×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

( ١١ )(١)

من قصيدة في الإمام الحجّة المنتظر ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ يقول فيها " من المتقارب " :


رُوَيْدَكُما أ يُّها الباكِيانِ فَما أنْتُما أوَّلُ الوالِهِينا(٢)
فَكَمْ لِنَواهُ(٣) جَرَتْ عَبْرَةٌ تَقِلُّ لَها أدْمُعُ العالَمِينا
جَرَتْ وَلَهاً قَبْلَ يَومِ الفِراقِ وَلَمْ تَرْحَلِ العِيسُ(٤) بالمُزْمِعِينا(٥)
فَلا نَهْنَهَ(٦) الوَجْدَ فَيْضُ الدُّمُوعِ وَقَدْ شَطَّتْ الدارُ(٧) بالظاعِنِينا(٨)
وَبانَ وَأوْدَعَنا حَسْرَةً وَمِنْ لَوْعَةِ البَيْنِ داءً دَفِينا
أطالَ نَواهُ وَمِنْ نَأيِهِ رُزِينا بِما يَسْتَخِفُّ الرَّزِينا
نُقَضِّي اللَيالِي انْتِظارَاً لَهُ فَيا حَسْرَتا وَنَقْضي السِّنِينا
نُطِيلُ الحَنِينَ بِتَذْكارِهِ وَيا بَرَحاً أنْ نُطِيلَ الحَنِينا
فَما لَقِيَتْ فاقِداتُ الحَمامِ مِنَ الوَجْدِ في نَوحِها ما لَقِينا

١-ذكرها الأُستاذ علي الخاقاني في شعراء الغري ٢ : ٤٥٧ .

٢-الوَلَهُ : ذهاب العقل والتحيُّرُ من شدّة الوجد . الصحاح ٦ : ٢٢٥٦، " و ل هـ " .

٣-النَوى : البعد والفِراق . الصحاح ٦ : ٢٤٩٩، " ن أ ى " .

٤-العِيسُ : الإبل البيضُ يخالط بياضها شيء من الشُقرة . الصحاح ٣ : ٩٥٤، " ع ى س " .

٥-أي الذين عَزموا على الرحيل . انظر الصحاح ٣ : ١٢٢٥، " ز م ع " .

٦-نَهْنَهْتُ الرجلُ عن الشيء فتنهنه : أي كَفَفْتُهُ وزجرتُه فكَفَّ . الصحاح ٦ : ٢٢٥٤، " ن هـ هـ " .

٧-شَطَّتِ الدار : بَعُدَتْ . الصحاح ٣ : ١١٣٧، " ش ط ط " .

٨-أي السائرين . الصحاح ٦ : ٢١٥٩، " ظ ع ن " .

٣٠١
 كتاب العلاّمة البلاغي الشيخ محمّد الحسّون (ص ٣٠٢ - ص ٣٢٥)
٣٠٢

( ١٣ )(١)

في ذكرى مولد الإمام الحسين (عليه السلام) في الثالث من شعبان قوله "من البسيط" :


شَعْبانُ كَمْ نَعِمَتْ عَيْنُ الهُدى فِيهِ لَوْلا الُمحَرَّمُ يَأتِي فِي دَواهِيهِ
وَأشْرَقَ الدِّينُ مِنْ أنْوارِ ثالِثِهِ لَوْلا تَغَشّاه عاشُورٌ بِداجِيهِ
وارْتاحَ بالسِبْطِ قَلْبُ المُصْطَفى فَرَحاً لَوْ لَمْ يَرُعْهُ بِذكْرِ الطَّفِّ ناعِيهِ
رآهُ خَيْرَ وَليد يُستجارُ بهِ وَخَيْرَ مُسْتَشْهَد فِي الدِّينِ يَحْمِيهِ
قَرَّتْ بهِ عَيْنُ خَيْرِ الرُّسْلِ ثُمَّ بَكَتْ فَهَلْ نُهَنِّيهِ فيهِ أمْ نُعَزِّيهِ
إنْ تَبْتَهِجْ فاطِمٌ فِي يومِ مَوْلِدِهِ فَلَيْلَةُ الطَّفِّ أمْسَتْ مِنْ بَواكِيهِ
أوْ يَنْتَعِشْ قَلْبُها مِنْ نُورِ طَلْعَتِهِ فَقَدْ أُدِيلَ(٢) بِقانِي الدَمْعِ جارِيهِ
فَقَلْبُها لَمْ تَطُلْ فيهِ مَسَرَّتُهُ حَتَّى تَنَازَعَ تَبْرِيحُ الجَوى(٣) فيهِ
بُشْرى أبا حَسَن فِي يَوْمِ مَوْلِدهِ وَيَوْمَ أرْعَبَ قَلْبَ المَوْتِ ماضِيهِ
وَيَوْمَ دارَتْ عَلى حَرْب دَوائِرُهُ لَوْلا القَضَاءُ وَمَا أوْحاهُ داعِيهِ
وَيَوْمَ أضْرَمَ جَوَّ الطَّفِ نارَ وَغىً لَوْ لَمْ يَخِرَّ صِرِيعاً فِي مَحانِيهِ(٤)
يا شَمْسَ أوْجِ العُلى ما خِلْتُ عَنْ كثب تُمْسِي وَأنْتَ عَفيرَ الجِسْمِ ثاوِيهِ
فَيا لِجِسْم عَلى صَدْرِ النَبِيّ رُبي(٥) تَوَزَّعَتْهُ المَواضِي(٦) مِنْ أعادِيهِ

١-أوردها السيّد محسن الأمين (م١٣٧١هـ ) في أعيان الشيعة ٤: ٢٥٦، والأُستاذ علي الخاقاني في شعراء الغري ٢ : ٤٥٧ .

٢-أُدِيلَ : أي أُبدلَ .

٣-الجَوى : الحُرقةُ وشدّة الوجد من الحزن . الصحاح ٦ : ٢٣٠٦، " ج و ا " .

٤-المَحَاني : معاطف الأودية ، أي ارتفاع الأرض وانحناؤها . انظر الصحاح ٦ : ٢٣٢١، " ح ن ا " .

٥-كذا ، ولعلّ الصواب : رقى .

٦-المَواضي : السيوف . القاموس المحيط ٤ : ٣٩٣، " م ض ى " .

٣٠٣

وَيا لِرأس جَلالُ اللهِ تَوَّجَهُ بهِ يَنُوءُ مِنَ المَيّادِ(١) عالِيهِ
وَصَدرِ قُدْس حَوى أسْرارَ بارئِهِ يَكُونُ لِلرِجْسِ شِمْر مِنْ مَراقِيهِ
وَمَنْحَر كانَ لِلهادِي مُقَبَّلَهُ أضْحى يُقَبِّلُهُ شِمْرٌ بِماضِيهِ
يا ثائِراً للهُدى والدِّينِ مُنْتَصِراً أمْسَتْ أُمَيّةُ نَالَتْ ثأرَها فِيهِ
أ نَّى وَشَيْخُكَ ساقِي الحَوْضِ حَيْدَرَةٌ تَقْضِي وَأنْتَ لَهِيفُ القَلْبِ ظامِيهِ
وَيا إماماً لَهُ الدِّينُ الحَنِيفُ لَجَا لَوْذَاً فَقُمْتَ فَدَتْكَ النَفْسُ تَفْدِيهِ
أعْظِمْ بِيَوْمِكَ هذا فِي مَسَرَّتِهِ وَيَوْمِ عاشُورَ فِيما نالَكُمْ فِيهِ
يا مَنْ بِهِ تَفْخَرُ السَّبْعُ العُلى وَلَهُ إمامَةُ الحَقِّ مِنْ إحْدى مَعَالِيهِ
أعْظِمْ بِمَثْواكَ فِي وادِي الطُّفُوفِ عُلا يا حَبَّذا ذَلِكَ المَثْوى وَوادِيهِ
لَهُ حَنِينِي وَمِنْهُ لَوْعَتِي وَإلى مَغناهُ شَوْقِي وَأعْلاقُ الهَوى فِيهِ

١-الميّاد : الريح . انظر لسان العرب ٣ : ٤١٢، " م ى د " .

٣٠٤

( ١٤ )(١)

أرسلها من سامراء إلى بعض أصدقائه من السادات "من البسيط":


صَبٌّ(٢) تُعَلِّلُهُ زُوراً أمَانِيهِ بِذِكْرِ أيَّامِكُمْ طَابَتْ لَيالِيهِ
إذا يَهِشُّ إلى الإصْباحِ عاوَدَهُ لَيْلٌ مِنَ الهَمِّ تَغْشَاهُ غَواشِيهِ

ومنها :


زارَ السَّحابُ رُبُوعَاً(٣) كُنْتُ آلَفُها مِنَ الغَرِيِّ وَحَيَّتهُ عَزالِيهِ(٤)
وَرَوَّضَتْهُ الغَوادِي(٥) المُزْن(٦) وَاعْتَلَجَتْ(٧) مُفَوَّفاتُ(٨) رُباهُ(٩) من أَقاحِيهِ(١٠)
لَهُ حَنِيني وَمِنْهُ لوْعَتِي وَإلى مَغناهُ شَوْقِي وَأعلاقُ(١١) الهَوى فيهِ

***

١-أورد هذه الأبيات الأُستاذ علي الخاقاني في شعراء الغري ٢ : ٤٥٨ .

٢-صَبٌّ : عاشق مشتاق . الصحاح ١ : ١٦٠، " ص ب ب " .

٣-الرُبُوعُ ، جمع الرَبْع : وهي الدار والمحلّة . الصحاح ٣ : ١٢١١، " ر ب ع " .

٤-العَزالي ، جمع عَزْلاء : وهي فمُ المزادة : أي القربة . الصحاح ٥ : ١٧٦٣، " ع ز ل " .

٥-الغَوادي ، جمع الغَادِيَة : وهي سحابة تنشأ صباحاً . الصحاح ٦ : ٢٤٤٤، " غ د ا " .

٦-المُزْن ، جمع المُزْنَة : وهي السحابة البيضاء . الصحاح ٦ : ٢٢٠٣، " م ز ن " .

٧-اعْتَلَجَت : تموّجت . الصحاح ١ : ٣٣٠، " ع ل ج " .

٨-المفوَّفات : الورود المختلفة الألوان . انظر الصحاح ٤ : ١٤١٢، " ف و ف " .

٩-الرُبى ، جمع رابية : وهي ما ارتفع من الأرض ، وهي جيّدة النبات . الصحاح ٦ : ٢٣٤٩، " ر ب ا " .

١٠-الأقاحيّ، جمع الأُقحُوان: وهو نبت طيّب الريح، حواليه ورق أبيض، ووسطه أصفر. الصحاح ٦: ٢٤٥٩، "ق ح ا".

١١-الأعلاق ، جمع العِلْق : وهو النفيس من كلّ شيء . الصحاح ٤ : ١٥٣٠، " ع ل ق " .

٣٠٥
٣٠٦

الفصل الثامن
مدحه وإطراؤه

مدح العلاّمة البلاغي وأطراه كلّ من ذكره وترجمَ لحياته المباركة ، خصوصاً زملاؤه ورفاقه في الدرس وتلامذته الذين عاشوا معه ردحاً من الزمن ونقلوا لنا ما كانوا يشاهدونه من أخلاقه العالية وتواضعه المنقطع النظير وسموّ نفسه المباركة .

ونحن نورد هنا نصوص تلك العبارات مرتّبةً حسب أسماء قائليها ; لكي نقف على جوانب من عظمة هذا العالم الجليل . علماً بأنّ بعض هذه العبارات قالها عنه المادحون حينما كان مقيماً في سامرّاء من سنة ١٣٢٦ إلى ١٣٣٦ هـ ، أي قبل أن يصل إلى المرتبة العالية من الكمال وقبل إصدار مؤلّفاته المهمّة :

١ ـ سماحة آية الله العظمى زعيم الحوزة العلمية السيّد أبو القاسم الخوئي ( ت ١٤١٣ هـ) قال في عدّة موارد من تفسيره البيان : " آية الله الحجّة وبطل العلم المجاهد وشيخنا "(١) .

٢ ـ العلاّمة الخبير المتتبّع آقا بزرگ الطهراني ( ت ١٣٨٩ هـ) ، قال :

كان أحد مفاخر العصر علماً وعملا ... وكان من أُولئك الأفذاذ النادرين الذين أوقفوا

١-البيان : ٢٨ ، ٦٨ ، ٧١ و٢١٩ .

٣٠٧

حياتهم وكرّسوا أوقاتهم لخدمة الدين والحقيقة ، وقد وقف قبال النصارى وأمام تيّار الغرب الجارف ، فمثّل لهم سموّ الإسلام على جميع الملل والأديان ، حتّى أصبح له الشأن العظيم والمكانة المرموقة بين علماء النصارى وفضلائها .

وقد كان من خلوص النيّة وإخلاص العمل بمكان حتّى أنّه كان لا يرضى أن يوضع اسمه على تآليفه عند طبعها ، وكان يقول : إنّي لا أقصد إلاّ الدفاع عن الحقّ ، لا فرق عندي بين أن يكون باسمي أو اسم غيري .

ومع كلّ ذلك أصبح ناراً على علم وبلغت شهرته أقاصي البلاد ; وذلك لما عالجه من المعضلات العلميّة والمناقشات الدينيّة التي أُقيم لها الوزن الراجح في عواصم أوربا ، وقد اتّصل به أعلام " لورندرة " وغيرها ، وكانوا يفزعون إليه في المسائل العويصة ، ومن المستفيدين منه المستر شردراك ، فإنّه كان يعوّل على المترجم

في المشاكل (١) .

٣ ـ الكاتب المعروف المحامي الأُستاذ توفيق الفكيكي ( ت ١٣٨٧ هـ) ، قال :

أمّا في ديار الرافدين فقد انفرد بالكفاح والنضال فقيد الشرق الإمام الحجّة نصير الإسلام الشيخ محمّد الجواد البلاغي ، فجرّد قلمه البليغ ـ وهو أقطع بحجّته من الحسام ـ في وجوه الملحدين والمبشّرين المستشرقين في الشرق والغرب . وقد تضمّنت مؤلّفاته الكثيرة القيّمة جهاده الطويل المبارك في الذبّ عن حقائق الإسلام ، وفي مقدّمتها كتابه الهدى إلى دين المصطفى ، و الرحلة المدرسيّة ،

و أنوار الهدى ، و نصائح الهدى وغيرها .

وهو غصن كريم من الدوحة البلاغيّة الباسقة في سماء الفضل والشرف ، وعلم أعلامها ، وشهاب فضلائها وأبدالها ، بل كوكب دراريها الثاقبة الساطعة في دياجير الأزمات الشديدة الحلكات ، وظلمات المعضلات المدلهمّات .

فأُسرته من أعرق الأُسر العراقيّة ، وقبيلته " ربيعة " خير القبائل العربيّة في جاهليّتها

١-نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٣٢٣ .

٣٠٨

وإسلامها ، وبيته من أرفع بيوت العلم والدين والأدب . فهو عربيّ أصيل ، وفي الذؤابة من تغلب الغلباء ، نزاريّ العمومة ، هاشميّ الخؤولة ، خالص المعدن في نسبه وحسبه .

فنشأ في حجر الفضيلة ، وترعرع وفطم على حبّ المكارم والشناشن العربيّة الأصيلة ، وتربّى على أُسس التربية الإسلاميّة الرفيعة ، وقد التزم بمحاسنها ومثلها العليا . فكان مثال العربي الصميم الصريح ، ونموذج المسلم القرآني المثالي الصحيح الإيمان الصادق العقيدة الكامل الإنسانيّة بمعناها الواسع .

فإنّ أحبّ شيء لنفسه فعل الخير والسعي في سبيله ، وأبغض الأشياء عنده ـ بل أنكر المنكرات ـ سطوات الشرّ والأشرار في المجتمع الإنساني ، فكان ـ رحمه الله تعالى ـ داعي دعاة الفضيلة ، ومؤسّس المدرسة السيّارة للهداية والإرشاد وتنوير الأفكار بأُصول العلم والحكمة وفلسفة الوجود . فقد اضطمّت جوانحه على معارف جمّة ، ووسع صدره كنوزاً من ثمرات الثقافة الإسلاميّة العالية والتربية الغالية .

وقد نهل وعبّ من مشارع المعرفة والحكمة الصافية ، حتّى أصبح ملاذ الحائرين الذين استهوتهم أهواء المنحرفين عن المحجّة البيضاء ، وخدعتهم ضلالات الدهريّين والمادّيين . كما كان الملجأ الأمين لمن رام من المستشرقين الاطمئنان بإزاحة الحجب عن وجه الحقيقة والحقّ وللوصول إلى ساحل اليقين ، كالمستشرق المستر خالد شردراك وأمثاله من أعلام الغرب الذين يهمّهم كشف المخبأ من أسرار المعارف المحمّديّة والحكمة المشرقيّة ، حيث آنسوا فيه ندرة المواهب العقليّة ، والملكات النفسيّة القويّة ، والطاقات الفكريّة العجيبة ،

وينابيعه الثرّة العذبة المتفجّرة من قلبه الكبير المتدفّقة على لسانه الجارية على قلمه السيّال(١) .

٤ ـ المؤرّخ الشيخ جعفر محبوبة ( ت ١٣٧٧ هـ) ، قال :

هو ركن الشيعة وعمادها ، وعزّ الشريعة وسنادها ، صاحب القلم الذي سبح في بحرالعلوم الناهل من موارد المعقول والمنقول . كم من صحيفة حبّرها ، وألوكة حرّرها . وهو بما حبّر فضح الحاخام والشمّاس ، وبما حرّر ملك رقّ الرهبان والأقساس .

كان مجاهداً بقلمه طيلة عمره ، وقد أوقف حياته في الذبّ عن الدين ودحض شُبه

١-مقدّمة الهدى إلى دين المصطفى : ٧ ـ ٨ .

٣٠٩

المادّيين والطبيعيّين . فهو جُنّة حصينة ودرع رصينة ، له بقلمه مواقف فلّت جيوش الإلحاد ، وشتّتت جيوش العادين على الإسلام والطاعنين فيه .

وله إلمام ببعض اللغات الأجنبيّة ، وهو مع تبحّره في العلوم الروحيّة ذو سهم وافر من النظم ، فهو شاعر محسن مجيد(١) .

٥ ـ الأديب والكاتب القدير الشيخ جعفر النقدي ( م ١٣٧١ هـ ) ، قال :

عالم عيلم مهذّب ، وفاضل كامل مذرب ، وآباؤه كلّهم من أهل العلم ... وله في الأدب اليد غير القصيرة ، وشعره جيّد حسن(٢) .

٦ ـ العلاّمة السيّد حسن الصدر ( م ١٣٥٤ هـ ) ، قال :

عالم فاضل كامل ، فقيه متكلّم ، أديب شاعر ، أُصولي ، أحد حسنات هذا العصر ، من بيت علم وفضل ، له مصنّفات(٣) .

٧ ـ الكاتب خير الدين الزركلي ( ت ١٣٩٦ هـ) ، قال :

باحث إمامي من علماء النجف في العراق ، من آل البلاغي : وهم أُسرة نجفيّة كبيرة ، له تصانيف ، وكان يجيد اللغة الفارسيّة ويحسن الإنكليزيّة ، وله مشاركة في حركة الاستقلال وثورة عام ١٩٢٠ م(٤) .

٨ ـ المحقّق الباحث الأُستاذ الشيخ رضا الأُستادي ـ حفظه الله ورعاه ـ قال :

علاّمة مجاهد ، ورع متّقي ، مدافع عن حريم الإسلام والتشيّع ، نائب لإمام الزمان ، فقيه كبير ، فيلسوف عظيم الشأن ، كاتب ، شاعر قدير ، ولا نبالغ إذا قلنا :


وليسَ عَلى اللهِ بِمُسْتَنكَر أنْ يَجْمَعَ العالَمَ فِي عالِم(٥)

٩ ـ شيخنا آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي ( ت ١٤١١ هـ) ، قال :

١-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٢ .

٢-حكاه الأُستاذ علي الخاقاني في شعراء الغري ٢ : ٤٣٧ ، عن الروض النضير : ٣٠٤ .

٣-تكملة أمل الآمل ٢ : ١٢٤ .

٤-الأعلام ٦ : ٧٤ .

٥-مقدّمة رسالة حرمة حلق اللحية : ٢٨ .

٣١٠

العلاّمة الأُستاذ ، آية الله في الإحاطة بمقالات عبّاد الصليب وأرباب البِيَع والكنائس وزعماء اللاّدينيّة والمادّيين ، خرّيت علم المناظرة ، والحبر الوحيد في الجدل ، إمام هذا المضمار ومقدام هذه الفسحة ... .

فإنّه ولعمري وربّ الراقصات أحيى هذا الطريق في العصر الأخير ، لم يدع لأمثال داروين ولشبلي شمّيل ولأرباب الأديان الفاسدة شبهة، كيف لا وهو أبو بجدة الفنّ قسماً بالله تعالى سبحانه، رأيته مراراً يتلو العهد القديم "التوراة" العبري في نهاية السلاسة وذلاقة اللسان ; بحيث أقرّ حاخام اليهود بفضله وإحاطته بدقائق اللسان العبري ... (١) .

وقال في الإجازة الكبيرة :

وممّن أروي عنه علاّمة المناظرة ، العالم بأرباب الأهواء ، آية الله الشيخ محمّد جواد البلاغي النجفي(٢) .

١٠ ـ المحدّث الكبير الشيخ عبّاس القمّي ( ت ١٣٥٩ هـ) ، قال : " بطل العلم الشيخ محمّد الجواد البلاغي "(٣) .

١١ ـ الأُستاذ الأديب المؤلّف علي الخاقاني ( ت ١٣٩٨ هـ) ، قال :

من أشهر مشاهير علماء عصره ، مؤلّف كبير ، وشاعر مجيد ...

والإمام البلاغي أغنتنا آثاره العلميّة عن التنويه بعظمته ، وعلمه الجمّ ، وآرائه الجديدة المبتكرة . فلقد سدّ شاغراً كبيراً في المكتبة العربيّة الإسلاميّة ، بما أسداه من فضل فيما قام به من معالجة كثير من المشاكل العلميّة والمناقشات الدينيّة ، وتوضيح التوحيد ودعمه بالآراء الحكيمة قبال الثالوث الذي هدّه بآثاره وقلمه السيّال .

ولو لم يكن للمترجم له إلاّ كتابه الرحلة المدرسيّة لكفاه فخراً ، فقد تطاول الإسلام فيه على المسيحيّة وضيّق الخناق عليها فيه ، ومن المستحيل أنّ إنساناً أُوتي من التعقّل والتمييز شيئاً لا يستقرّ ـ بعد قراءته ـ على الحقّ ، ولا يعتنق الإسلام بعد هضمه له .

١-وسيلة المعاد في مناقب شيخنا الأُستاذ ، راجع ص ٤١٢ ـ ٤١٣ من "المدخل" في موسوعته .

٢-الإجازة الكبيرة : ١٦٠ / ١٩٨ .

٣-الكنى والألقاب ٢ : ٩٤ .

٣١١

والمترجم له كان عظيماً في جميع سيرته ، فقد ترفّع عن درن المادّة ، وتحلّى بالمُثل العليا التي أوصلته في الحياة ـ ولا شكّ بعد الممات ـ أرفع الدرجات .

فقد كنت أختلف عليه مع مَن يختلف من أصدقائه وتلامذته والمقتدين بآرائه الدينيّة ، فلم أجده إلاّ وهو يجيب على سؤال ، أو يحرّر رسالة يكشف فيها ما التبس على المراسل من شكّ ، أو يكتب في أحد مؤلّفاته .

وكان مثال الإمام المحقّ ، فهو جدّيٌّ لأبعد حدّ ، يمارس حاجياته بنفسه ، ويختلف على السوق بشخصه لابتياع ما هو مضطرّ إليه ، غير مبال بالقشور ، ولا محترم للأنانيّات والعناوين الفارغة . وقلّ مَن يستطيع تمييزه ممّن لا يعرفه ، فيتصوّرون عظيماً أو زعيماً دينيّاً حقّاً .

وكان يصلّي جماعة في الجامع المقابل القريب من داره ، يأتمّ به أفاضل الناس وخيارهم ، وبعد الفراغ من الصلاة كان يدرّس كتابه آلاء الرحمن في تفسير القرآن . وقد حضرتُ مع مَن حضرَ بُرهة من الزمن ، فإذا به بحر خضمّ لا ساحل له ، يستوعب الخاطرة ويحوم حول الهدف ، ويصوّر الموضوع تصويراً قويّاً .

والكتاب مع الأسف لم يكمل ، فقد وصل فيه إلى آخر سورة النساء ، وكنّا كثيراً ما نصارحه بقولنا : نرجو من الله أ يّها الشيخ أن يطيل عمرك لإكمال هذا التفسير ، وبعد ذلك لا يهمّنا بقيت أم لم تبقَ . فيقول : أنا متشائم في عدم إتمامي له .

ومَن نظر سيرة المترجَم له يجده قد تأثّر بسير الأولياء ، الذي جاؤوا ومضوا ولم يكن لهم من قصد سوى القيام بما يجب عليهم من خدمة البشر والعقل والحقّ .

وقد كان (قدس سره) مثال هذه السيرة التي تقمّصت الحقّ واستهدفت خدمته ، فقد تخصّص للدفاع عن الإسلام الذي سما على جميع الأديان ، وذبّ عنه أمام تيّار الغرب الجبّار الذي هجم عليه ، فكان يستمدّ الصمود من مبدئه ، والشجاعة من موجده . وقف وقفةً خلّدته في قلوب خصومه النصارى فضلا عن المسلمين ، وعرفته علماؤهم أكثر من معرفة أبناء وطنه له .

ابتعد عن حبّ الشهرة والمظاهر ابتعاداً غريباً ، حتّى أنّه كان لا يقبل أن يضع اسمه على كتبه ; لئلاّ يشمّ من ذلك التبجّح ، ولقد سُئل يوماً عن سبب ذلك فقال : المقصود من عملي إبراز الحقّ والدفاع عنه من أيّ طريق كان ، فلا فرق بين أن يكون قد جئت به أنا أو غيري ، فالغاية العمل .

٣١٢

هذا ما يفهمنا جليّاً فهمه لواقع الحياة ، وأنّها شريط قصير لا يهمّ الممثّل إلاّ أن يبدع في التمثيل .

والإمام البلاغي كانت سيرته تناقض كثيراً هواة الشهرة الذين تشدّقوا بالألقاب وكالوها لأنفسهم باسم غيرهم ، مع العلم أنّ الذين جاءوا به لم يكن بجديد ، إنّما هو صدى لمن سبقهم مع بعض التحوير غير المفيد ، ولكنّ البلاغي كانت حياته مليئة بالمفاخر والخدمات الصادقة .

وكم كان اللازم على رجالنا أن يقتدوا بسيرته ، وينهضوا بأعباء رسالته التي أدّاها ، والذي مهّد لهم السبيل بالسير على ضوئها . ولكن ويا للأسف ظلَّ مكانه خالياً من وجود مَن يقوم به ، مع تطوّر دعايات القوم وتنظيمها ، أمّا دعاياتنا فهي لا تزال تافهة ولأغراض شخصيّة ، لا يعود نفعها إلاّ لأفراد يبتغون الشهرة فقط .

والمترجم له لم يكن ممّن أكثر من الأسماء ، وجعل لها مسمّيات لا فائدة فيها أو مكرّرات عرفها الناس ، بل كان (رحمه الله) من أُولئك الأفذاذ الذين عالجوا كثيراً من المسائل والمشاكل ، وأوقفوا الحائرين على الهدى والحقّ . وكان في كلّ كتاب يكمل عنده لا يستطيع طبعه وإخراجه ، حتّى بلغ الحال غير مرّة أن باع أثاث بيته لطبعه ولانتفاع الناس به ، في حين أنّ غيره كان يطبع دون تكلّف أو مضايقة ، وهذا ناموس الحياة الناقص(١) .

١٢ ـ العلاّمة الشيخ علي كاشف الغطاء ( ت ١٣٥٠ هـ) ، قال :

فاضل معاصر ، مجدّ بتحصيل العلوم، وأديب شاعر منصف، وهو من بيت كلّهم علماء أتقياء ، وهو اليوم نزيل سامرّاء ، وله شعر حسن الانسجام(٢) .

١٣ ـ الملاّ علي الواعظ الخياباني التبريزي ( ت ١٣٦٦ هـ)، قال :

هو العلَم الفرد العلاّمة ، المجاهد ، آية الله ، وجه فلاسفة الشرق، وصدر من صدور علماء الإسلام ، فقيه أُصوليّ ، حكيم متكلّم ، محدِّث محقّق ، فيلسوف بارع . وكتبه الدينيّة هي التي أبهجت الشرق ، وزلزلت الغرب ، وأقامت عمد الدين الحنيف . فهو حامية الإسلام وداعية

١-شعراء الغري ٢ : ٤٣٧ ـ ٤٤٠ .

٢-حكاه الأُستاذ علي الخاقاني في شعراء الغري ٢ : ٤٣٧ عن الحصون المنيعة ٩ : ١٨٦ .

٣١٣

القرن، رجل البحث والتنقيب، والبطل المناضل والشهم الحكيم(١) .

١٤ ـ الأُستاذ المؤلّف عمر رضا كحّالة ( ت ١٣٧٦ هـ) ، قال :

فقيه أُصولي ، مجتهد ، متكلّم ، مفسّر ، أديب ناظم ، فلكي ، عارف بالعبرانيّة والفارسيّة والإنكليزيّة(٢) .

١٥ ـ العلاّمة الكبير السيّد محسن الأمين ( ت ١٣٧١ هـ) ، قال :

كان عالماً فاضلا ، أديباً شاعراً ، حسن العشرة ، سخيّ النفس ، صرف عمره في طلب العلم وفي التأليف والتصنيف ، وصنّف عدّة تصانيف في الردود . صاحبناه في النجف الأشرف أيام إقامتنا فيها ، ورغب في صحبة العامليين فصاحبناه وخالطناه حضراً وسفراً عدّة سنين إلى وقت هجرتنا من النجف ، فلم نرَ منه إلاّ كلّ خلق حسن وتقوى وعبادة ، وكلّ صفة تحمد . وجرت بيننا وبينه بعد خروجنا من النجف مراسلات ومحاورات شعريّة ، ومكاتبات في مسائل علميّة(٣) .

١٦ ـ العلاّمة المؤرّخ الشيخ محمّد حرز الدين ( ت ١٣٦٥ هـ) ، قال :

عالم فقيه ، وأديب شاعر ، بحّاثة أهل عصره ، خدم الشريعة المقدّسة ودين الإسلام الحنيف ، بل خدم الإنسانيّة الكاملة بقلمه ولسانه وكلّ قواه .

وكان موقفه المشرّف أمام الماديّين والطبيعيّين موقف المناضل المجاهد ، حتّى أزاح شبههم الفاسدة ، ومزّق خرافاتهم المضلّلة ، وألزمهم الحجّة .

وكان عارفاً ببعض اللغات غير العربيّة التي يتوقّف عليها فهم أناجيلهم

وتوراتهم ، إلى غير ذلك ممّا ابتدعوها من مؤلّفاتهم ، وله الإلمام بمعرفة مذاهب أهل الكتاب ونحلهم .

وتعب جدّاً في مراجعة اليهود والنصارى أنفسهم في بغداد للفحص منهم عن بعض أسفار التوراة وفصول الأناجيل، ممّا فيه دلالة للردّ عليهم في نفي نبوّة محمّد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله)، وأفنى

١-علماء معاصرين : ١٦٢ ـ ١٦٣ .

٢-معجم المؤلّفين ٩ : ١٦٣ .

٣-أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٥ .

٣١٤

شطراً من عمره في هذا السبيل، فهنيئاً له وهو نعم الخلود في الدارين(١).

١٧ ـ العلاّمة المحقّق الأديب الشيخ محمّد السماوي ( ت ١٣٧٠ هـ) ، قال :

وهذا الفاضل من سلسلة علماء أتقياء ، وهو اليوم مقتد بهم ، سام عليهم بالتصانيف المطبوعة المفيدة . عاشرته فكان من خير عشير ، يضمّ إلى الفضل أدباً ، وإلى التقى إباً ، وله شعر حسن الانسجام(٢) .

١٨ ـ العلاّمة الميرزا محمّد علي الأوردبادي الغروي ( ت ١٣٨٠ هـ) ، قال (٣):

بطل العلم والفلسفة والجهاد ، الإمام المجاهد ، آية الله البلاغي (قدس سره) .

ثمّ ذكر نسبه وأجداده وأُسرته ، ثمّ قال :

عرف العارفون ما للدين من الأهمّيّة الكبرى في استقرار عرش المدنيّة ، وأ نّه كيف يدرأ عن المجتمع البشري عوامل الفوضى ، ويجلب إليه السعادة الخالدة والدعة . ولا أحسبك بعد ذلك البيان تصيخ إلى الدعة وطنين الرجرجة .

من الجليّ ما لهذا الدين الحنيف من الميزة الظاهرة ، والفضل الباهر ، وما له من اليد الواجبة على العالم كلّه ببثّ روح السلام والوئام ، ونشر كلمة العدل والإصلاح ، وتثقيف الأمت والعوج ، وإقامة صروح المدنيّة والعمران ، وتوطيد دعائم الحياة والاستقلال .

هذا قرآنه المجيد الكافل لذلك كلّه أكبر شاهد لهذا القول الفصل في سوره وآياته ، ونصوصه وظواهره ومباديه وخواتمه ، وقوادمه وخوافيه .

إذن فحملة هذا الدين المتفانون في نشر تعاليمه والدعوة إليه ، المضحّون في سبيله النفس والنفيس، هم أكبر المسدين إلى الاُمّة أياديهم الناصعة ، وأنّ سعيهم مشكور في الجامعة، وهم أعضاد الحضارة، وعمد الحياة، ومنبثق أنوار السعادة والتهذيب.

١-معارف الرجال ١ : ١٩٦ .

٢-الطليعة من شعراء الشيعة ١ : ١٩٣ .

٣-تفضّل علينا سماحة حجّة الإسلام السيّد مهدي الشيرازي ـ سبط العلاّمة الأُوردبادي ـ فأرسل لنا ما كتبه جدّه في ترجمة العلاّمة البلاغي ، وهو من كتابه التراجم الذي ما زال مخطوطاً ; وكذلك أرسل لنا القصيدة الرائعة للأُوردبادي التي رثى بها أُستاذه البلاغي . وقد أضفناها في محلّها في هذا الكتاب .

٣١٥

عرف من سبر الحالة الحاضرة ، وما نحن اليوم فيه من المأزق الحرج الذي يشوك سالكه أشواك الماديّة المتكدّسة ، ويصادفه سيل التبشير الأجنبي الجارف في ظلم من الأهواء حالكة ، وليل من الشبهات دامس .

هذا والمسيطر في كثيرين الجهل السائد ، والعَمه الشامل . يتخبّطون في تيه العمى ، ويرسفون في أصفاد من التقليد ، لا يشعر التائه في مفازة من غلوائه إلاّ والنكبات المبيدة تعوى عليه ( كجلمود صخر حطّه السيل من عل ) .

عرف السابر لهذا الغور وأحوال الرجال تجاه ذلك الضوضاء واللغط ، أنّ المشمر الوحيد لإنقاذ اُمّته ، والمجاهد الفذّ دون نجاح قومه ، ومحبّ الخير للبشر عامّة ، ومسدي معروفه إلى المجتمع بقلمه وفمه ، وما يملكه من منّة وجاه ، هو المجاهد البطل المعني بهذه الترجمة .

إنّ سالكي سنن الدعوة والإصلاح كثيرون، غير أ نّهم بين مَن له خطّة محدودة يقف عندها السعي ، أو أ نّه يرتئي الاجتزاء بما سلكه من خطوات يسيرة ، أو أ نّه رجل خائر القوى إذا افترع ربوة بلغ منه اللغوب ، أو لم تتح له المقادير أن يسعى كما يريد .

لكنّ شيخنا المترجم له ، هو الذي لا غاية لأمد جهاده ، ولا منتهى لدى إصلاحه ، لا تبرح كريمتاه شاخصتين إلى قومه من غير ما حدٍّ محدود ، ولا سعي مجذوذ .

هو الذي تمثّل مناضلا عن الدين ، وجلبة الضلال لها دويّها المرهب ، ولتيّار الدعاية الغربيّة خرير يصمّ المسامع .

إنّك لا تجد تحت القسطل الثائر بين تلك المصامع إلاّ هذا البطل العظيم ، شاكياً بسلاح قلمه ، ممتطياً جواد هممه ، يجبه زاحفة الأهواء ، ويجدل مرجفة التمويه .

شهيدي الله أنّي لا أبغي من القول شططاً ، غير أنّ الرجل نصب عيني ، والمزبر سادس أنامله ، والقرطاس أليف نهاره ، وسمير ليله . ها هو في حرّ النجف القائض ، وبرده القارص جليس حجرته ، لا همّ له إلاّ الأخذ بناصر الدين ، والنظر في صالح المسلمين بتأليف ، أو إفادة ، أو جواب عمّا تتوارد إليه من مختلف الأمصار من الأسئلة والشبهات ، ببيان واف عرفه منه كلّ أحد على الاُصول الصحيحة ، وموافقة المنطق ، غير متحرٍّ للتشدّق بسرد الألفاظ الفارغة ، والجمل المستعصية على الأفهام .

لم يبرح على ذلك حتّى تضاءلت قواه ، وضعفت باصرته على شيخوخة من عمره ، لكن

٣١٦

في جدّة من شباب عزيمته .

ومن قصيدة قالها في مدح أُستاده :


بطل الدين وفي راحته علم الإسلام منشور الصلاح
شحذ العلم حساماً قاضياً قلّ منه ظبّة البيض الصفاح
صدع الباطل منه مقول لم يزل يصدع بالحقّ الصّراح
من سبوق (للهدى في رحلة) بخطى العلياء لا البزل الطلاح
عمّر الأُمّة من (آلائه) ومعاليه أفاويق(١) النجاح
و(بلاغ) منه (أنوار الهدى) أشرقت فيه بـ (توحيد) الفلاح
ولكم بثّ (الأعاجيب) من الـ ـعلم حلاّها بأخلاق سجاح
مصلح اعرق نزعاً (بنصا ئح) لا يألف عنها بمراح
و(مصابيح) بمشكاة العلى أوقدت من كلم منه فِصاح(٢)

١٩ ـ العلاّمة الميرزا محمّد علي المدرّس التبريزي ( ت ١٣٧٣ هـ) ، قال :

فقيه أُصوليّ ، حكيم متكلّم ، عالم جامع ، محدِّث بارع ، ركن ركين لعلماء الإماميّة ، وحصن حصين للحوزة الإسلاميّة ، ومروّج للعلوم القرآنيّة ، وكاشف للحقائق الدينيّة ، وحافظ للنواميس الشرعيّة ، ومن مفاخر الشيعة(٣) .

٢٠ ـ الشيخ محمّد هادي الأميني ( ت ١٤٢١ هـ) ، قال :

فقيه كبير ، ومجتهد مجاهد ، وعالم نحرير ، وعابد زاهد ، ناسك ورع ، ومؤلّف خبير متضلّع في العقائد ، صاحب اليراع المقدّس الذي سبح في بحار العلوم ودحض شبه المادّيّين والطبيعيّين ، مع إلمامه ببعض اللغات(٤) .

١-أفاويق : جمع أفواق، وهو جمع فيق ، وهو جمع فيقة : الماء الذي يكون في السحاب فتمطر ساعة بعد ساعة . أو ما يجتمع في الضراع بين الحلبتين .

٢-علماء معاصرين : ١٦٦ .

٣-ريحانة الأدب ١ : ٢٧٨ .

٤-معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام ١ : ٢٥٣ .

٣١٧

الباب الثالث
رحيل العلاّمة البلاغي

وفيه فصول :

الفصل الأوّل: وفاته ومدفنه

الفصل الثاني : صدى نبأ وفاته في المجتمع

الفصل الثالث : ما رثي به

٣١٨
٣١٩

الفصل الأوّل
وفاته ومدفنه

أجمعت المصادر التي ترجمت العلاّمة البلاغي بشكل مفصّل ، أو أشارت إلى ومضات من حياته المباركة ، بأنّ وفاته كانت ـ إثر إصابته بمرض ذات الجنب ـ في ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شهر شعبان سنة ١٣٥٢ هـ (١) .

علماً بأ نّه قد ابتلي في أواخر عمره بعدّة أمراض خطيرة كمرض السكّر والسلّ وغيرهما ، إلاّ أنّ هذه الأمراض لم تقضِ على حياته ، بل قضى عليها مرض ذات الجنب(٢) .

ومن العجيب أنّ مطلع إحدى قصائده ـ التي كانت في مدح الإمام الحجّة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ كان :


حَيِّ شَعْبانَ فَهْوَ شَهْرُ سُعُودِي وَعْدُ وَصْلِيَ فِيهِ وَلَيْلَةُ عِيدِي(٣)

فكان كما أجراه الله على لسانه ، إذ وصل إلى رحمة ربّه في شهر شعبان .

وقد ذكر العلاّمة آقا بزرگ الطهراني في مورد واحد فقط من الذريعة بأنّ وفاته كانت سنة ١٣٥١ هـ(٤) . وهو إمّا خطأ مطبعي ، أو سهو من قلمه الشريف .

١-انظر : الكنى والألقاب ٢ : ٩٥ ; معارف الرجال ١ : ٢٠٠ ; الطليعة من شعراء الشيعة ١ : ١٩٥ ; أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٥ ; ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٢ ; نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٣٢٤ ; الذريعة : في أكثر الموارد التي ذكر فيها آثار البلاغي ; الأعلام للزركلي ٦ : ٧٤ ; الإجازة الكبيرة : ١٦٠ / ١٩٨.

٢-مقدّمة الهدى إلى دين المصطفى : ١٩ .

٣-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٤ .

٤-الذريعة ١٠ : ٢٣٦ / ٧٤٠ .

٣٢٠