×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

مدفنه: أجمعت المصادر التي ذكرنا بعضها قبل قليل بأنّ دفنه كان في حجرة العامليّين ، وهي الحجرة الثالثة الجنوبيّة من طرف مغرب الصحن العلوي المبارك في مدينة النجف الأشرف .

وقد شاء الله تعالى أن يُدفن مع العامليّين الذين كانت تربطه معهم علاقة وطيدة أيّام دراسته في مدينة النجف الأشرف ، إذ يقول زميله السيّد محسن الأمين :

صاحبناه في النجف الأشرف أيّام إقامتنا فيها ، ورغب في صحبة العامليّين ، فصاحبناه وخالطناه حضراً وسفراً عدّة سنين إلى وقت هجرتنا من النجف(١) .

١-أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٥ .

٣٢١

الفصل الثاني
صدى نبأ وفاته في المجتمع

كان لنبأ وفاة العلاّمة البلاغي صدىً كبيراً ليس في النجف الأشرف فحسب ، بل في العالم الإسلامي عموماً ، فقد هبّت النجف تبكي هذا النجم المنكسف الذي فُجع الإسلام بوفاته وثُلم بموته الدين ثلمة لا يسدّها شيء .

فشيِّع تشييعاً مهيباً شارك فيه آلاف المؤمنين ، وفي مقدّمتهم كبار مراجع الدين وطلبة الحوزة العلميّة في النجف .

وأُقيمت له مراسم التأبين في كثير من مدن العراق وبعض عواصم البلدان الإسلاميّة ، ومن أهمّها وأكبرها المجلس التأبيني الذي أقامه السيّد علي ( م ١٣٥٥ هـ ) نجل الميرزا السيّد محمّد حسن الشيرازي ( م ١٣١٢ هـ ) بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته ، ألقى فيه الشعراء قصائد رائعة في تأبينه .

ومن أجل الوقوف على عظم المصيبة التي حلّت بالعالم الإسلامي بفقد هذا العالم الجليل ، ننقل هنا عبارات بعض معاصريه في ذلك :

١ ـ المحدّث الكبير الشيخ عباس القمّي ، قال :

كان لنبأ وفاته أثر كبير في نفوس عظماء الدين كافّة ، وأُقيمت الفواتح له في البلدان العراقيّة ، وتشادق في رثائه الأُدباء(١) .

٢ ـ الفقيه المؤرّخ الشيخ محمّد حرز الدين ، قال :

وصار ليوم وفاته دويّ في النجف عند العلماء وأهل الفضل والدين ، وشُيِّع بأحسن تشييع

١-الكنى والألقاب ٢ : ٩٥ .

٣٢٢

وتوقير، ورفعت أعلام الحزن أمام نعشه الطاهر، وعمدة من اهتمّ بتشييعه وتنظيم مواكب العزاء ـ بعد العلماء الأعلام وطلاّب العلوم الدينيّة ـ أهل محلّته "البراق"(١).

٣ ـ العلاّمة الميرزا محمّد علي المدرّس التبريزي ، قال :

ورحلته من هذه النشأة كانت ثلمة في أساس الدين الحنيف ، وأُقيمت له الفواتح والتآبين في البلاد الإسلاميّة(٢) .

٤ ـ العلاّمة المؤرّخ الشيخ جعفر محبوبة ، قال :

فُجع لموته الصغير والكبير ، والبعيد والقريب ، وفُجع لموته الإسلام ، فقد فقد ساعداً قويّاً وسيفاً قاطعاً ، أُقيمت له مآتم العزاء في كثير من البلدان ، ورثاه الشعراء بمراث لاذعة ، وخسره العالم الإسلامي أجمع(٣) .

٥ ـ الأُستاذ المحامي توفيق الفكيكي ، قال :

وما إن نعاه النُعاة حتّى ارتجّت مدينة النجف الأشرف، فألقت بأفلاذها، وقذفت بسكّانها على اختلاف طبقاتهم، وهم يندبون فقيد الإسلام ونابغة الشرق، وقد اهتزّت لفقده محافل الشرق وأندية الغرب ، وبكته محاريبه وصلواته وأقلامه ودفاتره ومؤلّفاته، وسار في تشييع جثمانه آلاف من الجماهير، يتقدّمهم عظماء المجتهدين وأساطين العلم والأدب.

وأُقيمت له الفواتح والمآتم وحفلات التأبين في أنحاء الرافدين وأرجاء بلاد الضاد وديار الإسلام ، وذكرته الجمعيّات العلميّة الغربيّة بالتمجيد والتقدير ، وأثنت على خدماته الجليلة وجهوده الجبّارة في نصرة الفضيلة والدفاع عن عقيدته بما أُوتي من الحكمة وفصل الخطاب(٤) .

٦ ـ المتتبّع الكبير آقا بزرگ الطهراني ، قال :

توفّي ليلة الاثنين ٢٢ شعبان سنة ١٣٥٢ هـ ، فانقلبت النجف وشيّع تشييعاً يليق بمقامه ...

١-معارف الرجال ١ : ٢٠٠ .

٢-ريحانة الأدب ١ : ٢٧٩ .

٣-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٥ ـ ٦٦ .

٤-مقدّمة الهدى إلى دين المصطفى : ١٩ .

٣٢٣

وقد فُجع الإسلام بوفاته وثُلم ثلمة لا يسدّها أحد ، ولم يزل مكانه ومكان العاملين من العلماء شاغراً ، وفي الحقيقة لم يمت مَن خلّف ما خلّفه المترجم من الآثار التي تهتدي بها الأجيال ويحتجّ بها الأبطال(١) .

٧ ـ شيخنا آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي ، قال :

وكان فقدانه ثلمة في الإسلام لا يسدّها شيء، أثّر في قلوب المسلمين على اختلاف فرقهم، وأُقيمت له المآتم ونوادي التأبين في بلدان شتّى، وأُنشدت في رثائه القصائد في المراثي... وأقام العلاّمة الأُستاذ آية الله العظمى الحاجّ الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي مأتماً في المدرسة الفيضيّة ببلدة قم، ثمّ أقمتُ له مجلسين أداءً لحقّه العلمي عليَّ(٢).

٨ ـ الأديب الأُستاذ علي الخاقاني ، قال :

انقلب النجف يوم أن سمع بنبأ وفاته، فخرج عن بكرة أبيه وصار مشهوداً، ورثاه أعلام شعراء عصره بقصائد مؤثّرة . وفي موت هذا العالم تُعرف مقاييس مجتمعنا، فهو عندما كان في دار الحياة لا يعرفه إلاّ الخواصّ ، ولا يختلف عليه إلاّ نفر معدود ، وعندما رحل إلى الفردوس تأثّر الكبير والصغير لهذه الرحلة ، كأ نّما الإنسان يجب احترامه عند الموت ، فإذا كان حيّاً لا قيمة له ، هذا ما نأسف له ; لأ نّه لا زال باقياً للآن(٣) .

وقال في ترجمته للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء :

والنجف بلد غريب من هذه الناحية، فهو لا يعرف قيمة الرجال إلاّ إذا ماتوا، فتراه يندبهم وينوح عليهم ويجزع لفقدهم. وبالأمس كُنّا نشاهد المرحوم الشيخ جواد البلاغي ـ الذي صدم الثالوث ـ كان يمرّ بالسوق كأحد الناس يحمل متاعه بيده وينوء بحمله دون أن يجد مَن يعينه على ذلك، وهم لا يعرفون مَن هو، ولكنّه ساعة أن نعي شخصه قام النجف لفقده وقعد(٤).

١-نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٣٢٤ .

٢-وسيلة المعاد في مناقب شيخنا الأُستاذ ، راجع ص ٤٢١ .

٣-شعراء الغري ٢ : ٤٤٠ .

٤-المصدر ٨ : ١١٣ .

٣٢٤

الفصل الثالث
ما رُثي به

من الطبيعي جدّاً أن يقوم مجموعة من الشعراء برثاء العلاّمة البلاغي ، كيف لا وقد فقدوا أحد أعمدة الفكر الإسلامي الذي قضى عمره الشريف مدافعاً عن الإسلام عموماً ، وعن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) خصوصاً . وهو ـ إضافةً لذلك ـ أحد زملائهم الشعراء ، الذي أغنى الأدب العربي بقصائد رائقة ، سجّل فيها أفضل آيات الإبداع .

وقد بذلتُ قصارى جهدي للحصول على النصوص الكاملة لهذه القصائد التي لو جُمعت وشُرحت لأصبحت كتاباً كاملا ، يدلّنا على سموّ شخصيّة هذا العالم الكبير ، ومدى تأثّر رفاقه الشعراء ولوعتهم بفقده .

إلاّ أ نّني لم أحصل من هذه القصائد إلاّ على بعضها متفرّقة في بطون الكتب، وبعضها لم أقف عليها كاملةً بل على بيت أو بيتين منها ، وبعضها الآخر لم أتعرّف على ناظمها أيضاً .

وتعميماً للفائدة فإنّي أُورد كلّ ما وقفتُ عليه من القصائد أو الأبيات ـ مرتّبةً حسب القوافي ـ وإن كانت ناقصة، عسى أن يوفّقنا الله تعالى في المستقبل للحصول عليها كاملة .

١ ) قصيدة للشاعر الكبير السيّد رضا الهندي ( م ١٣٦٢ هـ ) " من الكامل "(١) :


قَدْ خَصَّكَ الرَحْمنُ فِي آلائِهِ(٢) فَدَعاكَ دَاعِيهِ لِدارِ لِقائِهِ

١-ديوان السيّد رضا الهندي : ١٢٧ ـ ١٢٨ .

٢-إشارة لتفسيره " آلاء الرحمن في تفسير القرآن " .

٣٢٥
 كتاب العلاّمة البلاغي الشيخ محمّد الحسّون (ص ٣٢٦ - ص ٣٣٧)
٣٢٦

لَكَ عَادَ بَطْنُ الأرْضِ أفْسَحَ مَنْزِل وَالكَوْنُ بَعْدَكَ ضَاقَ رَحْبُ فَضائِهِ
جَاوَرْتَ مَرْقَدَ حَيْدَر إذْ لَمْ تَزَلْ ما عِشْتَ مُعْتَصِمَاً بِحَبْلِ وَلائِهِ
شَقُّوا ضَريحَكَ فِي الصَّعِيدِ(١) وَوَدَّ لَوْ قَدْ شَقَّهُ الإسْلامُ فِي أحْشائِهِ
لَمْ تَألُ جُهْدَكَ بالجِهادِ كَأ نَّما خُوطِبْتَ وَحْدَكَ دُونَنَا بِأدائِهِ
وَوَقَفْتَ نَفْسَكَ فِي المَواقِفِ كُلِّها لِحمايَةِ الإسْلامِ مِنْ أعْدائِهِ
وَمُنِيتَ مُدَّةَ مَا حَيِيْتَ مُعانِياً إصْلاحَ مَا يَلْقَاهُ مِنْ أبْنائِهِ
حَتَّى بِنَفْسِكَ جُدْتَ تَفْدِيهِ وَمَنْ مِثْلُ الجَوادِ بِجُودِهِ وَفِدائِهِ
إنْ كانَ صَرْحُ الدِّينِ هُدَّ فَطالَمَا شَيَّدْتَ فِي الدُّنْيا رَفِيعَ بِنائهِ
للهِ رُزْؤكَ مُذْ أطَلَّ عَلى الهُدى أنْساهُ مَا قَدْ مَرَّ مِنْ أرْزائِهِ
لَيْسَ المُجاهِدُ عَنْهُ فِي أسْيافِهِ مِثْلَ المُجاهِدِ عَنْهُ فِي آرائِهِ

٢ ) قصيدة أيضاً للشاعر الكبير السيّد رضا الهندي " من الكامل "(٢) :


إنْ تُمْسِ فِي ظُلَمِ اللُحودِ مُوَسَّدَا فَلَقَدْ أضَأْتَ بِهِنَّ أنْوارَ الهُدى
وَلَئِنْ يُفَاجِئْكَ الرَدى فَلَطَالَما حَاوَلْتَ إنْقاذَ العُدَاةِ مِنَ الرَدى
هذا مَدى(٣) تَجْرِي إلَيْهِ فَسَابِقٌ فِي يَوْمِهِ أوْ لاحِقٌ يَمْضِي غَدا
قَدْ كُنْتُ أهْوى أ نَّنِي لَكَ سَابِقٌ هَيْهات قَدْ سَبَقَ ( الجَوادُ ) إلى المَدى
فَلْيَنْدُبِ التَوْحِيدُ يَوْمَ مَمَاتِهِ سَيْفاً عَلى التَثْلِيثِ (٤) كَانَ مُجَرَّدا
وَلْيَبْكِ دِينُ مُحَمَّد لِمُجاهِد أشْجَتْ رَزِيَّتُهُ النَبيَّ مُحَمّدا
وَلْيُجْرِ أدْمُعَهُ اليَراعُ لِكاتِب أجْراهُ فِي جَفْنِ الهِدايَةِ مِرْوَدا(٥)

١-الصعيد : التراب . الصحاح ٢ : ٤٩٨ ، " ص ع د " .

٢-ديوان السيّد رضا الهندي : ١٢٥ ـ ١٢٦ ; شعراء الغري ٤ : ٩٦ ـ ٩٧ .

٣-المدى : الغاية . الصحاح ٦ : ٢٤٩٠ ، " م د ى " .

٤-" التوحيد والتثليث " أحد مؤلّفات العلاّمة البلاغي التي أ لّفها للردّ على اعتراضات النصارى وردّ شبهاتهم .

٥-المرودُ : الميلُ . الصحاح ١ : ٤٧٩ ، " ر و د " .

٣٢٧

وَجَدَ الهُدى أرِقَاً فَأشْهَرَ جَفْنَهُ حِرْصَاً عَلى جَفْنِ الهُدى أنْ يَرْقُدا
أأُخَيَّ كَمْ نَثَرَتْ يَدَاكَ مِنَ الهُدى بَذْرَاً فَطِبْ نَفْسَاً فَزَرْعُكَ أحْصَدا
إنْ كُنْتَ لَمْ تُعْقِبْ بِنِينَ(١) فَكُلُّ مَنْ يَهْدِيهِ رُشْدُكَ فَهْوَ مِنْكَ تَوَلَّدا
أأُخَيَّ إنَّ العَيْشَ أكْدَرُ مَوْرِد قُلْ لِي : فَهَلْ تَحْلُو المَنِيَّةُ مَوْرِدا
صِفْها فَإنّي بَابْتِهاجِكَ واثَقٌ لَكِنْ عَلى نَفْسِي أخَافُ مِنَ الرَّدى
هَلْ خَوَّلُوكَ مِنَ الشَّفاعَةِ مَا بِهِ أحْظى وَأحْيا فِي الجِنانِ مُخَلَّدا
أأُخَيَّ إنَّ المَوْتَ فَرَّقَ بَيْنَنَا أتَراكَ تَجْعَلُ لِلْتَلاقِي مَوْعِدا
حالَ الحِمامُ(٢) فَلا تُلَبِّي داعِيَاً يَأتِي فِناكَ وَلا تُحَيّي الوُفَّدا
وَاعْتَدْتَ أنْ تَجْفُوا مُحِبَّاً لَمْ يَكُنْ أبَدَ الزَمانِ عَلى جَفاكَ مُعَوَّدا
إنّي لأطْمَعُ فِي المَنامِ بِزَوْرَة(٣) لَوْ لَمْ يَكُنْ جَفْنِي عَلَيْكَ مُسَهَّدا
يا مَنْ هَدى المُسْتَرشِدينَ بِنُورِهِ نَمْ هادِئَاً فَعَلَيْكَ قَلْبِي ما هَدا(٤)
لا تَحْذَرِ السَفَرَ البَعِيدِ فَلَمْ تَزَلْ بِالباقِياتِ الصالِحاتِ مُزَوَّدا

٣ ) قصيدة للخطيب الشيخ محمّد علي اليعقوبي (م ١٣٨٥هـ ) "من الطويل"(٥):


سَلُوا قُبَّةَ الإسْلامِ مَاذَا أمادَها(٦) مَتَى قَوَّضَتْ مِنْها اللَّيالِي عِمادَها
وَعُوجُوا نُناشِدْ حَلْبَةَ العِلْمِ وَ الهُدى (٧) مَتى صَرَعَتْ كَفُّ المَنُونِ ( جَوادَها )
بِيَوْم تَشَفّى المُلْحِدُونَ بِرُزْئِهِ وَنَالَتْ دُعاةُ الشِّرْكِ فِيهِ مُرادَها
بِهِ فَقَدَ الإسْلامُ أكْبَرَ حُجَّة يَردُّ بِها إفْكَ(٨) العِدا وَعِنادَها

١-إشارةً إلى أنّ العلاّمة البلاغي (رحمه الله) لم يعقب بنين بل كان عقبه بنات .

٢-الحِمَامُ : قَدَر الموت . الصحاح ٥ : ١٩٠٦ ، " ح م م " .

٣-أي الزيارة ، ويطمع الشاعر هنا أن يرى البلاغي في المنام .

٤-أي ما هدأ .

٥-ديوان اليعقوبي : ٢٣٥ ـ ٢٣٧ .

٦-أمادها : أَمالَها . الصحاح ٢ : ٥٤١ ، " م ى د " .

٧-" الهدى إلى دين المصطفى " أحد مؤلّفات العلاّمة البلاغي الذي ردّ فيه على النصارى وشبهاتهم .

٨-الإفْكُ : الكذبُ . الصحاح ٤ : ١٥٧٢ ، " أ ف ك " .

٣٢٨

أتَعْجَبُ لِلدِّينِ الحَنِيفِ إذا بَكى دَمَاً عَنْ حَشَىً أوْرى المُصابُ اتّقادَها
فَهَلْ شُكَّ(١) إلاّ فِي سِوَيْداءِ قَلْبِهِ وَهَلْ فَقَدَتْ عَيْناهُ إلاّ سَوادَها
أمُوضِحَ آياتِ الكِتابِ كَأنَّما عَلى يَدِكَ الرُوحُ الأمِينُ أعَادَها
رَمَاكَ الرَدى سَهْمَاً فَأحْمى حَشَا الهُدى وَمِنْ شِرْعَةِ الهادِي أصَابَ فُؤادَها
فَسَهَّدْتَ(٢) لِلتَوْحِيدِ عَيْنَاً وَهَوَّمَتْ(٣) مِنَ الشِّرْكِ أجْفانٌ أطَلْتَ سُهادَها
فَكَمْ فِئَة فِيكَ اهْتَدَتْ بَعْدَ غَيِّها وَقَدْ أبْصَرَتْ بَعْدَ الضَلالِ رَشادَها
وَقَدْ أمَّها التَبْشِيرُ فِي شُبُهاتِهِ لِيَصْرِفَ عَنْ نَهْجِ الرَّشادِ اعْتِقادَها
فَكَهَّمْتَ(٤) فِي ذاكَ القِراعِ صِفاحَهَا(٥) وَحَطَّمْتَ فِي تِلْكَ اليَراعِ صِعادَها(٦)
بِوُدِّيَ لَوْ يَرْضَى الرَّدى دُونَكَ الفِدا فَدَتْكَ نُفُوسٌ قَدْ مَلَكْتَ وِدادَها
وَلَكنَّ أحْكامَ الإلهِ نَوافِذٌ إذا شَاءَها فِي خَلْقِهِ أوْ أرادَها
فَقَدْ عَجَّلَتْ بِالحَتْفِ مِنْكَ اقْتِرانَها عَلى حِينِ قَدْ كُنَّا نُرَجِّي بعادَها
أبَتْ أعْيُنُ الإسْلامِ إلاّ ابْيضاضَها لِفَقْدِكَ وَالأيّامُ إلاّ اسوِدَادَها
نُعِيتَ فَبانَتْ فِي الشَرِيعَةِ ثَلْمَةٌ إلى الحَشْرِ لا تَرْجُو الأنامُ سَدادَها
فَمَنْ ذَا يَصُدُّ الشِرْكَ فِي كُلِّ غارَة تَشُنُّ عَلى الدِّينِ الحَنِيفِ طِرادَها
فَكَمْ رحْلَة (٧) سَيَّارَة لَكَ فِي الوَرى يَجُوبُ الهُدى فِيها الرُبى(٨) وَوِهادَها(٩)
أعاجِيبُ (١٠) عِلْم كُنْتَ فِيهنَّ قامِعَاً أكاذِيبَ بَغْي لا نُطيقُ عِدادَها

١-أي نفذ السهم في سويداء القلب . انظر لسان العرب ١٠ : ٤٥٢ ، " ش ك ك " .

٢-السُهاد : الأرق . الصحاح ٢ : ٤٩٢ ، " س هـ د " .

٣-هوَّمت : نامت . الصحاح ٥ : ٢٠٦٢ .

٤-كهّم السيف : ثلم حدّه . انظر الصحاح ٥ : ٢٠٢٥ ، لسان العرب ١٢ : ٥٢٩ ، " ك هـ م " .

٥-الصفاح ، جمع الصَفيحة : السيف العريض . الصحاح ١ : ٣٨٣ ، " ص ف ح " .

٦-الصِعاد : الرماح . انظر لسان العرب ٣ : ٢٥٥ ، " ص ع د " .

٧-" الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة " في الردّ على النصارى وشبهاتهم .

٨-الرُبى ، جمع الرابية : وهي ما ارتفعَ من الأرض . الصحاح ٦ : ٢٣٤٩ ، " ر ب ا " .

٩-الوِهادُ ، جمع الوَهْدَة : وهي المكان المطمئنّ المنخفض . انظر الصحاح ٢ : ٥٥٤ ، " و هـ د " .

١٠-" أعاجيب الأكاذيب " في الردّ على النصارى وشبهاتهم وبيان مفترياتهم .

٣٢٩

فَمَا أيْنَعَتْ يَوْمَاً بُذُورُ غَوايَة مِنَ الشِّرْكِ إلاّ قُمْتَ تَبْغِي حَصادَها
وَأعْلَنْتَ طُولَ العُمْرِ حَرْبَاً عَلى العِدا وَقَدْ لازَمَتْ جُلُّ الرِجالِ حِيادَها
تُجاهِدُ أعْداءَ الهُدى فِي يَرَاعَة غَدَا يَشْكُرُ الإسْلامُ عَنْهُ جِهادَها
حَمَيْتَ بِحَدَّيها حُدُودَاً لِمِلّة عَلَيْكَ أطَالَتْ نَوْحَها وحِدادَها
تُعِيدُ وَتُبْدي كُلَّ آن بِها يَدَاً وَمَا كُلُّ مَنْ أبْدى الأيادِي أعادَها
نَعاكَ لَها الناعِي بِشَعْبانَ فَانْثَنَتْ تُصدِّعُ(١) شَجْواً بالنِياحِ ( جَمادَها )
نَعَاكَ إذا جَارَ الزَمانُ مَعاذَها(٢) بِيَوْم أراها الخَطْبُ فِيكَ مَعادَها(٣)
أجِدَّكَ هَلْ أبْقَيْتَ بَعْدَكَ ذائِدَاً عَنِ الحَقِّ تُولِيهِ الأنامُ اعْتِمادَها
حَمَيْتَ لَها دِينَاً لَوْ احْتَفَظَتْ بِهِ إذَن حَفِظَتْ أخْلاقَها وَبِلادَها
نَعَمْ ( بعليٍّ )(٤) شُدَّ بَعْدَكَ أزْرُهُ وَكَمْ كُرَب عَنْهُ أزالَ شِدادَها
سَلِيلِ الزَكيّ المُجْتَبى ( الحَسَنِ )(٥) الذِي إليهِ مُلوكُ الأرْضِ ألْقَتْ قيادَها
فَإنْ يَكُ دينُ اللهِ ثُلَّتْ(٦) عُرُوشُهُ فَإنَّ عَلِيّاً بَعْدَكَ اليَومُ شادَها
إذا الناسُ قَدْ والُوا عَليَّاً فَلَمْ نَكُنْ نَخافُ وَلا نَخْشى عَلَيْها ارْتِدادَها

١-أي تُكَسِّر .

٢-المعاذ : الملجأ . الصحاح ٢ : ٥٦٧ ، " ع و ذ " .

٣-المعاد : يوم القيامة .

٤-السيّد علي ابن المجدّد الميرزا السيّد محمّد حسن الشيرازي ، قال عنه الشيخ محمّد حرز الدين في معارف الرجال ٢ : ١٣٨ : " كان علماً محقّقاً أديباً تقيّاً ورعاً جواداً ، دمث الأخلاق ، مبجّلا محترماً . خلف السيّد والده وسدّ بعض الفراغ الذي حصل بفقدان الميرزا زعيم الطائفة المحقّة . وقد مدحه الشعراء والأُدباء طلباً لنواله حيث كان جواداً كما ذكرنا ، ومدحه بعض أهل الفضل والعلم ممّن ينظم الشعر على ترفّع إلاّ في المناسبات ، توفّي ليلة الأربعاء ١٨ ربيع الثاني سنة ١٣٥٥ هـ " .

علماً بأنّ السيّد علي قد أقام مجلساً تأبينيّاً في المسجد الهندي في مدينة النجف الأشرف بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة العلاّمة البلاغي ، ألقى فيه عدد من الشعراء قصائد رائعة ، منها قصيدة الشيخ اليعقوبي المذكورة .

٥-المجدّد الميرزا السيّد محمّد حسن ابن السيّد محمود الشيرازي ( ١٢٣٠ ـ ١٣١٢ هـ ) زعيم الطائفة الحقّة والمرجع الأعلى للشيعة في ذلك الوقت، صاحب الفتوى المشهورة بتحريم التنباك، وقد مرّت ترجمته قبل

عدّة أوراق.

٦-أي هدمت .

٣٣٠

سَقى اللهُ فِي رِضْوانِهِ لَكَ تُرْبَةً إذا لَمْ يَجُدها(١) الغَيْثُ فالدَمْعُ جادَها

٤ ) وقد رثاه أحد الأُدباء بقصيدة " من الكامل " ، لم نعثر منها إلاّ على بيت

واحد ، وهو :


زَوَّدْتَ نَفْسَكَ فِي حَياتِكَ زادَها تَقْوى الإلهِ وَذَاكَ خَيْرُ الزادِ(٢)

٥ ) ورثاه العالم المفضال الشاعر السيّد مسلم الحلّي بقصيدة " من الكامل " ، عثرنا على هذا البيت منها فقط :


إنّي أرى المَوْتَ الزُّؤامَ مُمَثِّلا لِلناسِ فِعْلَ الصَّيْرَفِ النَّقَّادِ(٣)

٦ ) قصيدة للشاعر المجدّد الشيخ محمّد رضا المظفّر ( م ١٣٨٣ هـ ) " من البسيط "(٤) :


يا طَرْفَ جُدْ بِسَوادِ العَيْنِ أوْ فَذَرِ مَاذَا انْتِفاعُكَ بَعْدَ الشَّمْسِ بِالنَظَرِ
وَخُطَّ يا صُورةَ الإسْلامِ مُلتَحَدَاً (٥) مَا الشَأنُ بَعْدَ ذَهابِ الرُوحِ بِالصِّوَرِ
وَمُتْ بِغَيْظِكَ مِنْ بَعْدِ الجَوادِ وَمَا نَفْعُ الفَلاةِ(٦) بِلا غَيْث(٧) وَلا نَهرِ
غَابَتْ ذُكَا(٨) الجُودِ واسْوَدَّتْ غَياهِبُهُ(٩) فَلا تَرى لليَدِ البَيْضاءَ مِنْ أثَرِ
رَمى بِهِ الدِّينُ سَهْمَاً واحِدَاً فَمَضى فَرْدَاً وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ القَوْسِ وَالوَتَرِ

١-الجَوْدُ : المطر الغزير . الصحاح ٢ : ٤٦١ ، " ج و د " .

٢و٣- انظر مقدّمة الأُستاذ توفيق الفكيكي لكتاب الهدى إلى دين المصطفى : ٢٠ و٢١ .

٤-شعراء الغري ٨ : ٤٨٠ ـ ٤٨١ .

٥-اللَحْدُ : الشقّ في جانب القبر . الصحاح ٢ : ٥٣٤ ، " ل ح د " .

٦-الفَلاةُ : المفازة . الصحاح ٦ : ٢٤٥٦ ، " ف ل ا " .

٧-الغَيثُ : المطر . الصحاح ١ : ٢٨٩ ، " غ ى ث " .

٨-ذُكَاء : اسم للشمس . الصحاح ٦ : ٢٣٤٦ ، " ذ ك ا " .

٩-الغياهب ، جمع الغَيْهب : وهو الظلمة . الصحاح ١ : ١٩٦ ، " غ هـ ب " .

٣٣١

قَدْ كانَ كَعْبَةَ آمَالِ الأنامِ هُدَىً فَحُجَّ يا قَلْب حَوْلَ البَيْتِ واعْتَمِرِ
وَالطِرْسُ(١) فِي يَدِهِ البَيْضاءِ سَوَّدَهُ فَكَانَ فِي بَيْتِهِ المَعْمُورِ كالحَجَرِ
لَمْ يَبْقَ فِي قَوْسِ صَبْرِي عَنْ نَواهُ سِوى مَاءُ الدُمُوعِ وَلمّا يَصْفِ مِنْ كَدَرِ
قَدْ كَانَ كالبَدْرِ فِي لَيْلِ الشِتا وَمَضى ( كَالشَمْسِ مَعْرُوفَةً بِالعَيْنِ وَالأثَرِ )
هذِي الوَرى اسْتَصْرَخَتْ مِنْهُ حسامَ هُدىً والنَاسُ تَعْرِفُ فَضْلَ الأمْنِ بالغِيَرِ(٢)
إنّا فَقَدْنَاكَ حَيْثُ العَيْنُ سَاهِرَةٌ وَالبَدْرُ يُفْقَدُ عِنْدَ اللَيلِ وَالسَهَرِ
والدَهْرُ بَحْرٌ طَغَى قَدْ كَانَ ساحِلَهُ وَسَاحِلُ البَحْرِ مَأوى راكِبِ الخَطَرِ
إلى يراعَتِهِ الورّادُ قَدْ سَكَنُوا والنَاسُ تَسْكُنُ شاطِي البَحْرِ لِلدُّرَرِ
كَثِيرَةٌ فِي الوَرى الأقْلامُ كاتِبَةٌ وَإنَّما الشَأنُ فِي الأغْصانِ بالثَمَرِ
خَلَّفْتَ دِينَ الهُدى يَنْعى خُطاكَ وَمَا خَلَّفْتَ مِنْ أحَد يَقْفُوكَ فانْتَظِرِ
نامَتْ لِنَوْمَتِكَ ( العَهْدانُ )(٣) عَنْ كَلَل فَأسْهَرَتْ أعْيُنَ الآياتِ والسِّوَرِ
كَنَزْتَ بِيضَ المَزايا الغُرِّ واضِحَةً لِلعالَمِينَ وَهَامَ النَاسُ بالصُفُرِ(٤)
أوْدَعْتَها القَبْرَ لا بُخْلا بِمَثْمَنِها لَكِنَّما الدُّرُ لا يَنْمُو بِلا مَطَرِ
بَذَرْتَ بَذْرَكَ عِلْمَاً واسْتَقَيْتَ لَهُ ماءَ اليَراع فَأنْمى ضاحِكَ الزَهَرِ
حَصَدْتَهُ وَحَصَدْناهُ مَعَاً نَضِرَاً والزَرْعُ يَمْتَدُّ فَوْقَ القَاعِ والحُفَرِ
شَدَدْتَ أزْرَ الهُدى فِي مُنْتَقى كَلِم حَتّى مَضَيْتَ نَقِيَّاً طاهِرَ الأُزُرِ
لِيَهْنِكَ اليَوْمَ إمّا كُنْتَ مُنْفَرِدَاً مِنَ المَلائِكِ قَدْ أصْبَحْتَ فِي زُمَرِ
غابَتْ ذُكَاكَ(٥) و( أنْوارُ الهُدى ) سَطَعَتْ والشَّمْسُ تَخْفى وَنُورُ الشَّمْسِ فِي القَمَرِ
وَذِي بآفَاقِ مَتْنِ الأرْضِ ( رِحْلَتُهُ ) سيّارَةٌ فَوْقَ هَامِ الأنْجُمِ الزُهَرِ
أقَامَها لِصُفُوفِ الناسِ ( مَدْرَسَةً ) جَلَّتْ مَقامَاً عَنِ المِزْمارِ والوَتَرِ

١-الطِرْسُ : الصحيفة . الصحاح ٣ : ٩٤٣ ، " ط ر س " .

٢-غِيَرُ الدَهْرِ : أحواله المتغيّرة . لسان العرب ٥ : ٤٠ ، " غ ى ر " .

٣-أي العهد القديم والعهد الجديد ، اللذان يمثّلان الكتاب المقدّس .

٤-أي الأموال .

٥-ذُكَاء : اسم للشمس . الصحاح ٦ : ٢٣٤٦ ، " ذ ك ا " .

٣٣٢

ألقى دُرُوسَ الهُدى فِيها وَلقَّنَها ( شَيْخاً ) بِهِ ظَفِرَ الإسْلامُ بالظفَرِ
فِيها الأناجِيلُ عَادَتْ وَهْيَ هازِئةٌ بِأهْلِها كَيْفَ عَدُّوها مِنَ الزُّبُرِ
وَتِلْكَ تَوْراتُهُمْ فِيها قَدْ افْتَضَحَتْ فَأصْبَحَتْ وَصْمَةً فِي جَبْهَةِ العُصُرِ
يا رائِدَ الحَقِّ هَذا رَأدُ ضَحْوتِها(١) وَفِي عِيانِ الضُحى ما لَيْسَ فِي الخَبَرِ
وَذا الإمامُ الرِضا(٢) مَن عن خلائِقِه رَوَتْ حَدِيثَ شَذاهَا ( نسمةُ السَحَرِ )(٣)
لَكَ الفَضائِلُ بَيْنَ الخَلْقِ مُفْرَدَةً فَأنْتَ فِي النَّاسِ وَالياقُوتُ فِي الحَجَرِ
لَئِنْ أخَذْتَ بأطْرافِ العُلى شَرَفَاً فَقَدْ تَوَسَّطْتَ بَيْتَ الفَخْرِ مِنْ مُضَرِ
صَبْرَاً وُقِيتَ وَلَيْسَ الطَوْدُ تُزْعِجُهُ زَلازِلُ القَدَرِ الماضِي على البَشَرِ

٧ ) وقد أرّخ الشاعر السيّد محمّد الحلّي وفاته بأبيات قال فيها (٤) :


دُهِيَ الإسْلامُ إذْ بِهِ تَداعى سُورُهُ
وَشَرْعُ طه أَسِفٌ لَمّا مَضَى نَصِيرُهُ
مُذْ غَابَ أرَّخْتُ ألا غَابَ الهُدى و ( نُورُهُ ) (٥)

٨ ) ورثاه السيّد محمود الحبّوبي ( م ١٣٨٧ هـ ) بقصيدة " من الوافر " منها :


دَأبْتَ بِنَشْرِ ما سَمَّيْتَ كُتُباً وَدِينُ اللهِ سَمّاها دُرُوعا

ومنها :

١-رَأدُ الضُحى : ارتفاعُهُ . الصحاح ٢ : ٤٧١ ، " ر أ د " .

٢-هو الشاعر الكبير السيّد رضا الهندي ( م ١٣٦٢ هـ ) .

٣-كتاب " نسمة السحر بذكرِ مَن تشيّع وشعر " هو معجم لتراجم بعض شعراء الشيعة ، لضياء الدين يوسف بن يحيى اليماني الصنعاني ( م ١١٢١ هـ ) انتهى منه في ١٣ رجب سنة ١١١١ هـ ، يقع في مجلّدين : الأوّل يحتوي على ترجمة ٨٥ شاعراً ، والثاني على ١١٢ شاعراً . انظر الذريعة ٢٤ : ١٥٤ / ٧٩٤ .

٤-شطر البيت الأوّل من الرمل ، والباقي من الرجز .

٥-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٦ .

٣٣٣

فَتى القَلَمِ الَّذِي إنْ صَرَّ(١) ألْقى صَليلَ المَشْرَفيِّ (٢) لَهُ الخُضُوعا
وَإنْ تَحْمِلْهُ مُخْتَضِبَاً مِدادَاً فَماذا السَّيْفُ مُخْتَضِبَاً نَجِيعا(٣)
وَإنْ رَضَعَ الدَوَاةَ(٤) تَرى شُيُو خَ الضَلالَةِ تَتَّقِي ذاكَ الرِضِيعا(٥)

٩ ) ورثاه أحد الشعراء البارعين بقصيدة " من الطويل " ، لم نعثر منها إلاّ على

هذا البيت :


تَحَلَّى بِهِ جِيْدُ الزَمانِ وَأصْبَحَتْ تُزانُ بِهِ الدُّنيا وَتَزْهُو الصَّحائِفُ (٦)

١٠ ) قصيدة للعلاّمة الشيخ محمّد علي الأُوردبادي (م ١٣٨٠ هـ ) " من الطويل " كما مثبتة في ديوانه المخطوط . قال :

قلت راثياً آية الله العظمى الاُستاذ البلاغي ، ومعزّياً سيّد الطائفة آية الله العظمى السيّد الميرزا علي آقا الشيرازي :


أطارت من الإسلام هاماً ومَفْرقاً خطوبٌ نضت للحرب عَضْباً مُذَلَّقا
فأخلت به للشرع ظَهراً ومِنكباً وأوهت لدين الله كفّاً ومرفقا
وناع نعى للِلعم عِرّيسَ غابِه وللنسك مصباحَ المحارِب والتُقى
ومنتزِحاً قد غادر الناس بعده تُعاني يداً جذّا وهاماً مُفَلَّقا
وأعلى الورى كعباً واشمَلُهم سُدىً وأثبتهم ما اقتاد للفضل فيلَقا

١-أي كَتَبَ .

٢-المَشْرَفِيّ: السيف، نسبة إلى مَشارِف، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف . الصحاح ٤: ١٣٨٠، " ش ر ف ".

٣-النَجيع من الدم : ما كان إلى السواد ، وقال الأصمعي : هو دم الجوف خاصّةً . الصحاح ٣ : ١٢٨٨ ، " ن ج ع " .

٤-الدَوَاة : ما يُكتب منه . الصحاح ٦ : ٢٣٤٣ ، " د و ى " .

٥-انظر مقدّمة الأُستاذ توفيق الفكيكي لكتاب الهدى إلى دين المصطفى : ١٦ .

٦-المصدر : ٢١ .

٣٣٤

حياة الورى إمّا السنين تماحَلتْ وحتفُ العدا إمّا استثار لمُلتقى
وما مات فردُ الدهر فرداً وإنّما به الدينُ والإسلام شجواً تَعَلَّقا
وقُوّضَ بيتُ العلم بعد مناضل حمى بالهدى منه الخباء المسردقا
ليهنِ بني الإلحاد أنْ غاضَ عيلمٌ به كرعوا في الدهر شُرْباً مُرنَّقا
وقد ساء جمع الدين يومُ نكاية على بِشْره جمعُ الكنيسة أصفقا
فإذ رَفَعَ الناقوسُ بشراً بفقده عَقيرَتَهُ فالقَسَّ إذ ذاك صفّقا
وإن طرب البابا ففي موت ماجد على رَغمهِ أمرَ الكِرازةِ أقلقا
وإن أمن المطران منه فطالما أزالَ عن الثالوث عِزّاً وَرَوْنَقا
وقد هزّ أعطاف المسرّةِ اُسقُفٌ به قد رقى سرَّ الفداء الملفّقا
وقد ترك الخورىّ في وشك الفنا وبطريركاً من قبلُ بالدين أزهقا
فأصبحَ كلٌّ في قَشيب من الهنا غداة به ظنّ السلامةِ أخفَقا
وهلهلَ دارونٌ وبشّر نجفراً وحقّ لشبل اليوم أن يتزندقا
تنادوا بأبناء القرود ألا مُنوا فإنّ الذي قد أصعقَ الكفر اُصعِقا
لينعش بهاءٌ الجاهليّةِ ضَلّةً فقد مات مَن باب الأضاليل أغلقا
فكم جَرَعوا صابَ الخِزايةِ مُمْقِراً بِمقْوَلِ من أروى الهدايةَ ريِّقا
وهدّ ربوعَ الشرك مزبَرُهُ الذي بنى منه للتوحيد بيتاً مُرَوَّقا
فإن ردّدَ النوحَ التياعاً له الورى فقد فقدت ذاك الإمامَ المحقّقا
وعانى به الإيمانُ أمراً مقسّماً عشيّةَ قد أودى وجمعاً مفرَّقا
وكان هُدى الإسلام فيه مُغرّباً ومن بعده هديُ الضّلالةِ شَرَّقا
وكم (رحلة) قد أنهج الناسُ عندها إلى الغاية القصوى طريقاً مُطرَّقا
وأنوارُهُ هاتيك مهما تبلّجت أرتك من الدين الإلهيّ مَشْرقا
وفيها بلاغُ من نصائحَ قد زَهت مصابيحَ للتوحيدِ يشرقن بُسَّقا
أعدْ نظراً نحو الكتاب مُفَسِّراً فذا ناظِرُ الأهواءِ بعدك حَمْلَقا

٣٣٥

وذُدْ عن حماه الأنكَ إن جاء كارزٌ ومن حنق فيه به الزَّورَ ألصقا
وقُمْ حافزاً عنه فلم أرَ حافزاً يُجابهُ تيّارَ الضلالِ المدفَّقا
سأبكيك والقرآنَ ما دمتُ باقياً بعلمك والمعروف منك مطوّقا
وأبكيك للخطب المهولِ إذا دهى وللجمع إمّا الجمعُ رُعباً تفرّقا
أراني قليلا إن أقُلْ فيك صارخاً أحاميةَ القرآن نفسي لك الوِقا
وهل كان يُجديك الفداء بمهجتي وأ نّكَ في الأجداث مستودَع لقى
وخطبُك قد عمّ البلادَ فلم يَدَعْ خَلِيّاً من الأرزاءِ إلاّ وطبّقا
فأبكيتَ أكنافَ العراقِ وفارِساً ومصرَ وأرجاءَ الحجازِ وجُلَّقا
وفي الهند إعوالٌ عليك ورنّةٌ لما آن سهمُ الموت نحوكَ فَوَقوا
وضجّ لك الدنيا واُسْبِلَتِ الدِّما على الخدِّ دمعاً لا يزال مُرقرقا
بَكَتْك بدست العلم أعواد منبر بك افتقدت منها الفخار المحلّقا
سَعُدْتَ بذكر خالد غير أ نّه تركتَ بني الإسلام في معرِضِ الشَّقا
جللتَ عن التأبين فالقولُ قاصر وإن جَدَّ فيه المُفلقونَ تشدُّقا
فدونك ما قد صُغتُ فيك وإن يكن يبذّ جريراً إذ يفوق فرزدقا
أقول ونظمي للقريض مُقيّد بذكركَ لكنّ الشجا ثارَ مطلقا
قضى الآيةُ الكبرى قضى موئلُ الورى نضى حجّةُ الإسلام أرديةَ البقا
مضى معقلُ التقوى ومستودَعُ النهى ومُنتجع الدنيا به الموت قد زقا
مضى طيّبَ الأردان عن أيّ شائِن وإن غاظ في عَفّ المآزر أحمقا
وإن قال فيه شامتٌ لسفاهة فما مات حتّى سَهْمَهُ فيه أغرقا
رأى أنّ في دارِ الهوان حزازةً فما اسطاع صبراً أو عن الضيم حَلَّقا
وفاض ( على الدنيا العفا بعد يومه ) مُقيلُ عثارِ الدهر والخطبُ أحدقا
فمن ذا ينيل السُّحبَ من وابلِ الحيا إذ المُزنُ في وجهِ البسيطةِ أغدقا
ويا بدرُ بعد اليوم عن أيّ مَشرق بجُنْحِ الدجى تبدو على الناس مشرقا
أما وسجاياً إن تعبّق نشرها تخيّلت أنّ الشيحَ عنها تعبَّقا

٣٣٦

وأخلاقُهُ الروضُ المندّى به الحيا تباكر بالعذب النطاف فأورقا
لأعظم يوم أثكل الدين يومُه به أصبح الإسلامُ شِلْواً مُمَزَّقا
وأضحت تمور الأرضُ لولا مهذّبٌ لها بين يمناهُ ويُمْنُ له وقا
لِيَهن نزارَ الصيدَ أنّ عميدها تَربَّعَ في دستِ الإمامة مُعرقا
وأمّا احتبى نادي قريش فَصَدْرُهُ بغرّةِ وجهِ ابن النبيّينَ أشرقا
كأنّ بصدر الدستِ عمرو العلا احتبى وقاراً وحلماً واعتلاءً ومنطقا
وبشرى بني الإسلام أن عاد أمره به في البرايا شيخ فِهر تمنطقا
يجيل بصدر المنتدى فيه أنمُلا بها الجود والتقبيلُ ما إن تفرّقا
بمخبرهِ ( والنورُ منه ) وعرفه تلذّ الورى اُذناً وعيناً ومَنْشَقا
فلو ضاءت الأحسابُ فوق جبينه لأعشى بها الأعشى وأخفى المُحلِّقا
وذا مجمعُ البحرينِ علمٌ ونائلٌ عُباباً به هذا وذا متدفّقا
وفي الذكر مدحُ ابن النبىّ فما ترى اُحاول في إطرائه متشدّقا
إمامٌ حسينيّ النجار فقل به ليحيى الحسينيّ الإمام موفّقا
تحرّ اصطباراً آيةُ الله في الورى فمثلكَ من بالمكرمات تخلّقا
عزاءً وإن كان المصاب بمن مضى مدى الدهر أبوابَ التصبّر أصفقا
وجاد لباب المُزنِ منسكباً على ضريح ( جواد ) والهدى مترفّقا

١١ ) قصيدة للشاعر الأُستاذ صالح الجعفري ( م ١٣٩٧ هـ ) " من البسيط "(١) :


الرُزْءُ(٢) أكْبَرُ مِمّا تَحْمِلُ الهِمَمُ مَاذا أقُولُ وَقَدْ خَانَتْنِيَ الكَلِمُ
ما قِيمَةَ الشِّعْرِ مَرْصُوفَاً وَمُنْسَجِمَاً الشِّعْرُ ما نَثَرَتْهُ الأدْمعُ السُّجُمُ(٣)
فِي ذِمَّةِ اللهِ نَفْسٌ بِالجِهادِ قَضَتْ فَكانَ آخِرَ شَيْء فارَقَتْ قَلَمُ

١-ديوان الجعفري : ٢٨٩ ـ ٢٩١ .

٢-الرُزْءُ : المصيبة . الصحاح ١ : ٥٣ ، " ر ز أ " .

٣-سَجَمَ الدمع : سال . الصحاح ٥ : ١٩٤٧ ، " س ج م " .

٣٣٧
 كتاب العلاّمة البلاغي الشيخ محمّد الحسّون (ص ٣٣٨ - ص ٣٦٢)
٣٣٨

إنَّ الزَعامَةَ حَقٌّ أنْتَ صاحِبُهُ أمّا سِواكَ فَفِي دَعْواهُ مُتَّهَمُ
كَمْ لَيْلَة لَكَ حَتَّى الصُبْحِ تَسْهَرُها فِي اللهِ وَهْوَ بِحُلْم بَعْدَهُ حُلُمُ
كَرَّسْتَ عُمْرَكَ فِي الإسْلامِ تَخْدُمُهُ لا مَالُ عِنْدَكَ لا حُجّابُ لا خَدَمُ
هذِي أوَابِدُكَ(١) الغَرّاءُ خالِدَةٌ ما طَاقُ كِسْرى وَمَا الحَمْراءُ ما الهَرَمُ
لا يَفْعَلُ السَّيْفُ مَكْسُورَ القِرابِ كَمَا قَدْ كَانَ يَفْعَلُ إذْ تَسْتَلُّهُ القَلَمُ
تغارُ للدِّينِ أنْ يُرْمى بِخائِنَة كَأ نَّهُ لَكَ عِرضٌ كُلُّهُ حُرَمُ

١٢ ) قصيدة للشاعر الشيخ محمّد تقي الفقيه " من الكامل "(٢) :


قَلْبٌ مِنَ الذِّكْرى لِفَقْدِكَ دامِي جُرْحٌ وَآلامٌ عَلى آلامِ
شَمْعُ الأمَانِي ذَابَ بَعْدَكَ وانْطَوَتْ أحْلامُنا فِي بُرْدَةِ(٣) الأيّامِ
فِي قَلْبِ كُلِّ مُوَحِّد لَكَ حَسْرَةٌ شَطْران بِيْنَ تَوَجُّع وَضِرامِ
وَبِكَفِّهِ اليُمْنى مَهِيضُ(٤) فُؤادِهِ شِقَّان مَكْسُورٌ وَآخَرُ دامِي
رَوْضُ المُنى يَذْوِي إذا جَفَّ الحَيَا(٥) عَنْهُ وأخْلافُ(٦) الدُّمُوعِ هَوامِي(٧)
وَالمَوْتُ عاصِفَةٌ وَقَدْ هَبَّتْ عَلى رُكْنِ الهُدى وَقَضَتْ عَلى الإسْلامِ
أفْنَيْتَ نَفْسَكَ بِالجِهادِ وَطالَمَا رَوَّيْتَ مِنْ دَمِها اليِراع الظامِي
حَتّى تَسامَتْ لِلجِنانِ مَهِيضَةً هَتَفَ المَلائِكَةُ ادْخُلِي بِسَلامِ

١-الأوابد : القصائد الخالدة . انظر الصحاح ٢ : ٤٣٩ ، " أ ب د " .

٢-شعراء الغري ٧ : ٣٣٤ ـ ٣٣٥ .

٣-البُرْدَةُ : كساء أسود مربّع فيه صور تلبسه الأعراب . الصحاح ٢ : ٤٤٧ ، " ب ر د " .

٤-مهيض : مكسور . الصحاح ٣ : ١١١٣ ، " هـ ى ض " .

٥-الحَيا : المطر . الصحاح ٦ : ٢٣٢٤ ، " ح ى ا " .

٦-أخلاف ، جمع خِلف : وهو الضرع . الصحاح ٤ : ١٣٥٥ ، " خ ل ف " .

٧-أي سائلة . الصحاح ٦ : ٢٥٣٦ ، " هـ م ى " .

٣٣٩

رِئَتاكَ واحِدةٌ يَهِيبُ بِها الرَدى حِنْقاً وَأُخْرى طُعْمَةَ الأقْلامِ
مَنْ يَحْسُ(١) مِنْ شِقّ اليَراعَةِ كَأسَهُ فَوْقَ الَّذِي يَحْسُوهُ فِي الصَمْصَامِ(٢)
صَيَّرْتَ قَلْبَكَ شَمْعَةً وَحَمَلْتَهُ ضَوْءَاً أمَامَ الدِّينِ لِلإعْظامِ
فَأذَبْتَهُ فَإذا المَدَامِعُ أسْطُر وَالنُّورُ مَعْناهَا البَدِيعُ السّامِي
هَلاّ احْتَفَظْتَ بِهِ وَقُلْتَ إذا انْطَفَى مَنْ ذَا يُضِيءُ إذن عَلى الإسْلامِ
زَيْتُ ( الهُدى ) قَدْ جَفَّ بَعْدَكَ وانْطَفَى مِصْباحُهُ فَسَرَى الوَرى بِظَلامِ
مَشَتْ المُصِيبَةُ فِي النُّفُوسِ وَأمْطَرَتْ حُزْنَاً عَلى الأرْواحِ وَالأجْسامِ
فَوَهَتْ(٣) فَلَمْ يَقْوَ امرُؤٌ أبَدَاً عَلى تَحْرِيكِ نَعْشِكَ خطوَةً لأمَامِ
لَولا المَلائِكُ فِي السَّماءِ وَجَذْبَةٌ عَلَوِيَّةٌ لَمْ يَرْقَ فَوْقَ الهَامِ
هَفَتِ(٤) الأنامِلُ للسَرِيرِ مَرُوعةً وَاصْطَكَتْ الأَقْدامِ بِالأَقْدامِ
وَمَشَوا وَسَارَ النَّعْشُ مُتَّئِداً فَقُلْ أفْنانُ(٥) يَذْبُلَ(٦) أمْ قِنَانُ(٧) شَمامِ(٨)
وَقَفُوا وَسَارَ النَعْشُ مُتَئِداً وَقَدْ نَقَلَتْهُ إبْهامٌ إلى إبْهامِ
وَجَرى عَلى أيْدِيهُمُ فَكَأ نَّهُ فُلكٌ وَهُمْ لِلفُلْكِ بَحْرٌ طامِي
فَغَدَوْتَ نُوحَاً وَالسَّرِيرُ سَفِينَةً سَبَحَتْ بِطوفان مِنَ الأجْسامِ

١-يحسو : يشرب . الصحاح ٦ : ٢٣١٢ ، " ح س ا " .

٢-الصَمْصَام : السيفُ الصارمُ الذي لا ينثني . الصحاح ٥ : ١٩٦٨ ، " ص م م " .

٣-وَهَت : ضعفت . الصحاح ٦ : ٢٥٣١ ، " و هـ ى " .

٤-هفت : خفقت وطارت . الصحاح ٦ : ٢٥٣٥ ، " هـ ف ا " .

٥-أفنان : أغصان . والمقصود هنا نواحي جبل يذبل . انظر الصحاح ٦ : ٢١٧٨ ، " ف ن ن " .

٦-يَذْبُلُ : اسم جبل . الصحاح ٤ : ١٧٠١ ، " ذ ب ل " .

٧-قِنَانُ ، جمع قُنَّةُ : وهي أعلى الجبل ، مثل القُلّة . الصحاح ٦ : ٢١٨ ، " ق ن ن " .

٨-شَمَامٌ : اسم جبل . الصحاح ٥ : ١٩٦١ ، " ش م م " .

٣٤٠