المكتبة العقائدية » العـدل عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام) (لـ علاء الحسّون )



الصفحة 6

اسم الكتاب: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام)

المؤلف: علاء الحسّون (تبريزيان)

الموضوع: العقائد، الكلام

الناشر: المعاونية الثقافية للمجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)

الطبعة: الأُولى

المطبعة: ليلى

الكمية: 3000

تاريخ النشر: 1429 هـ

ISBN: 978-964-529-316-9

حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)

الموقع على الإنترنيت :www.ahl-ul-bayt.org

البريد الإلكتروني :[email protected]


الصفحة 7

العدل عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

كلمة المجمع

إنّ تراث أهل البيت(عليهم السلام) الذي اختزنته مدرستهم وحفظه من الضياع أتباعهم يعبّر عن مدرسة جامعة لشتى فروع المعرفة الإسلامية. وقد استطاعت هذه المدرسة أن تربّي النفوس المستعدة للاغتراف من هذا المعين، وتقدّم للاُمة الإسلامية كبار العلماء المحتذين لخُطى أهل البيت(عليهم السلام)الرسالية، مستوعبين إثارات وأسئلة شتى المذاهب والاتجاهات الفكرية من داخل الحاضرة الإسلامية وخارجها، مقدّمين لها أمتن الأجوبة والحلول على مدى القرون المتتالية.

وقد بادر المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام) ـ منطلقاً من مسؤولياته التي أخذها على عاتقه ـ للدفاع عن حريم الرسالة وحقائقها التي ضبّب عليها أرباب الفرق والمذاهب وأصحاب الاتجاهات المناوءة للإسلام، مقتفياً خطى أهل البيت(عليهم السلام)وأتباع مدرستهم الرشيدة التي حرصت في الرد على التحديات المستمرة، وحاولت أن تبقى على الدوام في خطّ المواجهة وبالمستوى المطلوب في كلّ عصر.

إنّ التجارب التي تختزنها كتب علماء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)في هذا المضمار فريدة في نوعها; لأنها ذات رصيد علمي يحتكم إلى العقل والبرهان ويتجنّب الهوى والتعصب المذموم، ويخاطب العلماء والمفكرين من ذوي الاختصاص خطاباً يستسيغه العقل وتتقبله الفطرة السليمة.

وقد حاول المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)أن يقدم لطلاّب الحقيقة مرحلة جديدة من هذه التجارب الغنيّة من خلال مجموعة من البحوث والمؤلفات التي يقوم بتصنيفها مؤلفون معاصرون من المنتمين لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، أو من الذين أنعم الله عليهم بالالتحاق بهذه المدرسة الشريفة، فضلاً عن قيام


الصفحة 8

المجمع بنشر وتحقيق ما يتوخى فيه الفائدة من مؤلفات علماء الشيعة الأعلام من القدامى أيضاً; لتكون هذه المؤلفات منهلاً عذباً للنفوس الطالبة للحق، لتنفتح على الحقائق التي تقدّمها مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)الرسالية للعالم أجمع، في عصر تتكامل فيه العقول وتتواصل النفوس والأرواح بشكل سريع وفريد.

ونتقدم بالشكر الجزيل لسماحة الشيخ علاء الحسّون لتأليفه هذا الكتاب، ولكل الإخوة الذين ساهموا في إخراجه.

وكلّنا أمل ورجاء بأن نكون قد قدّمنا ما استطعنا من جهد أداءً لبعض ما علينا تجاه رسالة ربّنا العظيم الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه وكفى بالله شهيداً.

المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)

المعاونية الثقافية




الصفحة 9

المقدمة

مقدّمة المؤلف :

يمتاز موضوع العدل الإلهي بأهمية فائقة نتيجة تأثيره البالغ في بلورة رؤيتنا حول التعامل الإلهي معنا وتحديده العلاقة فيما بيننا وبين اللّه تعالى ، وتركه الآثار الواضحة في مختلف جوانب حياتنا الفردية والاجتماعية .

وقد تعرّض موضوع العدل الإلهي ـ للأسف الشديد ـ إلى هجمات مغرضة من قبل بعض السلطات الجائرة التي هيمنت على العالم الإسلامي في العصور السابقة ، وقد تركت هذه الهجمات الآثار السيئة في عقول ونفوس المسلمين نتيجة وقوعهم في التفسيرات الخاطئة لكيفية التعامل الإلهي مع الإنسان .

وقد وقف أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بوجه هذه التيارات المنحرفة التي استهدفت العدل الإلهي وأشاعت مفهوم الجبر بين الناس ، واهتم أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)ـ اقتداءً بسيرة أئمتهم الهداة، واعتماداً على كلماتهم النورانية ـ بمسألة إصلاح الرؤية الخاطئة حول العدل الإلهي ، وأكّدوا على تنزيه اللّه تعالى عما لا يليق بشأنه حتّى أصبح موضوع العدل الإلهي ـ بمرور الزمان ـ أصلا من أصول الدين عندهم .

وقد اهتم علماء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ على مرّ العصور ـ بهذا الموضوع في مصنّفاتهم ، وتناولوه من جميع الجوانب ، وحاولوا تأسيس الإيمان باللّه على ضوء قواعد معرفية متينة وإشاعة الفهم الصحيح لموضوع العدل الإلهي من أجل صيانة أبناء المجتمع من العقائد الضالّة والاختراقات الفكرية المنحرفة ، ولتكون علاقتهم مع ربّهم قائمة على أسس عقائدية مبتنية على أدلة وبراهين ساطعة .

ولكن المشكلة التي نعاني منها ـ في يومنا هذا ـ هي أنّ المفاهيم المطروحة حول موضوع العدل الإلهي في كتب هؤلاء العلماء على رغم امتلاكها القيمة العلمية الكبيرة ، فإنّها مؤلّفة بلغة زمانها ومدوّنة وفق المناهج السائدة في عصرها.

ولهذا تطلّب الأمر ـ في مرحلتنا الراهنة ـ القيام بإعادة صياغة هذه المفاهيم


الصفحة 10

وتبيينها وفق عرض جديد ومحاولة تطويرها بقدر الإمكان لتكون غذاءً فكرياً مناسباً لمتطلّبات واحتياجات العصر ، ولتكون زاداً علمياً منسجماً مع أجواء الساحة العلمية والفكرية المعاصرة .

ولهذا الغرض تمّ تأليف هذا الكتاب ، فهو محاولة لعرض المواضيع العقائدية المرتبطة بمفهوم العدل الإلهي بلغة واضحة وسهلة وميسّرة وبعيدة عن الالتواء والتعقيد ، وعلى شكل فقرات موجزة وتقسيمات واضحة تساعد القارئ على فهم المواضيع المطروحة بسهولة ، وتشوّقه لمتابعة البحث ، وتأخذ بيده ليندمج مع التفاصيل من دون تكلّف .

وقد تضمّن هذا الكتاب أهم المواضيع العقائدية المرتبطة بالعدل الإلهي .

وهي حسب ترتيب عرضها في هذا الكتاب :

الفصل الأوّل: العدل في أفعال اللّه تعالى.

الفصل الثاني: الحسن والقبح العقليّان .

الفصل الثالث: وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى .

الفصل الرابع: الشرور والآلام .

الفصل الخامس: العوض .

الفصل السادس: القضاء والقدر .

الفصل السابع: الجبر والتفويض .

الفصل الثامن: التكليف .

الفصل التاسع: الثواب والعقاب .

الفصل العاشر: اللطف .

الفصل الحادى عشر: الأصلح .

الفصل الثاني عشر: الهداية والإضلال .

الفصل الثالث عشر: الأجل .

الفصل الرابع عشر: الرزق .


الصفحة 11

وسيشعر القارئ خلال نظرته الأُولى إلى المواضيع المطروحة في هذا الكتاب بأنّ رغبته لمطالعة بعض الفصول أكثر من غيرها ، بل قد تكون رغبته في الفصل الواحد متّجهة لبعض المباحث دون غيرها ، ولهذا أقول لكلّ من يقع هذا الكتاب بيده: لا يوجد أي داع للمواظبة على مراعاة التسلسل في مطالعة مواضيع هذا الكتاب ، بل تستطيع ـ أيها القارئ العزيز ـ أن تصفّح هذا الكتاب أو تلاحظ الفهرس فتختار الموضوع المثير لاهتمامك وتقرأ ما تتجه إليه رغبتك .

وفي الختام آمل أن تكون المنهجية الجديدة المتّبعة في هذا الكتاب مؤثّرة في سهولة إلمام القارئ بالمفاهيم الدينية المرتبطة بالعدل الإلهي ، كما آمل أن تكون هذه المنهجية المتمثّلة بعرض البحوث على شكل فقرات مقسّمة ومقاطع موجزة نموذجاً لعرض بقية المواضيع العلمية بهذه الطريقة المؤدّية إلى وصول القارئ بسهولة إلى معرفة المفاهيم المطروحة .

علاء الحسّون


الصفحة 12

الصفحة 13

الفصل الأوّل

العدل في أفعال اللّه تعالى

معنى العدل
   أدلة عدم فعله تعالى للقبيح
   مناقشة رأي الأشاعرة حول فعله تعالى للقبيح
   قدرة اللّه تعالى على فعل القبيح
   عدم فعله تعالى للظلم


الصفحة 14

الصفحة 15

المبحث الأوّل

معنى العدل

معنى العدل (في اللغة) :

ورد في "لسان العرب": العَدْل: ما قام في النفوس أ نّه مستقيم ، وهو ضدّ الجور .

والعدل في أسماء اللّه تعالى يعني الحكم بالحق . والعدل في الناس يعني المرضي قوله وحُكمه(1).

تنبيه :

"العَدْل" من أسماء اللّه تعالى ، وهو مصدر أُقيم مقام الاسم ، والمقصود منه المبالغة في وصفه تعالى بأ نّه عادل ، أي: كثير العدل(2).

معنى العدل (في الاصطلاح العقائدي) :

العدل يعني تنزيه اللّه تعالى عن فعل القبيح والإخلال بالواجب(3).

معنى التنزيه :

التنزيه يعني البُعد ، ويُقال: اللّه منزّه عن القبيح ، أي: بعيد عنه(4) .

____________

1- انظر: لسان العرب ، ابن منظور: مادة (عدل) .

2- انظر: مجمع البحرين ، فخر الدين الطريحي: 3/133 .

3- انظر: النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد: الفصل الثاني ، ص32.

شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: أبواب العدل ، ص 83 .

قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الخامس ، ص111 .

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة ، مبحث أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح ، ص85 .

شرح الأصول الخمسة ، القاضي عبد الجبار: الأصل الثاني ، الفصل الثاني ، ص 301 .

4- انظر: لسان العرب ، ابن منظور: مادة (نزه) .


الصفحة 16

معنى الفعل القبيح :

الفعل القبيح هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم، ويستحق تاركه المدح(1) .

معنى الفعل الواجب :

الفعل الواجب هو الفعل الذي يستحق فاعله المدح، ويستحق تاركه الذم(2) (3) .

معنى الوجوب على اللّه تعالى :

إنّ قولنا "الوجوب على اللّه تعالى" لا يعني أ نّه تعالى محكوم بأوامر غيره ، بل يعني أنّنا نكتشف عن طريق التدبّر في صفاته تعالى أ نّه حكيم ، وتقتضي حكمته أن يفعل كذا ، لأنّ عدم فعله له يؤدّي إلى الإخلال بحكمته(4) .

الآيات القرآنية المتضمّنة لمعنى الوجوب على اللّه تعالى :

1 ـ { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [ الأنعام: 54 ]

أي: أوجب اللّه تعالى على نفسه الرحمة(5).

2 ـ { وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ } [ النحل: 9 ]

أي: يجب على اللّه تعالى بيان الطريق المستقيم للعباد(6) .

3 ـ { إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى } [ الليل: 12 ]

أي: يجب علينا بمقتضى العدل أن نهدي العباد إلى الحقّ ببعث الرسل ونصب الدلائل(7) .

4 ـ { وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى } [ النجم: 47 ]

____________

1 و 2) انظر المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1 ، القول في العدل ، ص152 .

الاعتماد، مقداد السيوري: الركن الثاني، ص 75 .

3- ينبغي تقييد المدح والذم في هذا المجال بمرتبة خاصة لئلاّ يشمل المستحب .

انظر: صراط الحقّ ، محمّد آصف المحسني: ج2 ، المقصد الخامس ، القاعدة الاُولى ، ص 167 .

4- للمزيد راجع: تلخيص المحصّل ، نصير الدين الطوسي: الركن الثالث ، القسم الثالث ، ص342 .

5- انظر: الميزان، محمّد حسين الطباطبائي: ج7 ، تفسير آية 12 و 54 من سورة الأنعام ، ص 27 و 105 .

6- انظر: تفسير القرآن الكريم، عبد اللّه شبّر: تفسير آية 9 من سورة النحل .

7- انظر: المصدر السابق: تفسير آية 12 من سورة الليل .


الصفحة 17

أي: يجب على اللّه تعالى أن يجعل داراً أُخرى إضافة إلى دار الدنيا ليقع فيها الجزاء والانتصاف(1) .

دليل عدم إخلاله تعالى بالواجب :

إنّ اللّه تعالى لا يخل بالواجب ، لأنّ الإخلال به قبيح(2) . وسنبيّن لاحقاً أدلة عدم فعله تعالى للقبيح .

معنى العدل الإلهي في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام) :

1 ـ قال الإمام علي(عليه السلام): "العدل أن لا تتهمه"(3).

2 ـ قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "أمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه"(4) .

تنبيهات :

1 ـ إنّ "العدل" من صفات اللّه "الفعلية" ، وليس من صفاته "الذاتية"(5)، لأنّ "العدل" عبارة عن تنزيه اللّه تعالى عن فعل القبيح والإخلال بالواجب، وهذا الأمر منتزع من مقام الفعل .

____________

1- انظر: مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج9 ، تفسير آية 47 من سورة النجم ، ص 276 .

2- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الخامس، ص 111 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل، الفصل الخامس ، البحث الثالث ، ص260 .

الاعتماد، مقداد السيوري: الركن الثاني، ص 75

3- نهج البلاغة ، الشـريف الرضي : باب المختار من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) ، الحكمة 470 ، ص755 .

4- التوحيد ، الشيخ الصدوق: باب 5، ح1 ، ص93 .

5- الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية:


الصفات الذاتيةالصفات الفعلية
منتزعة من الذات الإلهيةمنتزعة من الأفعال الإلهية
قديمة بقدم الذات الإلهيةحادثة بحدوث الأفعال الإلهية
لا يصح سلبها عنه تعالى أبداًيصلح سلبها عنه تعالى في بعض الأحيان
فلا يقال: اللّه غير عالم وغير قادر فيفيقال: اللّه لا يخلق ولا يرزق في
بعض الأحيانبعض الأحيان

انظر: الكافي، الشيخ الكليني: ج1 ، كتاب التوحيد ، باب صفات الذات ، ص 111 .


الصفحة 18

2 ـ إنّ العدل الإلهي صفة لكيفية تعامل اللّه تعالى مع الكون بما فيه الإنسان ، ولهذا اكتسبت هذه الصفة أهمية خاصة وموقعاً مميّزاً ، لأنّ بها يتمّ تحديد نوعية موقف تعامل اللّه عزّ وجلّ مع الإنسان .

3 ـ إنّ "العدل الإلهي" لا يتنافى مع "حرّية اللّه في أفعاله" .

وليس "العدل" قيداً لأفعال اللّه عزّ وجلّ .

لأنّ "الحرية الإلهية" منزّهة عن النقص والظلم والقبائح .

ولا يفعل اللّه تعالى إلاّ الحسن .

ولا يضع الأُمور إلاّ في مواضعها اللائقة بها .

ولهذا لا يكون بين "حرية اللّه في أفعاله" و"العدل الإلهي" أيّ تضاد أو تناف.

الفرق بين "العدل" و "المساواة" :

إنّ "المساواة" تعني مراعاة التساوي بين طرفين أو بين عدّة أطراف .

ولكن "العدل" يعني إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه .

والفرق بينهما:

إنّ أموراً من قبيل: "مراعاة الاستحقاق" و"أخذ الأولويات بنظر الاعتبار" و"إعطاء كلّ كائن نصيبه بموجب ما يستحق":

تُشترط في "العدل" .

ولكنها لا تُشترط في "المساواة" .

مثال :

لايعني مراعاة العدل بين تلاميذ الصف الواحد أن يُعطى الجميع درجات متساوية.

ولا يعني مراعاة العدل بين العمّال والموظفين أن يُعطى الجميع أُجوراً متساوية .

بل يعني مراعاة العدل في هذا المقام:

إعطاء كلّ تلميذ الدرجة التي تستحقها معلوماته ولياقته العلمية .


الصفحة 19

وإعطاء كلّ عامل أُجرته بحسب أهمية العمل الذي يقوم به .

تنبيه :

إنّ الحكمة في جعل اللّه الاختلاف والفوارق بين الناس وعدم المساواة بينهم في إعطاء المواهب والنعم هو لأ نّه تعالى جعل الحياة الدنيا داراً للبلاء والاختبار، فخلق نظاماً يؤدّي إلى رفع بعض الناس فوق البعض الآخر، ليبلوهم أيّهم أحسن عملا ، وليرى مستوى صبرهم وشكرهم ومدى نجاحهم في الاختبار الإلهي .

لماذا اعتبر العدل أصلا من أصول مذهب التشيّع ؟

الدليل الأوّل :

بالعدل يتمّ التوحيد، ومن دون إثبات العدل لا يمكن إثبات النبوّة والإمامة والمعاد(1).

قال العلاّمة الحلّي:

"اعلم أنّ هذا الأصل [ العدل ] عظيم تبتني عليه القواعد الإسلامية، بل الأحكام الدينية مطلقاً ، وبدونه لا يتمّ شيء من الأديان"(2).

توضيح ذلك :

1 ـ الصلة بين "العدل" و"النبوّة" :

إنّ العدل الإلهي هو الذي يقتضي:

أوّلا: إرسال اللّه الأنبياء بالهدى ودين الحقّ .

ثانياً: وثوق الناس بهؤلاء الأنبياء، واطمئنانهم بأنّ هؤلاء هم الذين أرسلهم اللّه وسدّدهم بالمعاجز ، وأنّ هدفهم الخير والصلاح لهم .

ولولا العدل الإلهي لأمكن القول:

____________

1- انظر: حقّ اليقين ، عبد اللّه شبّر: كتاب العدل، الفصل الأوّل ، ص 83 .

2- نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر ، ص 72 .


الصفحة 20

أوّلا: قد لا يرسل اللّه تعالى أحداً من رسله إلى العباد، فيترك الناس لشأنهم ، ثمّ يفعل بهم كيفما يشاء ، فيبطل أصل النبوّة .

ثانياً: قد يسدّد اللّه تعالى الكذّابين والدجّالين بالمعجزة، أو يرسل رسلا من أجل إغواء العباد وإلقائهم في التهلكة ، فلا يمكن بعد ذلك الوثوق بالأنبياء .

2 ـ الصلة بين "العدل" و "الإمامة" :

إنّ العدل الإلهي هو الذي يقتضي اصطفاء اللّه تعالى الأئمة والأوصياء بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) للحفاظ على ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والتصدّي من بعده للقيام بالمسؤوليات التي كانت على عاتقه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما عدا النبوّة .

ولولا العدل الإلهي لجاز له تعالى أن يترك الأُمة من بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سُدى ، ويتركهم يتخبّطون في الضلال من دون وجود أحد يرشدهم إلى الحقّ والصواب .

3 ـ الصلة بين "العدل" و "المعاد" :

إنّ الاعتقاد بالعدل الإلهي هو الذي يستلزم الاطمئنان بالوعد الإلهي وتحقّق المعاد وإثابته تعالى للمحسن وعقوبته للمسيء في دار الآخرة.

ولولا ثبوت العدل الإلهي لم يمكن الوثوق بوعد اللّه تعالى ، ولأمكن القول بأ نّه تعالى قد يلغي المعاد أو يقيمه ولكنه يتصرّف بالعباد كيفما يشاء ، فيلقي الأنبياء في نار جهنم ويدخل الطغاة والمجرمين في جنّة النعيم ! فيبطل بذلك أصل "المعاد" .

الدليل الثاني :

إنّ الأشاعرة فسّروا "العدل الإلهي" بصورة تؤدّي إلى نفيه ، فوقف أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بقوة أمام هذا التفسير ، ودافعوا عن "العدل الإلهي" بحيث عُرفوا بالعدلية ، واعتبر "العدل الإلهي" أصلا من أصول مذهبهم(1) .

____________

1- اشتهر الخلاف حول مسألة العدل الإلهي بين المسلمين من بداية القرن الثاني للهجرة ، واستمر هذا الخلاف بحيث أصبحت هذه المسألة علامة بارزة على أنّ المعتقد بها:

"شيعي" إذا كان من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

"معتزلي" إذا كان من أتباع مذهب أهل السنة .


الصفحة 21

المبحث الثاني

أدلة عدم فعله تعالى للقبيح

الدليل الأوّل :

لا يخلو الداعي إلى فعل القبيح عن أربع صور ، وهي:

الاُولى: الجهل بالقبح: وهي أن يكون فاعل القبيح جاهلا بقبح ما يفعله .

الثانية: العجز عن تركه: وهي أن يكون فاعل القبيح عالماً بقبح ما يفعله ، ولكنه عاجز عن تركه .

الثالثة: الاحتياج إليه: وهي أن يكون فاعل القبيح عالماً بقبح ما يفعله ، وغير عاجز عن تركه ، ولكنه محتاج إلى فعله .

الرابعة: فعله عبثاً: وهي أن يكون فاعل القبيح عالماً بقبح ما يفعله ، وغير عاجز عن تركه، وغير محتاج إلى فعله ، ولكنه يفعله عبثاً .

واللّه سبحانه وتعالى منزّه عن جميع هذه الصور (وهي الجهل والعجز والاحتياج والعبث) ، لأنّه تعالى هو العالم والقادر والغني والحكيم على الإطلاق ، فلهذا يستحيل عليه فعل القبيح(1) .

وذكر معظم علماء الشيعة:

أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح لعلمه بقبحه واستغنائه عنه(2) .

____________

1- انظر: نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة ، مبحث: أن اللّه تعالى لا يفعل القبيح ، ص 85 .

2- انظر: الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الأوّل ، ص 88 .

المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثالث، ص90 .

قواعد المرام ، ميثم البحراني ،: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل ، البحث الخامس ، ص111 .

مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس ، البحث الثالث ، ص243 .

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، المسألة الثانية ، ص420 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، إثبات أنّ الباري لا يفعل القبيح ، ص260 .


الصفحة 22

تنبيه :

إنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح لعدم وجود الداعي لفعله .

أمّا فعله تعالى للحسن ، فليس الداعي احتياجه تعالى إليه ، وإنّما يفعل اللّه الحسن لحسنه لا للحاجة إليه(1) .

الدليل الثاني :

إنّ اللّه تعالى حكيم ، وهذه الحكمة الإلهية تستلزم عدم فعله تعالى للقبيح ، لأنّ فعل القبيح لا ينسجم مع الحكمة .

الدليل الثالث :

يلزم فعله تعالى للقبيح عدم الجزم بصدق الأنبياء، لأنّ دليل النبوّة مبني على إظهار اللّه المعجزة على يد النبي، فلو كان اللّه فاعلا للقبيح ، فإنّه قد يُظهر المعجزة على يد من يدّعي النبوّة كذباً ، فلا يمكن بعد ذلك الوثوق بصحة نبوّة أي نبي(2) .

الدليل الرابع :

يلزم فعله تعالى للقبيح جواز صدور الكذب منه تعالى ، لأنّ الكذب نوع من أنواع فعل القبيح ، ومنه يلزم عدم الوثوق بوعد الله ووعيده تعالى، فينتفي الجزم بوقوع ما أخبر بوقوعه من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية(3) .

____________

1- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، في أ نّه تعالى لا يفعل القبيح ، ص 85 .

تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل ، مسألة: في كونه تعالى لا يفعل القبيح ، ص 102.

المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: القول في العدل ، ص 161 .

2- انظر: مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الثالث، ص243.

نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، مبحث أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح ، المطلب الثالث ، ص 86 .

3- انظر: النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد : الفصل الثاني ، ص33 .

الرسالة السعدية، العلاّمة الحلّي : القسم الأوّل ، المسألة السادسة ، البحث الثاني، ص57.

ومن هنا تتثّبط عزيمة الإنسان عن طاعة أوامر اللّه تعالى واجتناب نواهيه، وسيقول الإنسان: ما هي فائدة عبادتي للّه تعالى، وقد يدخلني اللّه تعالى في النار رغم عبادتي له ، لأ نّه يفعل ما يشاء ، ومنها فعل القبيح !


الصفحة 23

الدليل الخامس :

يلزم من فعله تعالى للقبيح جواز وصفه تعالى بالظلم والجور والعدوان ، لأ نّه تعالى لو كان فاعلا للقبيح لأمكن أن يصدر منه الظلم والجور والعدوان ، لأ نّها من جملة القبائح .

تنبيه :

بما أنّ اللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح ، فلهذا لا يصح نسبة أيّ فعل قبيح إليه تعالى ، وبما أ نّنا نجد ارتكاب بعض العباد للأفعال القبيحة، فلهذا لا يصح نسبة هذه الأفعال إلى اللّه تعالى ، بل ينبغي نسبتها إلى العباد ، ويكون كلّ إنسان هو المسؤول عن الفعل القبيح الذي يصدر عنه(1).

____________

1- انظر: المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1، القول في العدل ، ص 164 .


الصفحة 24

المبحث الثالث

مناقشة رأي الأشاعرة حول فعله تعالى للقبيح

ذهب الأشاعرة إلى أنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء ، وكلّ ما يفعله اللّه تعالى فهو حسن ، وإن حكم العقل بقبح هذا الفعل(1) .

أدلة الأشاعرة :

الدليل الأوّل :

إنّ الفعل لا يكون قبيحاً إلاّ بعد نهي الشارع عنه ، وبما أنّ أفعال اللّه تعالى لا تقع في إطار أوامر ونواهي الشرع ، فلهذا لا يمكن تصوّر فعل القبيح في أفعال اللّه تعالى .

قال أبو الحسن الأشعري:

"الدليل على أنّ كلّ ما فعله [ تعالى ] فله فعله أ نّه ... لا فوقه مبيح، ولا آمر، ولا زاجر، ولا حاظر، ولا من رسم له الرسوم، وحدّ له الحدود ، فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء، إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا لأ نّا تجاوزنا ما حدّ ورسم لنا ، وأتينا ما لم نملك إتيانه ، فلمّا لم يكن الباري ... تحت أمر لم يقبح منه شيء"(2).

يرد عليه :

1 ـ إنَّ بعض الأفعال قبيحة بذاتها، ولا يعود منشأ قُبحها إلى حكم الشرع .

وسنبحث هذا الموضوع بصورة مفصّلة في الفصل القادم .

____________

1- انظر: المواقف ، عضد الدين الإيجي : ج3 ، الموقف 5 ، المرصد 6، المقصد 6 ، ص 283 .

شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4، المقصد 5، الفصل 5، المبحث 4، ص294.

2- اللمع ، أبو الحسن الأشعري: الباب السابع، ص116 .


الصفحة 25

2 ـ "لو كان القبيح إنّما يقبح للنهي، لوجب فيمن لا يعرف النهي ولا الناهي أن لا يعرف شيئاً من القبائح"(1).

وبعبارة اُخرى: لو كان نهي الشرع هو المنشأ الوحيد لقبح جميع الأفعال، فينبغي أن لا يعتقد منكر الشرع بقبح شيء، لأ نّه لا يؤمن بالشرع فلا يكون عنده شيءٌ قبيحٌ .

ولكننا نرى غير الملتزمين بالدين ـ على اختلاف فصائلهم ـ :

يصفون بعض الأفعال بالقبح ويعتقدون بأ نّهم ملزمون بتركها .

ويسند هؤلاء تقبيحهم إلى العقل من غير أن يكون لحكم الشرع أيّ أثر في هذا التقبيح.

3 ـ "لو كان القبيح يقبح للنهي ، لوجب أن يكون الحسن يحسن للأمر ، فيلزم عليه أن لا توصف أفعاله تعالى بالحسن أيضاً، لأ نّه [ تعالى ] كما لم ينه عن شيء، [ فإنّه تعالى ] لم يُؤمر بشيء"(2).

الدليل الثاني للأشاعرة :

"الدليل على أنّ كلّ ما فعله [ تعالى ] ، فله فعله: أ نّه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ... فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء"(3).

وقال الشهرستاني:

"أمّا العدل فعلى مذهب أهل السنة: أنّ اللّه عدل في أفعاله ، بمعنى أ نّه متصرّف في مُلكه ومِلكه ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد"(4).

بعبارة أُخرى :

____________

1- المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1، القول في العدل ، ص 155 .

2- المصدر السابق .

3- اللمع ، أبو الحسن الأشعري: الباب السابع، ص116 .

4- الملل والنحل ، عبد الكريم الشهرستاني: ج1، الباب الأوّل ، ص 42 .


الصفحة 26

لا يمكن تصوّر فعل القبيح بالنسبة إلى اللّه تعالى ، لأ نّه تعالى هو المالك لكلّ شيء على الإطلاق ، ويعتبر أي تصرّف له تعالى في العالم، إنّما هو تصرّف في شيء يملكه ، وله أن يفعل به كيفما يشاء .

يرد عليه :

إنّ ملكية الشيء لا تعني امتلاك المالك حقّ التصرّف بها على خلاف موازين الحكمة والعدل .

ولهذا نجد العقلاء يذمّون من يلقي أمواله في البحر بلا سبب ، ويحكمون بسفاهته مع علمهم بمالكيته لتلك الأموال .

بعبارة أُخرى :

إنّ "الملكية" لا تبيح فعل القبائح العقلية أصلا .

ولهذا يستنكر العقلاء على المالك الذي يعذّب عبده بلا جهة، ويعتبرونه سفيهاً يستحق اللوم إزاء فعله القبيح هذا .

واللّه تعالى على رغم كونه مالكاً لكلّ شيء وقادراً على كلّ شيء ، ولكنه مع ذلك "حكيم"، وحكمته تنزّهه عن فعل القبيح .

ولهذا قال تعالى: { وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ }[ هود: 117 ].


الصفحة 27

المبحث الرابع

قدرة اللّه تعالى على فعل القبيح

قال الشيخ المفيد: "إنّ اللّه ـ جلّ جلاله ـ قادر على خلاف العدل ، كما أ نّه قادر على العدل ، إلاّ أ نّه لا يفعل جوراً ولا ظلماً ولا قبيحاً ، وعلى هذا جماعة الإمامية"(1) .

أدلة قدرته تعالى على فعل القبيح :

1 ـ إنّ اللّه تعالى قادر على كلّ مقدور ، والقبيح مقدور ، فيثبت أ نّه تعالى قادر على فعل القبيح(2).

2 ـ إنّ "الفعل الحسن" من جنس "الفعل القبيح" ، والقادر على أحد الجنسين يكون قادراً على الآخر(3) .

مثال :

ألف ـ إنّ قعود الإنسان في دار غيره غصباً من جنس قعوده فيها باذن مالكها، ولكن أحدهما قبيح والآخر حسن .

ب ـ إنّ اللّه تعالى قادر ـ بلا خلاف ـ على معاقبة العاصي ، ولا يخفى بأنّ هذه القدرة لم تتحقّق عند وقوع المعصية من المكلّف ، بل كان اللّه تعالى قادراً على

____________

1- أوائل المقالات ، الشيخ المفيد: قول 24، ص 56 .

2- انظر: شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: باب مايجب اعتقاده في أبواب العدل ، ص83 ـ 84 .

المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثالث ، ص 88 .

3- انظر: الملخص ، الشريف المرتضى: الجزء الثاني ، باب الكلام في العدل ، ص325 .

الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: القسم الثاني ، الفصل الأوّل ، ص88 .

تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل ، مسألة في كونه تعالى قادراً على القبيح ، ص99 .


الصفحة 28

المعاقبة قبل ذلك ، وعقوبته تعالى قبل ذلك من جملة الأفعال القبيحة، فثبت أ نّه تعالى قادر على فعل القبيح(1).

3 ـ إنّنا قادرون على فعل القبيح ، واللّه تعالى أقدر منّا في جميع الأحوال ، فيثبت بذلك أ نّه تعالى قادر على فعل القبيح(2).

مناقشة رأي القائلين بعدم قدرة اللّه على فعل القبيح :

ذهب البعض إلى أنّ اللّه تعالى غير قادر على فعل القبيح ، لأ نّه تعالى لو كان قادراً على فعل القبيح لصح منه فعله ، وصحة فعل القبيح منه تعالى دليل على اتّصافه تعالى بالجهل والاحتياج، وهو منزّه عن ذلك(3).

يرد عليه :

1 ـ إنّ امتلاك القدرة على فعل معيّن لا يدل على أنّ صاحب تلك القدرة سيستخدم قدرته في القيام بذلك الفعل .

وإنّما الفعل يتبع الإرادة والاختيار ووجود الداعي و ... .

واللّه تعالى حكيم، وتمنعه حكمته من فعل القبيح على الرغم من امتلاكه القدرة عليه .

2 ـ إنّ الاتّصاف بالجهل والاحتياج يكون مع "فعل القبيح" لا مع "امتلاك القدرة

____________

1- انظر: الملخص ، الشريف المرتضى: الجزء الثاني ، باب الكلام في العدل ، ص325 .

الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: القسم الثاني ، الفصل الأوّل ، ص88 .

المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: القول في العدل، ص 153 .

2- انظر : تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: مسألة : في كونه تعالى قادراً على القبيح ، ص100 .

غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج2 ، فصل : في أ نّه تعالى قادر على القبيح و ... ، ص 74 .

3- أشار بعض علمائنا إلى هذا الرأي الذي ذهب إليه بعض أعلام المعتزلة .

انظر : تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسألة في كونه تعالى قادراً على القبيح ، ص 100 .

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثالث ، ص 89 .

المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1 ، القول في العدل ، ص 154 .


الصفحة 29

على فعله" ، وإنّ عدم فعله تعالى للقبيح ليس لأ نّه غير قادر على فعله ، بل لأ نّه تعالى حكيم وعالم وغني، فلا يريد فعل القبيح(1).

____________

1- انظر: المصدر السابق .


الصفحة 30

المبحث الخامس

عدم فعله تعالى للظلم

معنى الظلم :

"وضع الشيء في غير موضعه ... وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحدّ"(1).

أدلة عدم فعله تعالى للظلم :

1 ـ إنّ الظلم ينبثق عن الجهل والحاجة والحقد والعجز والضعف والخوف والعبث وغيرها من الرذائل التي يكون اللّه تعالى منزّهاً عنها، فلهذا يستحيل عليه تعالى الظلم .

2 ـ إنّ اللّه تعالى ذمّ الظالمين وندّد بهم ونهى الناس عن الظلم ، فكيف يكون سبحانه ظالماً للعباد؟!

3 ـ إنّ الظلم قبيح ، واللّه تعالى ـ كما بيّنا فيما سبق ـ منزّه عن فعل القبيح .

نفي الظلم عن اللّه تعالى في القرآن الكريم :

1 ـ { شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ } [ آل عمران: 18 ]

2 ـ { وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } [ الأنبياء: 47 ]

3 ـ { إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ يونس: 44 ]

____________

1- لسان العرب ، ابن منظور: مادة (ظلم) .


الصفحة 31

4 ـ { فَما كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ التوبة: 70 ]

5 ـ { وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ النحل: 118 ]

6 ـ { إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّة } [ النساء: 40 ]

7 ـ { وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } [ الكهف: 49 ]

8 ـ { وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَـلاّم لِلْعَبِيدِ } [ الأنفال: 51 ]

9 ـ { وَما رَبُّكَ بِظَـلاّم لِلْعَبِيدِ } [ فصّلت: 46 ]

10 ـ { وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ } [ آل عمران: 108 ]

11 ـ { وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ } [ الزخرف: 76 ]

12 ـ { وَما ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ النحل: 33 ]


الصفحة 32

الصفحة 33

الفصل الثاني

الحسن والقبح العقلي

معنى الحسن والقبح
   أقسام الفعل من حيث الاتّصاف بالحسن والقبح
   منشأ حسن وقبح الأفعال
   إطلاقات الحسن والقبح
   محل الاختلاف بين العدلية والأشاعرة حول حسن وقبح الأفعال
   رأي العدلية القائلين بالحسن والقبح العقلي
   أدلّة ثبوت الحسن والقبح العقلي
   إثبات الحسن والقبح العقلي في القرآن الكريم
   رأي الأشاعرة حول حسن وقبح الأفعال
   أدلّة الأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقلي ومناقشتها
   أقوال بعض أهل السنة الموافقين للحسن والقبح العقلي


الصفحة 34

الصفحة 35

المبحث الأوّل

معنى الحسن والقبح

معنى الحسن والقبح (في اللغة) :

إنّ للحُسن والقبح ـ في اللغة ـ عدّة معان منها :

1 ـ "الحسن" ما هو كمال ، و"القبيح" ما هو نقص .

2 ـ "الحسن" ما يلائم الطبع ، و"القبيح" ما ينافره .

3 ـ "الحسن" ما يوافق المصلحة ، و"القبيح" ما يخالفها .

4 ـ "الحسن" ما يتعلّق به المدح ، و"القبيح" ما يتعلّق به الذم .

وسنشير إلى هذه المعاني في المبحث الرابع من هذا الفصل .

معنى الحسن والقبح (في الاصطلاح العقائدي) :

الفعل الحسن :

التعريف الأوّل: هو الفعل الذي لا يستحق فاعله الذم(1).

التعريف الثاني: هو الفعل الذي يستحق فاعله المدح(2) (3).

____________

1- انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة ، السيّد المرتضى: ج2 ، باب الكلام في الأفعال ، ص563 .

المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثاني ، ص85 .

الرسالة السعدية ، العلاّمة الحلّي: القسم الأوّل ، المسألة السادسة ، البحث الأوّل ، ص53 .

2- انظر: تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل ، مسألة في الحسن والقبح ، ص97 .

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الأوّل ، ص 104 .

3- بشرط أن يكون الفاعل قاصداً إلى ما يفعل .

انظر: تقريب المعارف كما في (المصدر السابق) .


الصفحة 36

الفعل القبيح :

هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم(1) (2).

صلة المدح والذم بالثواب والعقاب الأخروي :

الرأي الأوّل :

إنّ "الفعل الحسن" هو الفعل الذي يستحق فاعله "المدح" ، ولا شكّ أنّ مدح اللّه تعالى يتبعه في الآخرة "إثابة" فاعل الفعل الحسن .

وإنّ "الفعل القبيح" هو الفعل الذي يستحق فاعله "الذم" ، ولا شكّ أنّ ذمّ اللّه تعالى يتبعه في الآخرة "معاقبة" فاعل الفعل القبيح .

ولهذا ذكر أغلب علماء الإمامية في تعريفهم للحسن والقبح :

"الحسن" ما يستحق فاعله المدح عاجلا والثواب آجلا(3) .

و"القبيح" ما يستحق فاعله الذم عاجلا والعقاب آجلا(4) .

الرأي الثاني :

إنّ الثواب والعقاب الأخروي أمر غير ملازم للحسن والقبح .

لأنّ شرط حصول فاعل الفعل الحسن على "الثواب" هو: إيمانه باللّه وقصده للقربة ونحوها .

وشرط حصول فاعل الفعل القبيح على "العقاب" هو: عدم وجود العفو والشفاعة الإلهية، وعدم مبادرة فاعل القبيح إلى التوبة ونحوها .

فلا ربط للعقاب والثواب بالمدح والذم .

____________

1- انظر: المصدر السابق (مصدري تعريف الفعل الحسن) .

2- بشرط أن يكون الفاعل عالماً بقبح ما يفعله، أو متمكّناً من العلم به ، ولم يكن أي اضطرار إلى فعله .

انظر: تمهيد الأصول ، الشيخ الطوسي: فصل في بيان حقيقة الفعل ، وشرح أقسامه: ص 98 .

3 و 4) انظر: قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الثاني، ص104 .

النافع يوم الحشر ، مقداد السيوري: الفصل الرابع : في العدل ، ص 64 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص 254 .


الصفحة 37

ولهذا قال الشيخ محمّد حسن المظفر :

"إدخال كلمة الثواب والعقاب في تعريفهما [ أي: تعريف الحُسن والقبح ] خطأ ظاهر"(1) .

____________

1- دلائل الصدق ، محمّد حسن المظفر : ج 1 ، المسألة 3 ، المبحث 11 ، المطلب 2 ، ص 363 .


الصفحة 38

المبحث الثاني

أقسام الفعل من حيث الاتّصاف بالحسن والقبح(1)

1 ـ الفعل غير الاختياري(2) : وهو الفعل الذي لا يوصف بالحسن والقبح ، لأنّ استحقاق المدح والذم يرتبط بالفعل الاختياري فقط . وهو لا يتعلّق بالفعل غير الاختياري أبداً(3) .

2 ـ الفعل الاختياري : وهو الفعل الذي يوصف بالحُسن والقبح كما يلي:

أوّلا: الحُسن : وهو على نحوين:

أ ـ يكون له وصف زائد على حسنه، وهو:

الواجب: وهو ما يستحقّ فاعله المدح، ويستحقّ تاركه الذم .

المندوب: وهو ما يستحقّ فاعله المدح، ولا يستحقّ تاركه الذم .

ب ـ لا يكون له وصف زائد على حسنه وهو :

المباح(4): وهو ما لا مدح فيه على الفعل والترك .

____________

1- انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة ، السيّد المرتضى: ج2، باب: الكلام في الأفعال، ص 563 .

تجريد الاعتقاد ، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، ص 197 .

قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الأوّل ، ص103 .

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل ، ص64 .

كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الاُولى ، ص418 .

2- من قبيل فعل الساهي وفعل النائم .

3- انظر: تكملة شوارق الإلهام، محمّد المحمدي الجيلاني: الفصل الثالث ، المسألة الاُولى ، ص 25 .

4- إنّ "المباح" يكون من أقسام "الحسن" فيما لو عرّفنا "الحسن" بأ نّه ما لا يستحقّ فاعله الذم ، لأنّ المباح أيضاً لا يستحقّ فاعله الذم .


الصفحة 39

ثانياً: القبيح : وهو ما يستحقّ فاعله الذم .

تنبيهان :

1 ـ اختلف علماء الإمامية في أنّ "المكروه" هل هو من أقسام القبيح أو الحسن:

فمن عرّف الحسن بـ "ما لا يستحقّ فاعله الذم" (وفق التعريف الأوّل الذي ذكرناه) اعتبر المكروه من الأمور الحسنة .

ومن عرّف الحسن بـ "ما يستحقّ فاعله المدح" (وفق التعريف الثاني الذي ذكرناه) اعتبر المكروه من الأمور القبيحة(1) .

2 ـ الأصح اعتبار المكروه من الأفعال القبيحة، لترتّب الذم على فعله ، وإن كان هذا الذم أضعف من الذم المتعلّق بالحرام .

____________

1- للمزيد راجع: الكلام المقارن ، علي الرباني الكلبايكاني: الباب السادس ، الفصل الثاني، ص164 .


الصفحة 40

المبحث الثالث

منشأ حسن وقبح الأفعال

تنقسم الأفعال في كيفية اتّصافها بالحسن والقبح على ثلاثة أقسام :

1 ـ يكون الفعل بنفسه علّة تامة للحسن والقبح ، فلا يتغيّر حسنه ولا قبحه بعروض العوارض .

ويشمل هذا الأمر الأفعال التي يدرك العقل ـ عند لحاظها ـ أنّها حسنة أو قبيحة ، بغض النظر عن جميع الجهات الطارئة عليها.

وهذا ما يسمّى بالحسن والقبح الذاتي(1) .

مثال :

العدل والظلم .

فالعدل بما هو عدل لا يكون إلاّ حسناً .

والظلم بما هو ظلم لا يكون إلاّ قبيحاً .

ويستحيل ـ في جميع الأحوال ـ أن يكون العدل قبيحاً والظلم حسناً .

ومثله حسن الإحسان وقبح الإساءة .

2 ـ لا يكون الفعل علّة تامة لحسنه أو قبحه ، بل يكون مقتضياً للاتّصاف بالحسن أو القبح ، بحيث يكون الفعل بنفسه حسناً أو قبيحاً ، ولكن قد يتحوّل حُسن هذا الفعل إلى القبح ، أو يتحوّل قبحه إلى الحسن فيما لو عرض عليه عنوان آخر .

____________

1- انظر: مطارح الأنظار ، الشيخ الأنصاري: 245، نقلا عن المباحث الكلامية في مصنفات الشيخ الأنصاري ، إبراهيم الأنصاري الخوئيني: العدل ، هل الحسن والقبح ذاتيان أم لا ، ص62 .

الالهيات ، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: 1 / 232 ـ 233 .


الصفحة 41

مثال :

إنّ تعظيم الصديق بصورة عامة فعل حسن ، ولكنه قد يصبح قبيحاً فيما لو عرض عليه عنوان آخر ، كما لو أصبح هذا التعظيم سبباً لإيذاء هذا الصديق من قبل الآخرين .

وفي المقابل فإنّ تحقير الصديق بصورة عامة فعل قبيح ، ولكنه قد يصبح حسناً فيما لو عرض عليه عنوان آخر ، كما لو أصبح هذا التحقير سبباً لإنقاذه من أيدي الظالمين، ومثله الصدق والكذب .

3 ـ يكون الفعل لا علّية له ولا اقتضاء في نفسه للاتّصاف بالحسن أو القبح ، وإنّما يتبع الوجوه والجهات الطارئة والعناوين المنطبقة عليه .

مثال :

الضرب ، فإنّه حسن للتأديب وقبيح للإيذاء .


الصفحة 42

المبحث الرابع

إطلاقات الحسن والقبح

الإطلاق الأوّل :

إطلاق "الحسن" على ما هو "كمال" ، وإطلاق "القبيح" على ما هو "نقص"(1) (2).

مثال :

إنّ العلم والشجاعة والكرم من الأُمور الحسنة ، لأ نّها كمال لمن يتّصف بها .

وإنّ الجهل والجبن والبخل من الأُمور القبيحة ، لأ نّها نقصان لمن يتّصف بها .

ملاحظة :

ليس في هذا المعنى من الحسن والقبح خلاف بين العدلية(3) والأشاعرة.

ولا إشكال في أنّ العقل يدرك هذا النمط من الحسن والقبح ، لأنّ هذا الإطلاق من القضايا اليقينية التي لها واقع خارجي يطابقها ، ولا يتعلّق هذا الحسن والقبح بالشرع .

تنبيه :

____________

1- انظر: كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث ، الفصل الأوّل ، ص245، 247 .

قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الأوّل ، ص104 .

النافع يوم الحشر ، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل ، ص64 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص254 .

كتاب المواقف، عضد الدين الإيجي: ج3 ، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص269 .

2- "كمال الشيء: حصول ما فيه الغرض منه" والنقص ما يقابله .

انظر: مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني: مادة (كمل) .

3- العدلية لقب يطلق على الشيعة والمعتزلة، لأنّهم يقولون بالعدل الإلهي .


الصفحة 43

لا يوجد خلاف بين العدلية والأشاعرة في إطلاق الحسن والقبح ـ في بعض الأحيان ـ على ما هو كمال أو نقص ، ولكن الخلاف يكمن في أ نّنا :

عندما نقول: تحصيل الكمال حسن ، فإنّ هذا "الحُسن" هل يعرف عن طريق العقل أو عن طريق الشرع ؟

وعندما نقول الرجوع إلى النقصان قبيح ، فإنّ هذا "القُبح" هل يُعرف عن طريق العقل أو عن طريق الشرع ؟(1)

وسنبيّن توضيح ذلك لاحقاً .

الإطلاق الثاني :

إطلاق "الحسن" على ما يلائم "الطبع" ، وإطلاق "القبيح" على ما "ينافر الطبع" .

ويرجع هذا المعنى من الحسن والقُبح ـ في الواقع ـ إلى معنى اللذة والألم(2).

مثال :

يقال: هذا المنظر حسن ، وهذا الصوت حسن ، لأ نّهما يلائمان الطبع .

ويقال: ذلك المنظر قبيح ، وذلك الصوت قبيح ، لأنّهما ينافران الطبع .

ملاحظة :

ليس في هذا المعنى من الحسن والقبح خلاف بين العدلية والأشاعرة ، لأنّ هذا الإطلاق نابع من أعماق شعور النفس البشرية ، كما أنّ طبائع الناس مختلفة فيما بينها ، وليس في هذا الصعيد ميزان مشخّص لتوحيد الطبائع البشرية .

تنبيه :

قيل: "إنّ الملائمة والمنافرة جهتان تقتضيان الحبّ والبغض والرضا والسخط ، لا

____________

1- انظر: صراط الحقّ ، محمّد آصف المحسني: ج2 ، المقصد الخامس ، ص153 .

2- انظر: مصادر الإطلاق السابق .


الصفحة 44

الحسن والقبح العقليان ، فلا معنى لعدّهما من معاني الحسن والقبح"(1).

الإطلاق الثالث :

إطلاق "الحسن" على ما "يوافق الغرض والمصلحة" ، وإطلاق "القبيح" على "ما يخالف الغرض والمصلحة"(2).

ويعبّر عن هذا الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة ، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح ما فيه مفسدة .

مثال :

إنّ قتل العدو حسن ، لأ نّه موافق لغرض ومصلحة تعود للقاتل ، ولكن قتل هذا الشخص قبيح للمقتول وأهله لمخالفته لغرضهم ومصلحتهم .

ملاحظة :

ليس في هذا المعنى من الحسن والقبح خلاف بين العدلية والأشاعرة، لأنّ هذا الحسن والقبح بإجماع الطرفين أمر يدركه العقل ، كما أنّ الأغراض والمصالح الشخصية لا تصحّح توصيف الفعل بالحسن والقبح دائماً ، وذلك لاختلافها ، فربّ فعل كالقتل حسن عند فرد أو جماعة ، ولكنه قبيح عند الآخرين .

تنبيه :

لا يوجد خلاف بين العدلية والأشاعرة في إطلاق الحسن والقبح ـ أحياناً ـ على ما فيه الصلاح أو الفساد ، ولكن الخلاف يكمن في أنّ العقل هل يتمكّن بنفسه ومن دون الاستعانة بالشرع من معرفة صلاح أو فساد بعض الأفعال ، أم أ نّه غير متمكّن من ذلك أبداً ، ولابدّ من الرجوع في هذه القضية إلى الشرع فقط ؟

____________

1- دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج1، المسألة 3، المبحث 11، المطلب 2، مناقشة المظفر، ص376.

2- انظر: المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثاني ، ص85 .

الالهيات ، محاضرات: جعفر السبحاني ، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: 1 / 233 ـ 234 .

المواقف ، عضد الدين الإيجي: ج3 ، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص269 .


الصفحة 45

الإطلاق الرابع :

إطلاق الحسن في أفعال العباد على ما تعلّق به مدح الشارع .

وإطلاق القبيح في هذه الأفعال على ما تعلّق به ذم الشارع .

وذلك في الموارد التي لا يستطيع العقل فيها الحكم بالحسن والقبح .

وهذا ما يسمّى بالحسن والقبح الشرعي .

مثال :

حسن الصلاة والصوم، وقبح أكل لحم الميتة والربا وفق بيان الشارع .

ملاحظة :

ليس في هذا المعنى من الحسن والقبح خلاف بين العدلية والأشاعرة ، وذلك لعدم وجود شكّ بأنّ العقل البشري غير قادر في هذه الموارد على معرفة الحسن والقبح ، وأنّ السبيل إلى هذه المعرفة هو الشرع فقط(1) .

الإطلاق الخامس :

إطلاق الحسن على ما يستحق فاعله "المدح" عقلا .

وإطلاق القبيح على ما يستحق فاعله "الذم" عقلا .

تنبيهات :

1 ـ إنّ الفعل الحسن بالذات هو الفعل الذي يستحق فاعله المدح عقلا ، سواء كان هذا الفاعل هو اللّه تعالى أو العبد .

2 ـ إنّ الفعل القبيح بالذات هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم عقلا ، فلهذا ينبغي تنزيه اللّه تعالى عن هذا الفعل .

3 ـ إنّ تطبيق هذا الإطلاق على أفعال اللّه تعالى ليس من باب سراية حكم الإنسان على الباري عزّ وجلّ ، بل هو من قبيل استكشاف قاعدة عامة ضرورية

____________

1- انظر: تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل ، مسألة في الحسن والقبح ، ص98 .


الصفحة 46

وبديهية تشمل كلّ فاعل مختار من غير فرق بين الخالق والمخلوق .

4 ـ إنّ هذا الإطلاق للحسن والقبح هو الذي وقع الخلاف فيه بين العدلية والأشاعرة ، وسنبيّن تفصيل ذلك في المبحث القادم .


الصفحة 47

المبحث الخامس

محل الخلاف بين العدلية والأشاعرة

حول حسن وقبح الأفعال

الاختلاف الأوّل :

هل لبعض الأفعال حُسن أو قبح ذاتي ، أم أنّ الحُسن والقبح مجرّد صفات اعتبارية لكلّ الأفعال ، بحيث توجد هذه الصفات عندما يتمّ الاتفاق عليها وتنعدم عندما يزول هذا الاتفاق ؟

رأي الأشاعرة :

إنّ الحسن والقبح مجرّد صفات اعتبارية لجميع الأفعال "لأنّ الأفعال كلّها سواسية ليس شيء منها في نفسه حسناً أو قبيحاً بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه ، ولا ذم فاعله وعقابه ، وإنّما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها"(1).

رأي العدلية :

إنّ من الأفعال ما هي حسنة في ذاتها .

وإنّ من الأفعال ما هي قبيحة في ذاتها .

ويكون الشارع عند تحسينه أو تقبيحه لهذه الأفعال كاشفاً لحسنها أو قبحها لا موجباً وسبباً لها(2).

____________

1- المواقف ، عضد الدين الإيجي: ج3 ، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص270 .

2- سنذكر مصادر هذا الرأي لاحقاً .


الصفحة 48

الاختلاف الثاني :

هل يستطيع العقل من صميم ذاته، ومن دون الرجوع إلى الشرع أن يدرك ويكشف حسن وقبح الأفعال ، أم أ نّه لا يستطيع ذلك إلاّ بمساعدة الشرع ؟

رأي الأشاعرة :

لا يستطيع العقل ذلك أبداً ، "ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها"(1)، وينبغي الرجوع إلى الشرع من أجل معرفة حسن وقبح جميع الأفعال .

رأي العدلية :

دور العقل في إدراك حسن وقبح الأفعال(2) :

أوّلاً: يدرك العقل حسن وقبح بعض الأفعال بالضرورة والبداهة .

مثال :

حسن العدل وشكر المنعم والصدق النافع والتكليف حسب الطاقة .

وقبح الظلم وكفران المنعم والكذب الضار وتكليف ما لا يطاق .

ثانياً: يدرك العقل حسن وقبح بعض الأفعال بالتفكّر والتأمّل .

مثال :

حسن فعل أمر الشرائع وقبح تركها .

ثالثاً: لا يدرك العقل حسن وقبح جملة من الأفعال لا ضرورة ولا بالتفكّر والتأمّل ، فلا يكون للعقل سبيل لمعرفة هذا الحسن والقبح إلاّ عن طريق تحسين وتقبيح الشارع .

____________

1- المواقف ، عضد الدين الإيجي: ج3، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص268 .

2- انظر: قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الثاني، ص 104 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص 255 .


الصفحة 49

مثال :

تحسين الشارع صوم شهر رمضان، وتقبيحه صوم يوم عيد الفطر .

تنبيه :

ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا التحسين والتقبيح من الشارع يدل على وجود جهة محسّنة ومقبّحة في هذه الأفعال ، وقد تكون هذه الجهة غير ذاتية، بل هي مجرّد اختبار لمعرفة مدى امتثال الإنسان لأوامر ونواهي اللّه تعالى .

الاختلاف الثالث :

هل أوامر ونواهي الشرع هي السبب والموجب لحسن وقبح جميع الأفعال ، أم توجد أفعال لها حسن وقبح ذاتي بحيث يكون تحسين وتقبيح الشارع لها وسيلة للكشف عن الحسن والقبح الذي تتصف به بذاتها ؟

رأي الأشاعرة :

"الأمر والنهي عندنا من موجبات الحسن والقبح [ لجميع الأفعال ] بمعنى: أنّ الفعل أُمر به فحَسُن ، ونُهي عنه فقَبُح"(1).

رأي العدلية :

إنّ بعض الأفعال لها حسن وقبح ذاتي، بحيث :

لا يكون أمر الشرع بها ونهيه عنها "موجباً وسبباً" لحسنها وقبحها .

وإنّما يكون أمر الشرع بها ونهيه عنها "كاشفاً ومبيّناً" لحسنها وقبحها الذاتي .

أي: أنّ الفعل حَسَنٌ بذاته ، فلهذا أُمر به ، لا لأنّه أُمر به فأصبح حسناً .

وإنّ الفعل قبيح بذاته ، فلهذا نُهي عنه ، لا لأنّه نُهي عنه فأصبح قبيحاً(2).

مثال :

____________

1- شرح المقاصد ، سعد الدين التفتازاني: ج4 ، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص283 .

2- سنذكر مصادر هذا الرأي لاحقاً .


الصفحة 50

إنّ "العدل" حسن في نفسه ، ولحسنه أمر اللّه تعالى به ، لا أ نّه صار حسناً بعد أن أمر اللّه تعالى به .

وإنّ "الظلم" قبيح في نفسه، ولقبحه نهى اللّه تعالى عنه، لا أ نّه صار قبيحاً بعد أن نهى اللّه تعالى عنه .