ابن الشيخ عباس ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ حسين ابن الشيخ عبّاس ابن الشيخ حسن ـ صاحب تنقيح المقال في الأُصول والرجال(٢) ـ ابن الشيخ عبّاس ابن الشيخ محمّد علي ابن الشيخ محمّد البلاغي(٣) .

وقد أضاف شيخنا آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي(رحمه الله) لنَسَبِهِ بعد ذكرِ جدّه الأخير الشيخ محمّد البلاغي : ابن عبد الله بن محمّد الشاعر الرَبعي(٤) .

ألقابه

للعلاّمة البلاغي ثلاثة ألقاب :

البلاغي : وهو اللقب الذي عُرفت به أُسرته منذ منتصف القرن العاشر الهجري إلى هذه الأيّام ، وذكره كافّة المترجمين له . ولم يتسنَّ لي معرفة أصل هذه النسبة ، وما وقفتُ على مَن تعرّض لها ممّن كتب عن البلاغيّين .

الرَبعي : نسبةً إلى "ربيعة": إحدى القبائل العربيّة الكبيرة، إذاً فهو من أصل عربيّ صميم(٥).

النجفي : نسبةً إلى مسقط رأسه مدينة النجف الأشرف .

١-راجع الجزء الثامن من الموسوعة ، مراسلاته .

٢-الذريعة ٤ : ٤٦٦ / ٢٠٦٩ .

٣-انظر : معارف الرجال ١ : ١٩٦ ; أعيان الشيعة ٤: ٢٥٥ ; ريحانة الأدب ١: ٢٧٨ ; ماضي النجف وحاضرها ٢: ٥٨ ; نقباء البشر في القرن الرابع عشر (طبقات أعلام الشيعة); الذريعة ٢: ٢٢٠/ ٨٦٦ و٤٤٧ / ١٧٣٥ ; شعراء الغري ٢: ٤٣٦.

٤-وذلك في ترجمته للمصنّف برسالة سمّاها " وسيلة المعاد في مناقب شيخنا الأُستاذ " ، طبعت في أوّل ترجمة الرحلة المدرسيّة بالفارسيّة ، طبع مؤسّسة نصر .

٥-أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٥ .

١٣

الفصل الثاني
ولادته

ولد العلاّمة الشيخ محمّدجواد البلاغي في محلّة " البراق " في مدينة النجف الأشرف(١) ; ولذلك نُسب إليها .

أمّا تأريخ ولادته فهناك أربعة أقوال :

الأوّل : سنة ١٢٨٠ هـ ، ذهب إليه الشيخ محمّد حرز الدين(٢)، والميرزا محمّد علي المدرّس التبريزي(٣) ، والشيخ جعفر محبوبة(٤) .

الثاني : سنة ١٢٨٢ هـ ، ذهب إليه الأديب الشاعر الشيخ محمّد السماوي(٥) ، والمتتبّع الخبير الشيخ الطهراني(٦)، والأُستاذ علي الخاقاني(٧)، وخير الدين الزركلي(٨) ، والنسّابة الكبير شيخنا آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي(٩) ، وعليه الكثير

١-انظر : معارف الرجال ١ : ١٩٦ ; نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٢٢٣ ; شعراء الغري ٢ : ٤٣٧ ; وسيلة المعاد في مناقب شيخنا الأُستاذ ، راجع ص ٤١٣ .

٢-معارف الرجال ١ : ١٩٦ .

٣-ريحانة الأدب ١ : ٢٧٩ .

٤-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٢ .

٥-الطليعة من شعراء الشيعة ١ : ١٩٥ .

٦-نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٣٢٣ ; وفي موارد كثيرة في الذريعة منها ٤ : ٤٨٥ / ٢١٧٢، و ٢٥ : ٢٠٢ / ٢٦٨ و ٢٧٦ / ٨٨ .

٧-شعراء الغري ٢ : ٤٣٧ .

٨-الأعلام ٦ : ٧٤ .

٩-وسيلة المعاد في مناقب شيخنا الأُستاذ ، راجع ص ٤١٣ .

١٤

من المعاصرين الذين تعرّضوا لحياة العلاّمة البلاغي .

الثالث : سنة ١٢٨٣ هـ ، ذهب إليه الشيخ علي كاشف الغطاء(١) .

الرابع : سنة ١٢٨٥ هـ ، ذهب إليه السيّد محسن الأمين(٢) ، والسيّد عبد الوهّاب الصافي في ترجمته للعلاّمة البلاغي المطبوعة في العدد الأوّل من السنة الثانية لمجلّة " الاعتدال "(٣) .

وإنّي أُرجّح القول الثاني منها لدليلين :

الأوّل : أنّ هذا التأريخ سمعه الشيخ الطهراني من العلاّمة البلاغي مباشرةً ، وهو أعرف بتأريخ ولادته من غيره(٤) .

الثاني : من المتّفق عليه عند جميع المؤرّخين أنّ عمر العلاّمة البلاغي عند ما توفّي كان سبعين سنة ، وقد أجمع المترجمون له على أنّ تأريخ وفاته كان سنة ١٣٥٢ هـ(٥) .

١-حكاه الأُستاذ علي الخاقاني في شعراء الغري ٢ : ٤٣٧ عن الحصون المنيعة ٩ : ١٨٦ .

٢-أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٥ .

٣-حكاه عنه الأُستاذ علي الخاقاني في شعراء الغري ٢ : ٤٣٧ .

٤-نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٣٢٣ .

٥-انظر : الكنى والألقاب ٢ : ٩٥ ; معارف الرجال ١ : ٢٠٠ ; الطليعة من شعراء الشيعة ١ : ١٩٥ ; أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٥ ; ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٢ ; نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٣٢٤ ; الأعلام ٦ : ٧٤ ; الإجازة الكبيرة: ١٦٠ / ١٩٨ ; شعراء الغري ٢ : ٤٣٧ .

١٥

الفصل الثالث
أُسرته

آل البلاغي من الأُسر القديمة العريقة في العلم ، والمشهورة بالتقوى والصلاح والسداد . فقد بزغت شمس هذا البيت وسطع نوره الوضّاء في أواسط القرن العاشر الهجري في مدينة النجف الأشرف ، وأخذ يزداد إشراقه العلمي يوماً بعد يوم حتّى وصل إلى القمّة في الشرف والمراتب العلميّة السامية ، وذاع صيته في دنيا الأدب والثقافة ، وأنتج رجالات علميّة كبيرة ، كان لها الأثر البالغ في تقدّم النجف العلمي وإزدهاره .

قال عنهم السيّد محسن الأمين :

وآل البلاغي : بيتُ علم وفضل وأدب ونجابة ، أخرج بيتهم كثيراً من العلماء والأُدباء . وهم عراقيّون نجفيّون ينتسبون إلى ربيعة ... ومَن ذكرناهم في سلسلة نسب المترجَم ـ الشيخ محمّد جواد ـ جلّهم من أهل العلم والفضل والخدمة في الدين وإن اختلفت مراتبهم(١) .

وقال عنهم الشيخ جعفر محبوبة :

آل البلاغي من الأُسر العلميّة الأدبيّة السابقة في العلم والفضل ، والمحلّقة بقوادم المجد والسؤدد ، العريقة في العروبة ، والمتقدّمة في الهجرة . تقطن النجف من عهد غير قريب ، وهي من الأُسر العربيّة العراقيّة التي عُرفت بمقامها الجليل ومركزها الدينيّ السامي ، وترجع بنسبها إلى ربيعة .

عُرفت هذه الأُسرة في النجف، واشتهر ذكرها في أواسط القرن العاشر للهجرة، فضمّت مع سموّ النسب شرف الحسب . فلم تتّكل على نسبها الوضّاء ، بل تقدّمت بحسبها ; لأ نّها قد حازت

١-أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٥ .

١٦

على العلوم الروحيّة والكمالات النفسيّة بجدّها واجتهادها ، وسبقت بالتقوى والصلاح والإرشاد ، وبرزت بالعبادة والزهادة ، مع كرم نفس وطيب معشر .

وقد نبغ منها رجال تقدّموا في معارفهم ومكارم أخلاقهم الدينيّة ، واشتهروا في عصورهم ، فكانوا من الرجال المعدودين الذين يُشار إليهم بالبنان ، ويُذكرون بسيرتهم وفضلهم وبتقواهم على كلّ لسان(١) .

وقال عنهم الشيخ الطهراني :

آل البلاغي : من أقدم بيوتات النجف وأعرقها في العلم والفضل والأدب ، أنجبت هذه الأُسرة عدّة من رجال العلم والدين(٢) .

والده

الشيخ حسن ابن الشيخ طالب البلاغي ( م حدود ١٣١٠ هـ ) .

لم أعثر في المصادر المتوفّرة لدينا على شيء يُعتدّ به عن حياة هذا العالم الجليل ، سوى ما ذكره الشيخ جعفر محبوبة عنه قائلا :

كان من أهل الفضل والكمال ، حاز الشرف بنفسه ، وضمّ إليه سموّ أصله ـ وهو والده الشيخ طالب ـ وطيب فرعه ، وهو الشيخ جواد الذي ملأ ذكره جميع الأصقاع والبقاع وتُرجمت مؤلّفاته إلى كثير من اللغات .

توفّي في عصر الشاعر الشهير السيّد إبراهيم آل بحر العلوم ـ م ١٣١٩ هـ ـ

ورثاه بقصيدة مثبتة في ديوانه المطبوع ، وقد عزّى بها أخاه الشيخ حسين وولده الجواد ، فقال من مطلعها :


وعَينِكَ ما للعَيْنِ بَعْدَكَ مَسْرَحٌ وَلا لِمَزارِ الدَّمْعِ بَعْدَكَ مِنْ غِبِّ
إذا خَطَرَتْ لِي مِنْكَ في القَلْبِ خَطْرَةٌ تَأوَّهْتُ مِنْ كَربي وَحَنَّ لَها قَلْبِي(٣)

١-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٥٨ .

٢-نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٣٢٣ .

٣-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٦ ـ ٦٧ .

١٧

وذكره شيخنا آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي قائلا :

كان على جانب عظيم من الفضل والتُقى ، وهو الذي رثاه بقصيدة رائعة أديب قريش وشاعر العلويّين الكرام السيّد إبراهيم الطباطبائي .

ثمّ ذكر من مؤلّفاته: "منظومة فقهيّة، وتعاليق مفيدة على بعض كتب الفقه والحديث"(١).

وفي رسالة وجّهها السيّد محسن الأمين من سوريا إلى العلاّمة البلاغي في السادس والعشرين من شهر ذي الحجّة سنة ١٣٥١ هـ ، يسأله فيها عدّة أسئلة ، منها : " والدك الشيخ حسن إن كنتم تعرفون وفاته وشيئاً من أحواله فاكتبوها لنا " ؟

فأجابه البلاغي في الثامن والعشرين من شهر محرّم الحرام سنة ١٣٥٢ هـ بقوله :

ووالدي المرحوم الشيخ حسن لا أُعيّن عام وفاته ، وظنّي أ نّه مضى لذلك فوق الأربعين سنة أو أربعون ونحو ذلك . ولا أذكر من أحواله ما له دخل في المقام ، إلاّ أ نّه من أهل العلم والفضل(٢) .

علماً بأنّ المحقّق السيّد أحمد الحسيني ـ حفظه الله ورعاه ـ في مقدّمته لكتاب الرحلة المدرسيّة سمّى والد العلاّمة البلاغي " حسين "(٣) .

وهو إمّا خطأ مطبعي ، أو سهو من قلمه الشريف .

والدته

لم يذكرها من أصحاب التراجم والسير الذين ترجموا للبلاغي ، سوى السيّد المرعشي النجفي إذ قال :

وأُمّه الجليلة الصالحة التقيّة ، كانت من ذرّية العلاّمة الشيخ محمّد علي البلاغي صاحب جامع الأقوال(٤) .

١-وسيلة المعاد في مناقب شيخنا الأُستاذ ، راجع ص ٤١٦ و٤١٣ .

٢-أعيان الشيعة ٤ : ٢٦١ .

٣-الرحلة المدرسيّة ـ المطبوعة في مطبعة النعمان في النجف الأشرف سنة ١٣٨٢ هـ ـ : ٤ .

٤-وسيلة المعاد في مناقب شيخنا الأُستاذ ، راجع ص ٤١٣ .

١٨

جدّه

الشيخ طالب ابن الشيخ عبّاس البلاغي ( م ١٢٨٢ هـ ) .

عالم فاضل ، فقيه أُصولي ، من مشاهير علماء عصره ، تخرّج على الشيخ محمّد حسن النجفي صاحب الجواهر ( م ١٢٦٦ هـ ) ، كان (رحمه الله) معروفاً بالتقوى والزهد والإيثار(١) .

قال عنه النسّابة آية الله العظمى السيّد المرعشي النجفي :

كان ذا كرامات ومقامات ، نقل بعضها لي شيخنا الأُستاذ البلاغي عن العلاّمة الشيخ محمّد طه نجف(٢) .

وترجم له ترجمةً وافية الشيخ جعفر محبوبة قائلا :

كان من مشاهير أهل الفضل ، معروفاً بالزهد والتقوى ، ومن أهل الإيثار والكرامات ، نقل له العلاّمة الشيخ محمّد طه نجف (رحمه الله) كرامةً وقعت له بعد وفاته نقلها له الأبرار من أصحاب المترجم له .

وكان من الشعراء المجيدين ، وله مراسلات ومطارحات مع أُدباء عصره أ لّفه ثلّة من أعلام الأدب في النجف .

وهو الذي كوّن الندوة الأدبيّة النجفيّة التي عُرفت بالندوة البلاغيّة ، وهي أوسع

من المعركة الأدبيّة النجفيّة المشهورة بمعركة الخميس التي وقعت في عصر السيّد بحر العلوم (رحمه الله) .

لقد تجارى في هذه الندوة الأدبيّة أكثر من عشرة شعراء ، وهم من فرسان القريض ورجال الأدب: كالشيخ إبراهيم صادق العاملي ، والشيخ إبراهيم قفطان، والشيخ أحمد البلاغي ، والشيخ أحمد قفطان ، والشيخ باقر ابن الشيخ هادي ، والشيخ عبّاس ابن الملاّ علي البغدادي ، والشيخ عبد الحسين محيي الدين ، والسيّد كاظم ابن السيّد أحمد العاملي ، والسيّد محمّد ابن السيّد معصوم ، والشيخ موسى شريف من آل محيي الدين، والسيّد صالح ابن السيّد مهدي القزويني

١-الكنى والألقاب ٢ : ٩٤ .

٢-وسيلة المعاد في مناقب شيخنا الأُستاذ ، راجع ص ٤١٦ .

١٩

النجفي البغدادي ، والشيخ صالح حاجي .

لقد دوّن هذه الندوة الأديب البارع الشيخ إبراهيم صادق العاملي ، وقد أطرى كلّ شاعر من هؤلاء أمام قصيدته بكلمة موجزة عن حياته ، وقد أطرى المترجم بكلمة بليغة أوقفتنا على حياته وما له من المكانة السامية والشأن ، وما له من المودّة والوفاء في قلوب أخلاّئه، وأنّه المحور والمدار لهذه الجمعيّة الأدبيّة الروحيّة المتكوّنة سنة ١٢٦٦ هـ .

خلاصة الندوة أنّ المترجم كان يعتاد السفر إلى بغداد ، وفي إحدى سفراته طالت سفرته ، فتلهّف عليه أصحابه ، وكان أشدّهم تلهّفاً عليه السيّد صالح القزويني . ولمّا عاد المترجم إلى النجف ذهب إلى دار السيّد صالح ، فمدحه السيّد (رحمه الله)بقصيدة موشّحة مسمّطة سباعيّة ومدح صحابته المذكورين ، وهم كذلك مدحوا السيّد بقصائد وأثنوا على موشّحه ، ومدحه بعد ذلك الشيخ طالب . فكانت حلبة من أشهر حلبات الأدب النجفي الوافي ، وحكّموا فيها عبد الباقي العمري الشاعر الشهير ، وكانت حكومته أبياتاً ... .

وله شعر كثير ، نشر له الشيخ سليمان الظاهر العاملي عدّة قصائد ومقاطيع في مجلّة الغري النجفيّة في سنتها الثانية في الصفحة ١٨٤ (١) .

ومن أسئلة السيّد محسن الأمين :

الشيخ طالب ابن الشيخ عبّاس البلاغي ، ذَكَرْتُم أنّ الشيخ محمّد طه كان يحدّث بكرامة له ، ذكرها استطراداً في أحوال الشيخ حسين نجف الكبير، فإن كانت غير موجودة في رجال الشيخ محمّد طه أرجو كتابة حاصلها.

فأجابه العلاّمة البلاغي بقوله :

وأمّا الكرامة التي ذكرها الشيخ محمّد طه للمرحوم الشيخ طالب فهي غير موجودة في رجاله(٢) ، ولم أظفر برسالته في أحوال الشيخ حسين نجف ، ولستُ على ثقة من حفظي لمؤدّاها لأكتب لحضرتك حاصلها (٣) .

١-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٧٢ ـ ٧٤ .

٢-هي موجودة في رسالته التي أ لّفها في أحوال جدّه لأُمّه الشيخ حسين نجف الكبير ، انظر ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٧٢ ، " الهامش ١ " .

٣-أعيان الشيعة ٤ : ٢٦١ .

٢٠