×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد / الصفحات: ٤١ - ٦٠

ملامحه الظاهريّة

شاءت حكمة البارئ عزّ وجلّ عدم منح علاّمتنا البلاغي صفات جسمانيّة ظاهرة تُضاهي صفاته الروحيّة والخلقيّة العظيمة التي تحلّى بها ، فقد كان (رحمه الله)مصداقاً لقول القائل : " الرجال مخابئ " .

يصفه معاصره المحدّث الشيخ عباس القمّي بقوله : " كان (رحمه الله) ضعيفاً ناحل الجسم ، تفانت قواه في المجاهدات "(١) .

ويقول عنه تلميذه المؤرّخ الشيخ جعفر محبوبة : " كان نحيف البدن ، واهي القوى ، يتكلّف الكلام ويعجز في أكثر الأحيان عن البيان . فهو بقلمه سحبان ، الكتابة عنده أسهل من الخطابة "(٢) .

خُلقه الرفيع

أجمع المؤرّخون وأصحاب التراجم والسير الذين تعرّضوا لحياة العلاّمة البلاغي باتّصافه بخُلق رفيع جعله في درجة الأولياء والصالحين وأصحاب الكرامات الإلهيّة .

فقد كان (رحمه الله) حسن الأخلاق ، لطيف العشرة ، متواضعاً أشدّ التواضع ، لم يترفّع على أصدقائه مع مزاياه التي كانت ترفعه عن مصافّهم .

كان عظيماً في جميع سيرته ، فقد ترفّع عن درن المادّة وتحلّى بالمثل العليا التي أوصلته في الحياة ـ ولا شكّ بعد الممات ـ إلى أرفع الدرجات . كان مثال الإمام الحقّ ، فهو جدّيّ لأبعد حدّ (٣) .

كان ليّن العريكة ، خفيف الروح ، منبسط الكفّ ، لا يمزح ولا يحبّ أن يمزح أحد أمامه . تبدو عليه هيبة الأبرار ، وتقرأ على أساريره صفات أهل التقى والصلاح(٤) .

١-الكنى والألقاب ٢ : ٩٥ .

٢-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٢ .

٣-شعراء الغري ٢ : ٤٣٨ .

٤-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٢ .

٤١

تواضعه

من الصفات التي عُرف بها العلاّمة البلاغي وامتاز بها عن أقرانه ، هي تواضعه الكبير الذي وصل إلى حدّ نكران ذاته المباركة ، " فقَلَّ مَن كان يستطيع تمييزه ممّن لا يعرفه فيتصوّره عظيماً أو زعيماً دينيّاً حقّاً "(١) .

هذه الصفة قد اعترف بها كلّ من شاهده وتحدّث معه ، حتّى أعداؤه ومناوؤه

من كبار القساوسة والحاخامات ، ونحن نشير هنا إلى بعض المصاديق الدالّة

على تواضعه :

الأوّل : ممارسة حاجاته بنفسه ، واختلافه إلى الأسواق لتموين عائلته بالغذاء اليومي وحمله إليهم مع ضعفه ومرضه . وكان لا يكلّف إنساناً بمساعدته في ذلك ، ويعتذر لمن يروم مساعدته بحمله عنه بقوله : " ربّ العيال أولى بحمله "(٢) .

يقول تلميذه الأُستاذ علي الخاقاني :

كان يمارس حاجاته بنفسه ، ويختلف على السوق بشخصه لابتياع ما هو مضطرّ إليه ، غير مبال بالقشور ، ولا محترم للأنانيّات والعناوين الفارغة(٣) .

الثاني : عدم اهتمامه بالدنيا وزخارفها وعزوبه عنها تماماً ، ممّا أدّى إلى عسره وشظف عيشه ، مع إباء نفسه وجود يده بالقليل الذي فيها .

كان (رحمه الله) عازفاً عن كلّ مباهج الحياة ، عدا حلقات الدرس والتدريس ومجالس البحث والتحقيق ، ومنصرفاً كلّيّاً عن طلب الدنيا ورئاستها ، فإنّه قد عرف أن لا بقاء إلاّ للعلماء والمجاهدين ، ولا خلود إلاّ للذابّين عن المبدأ والعقيدة ، فأوقف نفسه الشريفة لخدمة الدين والدفاع عن شريعة سيّد المرسلين .

١-شعراء الغري ٢ : ٤٣٨ .

٢-نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٣٢٤ ; مقدّمة الهدى إلى دين المصطفى لتوفيق الفكيكي : ١٠ .

٣-شعراء الغري ٢ : ٤٣٨ .

٤٢

يقول أحد تلامذته :

كانت غرفته صغيرة متواضعة ، لم يكن فيها من الفرش سوى حصير و بساط يجلس عليه ، وليس ما يدفئ الغرفة في الشتاء أو يبرّدها في الصيف ، مع ضعف مزاجه وانحراف صحّته ، وكان مع ذلك لا يخرج من هذه الغرفة إلاّ للحوائج الضروريّة التي لا بدّ منها (١) .

ومع ذلك كلّه كان (رحمه الله) سخيّاً كريماً ، يؤثر تحصيل العلم ونشره بين الناس على ما عنده من أثاث بسيط في بيته .

يقول الأُستاذ علي الخاقاني :

وكان في كلّ كتاب يكمل عنده لا يستطيع طبعه وإخراجه ، حتّى بلغ الحال غير مرّة أن باع أثاث بيته لطبعه وانتفاع الناس به ، في حين أنّ غيره كان يطبع دون تكلّف أو مضايقة ، وهذا ناموس الحياة الناقص ! (٢)

الثالث : ومن مظاهر تواضعه واحترامه للعلم وإجلاله وإكباره للعلماء ، حضوره حلقات الدرس وتتلمذه على أساتذته في سنّ متأخّر من عمره المبارك ، مع وصوله في ذلك الوقت إلى مراتب عالية من الكمالات ، ونيله درجة الاجتهاد التي تؤهّله لترك الدرس واستقلاله بإلقاء الدروس العالية . فقد كان (رحمه الله) يحضر أبحاث أُستاذه الميرزا محمّد تقي الشيرازي في سامرّاء إلى سنة ١٣٣٦ هـ(٣) .

الرابع : ومن أبرز مظاهر تواضعه وخلوص نيّته وإخلاصه في العمل ،

أ نّه كان لا يرضى أن يوضع اسمه على تآليفه عند طبعها ، وكان يقول : "إنّي

لا أقصد إلاّ الدفاع عن الحقّ، ولا فرق عندي بين أن يكون باسمي أو

اسم غيري"(٤).

لذلك فقد كانت الطبعات الأُولى لكثير من مؤلّفاته في حياته بدون اسمه أو بأسماء

١-انظر مقدّمة الرحلة المدرسيّة ـ بقلم المحقّق السيّد أحمد الحسيني ـ : ٦ .

٢-شعراء الغري ٢ : ٤٤٠ .

٣-نقباء البشر في القرن الرابع عشر ( طبقات أعلام الشيعة ) ١ : ٣٢٣ .

٤-المصدر : ٣٢٤ .

٤٣

مستعارة ، كرسالة التوحيد والتثليث التي طبعت في صيدا سنة ١٣٣٢ هـ .

و نسمات الهدى ونفحات المهدي التي أنهاها بتوقيع " ب " إشارة للقبه .

و الردّ على الوهّابيّة طبع باسم عبد الله أحد طلبة العراق .

و الهدى إلى دين المصطفى طبع باسم أقلّ خدّام الشريعة المقدّسة النجفي .

و أعاجيب الأكاذيب طبع باسم عبد الله العربي ، وترجمته إلى الفارسيّة طبعت باسم عبد الله الإيراني .

و أنوار الهدى طبع باسم كاتب الهدى النجفي .

و البلاغ المبين طبع باسم عبد الله .

و نصائح الهدى والدين طبع باسم ناشره عبد الأمير البغدادي .

وقد أدّى هذا إلى أنّ يوسف إليان سركيس في كتابه معجم المطبوعات

ذكر كتاب الهدى إلى دين المصطفى في آخر الجزء الثاني ضمن الكتب

المجهولة المؤلّف(١) .

يقول المحقّق السيّد أحمد الحسيني :

ومن أشدّ مظاهر تواضعه أ نّه لم يجعل اسمه الشريف على كتبه المطبوعة ، مع أنّ كلّ واحد منها يكفي لأن يكون مفخرة يفتخر به العلماء . فكم نرى أُناساً يكتبون وريقات لم يأتوا فيها بشيء جديد يستحقّ الذكر ، إلاّ أ نّهم يتبجّحون بكتابتها ، ولا يجيزون بنشرها وطبعها إن لم تحمل الألقاب الرنّانة(٢) .

الخامس : تنازله للنقد النزيه والأخذ به إن كان صواباً ، وردّه بأحسن الردود وألطفها إن كان خطأً .

ولم يكن (رحمه الله) يستنكف عن الاستماع إلى ناقديه والذين يخالفونه في وجهة نظره ، بل كان يطلب من الآخرين نقد كتبه ورسائله ، حتّى أنّه كتب في الصفحة الأُولى من كتابه

١-معجم المطبوعات العربيّة والمعرّبة ٢ : ٢٠٢٤ .

٢-مقدّمة الرحلة المدرسيّة : ١٢ .

٤٤

الهدى إلى دين المصطفى ـ الذي طبع في مطبعة العرفان بصيدا سنة ١٣٣١ هـ ـ ما نصّه :

إعلان ورجاء تبعث إليه عواطف الصفاء .

بسم الله تبارك اسمه وله الحمد .

أرجو من كلّ مَن له اعتراض وإفادة أو سؤال يتعلّق بهذا الكتاب أو غيره في أمر الدين وحقيقة الإسلام أن يتحفني به مكاتبةً ; لأُقدّم بعون الله لحضرته ما لدي من الجواب مقروناً بالاحترام والتشكّر ، وما توفيقي إلاّ بالله . الأقلّ كاتب الهدى .

ولتكن الكتابة باللغة العربية مشتملة على التعريف ببلد المكاتب ومحلّه وطريق إيصال الجواب له .

عنوان المراسلة إلى طرفنا : العراق ، سامرّاء ، مدرسة حجّة الإسلام وقدوة الأنام الميرزا(قدس سره) . كاتب الهدى النجفي .

وهذا يدلّ على أ نّه يطلب هذا الطلب ويتواضع للناقد هذا التواضع ، لا لشيء إلاّ لأ نّه يحبّ التعاون على العلم وطلب الحقيقة . إنّه يريد التفاهم ، ولا يريد فرض آرائه على الآخرين فرضاً بلا دليل ولا برهان .

إنّه يريد إظهار الحقائق العلميّة على أتمّ ما يمكن إظهارها ، ولا يريد

التمويه والتستّر .

إنّه يكتب حتّى يفهموا ويسألوا ويُجابوا ، ولم يكتب حتّى يزيد عدد مؤلّفاته

وتكثر أرقامها .

وهذه الصفة هي التي جعلته ملاذاً للحائرين ، الذين استهوتهم أهواء المنحرفين عن المحجّة البيضاء ، وخدعتهم ضلالات الدهريّين والمادّيّين . فأصبح الملجأ الأمين لمن رام من المستشرقين الاطمئنان بإزاحة الحجب عن وجه الحقيقة والحقّ والوصول إلى ساحل اليقين ، كالمستشرق المستر خالد شردراك وأمثاله من أعلام الغرب ، الذين يهمّهم كشف المخبّأ من أسرار المعارف المحمّديّة والحكمة المشرقيّة ، فأصبحت داره كعبة القصّاد ومدرسة النبهاء والفهماء .

السادس : كثيراً ما يحيل العلاّمة البلاغي في مؤلّفاته إلى كتبه ورسائله الأُخرى

٤٥

التي يمكن أن يستفيد منها القارئ في موضوع معيّن ، إلاّ أنّ ذلك يحصل منه دون التصريح بأنّ ذلك الكتاب المُحال إليه من مؤلّفاته ، على عكس بعض المؤلّفين الذين يحيلون إلى مؤلّفاتهم مع ذكر الكثير من عبارات المدح والإطراء لها .

ففي كتابه الرحلة المدرسيّة مثلا أحال إلى عدد من كتبه ورسائله كـ التوحيد والتثليث، و أعاجيب الأكاذيب ، و الهدى إلى دين المصطفى، وأنوار الهدى، ونصائح الهدى والدين.

وفي رسالته نسمات الهدى ونفحات المهدي يذكر كتابه الآخر نصائح الهدى والدين بقوله : " لبعض كتبنا " .

وفي رسالته الجوابيّة التي أجاب فيها عن بعض الأسئلة الواردة عليه ، والتي طبعت في مجلّة العرفان يذكر كتاباه الهدى و الرحلة المدرسيّة دون ذكر اسمه(١) .

١-مجلّة العرفان ، المجلّد ٣٥ ، الجزء ٨ ، ص ١٢٤٧ ـ ١٢٥٠ . والمجلّد ٣٦ ، الجزء ٧ ، ص ٧٦٤ ـ ٧٦٧ .

٤٦
٤٧

الفصل السادس
حياته الاجتماعيّة

على الرغم من كون العلاّمة البلاغي ابتعد كلّيّاً عن المجتمع ، ولم تكن تربطه مع أبناء مجتمعه روابط وثيقة تجعله يعيش في وسطهم ويحلّ مشاكلهم اليوميّة ، مثل بعض رجال الدين الذين عاصرهم إذ نذروا أنفسهم لمجتمعهم ، فكان جلّ اهتمامهم الوقوف إلى جانب أفراد مجتمعهم وحمل همومهم وآلامهم ومعاناتهم .

فكان (رحمه الله) لا يخرج من بيته ، بل من غرفته الصغيرة المتواضعة ، إلاّ للحضور في حلقات الدرس ، أو لقيامه بالأُمور الضروريّة التي تتوقّف عليها معيشة عياله .

على الرغم من ذلك كلّه ، فإنّنا نشاهده في بعض الأوقات يخرج من عزلته هذه ويترك حلقات الدرس ، ويصبح اجتماعيّاً إلى أبعد الدرجات ، وذلك عندما تقتضي المصلحة الإسلاميّة منه ذلك .

فنراه تارةً ينزل إلى مجتمعه موضحاً لهم خطورة ما فعله الوهّابيّون من هدم قبور الأئمّة (عليهم السلام) في البقيع ، ووجوب الوقوف أمام هذه الأعمال الشنيعة .

وتارةً أُخرى يتّصل برجال الدولة ويحرّضهم على الفرقة الضالّة البابيّة ، بل يدخل المحكمة بنفسه ـ التي لم يكن دخلها يوماً ما لقضاياه الشخصيّة ـ من أجل منع أفراد هذه الفرقة من أعمالهم الشنيعة .

ومرّةً ثالثة نراه على كبر سنّه وضعف مزاجه ، قد حلّ أزراره وطيّن جبهته ، يلطم على صدره ورأسه ، ويسير وسط الجموع الجماهيريّة التي خرجت في موكب عزائيّ منظّم تندب الإمام الحسين (عليه السلام) .

٤٨

ورابعةً نراه قد ترك أُستاذه الميرزا محمّد تقي الشيرازي ( م ١٣٣٨ هـ ) في سامرّاء ، بل ترك الدرس والتدريس برمّته ، وهاجر إلى مدينة الكاظميّة للوقوف إلى جانب العلماء ودعم الثورة العراقيّة الكبرى التي اندلعت سنة ١٩٢٠ م = ١٣٣٨ هـ ، وتحريض الناس على مقاتلة الجيوش الانكليزيّة المعتدية .

موقفه من الوهّابيّة في هدم القبور

في سنة ١٣٤٤ هـ استفتى قاضي القضاة في الحجاز الشيخ عبد الله بن بليهد علماء المدينة المنوّرة في جواز البناء على القبور ، وتقبيل الأضرحة ، والذبح عند المقامات حيث يتناول الزائرون لها تلك اللحوم . فأجاب العلماء ـ وكان عددهم خمسة عشر شخصاً ـ بعدم جواز ذلك ، ووجوب منعه ومعاقبة من يفعله .

وقد نُشرت هذه الفتوى في أكثر الصحف الصادرة آنذاك ، كجريدة أُمّ القرى الصادرة في مكّة المكرّمة ، وجريدة العراق الصادرة فيه .

وكان الهدف الرئيسي من هذه الفتوى هو تهيئة الرأي العامّ لهدم المراقد في الحرمين الشريفين ، وفعلا فقد تمّ في الثامن من شوّال من تلك السنة هدم قبور الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) في بقيع الغرقد في المدينة المنوّرة ، وفي مقبرة المعلى في الحجون في مكّة المكرّمة ، والمراقد الموجودة في الطائف .

وقد ضمّ بقيع الغرقد في المدينة المنوّرة عشرة آلاف مرقد من مراقد الصحابة والشهداء والأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) ، منها: مرقد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ومرقد الإمام السجّاد زين العابدين عليّ بن الحسين (عليه السلام) ، وابنه الإمام محمّد الباقر(عليه السلام) ، ثمّ ابنه الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) . وهم عند عمّهم العبّاس بن عبد المطّلب تحت قبّته التي كانت مشادة.

وعلى رواية أنّ هناك مرقد الصدّيقة الزهراء(عليها السلام) ، وكذلك مراقد عمّات الرسول (صلى الله عليه وآله)وزوجاته ـ عدا السيّدة خديجة الكبرى والسيّدة ميمونة بنت الحارث ـ وعقيل بن أبي طالب، وإبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، والإمام مالك بن أنس ، ونافع شيخ القرّاء ، وحليمة السعديّة.

٤٩

كما طال الهدم مرقد عمّ الرسول (صلى الله عليه وآله) حمزة بن عبد المطّلب ، وغيره من شهداء أُحد مثل مصعب بن عمير ، وجعفر بن شمّاس ، وعبد الله بن جحش .

وقد امتدّ التدمير إلى مرقد حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس في الطائف ، وقد كانت عليه قبّة مشادة لا تزال صورتها موجودة على صفحات التاريخ .

وعندما امتدّ الزحف العسكري إلى مكّة المشرّفة عمدوا إلى آثارها فدمّروها ، وهدموا المراقد الشريفة في مقبرة المعلّى في الحجون ، فهدموا قبّة عبد المطّلب جدّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ومرقد عمّه أبي طالب .

كما دخلوا إلى مدينة جدّة فهدموا قبّة حوّاء أُمّ البشريّة الأُولى وخرّبوا قبرها ، كما طال الهدم بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ومنزل فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ومنزل حمزة بن عبد المطّلب، ودار الأرقم ابن أبي الأرقم ، ومكان العريش التاريخي الذي أشرف منه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على معركة أُحد(١).

وعند ذلك وجد العلاّمة البلاغي أنّ الواجب الإسلامي يحتّم عليه الوقوف أمام هذه الأعمال الشنيعة ، فخرج إلى مجتمعه يبيّن له خطورة هذه التصرّفات ووجوب الوقوف أمامها ، فكان من نشاطه في هذا المجال :

أوّلا : إلقاء محاضرة علميّة قيّمة على جمع من تلاميذه ، بيّن فيها الأهداف المشؤومة من هذه الفتوى ، وفنّد ما ورد فيها من أدلّة استدلّ بها علماء المدينة على تحريم البناء على القبور . وقد دوّن هذه المحاضرة تلميذه الوفي الأديب الشاعر آية الله الشيخ محمّد علي الأُوردبادي النجفي ( م ١٣٨٠ هـ ) ، وطُبعت في مدينة النجف الأشرف في تلك السنة ـ ١٣٤٤ هـ ـ بعنوان دعوى الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى(٢) .

ثانياً : نظم قصيدة ميميّة من البحر البسيط مطلعها :


دَهاكَ ثامِنُ شَوَّال بِما دَهَما فَحَقَّ لِلْعَيْنِ إهْمالُ الدُّموعِ دَما

١-انظر مقدّمة "دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى" المطبوعة ١٤٢٠ هـ في دار المحجّة البيضاء في بيروت.

٢-الذريعة ٨ : ٢٠٦ / ٨٤٣ .

٥٠

ومنها قوله :


يَوْمَ البَقيعِ لَقَدْ جَلَّتْ مُصيبَتُهُ وَشارَكَتْ في شَجاها كَرْبَلا عِظَما(١)

ثالثاً : تأليفه لرسالة في الردّ على الوهّابيّة التي كتبها ردّاً على مقالين أيّدا فتاوى علماء المدينة في هدم القبور :

الأوّل : نُشر في جريدة أُمّ القرى الحجازيّة في عددها التاسع والستّين ، الصادر في السابع عشر من شهر شوّال سنة ١٣٤٤ هـ .

الثاني : نُشر في جريدة المقطّم المصريّة في عددها الصادر في الثاني والعشرين من شهر شوّال سنة ١٣٤٤ هـ .

وقد طبعت هذه الرسالة لأوّل مرّة في مدينة النجف الأشرف سنة ١٣٤٥ هـ ، وطبعت بعدها عدّة طبعات في بيروت وإيران(٢) .

موقفه من البابيّة

مؤسّس هذه الفرقة هو السيّد علي محمّد ، الذي وُلد في شيراز سنة ١٢٣٥ هـ ، وبعد تعلّمه القراءة والكتابة فيها وبلوغه العشرين سنة من عمره ، توجّه إلى بوشهر لممارسة التجارة ; وذلك لعدم رغبته في الاستمرار في الدرس . ومنها سافر إلى العراق فحضر في مدينة كربلاء المقدّسة درس السيّد كاظم الرشتي ( م ١٢٥٩ هـ ) مؤسّس فرقة الكشفيّة الذي يُعدّ من أبرز تلاميذ الشيخ أحمد الأحسائي ( م ١٢٤٣ هـ ) زعيم الشيخيّة .

وبعد وفاة السيّد الرشتي عرض السيّد علي محمّد آراءه على بعض مريديه والمقرّبين منه والتي تتلخّص " بأنّ الوصول إلى الله ممتنع ومحال ; لأنّ الطريق

مسدود والطلب مردود إلاّ عن طريق الرسالة والنبوّة والولاية . ولمّا كان الوصول

إلى تلك المراتب صعب ومستصعب أيضاً ، ولا يمكن ذلك إلاّ بالواسطة ، وكما لا يجوز

١-أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٧ .

٢-الذريعة ١٠ : ٢٣٦ / ٧٤٠ .

٥١

دخول البيت إلاّ من الباب ، فأنا ذلك الباب "(١) .

فعندئذ سمّى نفسه بـ "الباب" ، وأتباعه بـ "البابيّة" ! فادّعى أوّلا أ نّه الواسطة للوصول إلى المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، ثمّ ادّعى أ نّه المهدي ، وأنّ المهدي قد حلّ فيه ، وأ نّه هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما مُلئت ظلماً وجوراً .

ويقال : إنّه ادّعى بعد ذلك النبوّة ، ثمّ ادّعى الربوبيّة عن طريق حلول روح الإله فيه وإن كان أصحابه وأتباعه ينكرون ذلك .

انتشرت البابيّة في مدن كثيرة من إيران : شيراز ، خراسان ، إصفهان ، كاشان ، قم ، طهران ، وكذلك في العراق في مدينتي كربلاء والنجف المقدّستين ، وأدّى ذلك إلى أحداث دامية في إيران بين مؤيّديه ومعارضيه .

وأخيراً أُعدم الباب في اليوم السابع والعشرين من شهر شعبان سنة ١٢٦٥ هـ ، وبذلك كثرت ملاحقة أتباعه ، ممّا أدّى إلى اشتهار تعاليمه وكثرة مريديه وظهور فرق ضالّة أُخرى تشعّبت من البابيّة مثل البهائيّة ، وليست في إيران فحسب ، بل امتدّت لتشمل العراق أيضاً ، ممّا استوجب الوقوف أمامها من قبل جمع من العلماء ، وفي مقدّمتهم العلاّمة البلاغي ، فكان من نشاطه في معارضتها :

أوّلا : تحريض المجتمع والعلماء ورجال الدولة ضدّ هذه الفرقة الضالّة ، والعمل على غلق مكان تجمّعهم الذي تقام فيه ضلالاتهم .

يقول تلميذه الشيخ جعفر محبوبة :

وله اليد الطولى في تحريض رجال الدين على إنقاذ الدار التي اتّخذها البابيّون في كرخ بغداد بمحلّة الشيخ بشّار كعبةً لهم ، يقدّسونها ، وجعلها حسينيّة تقام بها شعائر أهل البيت(عليهم السلام)حتّى اليوم(٢) .

ويقول الأُستاذ توفيق الفكيكي :

ومن آثار جهاد الإمام البلاغي إثارة الرأي العامّ ضدّ البهائيّة في الكرخ ،

١-انظر البابيّون والبهائيّون في حاضرهم وماضيهم ، للسيّد عبد الرزّاق الحسنيّ .

٢-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٢ ـ ٦٣ .

٥٢

وإقامة الدعوى في المحاكم لمنع تصرّفهم في الملك الذي استولوا عليه

واتّخذوه كعبةً لهم ـ وباصطلاحهم "حظيرة" ـ لإقامة شعائر الطاغوت،

وقضت المحاكم بنزعه منهم ، واتُّخذ مسجداً إسلاميّاً تقام فيه الصلوات الخمس والمآتم الحسينيّة في ذكرى الطفّ والبطولات الرائعة(١) .

أمّا أصل هذا المكان وكيفيّة إنشائه ومراحل تطوّره إلى أن تمّ إغلاقه فيحدّثنا عنه المؤرّخ السيّد عبد الرزّاق الحسني قائلا :

لمّا وصل الميرزا حسين علي " بهاء الله " إلى العراق في ٢٨ جمادى الثانية ١٢٦٩ ( ٨ نيسان ١٨٥٣ م ) نزل داراً صغيرة في الكاظميّة ، ثمّ لم يلبث أن انتقل منها إلى دار أُخرى في بغداد ، ولمّا لم تتوفّر له سبل الراحة في هذه الدار الثانية انتقل إلى بيت في محلّة الشيخ بشّار ، فلبث فيه عدّة أعوام .

وكان البيت الأخير يتأ لّف من بيتين : أحدهما صغير أعدّه البهاء لاستقبال الضيوف والغرباء ، والآخر واسع اتّخذه مسكناً له ولعائلته . وظلّ فيه إلى قبيل مغادرته بغداد إلى جبال سركلو في السليمانيّة ، وبعد عودته منها إلى حين إخراجه من العراق ونفيه إلى الآستانة في أواخر نيسان ١٨٦٣ م .

كان الميرزا هادي الجواهري من ذوي الجاه العريض والأملاك الواسعة في بغداد وأطرافها ، وكانت الدار التي سكنها " البهاء " من جملة أملاكه ، وكان له أولاد وورّاث أكبرهم الميرزا موسى ، فانجذب هذا للبهاء ومال إلى تعاليمه وأصبح من أنصاره ، حتّى صار يدعو له في قرى والده بلواء ديالى ، ويحثّ الناس فيها على اعتناق دينه .

ولمّا انتقل الميرزا هادي إلى دار البقاء ، حصل خلاف بين ورثته حول كيفيّة اقتسام ما تركه من مال وعقار ، حتّى انجرّ هذا الخلاف إلى المحاكم .

ونظراً لتشعّب القضيّة واختلاف وجهات نظر المرتزقة إليها ; تعذّر على القضاء البتّ فيها ، فاقترح بعض المحبّين أن تعرض القضيّة برمّتها على الميرزا حسين ، عسى أن يجد حلاًّ لها ، وإذا بـ " البهاء " يوعز إلى كبير أنجاله عباس أفندي أن يدرس النزاع ، ويبتّ في الخلاف ، ويصلح ذات البين .

١-مقدّمة الهدى إلى دين المصطفى : ١٢ .

٥٣

فصدع العبّاس بالأمر ، وقسّم الميراث تقسيماً اطمأنّت إليه نفوس الورثة ، وانتهت الدعوة بينهم صلحاً .

فأراد الميرزا موسى الجواهري أن يعلن عن ارتضائه لعمل " البهاء " وتقديره لحسن معروفه ، فعرض عليه أن يقبل الدار التي يسكنها هديّة دون ثمن .

غير أنّ الميرزا حسين ردّ عليه قائلا : " إنّ قبول هذه الأشياء ليس من سجايانا ، وهو بعيد عن مبادئنا وعقائدنا " ولكنّه وافق تجاه إصرار الميرزا موسى وتوسّلاته على قبول الدار لقاء ثمن معتدل بحجّة أ نّها ستكون " محلاًّ لطواف ملل العالم " .

وهكذا دخلت دار الميرزا هادي الجواهري الكائنة في محلّة الشيخ بشّار في الكرخ من مدينة بغداد في حوزة البهائيّين ، وأصبحت كعبة مقدّسة يحجّون إليها ، ويولون وجوههم شطرها .

غير أنّ ورثة الميرزا موسى الجواهري اعترضوا بعد وفاة مورثهم وادّعوا الغبن ، فما كان من الميرزا حسين علي إلاّ أن أمر بإرضاء هؤلاء . وقد تكرّرت هذه الاعتراضات في زمن نجله عباس أفندي الملقّب بعبد البهاء ، فأمر بإرضاء الورثة على كلّ حال .

وكانت "كعبة البهائيّين" قد تُركت إلى حراسة أصحاب " البهاء " في العراق بعد نفي "البهاء" إلى الآستانة في عام ١٨٦٣م دون أن تسجّل باسمه في القيود الحكوميّة ; لعدم وجود دوائر للطابو في العراق يومئذ ، فصار البهائيّون يفدون من الديار البعيدة لزيارتها والتبرّك بها ، وكان " البهاء " يشرف على رعايتها من منافيه في الآستانة وأدرنة وعكّا .

وفي نحو عام ١٩٠٠ م ـ أي في أواخر أيّام حكم العثمانيّين للعراق ـ ادّعى أحد العراقيّين ملكيّته لهذه الكعبة ، فأفسد البهائيّون دعواه بطرق مختلفة وشهود كثر .

وتعرّضت هذه البنية للخراب في أعقاب الحرب العالميّة الأُولى (حرب ١٩١٤ م ـ ١٩١٨ م ) فأمر عبد البهاء عباس ـ وهو في مقرّه بعكّا ـ أن يجدّد بناءها في نفس الهيئة ، وبالشكل الذي كانت عليه من قبل . فجمع البهائيّون في العراق الأموال الطائلة لتنفيذ هذا الأمر ، وأحضروا المهندسين والفَعَلة لهذا الغرض ، وأعادوا بناء كعبتهم دون تحوير أو تغيير .

فلمّا شاهد المسلمون هذا التجديد، وشعروا بالأهميّة التي ستكتسبها الحركة البهائيّة في بلاد لا تعترف بهذا المذهب ، وحكومة نصُّ قانونها الأساسي على جعل الإسلام ديناً لها ، قام العلماء

٥٤

الأعلام بمراجعة المقامات العليا في بغداد ، ولفتوا نظر الحكومة إلى أنّ هذه الدار ليست بملك للبهائيّين ، ولا يجوز السماح لهم بإقامة شعائر دينهم فيها .

وتقدّم لفيف من وجهاء الكرخ بعريضة إلى القاضي الجعفري في بغداد يطلبون فيها تعيين مَن يشرف على الملك الذي خلّفه المدعو محمّد حسين الكتبي البابي الذي غاب أو مات ولم يعرف له وارث ، وكان محمّد حسين هذا قد اعتنق المذهب البابي ، وعهد إليه خدمة هذا البيت الذي سكن فيه " بهاء الله " وعائلته سنوات عديدة ، ثمّ نفي من بغداد فجهل حاله ومحلّه .

وعلى حسب ما تقتضيه أحكام الشريعة أصدر القاضي حكمه في أوائل شباط ١٩٢١ م ، وهو يقضي بتعيين وكيل عن الغائب المجهول لإدارة هذا البيت ، ومنع البهائيّين من التصرّف فيه .

وقد نفذ هذا الحكم بواسطة دائرة الإجراء فعلا ، فلم يرتضِ البهائيّون الحكم ، فراجعوا محكمة الاستئناف وادّعوا بأنّ تعيين الوكيل عن الغائب لا يعني الحكم بالتخلية وإخراج البهائيّين إجرائيّاً ، فقضت هذه بنقض قرار القاضي ، وعلى هذا عاد البهائيّون إلى كعبتهم ، وأسكنوا فيها محمّد حسين الوكيل ليقوم بأودها وحراستها .

وظهر بعد مدّة أن قد كان لمحمّد حسين الكتبي البابي ثمّة وريثة هي السيّدة " ليلى " ، فاستعانت هذه بأهل الزهد والورع من الكرخ لإثبات حقّها في الدار موضوعة البحث، فاشترط هؤلاء لمساعدتها أن توقف الدار في حالة أخذها إيّاها .

وماتت ليلى فورثها " جواد كاب " وأُخته " بي بي " فادّعيا بملكيّة الدار ، وجاءا بشهود لإثبات النسب والملكيّة ، فأصدر القاضي حكمه في ٢٣ تشرين الثاني سنة ١٩٢١ م فكان في صالح المدّعيين .

وكان الملك فيصل الأوّل قد تبوّأ عرش العراق في ٢٣ آب من هذه السنة (أي سنة ١٩٢١م)، وإذا بسيل من برقيّات الاحتجاج الواردة من أنحاء أوربيّة وأمريكيّة مختلفة على المندوب السامي البريطاني في بغداد ، وهو يومئذ السربرسي كوكس ، تطالب فيها بتدخّل الحكومة البريطانيّة لصالح البهائيّين ، فذهل المليك العربي لهذه المفاجأة، ولم يشأ أن يغيظ الشيعة ، وهم الذين شيّدوا العرش الهاشمي على جماجم شهدائهم في ثورة ١٩٢٠ م ، فأمر بتخلية الدار وحفظ

٥٥

مفاتيحها لدى الحكومة حفظاً للأمن(١) .

ثانياً : تأليفه لرسالة المصابيح ردّ فيها على عقائد القاديانيّة والبابيّة والبهائيّة والأزليّة بما يتضمّن المشابهة والمشاكلة بين هؤلاء في الدعاية والدعوى ! وناقش كتبهم التي أ لّفها كبارهم كغلام أحمد القادياني اللاهوري صاحب الفرقة القاديانيّة(٢) .

ثالثاً : تأليفه لرسالة نصائح الهدى والدين إلى من كان مسلماً وصار بابيّاً ، أثبت فيها أنّ البابيّة خرجوا عن كونهم شيعة ، وأورد فيها مائة وعشرة أحاديث رواها عموم المسلمين تدلّ على أنّ المهدي صاحب العصر والزمان هو ابن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) .

طبعت هذه الرسالة أوّلا سنة ١٣٣٩ هـ(٣) .

موقفه من السيّد محسن الأمين ورسالته " التنزيه "

في سنة ١٣٤٣ هـ كتب السيّد مهدي البصري ( م ١٣٥٨ هـ ) مقالات عديدة في الصحف العراقيّة ينتقد فيها بعض الشعائر الحسينيّة التي يقيمها الشيعة في شهر محرّم الحرام من كلّ سنة ، خصوصاً ضرب الرؤوس بالسيوف ، ثمّ أ لّف رسالة مستقلّة جمع فيها آراءه حول الشعائر الحسينيّة سمّاها صولة الحقّ على جولة الباطل(٤) .

١-حدّثني السيّد هبة الدين الشهرستاني ـ وكان وزيراً للمعارف في الوزارة النقيبيّة الثانية عام ١٩٢٢ م ـ إنّه دُعي إلى مقابلة الملك فيصل الأوّل في داره ، فوجد عنده الحاجّ محمّد جعفر أبو التمّن ـ الزعيم الشيعي المعروف ووزير التجارة لبضعة أشهر في الوزارة المذكورة ـ ووجد لدى الملك مجموعة من برقيّات الاحتجاج الوارد ذكرها في المتن أعلاه وهو يقول : إنّه وعد السر برسي كوكس بتحقيق حسن ظنّ المبرقين في المندوب السامي ، والحاجّ محمّد جعفر يصرّ على عدم الالتفات إلى هذه الاحتجاجات ، وعلى ضرورة إبقاء الدار المتنازع حولها للمسلمين . فعرض السيّد الشهرستاني اقتراحاً : أن تعوّض الحكومة البهائيّين قطعة أرض جديدة لهم في إحدى الضواحي فيبنون فيها كعبة أُخرى لهم . وللبهائيّين اليوم محفل روحاني واسع في محلّة السعدون ولكنّه ليس بكعبة . " الحسني " .

انظر البابيّون والبهائيّون في حاضرهم وماضيهم : ٩٦ ـ ٩٩ .

٢-الذريعة ٢١ : ٧٩ / ٤٠٣٨ ، و ٩٣/٤٠٩٥ ; أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٦ .

٣-المصدر ٢٤ : ١٧٢ / ٨٩٢ .

٤-المصدر ١٥ : ٩٨ / ٦٤٦ .

٥٦

وعلى أثر ذلك وجّه أهالي مدينة البصرة عدّة استفتاءات إلى علماء النجف الأشرف يطلبون منهم بيان الحكم الشرعيّ لهذه الشعائر التي انتقدها السيّد مهدي البصري ، فكان جوابهم بين مؤيّد لها ومعارض ، فأيّدها الميرزا حسين النائيني ( م ١٣٥٥ هـ ) ، والشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ( م ١٣٧٣ هـ ) ، وعارضها السيّد أبو الحسن الإصفهاني ( م ١٣٦٥ هـ )(١) .

وتصدّى الشيخ إبراهيم المظفّر لردّ الانتقادات التي أوردها السيّد مهدي البصري في رسالته الصولة ، فأ لّف رسالة مستقلّة في ذلك سمّاها نصرة المظلوم طُبعت في النجف الأشرف سنة ١٣٤٥ هـ(٢) .

وقام السيّد محسن الأمين بالدفاع عن آراء الصولة وذلك بكتابة عدّة مقالات في الصحف البيروتيّة ، ثمّ أ لّف كتابين مهمّين في هذا الموضوع هما : إقناع اللائم على إقامة المآتم(٣) و المجالس السنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة(٤) ، طبعا معاً سنة ١٣٤٤ هـ .

فتصدّى الشيخ عبد الحسين صادق العاملي (م ١٣٦١هـ ) ـ وهو آنذاك أكبر رجال الدين في النبطيّة ـ للردّ على السيّد الأمين، فأ لّف رسالته سيماء الصلحاء التي طبعت سنة ١٣٤٥هـ (٥).

فقام السيّد محسن الأمين بالردّ على سيماء الصلحاء وعلى كافّة المعترضين عليه ، فأ لّف رسالته المعروفة المشهورة التنزيه في أعمال الشبيه التي أحدثت ضجّة كبيرة ، بل ثورة عارمة ليست في الشام فقط ، بل في كافّة المدن الإسلاميّة ، وانقسم الناس بكافّة طبقاتهم إلى معارضين ومؤيّدين لها .

فمن مراجع الدين وكبار المجتهدين وأساتذة الحوزة العلميّة الذين عارضوه :

١ ـ الميرزا حسين النائيني ( م ١٣٥٥ هـ ) .

٢ ـ الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ( م ١٣٧٣ هـ ) .

٣ ـ الشيخ عبد الحسين صادق العاملي ( م ١٣٦١ هـ ) .

١-هكذا عرفتهم ٣ : ٢٢٩ .

٢-الذريعة ٢٤ : ١٧٨ / ٩٢١ .

٣-المصدر ٢ : ٢٧٥ / ١١١٥ .

٤-المصدر ١٩ : ٣٦٠ / ١٦١٠ .

٥-المصدر ١٢ : ٢٩٢ / ١٩٦١ .

٥٧

٤ ـ الشيخ عبد الحسين شرف الدين ( م ١٣٧٧ هـ ) .

٥ ـ الشيخ محمّد جواد البلاغي ( م ١٣٥٢ هـ ) .

٦ ـ الشيخ إبراهيم المظفّر(١) .

٧ ـ الشيخ عبد المهدي الحلّي .

٨ ـ الشيخ عبد المهدي المظفّر .

٩ ـ السيّد علي نقي اللكهنوي .

١٠ ـ الشيخ محمّد جواد الحجامي .

١١ ـ الشيخ محمّد حسين المظفّر .

١٢ ـ الشيخ مرتضى آل ياسين .

١٣ ـ السيّد نور الدين شرف الدين .

أمّا الذين أيّدوه فمنهم :

١ ـ السيّد أبو الحسن الإصفهاني ( م ١٣٦٥ هـ ) .

٢ ـ الشيخ عبد الكريم الجزائري ( م ١٣٨٣ هـ ) .

٣ ـ السيّد هبة الدين الشهرستاني ( م ١٣٨٦ هـ ) .

٤ ـ الشيخ جعفر البديري ( م ١٣٦٩ هـ ) .

٥ ـ السيّد حسين الحسيني البعلبكي ( م ١٣٩١ هـ ) .

٦ ـ الشيخ عبد المهدي الحجّار ( م ١٣٥٨ هـ ) .

٧ ـ الشيخ علي القمّي ( م ١٣٧١ هـ ) .

٨ ـ الشيخ محمّد الگنجي .

٩ ـ الشيخ محسن شرارة ( م ١٣٦٥ هـ ) .

وقد شارك في هذه الثورة الفكريّة الثقافيّة الشعراء والخطباء وبعض الصحف الصادرة آنذاك .

أمّا عامّة الناس ، فيحدّثنا الأديب الأُستاذ جعفر الخليلي ( م ١٤٠٥ هـ ) عن موقفهم

١-هو والأعلام الواردة أسماؤهم بعده أ لّفوا رسائل مستقلّة في ردّ رسالة " التنزيه " .

٥٨

وردود أفعالهم ، وملابسات هذه الحركة الاجتماعيّة ، وما أدّت إليه من نتائج سلبيّة في بعض المجالات فيقول :

وانقسم الناس إلى طائفتين ـ على ما اصطلح عليه العوام ـ : " علويّين " و " أُمويّين " . وعُني بالأُمويّين : أتباع السيّد محسن الأمين ، وكانوا قلّة قليلة لا يعتدّ بها ، وأكثرهم كانوا متستّرين خوفاً من الأذى .

واتّخذ البعض هذه الدعوة وسيلة لمجرّد مهاجمة أعدائه واتّهامه بالأُمويّة، فكثر الاعتداء على الأشخاص، وأُهين عدد كبير من الناس، وضُرب البعض منهم ضرباً مبرحاً.

وكان التيّار جارفاً ، والقوّة كلّها كانت في جانب العلويّين ، وكان هؤلاء العلويّون وأتباعهم يتفنّنون في التشهير بالذين سمّوهم بالأُمويّين .

وبلغ من الاستهتار أن راح حملة القِرب وسُقاة الماء في مأتم الحسين يوم عاشوراء ينادون مردّدين: "لعن الله الأمين ـ ماء" ، بينما كان نداؤهم من قبل يتلخّص في ترديدهم القول : "لعن الله حرملة ـ ماء" ، فأبدلوا " الأمين " بـ " حرملة " نكايةً وشتماً .

ولا تسل عن عدد الذين شُتموا وضُربوا وأُهينوا بسبب تلك الضجّة التي أحدثتها فتوى السيّد الأمين يومذاك، وكان السبب الأكبر في كلّ ذلك هو العامليّون ـ أعني أهل جبل عامل ـ الذين كانوا يسكنون النجف طلباً للعلم، وكان معظمهم من مخالفي السيّد محسن(١).

وقال في مكان آخر من كتابه أيضاً :

لم يكن يمرّ على صدور هذه الرسالة أُسبوع أو أكثر وتنتقل من الشام ـ حيث تمّ طبعها ـ إلى العراق حتّى رافقها كثير من الدعايات ضدّها ، ووجدت هذه الدعايات هوىً في نفوس البعض ، فأشعلوها فتنةً شعواء تناولت السيّد محسن الأمين وأتباعه بقساوة لا توصف من الهجاء والذمّ والشتم المقذع .

وخاف الذين آمنوا بقدسيّة هذه الرسالة وصحّة فتاوى العلماء ، لقد خافوا أن يعلنوا رأيهم في وجوب الذبّ عن موضوع الرسالة والدفاع عن شخص مؤلّفها .

ومَن الذي كان يجرأ أن يخالف للناس رأياً ؟ ! ومن كان يستطيع الظهور بمظهر المخالف

١-هكذا عرفتهم ١ : ٢٠٨ ـ ٢١٠ .

٥٩

في ذلك اليوم ؟ ! (١)

أمّا العلاّمة البلاغي ، فقد كانت تربطه بالسيّد محسن الأمين علاقة وثيقة جدّاً تعود إلى أيّام الدراسة في مدينة النجف الأشرف ، والتي عبّر عنها السيّد الأمين بقوله :

صاحبناه في النجف الأشرف أيّام إقامتنا فيها ، ورغب في صحبة العامليين فصاحبناه وخالطناه حضراً وسفراً عدّة سنين إلى وقت هجرتنا من النجف ،

فلم نرَ منه إلاّ كلّ خلق حسن وتقوى وعبادة ، وكلّ صفة تُحمد ، وجرت

بيننا وبينه بعد خروجنا من النجف مراسلات ومحاورات شعريّة ومكاتبات في مسائل علميّة(٢) .

إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من التعبير عن رأيه والوقوف عمليّاً أمام الحركة التي قادها السيّد الأمين في تنزيه الشعائر الحسينيّة .

يقول تلميذه الشيخ جعفر محبوبة :

له في الحسين(عليه السلام) عقيدة راسخة، وحبّ ثابت ، وكم له أمام المناوئين للحسين(عليه السلام)من مواقف مشهودة ، ولولاه لأمات المعاندون الشعائر الحسينيّة والمجالس العزائيّة ، ولكنّه تمسّك بها والتزم بشعائرها وقام بها خير قيام(٣) .

وقال الشيخ محمّد هادي الأميني بعد أن حكى قول الشيخ محبوبة :

فحين أفتى بعض العلويّين في الشام ـ وتبعه علويّ آخر في البصرة ـ بحرمة الشعائر الحسينيّة ، وزَمَّر وطبَّل على هذه الفتوى كثير من المغرضين المعاندين ، شوهد هذا الشيخ الكبير على ضعفه وعجزه أمام الحشد المتجمهر للعزاء يمشي وهو يضرب على صدره وقد حلَّ أزراره ، وخلفه اللطم والأعلام ، وأمامه الضرب بالطبل . ومن آثاره إقامة المآتم في يوم عاشوراء في كربلاء ، فهو أوّل من أقامه هناك ، وعنه أُخذ حتّى توسّع فيه ووصل إلى حدّه

١-المصدر : ١٢٢ .

٢-أعيان الشيعة ٤ : ٢٥٥ .

٣-ماضي النجف وحاضرها ٢ : ٦٢ .

٦٠