المكتبة العقائدية » العـدل عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام) (لـ علاء الحسّون )



الصفحة 51

المبحث السادس

رأي العدلية ( القائلين بالحسن والقبح العقلي )

أقسام الفعل(1) :

القسم الأوّل :

إنّ من الأفعال ما هي حسنة في ذاتها .

وإنّ من الأفعال ما هي قبيحة في ذاتها .

ويكون الشارع عند تحسينه وتقبيحه لهذه الأفعال كاشفاً عن حُسن هذه الأفعال أو قبحها لا موجباً وسبباً لها .

قدرة العقل على معرفة الحسن والقبح الذاتي لهذه الأفعال :

1 ـ يتمكّن العقل ـ في بعض الأحيان ـ من اكتشاف ومعرفة حسن أو قبح هذه الأفعال ، مع غض النظر عن حكم الشارع ، ويكون حكم الشارع في هذه الحالة مجرّد تنبيه ليلتفت الإنسان إلى حكم العقل .

2 ـ لا يتمكّن العقل ـ في بعض الأحيان ـ من اكتشاف ومعرفة حسن أو قبح هذه الأفعال ، وذلك لخفاء ملاكاتها عليه ، فيكشف الشارع له ذلك .

تنبيه :

يعود هذا الخفاء إلى قصور العقل في تلك الحالات عن إدراك المحاسن

____________

1- انظر: الياقوت في علم الكلام ، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت : القول في العدل ، ص45 .

كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث ، الفصل الأوّل ، ص 248 .

مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس ، المبحث الأوّل ، ص229 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص255 .


الصفحة 52

والمصالح الكامنة في تلك الأفعال .

القسم الثاني :

إنّ من الأفعال ما ليس لها حسن أو قبح في ذاتها ، فيقف العقل عند الحكم على حسنها أو قبحها ، ويكون الشارع في هذه الحالة هو المصدر الوحيد لبيان حسن وقبح هذه الأفعال.

مثال :

حسن العمل بالشرايع وقبح تركه، من قبيل: الطهارة والنجاسة والأعمال العبادية .

تنبيه :

إنّ العقل يدرك ـ أحياناً ـ الجهة الداعية لأمر اللّه تعالى والجهة الباعثة على نهيه ، وقد تخفى عليه هذه الجهات غير أنّ العقل يحكم حكم اليقين بأ نّه لو اطّلع على ما خفي عليه لكان حكمه موافقاً تماماً لحكم الشرع .

خلاصة رأي العدلية :

إنّ العقل البشري قادر من صميم ذاته ـ على إدراك "حُسن" أو "قبح" بعض الأفعال من دون الاستعانة بحكم الشرع .

ويكون الشرع عند تحسينه وتقبيحه لهذه الأفعال كاشفاً عما يدرك العقل ومرشداً إليه ، وليس للشرع في هذه الأفعال أن:

يحسّن ما هو قبيح ذاتاً .

أو يقبّح ما هو حسن ذاتاً .

ولهذا فإنّ الشكّ بالنبوّة يؤدّي إلى الشك بقبح أكل أموال الربا دون الشكّ بقبح الظلم .

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):


الصفحة 53

"بالعقل عرف العباد خالقهم ... وعرفوا به الحسن من القبيح"(1).

تنبيهات :

1 ـ إنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليين هو أنّ العقل بنفسه يدرك أنّ بعض الأفعال ـ بنفسها ومن دون لحاظ شيء آخر ـ حسنة أو قبيحة ذاتاً ، بحيث يكون وصف الحسن والقبح ثابتاً وغير متغيّر لهذه الأفعال بصورة مطلقة(2).

مثال :

إنّ العدل حسن ذاتاً .

وإنّ الظلم قبيح ذاتاً .

ولهذا يحكم العقل بتحسين العدل وبتقبيح الظلم من خلال ملاحظة نفس موضوع العدل والظلم ، ومن دون تصوّر كون العدل يشتمل على الصلاح أو أنّ الظلم يشتمل على الفساد .

2 ـ إنّ الإمامية ذهبوا إلى إثبات الحسن والقبح العقليين استلهاماً في بحوثهم العقائدية ـ بعد القرآن الكريم والسنة النبوية ـ من إرشادات أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ، وإنّ المعتزلة تابعت الإمامية في هذه المسألة دون العكس .

ولهذا قال العلاّمة الحلّي :

"ذهبت الإمامية ومن تابعهم من المعتزلة إلى أنّ من الأفعال ما هو معلوم الحسن والقبح بضرورة العقل"(3).

ثمرة رأي العدلية (القائلين بالحسن والقبح العقليّين) :

1 ـ إنّ العدل حسن بما هو عدل .

وإنّ الظلم قبيح بما هو ظلم .

____________

1- الأصول من الكافي ، الشيخ الكليني: ج1 ، كتاب العقل والجهل ، ح35، ص29 .

2- انظر: الإلهيات ، محاضرات: جعفر السبحاني ، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: 1 / 287 .

3- نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة ، المبحث الحادي عشر، المطلب الثاني، ص82 .


الصفحة 54

وإنّ العقل البشري يكشف لنا ذلك من دون اعتماده على النص الشرعي والحكم الديني .

ولهذا يكون العقل المجرّد لوحده دون غيره هو الدال على ثبوت العدل الإلهي واستحالة صدور الظلم منه تعالى .

2 ـ إنّ من النتائج المترتّبة على إدراك العقل للحسن والقبح:

إنّ كلّ ما حكم العقل بحسنه ، فهو محبوب شرعاً .

وإنّ كلّ ما حكم العقل بقبحه ، فهو مذموم شرعاً .

ولهذا اشتهر عند الفقهاء: "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع".


الصفحة 55

المبحث السابع

أدلة ثبوت الحسن والقبح العقليّين

الدليل الأوّل :

يحكم كلّ عاقل ـ على نحو البداهة ـ بحسن بعض الأفعال ذاتاً ولزوم العمل بها ، وقبح البعض الآخر من الأفعال ذاتاً ولزوم الانتهاء عنها .

وإذا بلغ الأمر إلى الضرورة بطل الاستدلال ، ومن طلب الدليل بعد البداهة وقع في الإجحاف، ومن كابر في ذلك فقد كابر مقتضى عقله(1).

مثال :

إنّا نعلم بالضرورة من خيّر شخصاً بين العدل والظلم ، ولم يكن لهذا الشخص علم بموقف الشرائع ، فإنّه سيختار العدل قطعاً، وما ذاك إلاّ لأنّ حسن العدل وقبح الظلم ذاتي وضروري عقلا .

الدليل الثاني :

لو كان الحسن والقبح شرعيين لما حكم بهما من ينكر الشرائع ، ولكننا نرى غير الملتزمين بالدين ـ على اختلاف فصائلهم ـ :

____________

1- انظر: الياقوت في علم الكلام ، أبو اسحاق إبراهيم بن نوبخت: القول في العدل ، ص45 .

المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثاني ، ص 86 .

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الثاني، ص104 .

كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الأُولى ، ص418 .

نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، ص83 .

مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس ، مسألة (195) ، ص230 .

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل ، ص65 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص255 .


الصفحة 56

يصفون بعض الأفعال بالحسن، ويجدون أنفسهم ملزمين بفعلها .

ويصفون بعض الأفعال الأخرى بالقبح، ويعتقدون بأ نّهم ملزمون بتركها .

ويسند هؤلاء تحسينهم وتقبيحهم إلى "العقل" من غير أن يكون "للحكم الشرعي" أي أثر في هذا التحسين والتقبيح والالتزام بالفعل والترك(1).

مثال :

يحسّن هؤلاء العدل وأداء الأمانة والصدق النافع والوفاء بالعهد وجزاء الإحسان بالإحسان ونحوها، ويرون ضرورة الالتزام بهذه الأفعال .

ويقبّح هؤلاء الظلم والخيانة والكذب الضار ونقض العهد وجزاء الإحسان بالإساءة ونحوها، ويرون ضرورة الابتعاد عن هذه الأفعال .

الدليل الثالث :

إنّ الاعتقاد بالتحسين والتقبيح العقلي هو السبيل لإثبات صحة التحسين والتقبيح الشرعي، ولا يمكن إثبات الحسن والقبح مطلقاً من دون الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي .

توضيح ذلك :

إنَّ إنكار تحسين وتقبيح العقل يلزم إنكار تحسين العقل للصدق وتقبيحه للكذب ، فيؤدّي ذلك إلى فقدان الثقة بتحسين وتقبيح الشرع ، وذلك لاحتمال كون الشارع كاذباً في إخباره ، فينتفي الوثوق بالشرع ، وتكون النتيجة عدم الاطمئنان بصحة تحسين وتقبيح الشرع .

وبعبارة أُخرى :

إنّ استقلال العقل في تحسينه للصدق وتقبيحه للكذب هو الذي يدفع الإنسان إلى الوثوق بقول الشرع ، ولولا ذلك يبقى احتمال عدم صدق الشرع في قوله وإخباره ، فينتفي الجزم بصدقه .

____________

1- انظر: المصادر المذكورة في الهامش السابق .


الصفحة 57

توضيح ذلك :

إنّ الكذب ـ حسب قول منكري الحسن والقبح العقلي ـ لا يقبح إلاّ إذا قبّحه الشرع ، فلا يعلم قبح الكذب قبل تقبيح الشرع له ، فلهذا لا يكون للإنسان قبل إيمانه بالشرع دليل على تنزيه الشرع عن الكذب ، فينتفي الجزم بصدق الشرع مطلقاً .

الخلاصة :

إنّ الجزم بعدم كذب الشارع رهن حكم العقل ، وهذا ما يثبت الحسن والقبح العقلي(1).

ولهذا قال العلاّمة الحلّي:

"إنّا لو لم نعلم حسن بعض الأشياء وقبحها عقلا ، لم نحكم بقبح الكذب ، فجاز [ أي: فيؤدّي ذلك إلى جواز ] وقوعه من اللّه ... فإذا أخبرنا [ تعالى ] في شيء أ نّه قبيح لم نجزم بقبحه ، وإذا أخبرنا في شيء أ نّه حسن لم نجزم بحسنه لتجويز الكذب [ فينعدم السبيل لمعرفة ما حسّنه اللّه تعالى وما قبّحه ]"(2) .

الدليل الرابع :

إنّ "المعجزة" هي الوسيلة التي بها يثق الناس بصدق دعوة الأنبياء . ولا يكون هذا الوثوق إلاّ بعد الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي المتمثّل في القاعدة التالية وهي:

إنّ إعطاء اللّه المعجزة للكاذب في دعوة النبوّة قبيح ذاتاً .

ومن هنا نثق بصدق مدّعي النبوّة فيما لو جاء بالمعجزة ، لأ نّنا نؤمن بأنّ "إعطاء اللّه تعالى هذه المعجزة للكاذب في دعوة النبوّة" قبيح ذاتاً، واللّه تعالى لا يفعل القبيح . وإنّما "الحسن" إعطاء المعجزة للصادق في دعوة النبوّة .

____________

1- انظر: المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الثاني ، البحث الثاني ، ص86 ـ 87 .

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث، المسألة الأُولى ، ص418 .

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس ، المبحث الأوّل ، ص231 .

النافع يوم الحشر ، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل ، ص65 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص256 .

2- كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الأُولى ، ص418 .


الصفحة 58

ولكن إذا أنكر الإنسان الحسن والقبح الذاتي، فإنّه لا يصل أبداً إلى مرحلة اليقين بصدق من يدّعي النبوّة ويقدّم المعجزة لإثبات مدعاه، لأ نّه يبقى دائماً في حالة شكّ بأنّ هذا الذي يمتلك المعجزة قد يكون كاذباً في دعوته للنبوّة ، وإنّما أعطاه اللّه المعجزة عبثاً ، لأ نّه تعالى يفعل ما يشاء !

فتنسد بذلك أبواب معرفة النبي الصادق وتمييزه عن الكاذب(1) .

بعبارة أخرى :

لو كان "الحسن" ما حسّنه الشرع ، و"القبيح" ما قبّحه الشرع، لما قبح من اللّه تعالى أي شيء ، حتّى لو كان ذلك إظهاره المعجزات على أيدي الكاذبين .

فينتفي بذلك إمكانية تصديق دعوى الأنبياء .

وهذه النتيجة باطلة .

لأ نّها تؤدّي إلى:

1 ـ غلق باب معرفة الأنبياء الصادقين .

2 ـ منح الكفّار العذر في إنكارهم لنبوّة الأنبياء .

ولهذا لا يوجد سبيل سوى الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي .

الدليل الخامس :

لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لم يكن للأنبياء أي دليل لإثبات لزوم توجّه الناس إلى البحث والنظر ، ووجوب تعرّف الخلق على اللّه تعالى، وضرورة اتّباع الناس لهم .

توضيح ذلك :

إذا طلب النبي من أحد الأشخاص البحث والتعرّف على اللّه واتّباع سبيله .

فسيقول هذا الشخص للنبي: لماذا أبحث ولماذا أُتعب نفسي من أجل التعرّف

____________

1- انظر: غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج2، باب الكلام في العدل ، ص71 ـ 72 .

كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث ، الفصل الأوّل ، ص248 .

نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر ، المطلب الثاني، ص84 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص256 .


الصفحة 59

على اللّه ، وما هو الدليل الذي يلزمني اتّباع سبيلك ؟

فإذا كان دليل ذلك هو أنّ البحث وطلب المعرفة واتّباع الرسل أُمور يحكم بها العقل لأ نّها أُمور حسنة ، وينهى عن تركها لأنّ تركها قبيح ، فأنا لا أعتقد بالحسن والقبح العقلي .

وإذا كان دليل ذلك هو الشرع ، فأنا لا أثق بالشرع، لأ نّه من قولك ، وقولك لم يثبت عندي أ نّه حجّة ، لأ نّني لم أُؤمن بك لحدّ الآن، فلا يجب عليّ اتّباعك .

وبذلك لا تتمّ الحجّة على هذا الشخص ، فيلزم الاعتقاد بوجوب الحسن والقبح العقلي .

النتيجة :

إنّ وجوب التوجّه إلى البحث والنظر ، ووجوب التعرّف على اللّه تعالى ، ووجوب اتّباع النبي أُمور "عقلية" لا "شرعية"(1).

الدليل السادس :

لو كان الحسن ما حسّنه اللّه تعالى .

ولو كان القبيح ما قبّحه اللّه تعالى .

لم يكن فرق بين :

العدل والظلم .

فيجوز ـ في هذه الحالة ـ أن يظلم اللّه تعالى العباد .

لأنّ الظلم غير قبيح ذاتاً ، بل:

يكون الظلم حسناً فيما لو أمر اللّه تعالى به .

ويكون الظلم قبيحاً فيما لو نهى اللّه تعالى عنه .

____________

1- انظر: كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث ، الفصل الأوّل ، ص249 .

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة ، المبحث الحادي عشر ، المطلب الثاني ، ص84 .

الرسالة السعدية ، العلاّمة الحلّي: القسم الأوّل ، المسألة السادسة، البحث الأوّل ، ص55 .


الصفحة 60

وهذا باطل بالضرورة(1).

بعبارة أُخرى :

لو كان الحسن ما حسّنه اللّه تعالى فقط .

ولو كان القبيح ما قبّحه اللّه تعالى فقط .

لم يقبح من اللّه شيء .

وتكون النتيجة :

إنّ كلّ ما يفعله اللّه تعالى حسن ولو كان ذلك ظلماً .

ولكن اللّه تعالى منزّه من الظلم .

الدليل السابع :

لو كان الحُسن والقبح مستنداً إلى الشرع فقط ، لم يكن فرق بين :

ما عُلم قبحه من الشرع .

وما عُلم قبحه من العقل .

ولكننا نجد :

إنّ الشخص الذي يشكّ بالشرع فهو بالطبع :

يشكّ في قبح ما علم قبحه من الشرع كقبح أكل لحم الميتة .

ولا يشكّ في قبح ما علم قبحه من العقل كقبح الظلم والخيانة(2).

____________

1- انظر: كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل ، ص249 .

نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر ، المطلب الثاني ، ص84 .

2- انظر: الياقوت في علم الكلام ، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت: القول في العدل ، ص45 .

إشراق اللاهوت ، عميد الدين العبيدلي: المقصد السابع، المسألة الأُولى ، ص 307 .


الصفحة 61

المبحث الثامن

إثبات الحسن والقبح العقليّين في القرآن الكريم

توجد آيات قرآنية تدل بظاهرها على أنّ العقل البشري قادر بذاته على إدراك حسن وقبح بعض الأفعال ، ومن هذه الآيات :

1 ـ { وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف: 28 ]

وجه الدلالة :

تبيّن هذه الآية بأنّ الكفار كانوا يفعلون القبائح مع اعترافهم بقبحها ، ولكنهم يعتذرون عن ذلك بأنّ اللّه تعالى أمرهم بها، فأبطل اللّه تعالى مقالتهم، وبيّن في هذه الآية بأ نّه تعالى لا يأمر بالفحشاء .

تنبيه :

إنّ ظاهر قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ } هو أنّ اللّه تعالى ينهى عن الفحشاء ، لأنّ الفحشاء قبيحة في نفسها ، لا أنّ الفحشاء تكون قبيحة بعد نهي اللّه تعالى عنها(1).

2 ـ { قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ } [ الأعراف: 33 ]

وجه الدلالة :

تبيّن هذه الآية بأنّ الشريعة تحرّم ما يكون قبيحاً في نفسه .

والفاحشة: "هي الفعلة أو الخصلة التي فحش قبحها في الفطر السليمة والعقول

____________

1- انظر: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج8 ، تفسير آية 10 ـ 25 من سورة الأعراف ، ص59 .


الصفحة 62

الراجحة التي تميّز بين الحسن والقبيح والضار والنافع"(1).

تنبيه :

لو كان القبيح ما نهى عنه الشارع فقط ـ كما ذهبت إليه الأشاعرة ـ :

فسيكون معنى قوله تعالى { قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ } : "قل إنّما حرّم ربي ما حرّم" !

وهذا المعنى بعيد عن الفصاحة والبلاغة .

3 ـ { أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } [ الأعراف: 29 ]

وجه الدلالة :

إنّ هذه الآية تشبه الآية السابقة في وجه الدلالة .

أي: لو كان القسط عبارة عما أمر به الشارع فقط ـ كما ذهبت إليه الأشاعرة ـ :

فسيكون معنى هذه الآية: "أمر ربي ما أمر به" !

وهذا المعنى بعيد عن الفصاحة والبلاغة .

فنستنتج بأنّ "القسط" حسن بذاته، ولهذا أمر اللّه تعالى به ، وليس "القسط" حسنٌ لأنّ اللّه تعالى أمر به .

4 ـ { وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [} لقمان: 13 ]

وجه الدلالة :

إنّ تعليل قبح الشرك بأ نّه ظلم عظيم يدل على أنّ قبح هذا الفعل تابع لملاك عقلي وهو قبح الظلم .

فالشرك قبيح، لأ نّه ظلم .

والظلم قبيح، لأ نّه قبيح بذاته، وما هو قبيح بذاته لا يعلّل قبحه بعنوان آخر .

5 ـ { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي

____________

1- تفسير المنار، محمّد رشيد رضا : ج8 ، تفسير آية 33 من سورة الأعراف ، ص349 .


الصفحة 63

التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ } [ الأعراف: 157 ]

وجه الدلالة :

إنّ "المعروف" هو ما تَعرف العقول السليمة حُسنه ، وترتاح له القلوب الطاهرة لموافقته للفطرة الإنسانية .

وإنّ "المنكر" هو ما تَعرف العقول السليمة قُبحه ، وتشمَئزّ منه القلوب الطاهرة لمنافرته للفطرة الإنسانية .

وأمّا تفسير "المعروف" بما أمرت به الشريعة .

وتفسير "المنكر" بما نهت عنه الشريعة .

فهو من قبيل تفسير الماء بالماء !(1)

وإذا كان "المعروف" هو ما أمرت به الشريعة ، فسيكون معنى: { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } أي: يأمرهم بما أمرهم به ! وهذا المعنى غير صحيح .

وإذا كان "المنكر" هو ما نهت عنه الشريعة ، فسيكون معنى: { وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ } أي: ينهاهم عما نهاهم عنه ! وهذا المعنى غير صحيح .

فيثبت وجود ما هو حسن وقبيح قبل أمر الشارع ونهيه .

6 ـ { أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ } [ المؤمنون: 115 ]

وجه الدلالة :

إنّ هذه الآية تحتجّ على منكري القيامة ، وتبيّن لهم بأنّ إنكار القيامة يلزم كونه تعالى عابثاً في خلقه للإنسان .

ولا يتم هذا الاحتجاج إلاّ إذا كان العبث قبيحاً عندهم ، وكونه تعالى منزّهاً عن فعل القبيح .

____________

1- تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار، محمّد رشيد رضا: ج9 ، تفسير آية 157 من سورة الأعراف ، ص193 (بتصرّف) .


الصفحة 64

وبما أنّ هؤلاء المنكرين لم يكونوا من المؤمنين بالرسالة ، فيكشف اعترافهم بقبح العبث أنّ هذا التقبيح نابع من عقولهم .

7 ـ { هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاَّ الإِحْسانُ } [ الرحمن: 60 ]

وجه الدلالة :

يفيد الاستفهام الاستنكاري في هذه الآية "التأكيد".

ويفيد سياق النفي والاستثناء في هذه الآية "الحصر".

وعليه فالآية تنص على أصل كلّي ثابت في العقول وهو: "حسن جزاء الإحسان بالإحسان" و "قبح جزاء الإحسان بالإساءة" .

8 ـ { أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ القلم: 35 ـ 36 ]

وجه الدلالة :

تفيد هذه الآية قاعدة عقلية ثابتة، وهي حسن التفريق بين المحسن والمسيء وقبح التساوي بينهما .

وقد ترك اللّه تعالى في هاتين الآيتين القضاء والحكم إلى "العقل"، وهذا ما يدل على قدرة "العقل" على التمييز بين الحسن والقبح في هذه القضايا .

9 ـ { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ } [ ص : 28 ]

وجه الدلالة :

يشبه وجه الدلالة في هذه الآية ما ذكرناه في وجه دلالة الآية السابقة .

10 ـ { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ ... وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ... }[ النحل: 90 ]

وجه الدلالة :

تبيّن هذه الآية وجود أُمور توصف بالعدل والإحسان والفحشاء والمنكر قبل


الصفحة 65

تعلّق الأمر والنهي الشرعي بها .

وتفيد هذه الآية بأنّ الإنسان يجد من صميم ذاته ومن دون استعانته بالشرع اتّصاف بعض الأفعال بهذه الأوصاف ، بحيث لا يكون دور الشرع في هذه الحالة سوى تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح .


الصفحة 66

المبحث التاسع

رأي الأشاعرة حول حسن وقبح الأفعال

أوّلا :

رأي الأشاعرة حول الحسن والقبح الذاتي للأفعال :

1 ـ إنّ الحسن والقبح صفات اعتبارية لجميع الأفعال "لأنّ الأفعال كلّها سواسية ، ليس شيء منها في نفسه [ حسن أو قبيح ] بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه ، ولا ذم فاعله وعقابه ، وإنّما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها"(1) .

2 ـ "لا حسن ولا قبح للأفعال قبل ورود الشرع"(2) .

3 ـ "ولو عكس الشارع القضية فحسّن ما قبّحه ، وقبّح ما حسّنه لم يكن ممتنعاً"(3) .

4 ـ لا يوجد أيُّ حسن أو قبح ذاتي للأفعال، بل "إنّ الفعل أُمر به فَحسُن، ونُهي عنه فقَبُح"(4) .

5 ـ "ما ورد الأمر به فهو حسن ، وما ورد النهي عنه فقبيح، من غير أن يكون للعقل جهة محسّنة أو مقبّحة في ذاته"(5).

6 ـ "فإن قال: فإنّما يقبح الكذب لأ نّه قبّحه [ الشرع ] ، قيل له: أجل ولو حسّنه

____________

1- المواقف، عضد الدين الإيجي: ج3 ، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص270 .

2- المصدر السابق: ص268 .

3- المصدر السابق .

4- شرح المقاصد، سعدالدين التفتازاني: ج4، المقصد 5، الفصل 5، المبحث 3، ص283.

5- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4، المقصد 5، الفصل 5، المبحث 3، ص282 .


الصفحة 67

لكان حسناً ، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض"(1).

ثانياً :

رأي الأشاعرة حول دور العقل في إدراكه وكشفه لحسن وقبح الأفعال من دون الاستعانة بالشرع:

1 ـ لا يستطيع العقل أن يدرك أو يكشف حسن وقبح الأفعال في جميع الأحوال "ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها"(2)، وينبغي الرجوع إلى الشرع من أجل معرفة حسن وقبح جميع الأفعال .

2 ـ "إنّ العقل لا يحكم [ ولا يمكنه العلم ] بأنّ الفعل [ الفلاني ] حسن أو قبيح في حكم اللّه تعالى"(3).

____________

1- اللمع ، أبو الحسن الأشعري: الباب السابع ، ص116 .

2- المواقف، عضد الدين الإيجي : ج3، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص268 .

3- شرح المقاصد ، سعد الدين التفتازاني، ج4 ، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3، ص282 .


الصفحة 68

المبحث العاشر

أدلّة الأشاعرة على إنكار

الحسن والقبح العقليّين ومناقشتها

الدليل الأوّل :

لو كان العقل هو الذي يحكم بحسن وقبح بعض الأفعال ، لما حصل تفاوت:

بين حكم العقل في مجال التحسين والتقبيح .

وبين حكم العقل بأنّ الواحد نصف الاثنين .

ولكن وقع الخلاف ، وهذا ما يدل على نفي كون التحسين والتقبيح عقليين(1) .

يرد عليه :

إنّ هذا الاستدلال مبني على أصل خاطئ وهو عدم وجود التفاوت في حكم العقل ، في حين ينقسم حكم العقل إلى عدّة أقسام تتفاوت فيما بينها(2) .

ولا يصح القول بأنّ اختلاف العقلاء وتفاوتهم في الحكم بحسن أو قبح شيء، يؤدّي إلى إخراج هذا الحكم عن كونه حكماً عقلياً .

بعبارة أُخرى :

إنّ أحكام العقل تنقسم تبعاً لأقسام العلوم اليقينية إلى عدّة أقسام .

وإنّ هذه الأحكام العقلية المتعدّدة ليست على نمط واحد، بل لها مراتب

____________

1 و 2) انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الأُولى ، ص419 .

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: احتجاج الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقلي ، ص259 .


الصفحة 69

ودرجات بحيث تكون بعض أحكام العقل أوضح وأكثر بداهة من البعض الآخر(1) .

أقسام العلوم اليقينية(2) :

1 ـ الأوّليّات: وهي ما يحكم بها العقل من دون توسّط شيء آخر معها.

المثال: حكم العقل بأنّ الواحد نصف الاثنين .

2 ـ المشاهدات: وهي ما يحكم بها العقل بواسطة الحسّ .

المثال: حكم العقل بوجود "زيد" في المسجد بعد رؤيته فيه .

3 ـ التجربيات: وهي التي يكون مبدأ الحكم بها التجربة التي يزول معها الشكّ .

المثال: حكم العقل بوجود جاذبة في الأرض .

4 ـ الحدسيات: وهي التي يكون مبدأ الحكم بها حدس في النفس يزول معه الشكّ .

المثال: حكم العقل بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس .

5 ـ المتواترات: وهي التي تسكن إليها النفس سكوناً يزول معه الشكّ ويحصل الجزم القاطع بواسطة إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب .

المثال: حكم العقل بوجود بلدة تسمى الهند .

مراتب العلوم اليقينية(3) :

إنّ "الأوّليّات" أكثر بداهة من "المشاهدات" .

وإنّ "المشاهدات" أكثر بداهة من "التجربيات" .

وإنّ "التجربيات" أكثر بداهة من "الحدسيات" .

وإنّ "الحدسيات" أكثر بداهة من "المتواترات" .

____________

1- انظر: قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل ، البحث الثاني، ص105 .

مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج السادس ، ص233 .

2- المنطق ، محمّد رضا المظفر: الجزء الثالث ، الباب السادس: الصناعات الخمس، ص314 ـ 323 .

3- انظر: الفوائد البهية ، محمّد حمود العاملي: ج1 ، الفصل الأوّل ، الباب الرابع ، ص283 .


الصفحة 70

ردّ الفلاسفة على دليل الأشاعرة(1) :

إنّ الأشاعرة قاسوا مسألة الحسن والقبح مع مسألة أنّ الواحد نصف الاثنين .

وهذا قياس مع الفارق لأنّ :

الحاكم في قضية "الحسن والقبح" هو "العقل العملي" .

والحاكم في قضية "الواحد نصف الاثنين" هو "العقل النظري" .

الفرق بين العقل النظري والعقل العملي(2) :

إنّ الفرق بينهما يعود إلى تفاوت المدركات .

فإذا كانت المدركات من الأُمور النظرية التي لا صلة لها بالعمل والفعل ، سُمّي العقل عقلا نظرياً .

وإذا كانت المدركات من الأُمور العملية التي "ينبغي" أو "لا ينبغي" أن تفعل ، سُمّي العقل عقلا عملياً .

الدليل الثاني للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين :

لو كان الحسن والقبح ذاتيين :

لما جاز أن ينقلب الحسن قبيحاً .

ولما جاز أن ينقلب القبيح حسناً .

لكنه ينقلب .

وهذا ما يدل على عدم كون الحسن والقبح ذاتيين(3) .

مثال :

إنّ الكذب ـ كفعل قبيح عقلا ـ قد يحسن فيما لو اشتمل على مصلحة عامة من قبيل إنقاذ نبي من يد ظالم .

وإنّ الصدق ـ كفعل حسن عقلا ـ قد يقبح فيما لو اشتمل على مفسدة عامة من قبيل هلاك نبي على يد ظالم(4) .

____________

1- انظر: قواعد العقائد، نصير الدين الطوسي: الباب الثالث ، ص63 .

2- انظر: الفوائد البهية ، محمّد حمود العاملي: ج1، الفصل الأوّل ، الباب الرابع ، ص282 ـ 284 .

3 و 4) انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص 284 .

المواقف ، عضد الدين الإيجي: ج3، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص275 .


الصفحة 71

النتيجة :

لو كان حسن الصدق وقبح الكذب ذاتياً لما زال هذا الحسن والقبح ، ولما حسن الكذب وقبح الصدق أبداً .

يرد عليه :

الرأي الأوّل :

إنّ الكذب ـ في الصورتين المذكورتين ـ باق على قبحه .

وإنّ الصدق ـ في الصورتين المذكورتين ـ باق على حسنه .

إلاّ أنّ إنقاذ النبي أرجح من الصدق .

وإنّ ترك إنقاذ النبي أقبح من الكذب .

فيحكم العقل بارتكاب أقل القبيحين ـ وهو الكذب ـ تخلّصاً من ارتكاب الأقبح وهو هلاك النبي(1).

بعبارة أُخرى :

ألف ـ إنّ قبح الكذب لا يزول أبداً .

وإنّ القول بحسن الكذب عند اشتماله على مصلحة عامة ليس لكونه كذباً ، بل لاشتماله على المصلحة العامة، فيكون الحُسن للمصلحة العامة لا للكذب.

ب ـ إنّ حسن الصدق لا يزول أبداً .

وإنّ القول بقبح الصدق عند اشتماله على مفسدة عامة ليس لكونه صدقاً ، بل لاشتماله على المفسدة العامة ، فيكون القبح للمفسدة العامة لا للصدق .

____________

1- انظر: كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث، المسألة الأُولى ، ص419 ـ 420 .

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: احتجاج الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقلي، ص259 ـ 260 .


الصفحة 72

النتيجة :

لا ينقلب الحسن قبيحاً، ولا ينقلب القبيح حسناً في هذا المقام .

بل "الحسن" باق على حسنه، و"القبيح" باق على قبحه .

ولهذا لا يدل مثال الأشاعرة على عدم كون الحسن والقبح ذاتيين .

الرأي الثاني :

إنّ هذا الاستدلال مبني على اعتبار قبح الكذب وحسن الصدق كقبح الظلم وحسن العدل ذاتيّان لا يتغيّران .

ولكن قبح الكذب وحسن الصدق ـ في الواقع ـ ليسا ذاتيين، بل هما من الأُمور التي تتغيّر بتغيّر العوارض التي تطرأ عليها ..(1) .

بعبارة أُخرى :

إنّ "الحُسن" و "القُبح" ليسا ذاتيين لعنواني "الصدق" و"الكذب".

لأنّ "الصدق" و"الكذب" من الأُمور التي يختلف حسنها وقبحها بالوجوه والاعتبارات .

فلا يوصف "الصدق" و "الكذب" بالحسن والقبح إلاّ بتوسيط عنوان آخر بحيث يكون الحسن أو القبح ذاتيّاً لهذا العنوان(2) وعرضيّاً لعنوان الصدق والكذب .

توضيح ذلك :

1 ـ إنّ ما يحكم به العقل هو "حسن الصدق النافع" و"قبح الكذب الضار" فقط ، وأمّا الصدق والكذب المذكوران في مثال الأشاعرة خارجان عن البحث .

2 ـ إنّ عنوان الكذب ليس علّة تامة للقبح، بل مقتضياً له .

وإنّ وصف الكذب بالقبح مشروط بأن لا يطرء عليه عنوان آخر أقبح منه كهلاك النبي ونحوه .

____________

1- انظر: بداية المعارف الإلهية، محسن الخرازي: ج1، عقيدتنا بالعدل ، ص108 .

2- من أمثلة العناوين التي تمتلك الحسن والقبح الذاتي: "العدل" و"الظلم" .


الصفحة 73

الدليل الثالث للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين :

لو كان الحُسن والقبح ذاتيين لزم اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد وهو قول القائل: "لأكذبن غداً" لأنّ هذا القائل :

ألف ـ إذا وفى بوعده غداً وكذب ، فسيكون فاعلا ـ في نفس الوقت ـ للفعل :

1 ـ الحسن ، وهو الوفاء بالوعد .

2 ـ القبيح ، وهو الكذب .

ب ـ إذا أخلف بوعده غداً وترك الكذب، فسيكون فاعلا ـ في نفس الوقت ـ للفعل:

1 ـ الحسن ، وهو ترك الكذب .

2 ـ القبيح ، وهو خلف الوعد .

فيكون هذا القول متضمّناً للحسن والقبح في آن واحد .

وهذا ما يدل على أنّ الحسن والقبح أمران اعتباريان وغير ذاتيين ، لأ نّهما لو كانا ذاتيين لما اجتمعا في شيء واحد(1).

يرد عليه :

الرأي الأوّل :

إنّ اجتماع الحسن والقبيح في الشيء الواحد لا يدل على كون الحسن والقبح غير ذاتيين إلاّ إذا كان هذا الاجتماع من جهة واحدة .

ولكن اجتماع الحسن والقبح في قول القائل: "لأكذبنّ غداً" ليس من جهة واحدة ليثبت به مدّعى الأشاعرة ، بل هو من جهتين ، فلا يثبت به نفي ذاتية الحسن والقبح .

____________

1- انظر : شرح المقاصد ، سعد الدين التفتازاني : ج4 ، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص 284 .

المواقف، عضد الدين الإيجي ، شرح: ج3، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص 275 ـ 276 .


الصفحة 74

توضيح ذلك :

إنّ عدم عمل هذا الشخص بقوله "لأكذبن غداً" يشتمل على جهتين:

1 ـ حسن ، من حيث إنّه ترك الكذب .

2 ـ قبيح ، من حيث إنّه أخلف الوعد .

وإنّ عمل هذا الشخص بقوله "لأكذبن غداً" يشتمل على جهتين:

1 ـ حسن ، من حيث إنّه وفى بوعده .

2 ـ قبيح ، من حيث إنّه كذب .

فالحسن والقبح ـ في هذا المقام ـ يختلفان من ناحية الجهة .

ولهذا لا يكون وصف الحسن والقبح ـ هنا ـ للشيء الواحد من جهة واحدة، ليستلزم القول بأنّ الحسن والقبح أمران اعتباريان وغير ذاتيين(1).

الموقف الصحيح :

إنّ هذا الشخص يجب عليه ـ بحكم العقل ـ ترك الكذب غداً، لأ نّه :

1 ـ إذا كذب غداً ، فقد فعل فعلين قبيحين وفعل حسناً واحداً :

الفعل القبيح الأوّل: العزم على الكذب .

الفعل القبيح الثاني: الكذب .

الفعل الحسن: الوفاء بالوعد .

2 ـ إذا ترك الكذب غداً ، فقد فعل فعلين حسنين وفعل قبيحاً واحداً:

الفعل الحسن الأوّل: ترك العزم على الكذب .

الفعل الحسن الثاني: ترك الكذب .

الفعل القبيح: خلف الوعد .

ويحكم العقل ـ في هذه الحالة ـ باجتناب أكثر هذين الموردين قبحاً، فيتعيّن على هذا الشخص القائل: "لأكذبن غداً" أن يترك الكذب غداً ، لأنّ ذلك أقل قبحاً

____________

1- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: احتجاج الأشاعرة على نفي الحسن والقبح، ص260 .


الصفحة 75

من المورد الآخر(1).

النتيجة :

لا يكون اجتماع الحسن والقبح ـ في هذا المقام ـ من جهة واحدة ليستلزم الدلالة على أنّ الحسن والقبح غير ذاتيين، بل هو اجتماع من عدّة جهات وعدّة حيثيّات .

ويكون حكم العقل ـ في مثل هذه الموارد ـ لزوم اجتناب أكثر الموارد قبحاً .

الرأي الثاني :

لا يستلزم قول: "لأكذبن غداً" اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد ، بل هو كلام قبيح مطلقاً ، وينبغي لقائله أن يترك الكذب غداً .

وأمّا مسألة خلف الوعد :

فليس الوفاء بالوعد ـ في هذا المقام ـ حسناً ليكون تركه قبيحاً .

لأنّ الحسن إنّما يحسن فيمالو لم يستلزم القبيح .

وإنّ الوفاء بالوعد ـ هنا ـ يستلزم القبيح (وهو الكذب) ، فيكون قبيحاً وينبغي الاجتناب عنه .

تنبيه :

إنّ استدلال الأشاعرة في هذا المقام مبني ـ كاستدلالهم السابق ـ على كون:

حسن "الصدق" وحسن "الوفاء بالوعد" مثل حسن "العدل" .

وقبح "الكذب" وقبح "خلف الوعد" مثل قبح "الظلم" .

ولكن هذين الحسنين والقبيحين يختلفان .

لأنّ حسن "العدل" وقبح "الظلم" يجب الالتزام بهما دائماً .

ولكن حسن وقبح الموارد المذكورة في هذا الاستدلال لا يجب الالتزام بهما فيما لو تعارضا مع حسن وقبح النوع الأوّل (أي: إذا تعارضا مع العدل والظلم) .

توضيح :

____________

1- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس ، المبحث الأوّل ، ص234 .


الصفحة 76

إنّ "العدل" حسن دائماً ، ولهذا ينبغي الالتزام به في جميع الأحوال .

وإنّ "الظلم" قبيح دائماً ، ولهذا ينبغي الاجتناب عنه في جميع الأحوال .

وأمّا "الصدق" فهو "حسن" ، ولكنه إذا أدّى إلى الظلم فيجب الاجتناب عنه .

وأيضاً "الكذب" فهو "قبيح" ، ولكن إذا استوجبه العدل فيجب العمل به .

الدليل الرابع للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين :

لو كان حُسن بعض الأفعال وقبحها ثابتاً بالعقل قبل الشرع لزم القول:

باستحقاق العقاب لتارك ما يستوجبه العقل .

واستحقاق العقاب لمرتكب ما يستقبحه العقل .

ولكن اللّه تعالى نفى استحقاق العقاب والتعذيب قبل بعثه للرسل بقوله تعالى(1):

الآية الأُولى :

{ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء: 15 ]

الرد على تفسير الأشاعرة :

1 ـ يدل ظاهر سياق هذه الآية على أنّ المراد من التعذيب في هذه الآية هو التعذيب الدنيوي المتمثّل بعذاب الاستئصال ، وليس المقصود منه العذاب الأُخروي(2).

2 ـ إنّ هذه الآية لا تدل على نفي حجية تحسين وتقبيح العقل ، بل تكشف عن امتنان من اللّه تعالى على العباد واقتضاء العناية الإلهية أن لا يعذّب قوماً (سواء كان هذا العذاب من نوع العذاب الاستئصالي أو العذاب الأخروي) إلاّ بعد أن يبعث إليهم رسولا يؤكّد عليهم الحجّة إضافة إلى الحجّة العقلية التي تمّت عليهم قبل مجيء الشرع (3) .

____________

1- انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4 ، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص284 .

2- للمزيد راجع: الميزان ، العلاّمة الطباطبائي: ج13، تفسير آية 15 من سورة الإسراء، ص57 ـ 58 .

3- انظر: المصدر السابق .


الصفحة 77

الآية الثانية :

{ وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً } [ القصص: 59 ]

الردّ على تفسير الأشاعرة :

إنّ هذه الآية أيضاً ـ كالآية السابقة ـ يدل سياقها على بيان السنّة الإلهية في عذاب الاستئصال. وقد بيّنت هذه الآية بأنّ عذاب الاستئصال لا يقع امتناناً منه تعالى إلاّ بعد تأكيد الحجّة على أهل القرى بإرسال الرسل .

الآية الثالثة :

{ رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ }[ النساء: 165 ]

الردّ على تفسير الأشاعرة :

1 ـ لا تدل هذه الآية على نفي حجية تحسين وتقبيح العقل ، بل تدل على أنّ في إرسال الرسل "إتماماً لالزام الحجّة لئلا يقول الناس [ للّه تعالى ]: لولا أرسلت إلينا رسولا يوصل إلى المحجّة وينبّه على الحجّة ويوقظ من سنة الغفلة"(1).

2 ـ إنّ الاعتقاد بالرسول لا يتم إلاّ عن طريق العقل ، لأنّ صدق الرسول لا يمكن الاعتقاد به إلاّ عن طريق حكم العقل .

بعبارة أُخرى :

لو كانت الحجّة الإلهية لا تتم إلاّ بالرسول لاحتاج هذا الرسول لإثبات لزوم اتّباعه إلى رسول آخر، والكلام في رسوله كالكلام فيه حتّى يتسلسل وهو باطل . ولهذا لا سبيل لإثبات لزوم اتّباع الرسول الإلهي إلاّ عن طريق حجية العقل(2) .

ولهذا قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

____________

1- تفسير جوامع الجامع ، الشيخ الطبرسي: ج1 ، تفسير آية 165 من سورة النساء ، ص462 .

2- انظر مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج3 ، تفسير آية 165 من سورة النساء، ص218 .


الصفحة 78

"حجّة اللّه على العباد النبي، والحجّة فيما بين العباد وبين اللّه العقل"(1).

وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام):

"إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة(عليهم السلام) ، وأمّا الباطنة فالعقول"(2).

الدليل الخامس للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين :

1 ـ لو كان "الحُسن" أمراً ذاتياً لبعض الأفعال ، وهو الداعي للعمل بها:

فسيكون الداعي (وهو "حُسن" الفعل) سابقاً على "الفعل".

أي: يكون المعدوم (وهو "الحُسن" الذي سيحقّقه هذا الفعل) هو الذي يدفع الإنسان إلى تحقّق هذا الفعل .

فيلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم وهو باطل، فيثبت بطلان كون "الحسن" أمراً ذاتياً للفعل(3) .

2 ـ لو كان "القبح" أمراً ذاتياً لبعض الأفعال ، وهو الصارف عن العمل بها :

فسيكون الصارف (وهو "قبح" الفعل) سابقاً على "الفعل" .

أي: يكون المعدوم (وهو "القبح" الذي سيحقّقه هذا الفعل) هو الذي يردع الإنسان عن تحقّق هذا الفعل .

فيلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم وهو باطل ، فيثبت بطلان كون "القبح" أمراً ذاتياً للفعل(4) .

يرد عليه :

1 ـ ليس "الداعي" ـ في هذه الحالة ـ هو "الحُسن" بنفسه ليقال: يلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم ، بل :

____________

1- الأصول من الكافي، الشيخ الكليني: ج1، كتاب العقل والجهل، ج22 ص25 .

2- المصدر السابق: ح12، ص16 .

3- انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4 ، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص289 .

4- انظر: المصدر السابق .


الصفحة 79

إنّ "الداعي" هو علم الشخص بأ نّه إذا فعل هذا الفعل فإنّه سيفعل ما هو "حسن" ، وسيستحق بذلك "المدح"، وهذا "العلم" أمر وجودي .

2 ـ ليس "الصارف" ـ في هذه الحالة ـ هو "القبح" بنفسه ليقال: يلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم ، بل:

إنّ "الصارف" هو علم الشخص بأ نّه إذا فعل هذا الفعل فإنّه سيفعل ما هو "قبيح" ، وسيستحق بذلك "الذم"، وهذا "العلم" أمر وجودي(1).

الدليل السادس للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقلي :

"إنّ الذي عقلناه من معنى الحسن ، ما يكون نفعاً أو مؤدّياً إليه .

والذي عقلناه من معنى القبح ما يكون ضرراً أو مؤدياً إليه .

والرغبة في المنفعة ، والرهبة عن المضرّة إنّما يعقل حصولهما في حقّ من يصح عليه النفع والضرر .

ولمّا كان ذلك في حقّ اللّه تعالى محالا ، كان القول بثبوت الحسن والقبح في حقّ اللّه محالا"(2).

يرد عليه :

لا يعني حسن وقبح أفعال اللّه تعالى حصول المنفعة والمضرّة له تعالى ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ منزّه عن ذلك ، وإنّما المنفعة والمضرّة متوجّهة لغيره من مخلوقاته.

ومن هذا المنطلق:

إنّ الفعل الإلهي الذي فيه المنفعة لغيره يوصف بالحسن .

وإنّ الفعل الإلهي الذي فيه مضرّة لغيره يوصف بالقبح .

ويحكم العقل بأ نّه تعالى حكيم:

وأنّ كلّ أفعال اللّه تعالى فيها منفعة لمخلوقاته .

____________

1- انظر: المصدر السابق .

2- المطالب العالية، فخر الدين الرازي: ج3، الباب التاسع ، الفصل السابع ، ص290 .


الصفحة 80

وأنّ كلّ أفعال اللّه تعالى منزّهة عن المضرّة لمخلوقاته .

فيثبت بذلك الحسن والقبح للفعل الإلهي .

الدليل السابع للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقلي :

إنّ الاعتقاد بوجود الحسن والقبح الذاتي يستلزم وجوب:

قيامه تعالى ببعض الأفعال .

واجتنابه تعالى عن البعض الآخر .

ويتضمّن هذا الأمر تقييد اللّه تعالى في أفعاله ونفي حرّيته المطلقة .

ولهذا ينبغي حفاظاً على "الحرّية الإلهية المطلقة" إنكار وجود "الحسن والقبح الذاتي".

يرد عليه :

1 ـ إنّ القول بالحسن والقبح الذاتي لبعض الأفعال

وضرورة فعله تعالى لبعض الأفعال الحسنة

وضرورة اجتنابه عن الأفعال القبيحة

لا يعني فرض التكليف على اللّه تعالى .

بل يعني أنّ العقل يكتشف عن طريق التدبّر في صفاته تعالى أ نّه حكيم، وتقتضي حكمته تعالى أن يفعل ما يليق بها وأن يجتنب عما لا يليق بها .

2 ـ إنّ الحرّية الإلهية منزّهة عن النقائص والقبائح، ولهذا لا ينبغي أن يدفعنا الحفاظ على حرّية اللّه تعالى إلى نسبة الأُمور القبيحة إليه تعالى .


الصفحة 81

المبحث الحادي عشر

أقوال بعض أهل السنة

الموافقين للحسن والقبح العقلي

1 ـ قال سعد الدين التفتازاني: "ذهب بعض أهل السنة وهم الحنفية إلى أنّ حسن بعض الأشياء وقبحها مما يدرك بالعقل ... كوجوب أوّل الواجبات، ووجوب تصديق النبي، وحرمة تكذيبه دفعاً للتسلسل ..."(1).

2 ـ الماتريدي، ومن أقواله الدالة على موافقته للحسن والقبح العقلي:

أوّلا : "ما حسّنه العقل وقبّحه ليس له زوال ولا تغيّر من حال إلى حال"(2).

ثانياً : "ما يدرك حسنه بالعقل وقبحه ، فلا يزال يزداد على ما فيه إدراكه ببديهة الأحوال ، ولذلك جعل اللّه العقول حجّة"(3).

ثالثاً : "وبعد، فإنّه قد حسن في العقول الصدق والعدل ، وقبح فيها الجور والكذب ...

العقول آمرة بكسب ما يعلي شرف من رزق منها ، وناهية عما فيه هوان صاحبها، فيجب الأمر والنهي بضرورة العقل"(4).

3 ـ ابن قيم الجوزية: ومن أقواله الدالة على موافقته للحسن والقبح العقلي:

أوّلا : "فإن قيل: فما جوابكم عن الأدلة التي ذكرها نفاة التحسين والتقبيح على كثرتها؟ قيل: قد كفونا بحمد اللّه مؤونة إبطالها بقدحهم فيها، وقد أبطلها كلّها

____________

1- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص293 .

2- كتاب التوحيد، أبو منصور الماتريدي: مسألة في أفعال الخلق وإثباتها، ص223 .

3- المصدر السابق: ص223 ـ 224 .

4- المصدر السابق: مسألة إثبات الرسالة وبيان الحاجة إليها، ص178 .


الصفحة 82

واعترض عليها فضلاء أتباعها وأصحابها ..."(1).

ثانياً : "إنّ الكذب لا يكون قط إلاّ قبيحاً ... إنّ تخلّف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجحة على الصدق لا تخرجه عن كونه قبيحاً لذاته"(2).

4 ـ قال فخر الدين الرازي: "المختار عندنا: أنّ تحسين العقل وتقبيحه بالنسبة إلى العباد معتبر، وأمّا بالنسبة إلى اللّه تعالى فهو باطل .

أمّا إثباته في حقّ العباد فيدل عليه وجوه:

الأوّل :

إنّا نرى أنّ العقلاء قبل علمهم بالشرائع والنبوّات مطبقون على حسن مدح المحسن، وحسن ذم المسيء .. وهذا الحكم حاصل ، سواء كان ذلك الإنسان مؤمناً يصدّق بالأنبياء أو لم يكن كذلك ، فعلمنا أنّ هذا الحسن مقرّر في عقولهم .

الثاني :

لا معنى للقبح الشرعي إلاّ أن ينهى الشرع عن ذلك الفعل ، فيقول العقل: هل يجب الانتهاء عما نهى الشرع ؟

فإن قضى بذلك فالحسن والقبح العقليان قد ثبتا .

وإن لم يقض العقل بذلك فيحتاج الأمر حينئذ إلى إيجاب آخر .

فإن كان هذا الإيجاب من الشرع ، فالكلام فيه كما في الأوّل ، فيلزم التسلسل وهو محال ، فيثبت ضرورة الاعتقاد بالحسن والقبح العقليين .

الثالث :

لابدّ من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوباً لذاته .

ولابدّ من الاعتراف بوجود شيء يكون مكروهاً لذاته .

وهذا الحكم ثابت في محض العقول سواء حصلت الشريعة أو لم تحصل"(3).

____________

1- مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية: ج2، ص342 .

2- المصدر السابق: ص354 ـ 355 .

3- انظر: المطالب العالية، فخر الدين الرازي: ج3، الباب التاسع ، الفصل السابع ، ص289 ـ 290 .

ثمّ بيّن "فخر الدين الرازي" بعض الأدلة في إثبات بطلان تحسين العقل وتقبيحه بالنسبة إلى أفعال اللّه تعالى، وهذه الأدلة منها ما هي بعيدة عن إثبات مدّعاه، ومنها ما بيّنا الردّ في البحث السابق .


الصفحة 83

5 ـ إنّ الأمر الملفت للنظر من "عضد الدين الإيجي" أ نّه ذكر في كتابه "المواقف" حول دليل الأشاعرة على امتناع صدور الكذب من اللّه عزّ وجلّ: "إنّه (أي: الكذب منه تعالى) نقص، والنقص على اللّه تعالى محال"(1) .

ثمّ علّق "الإيجي" بنفسه على كلامه هذا، وقال:

"واعلم أنّه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي، فإنّ النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه، وإنّما تختلف العبارة!"(2).

ثمّ علّق شارح كتاب المواقف "الشريف الجرجاني" على هذه العبارة، وقال:

"فأصحابنا المنكرون للقبح العقلي كيف يتمسّكون في دفع الكذب ... عن اللّه تعالى بلزوم النقص في أفعاله تعالى؟"(3).

____________

1- كتاب المواقف ، عضد الدين الإيجي: ج3، الموقف 5 ، المرصد 4، المقصد 7، ص140 .

2- المصدر السابق .

3- المصدر السابق .


الصفحة 84

الفصل الثالث

وجود الغرض والغاية في
   أفعال اللّه تعالى

معنى الغرض والغاية
   وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى
   أدلّة وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى
   غرض وغاية اللّه تعالى من خلق الإنسان
   مناقشة رأي الأشاعرة حول غرض وغاية الفعل الإلهي


الصفحة 85

الصفحة 86

الصفحة 87

المبحث الأوّل

معنى الغرض والغاية

معنى الغرض والغاية (في اللغة) :

"الغرض" هو الهدف والقصد(1) .

"الغاية" هي أقصى الشيء ومنتهاه(2).

معنى الغرض والغاية (في الاصطلاح العقائدي) :

يطلق "الغرض والغاية" اصطلاحاً على الشيء الذي يقصده الفاعل المختار من وراء عمله ، وهي الفائدة التي ينظر إليها الفاعل قبل قيامه بالفعل ، ثمّ يجعل الفعل وسيلة للظفر بتلك الفائدة.

وهذه الفائدة التي يطلق عليها "الغرض" و"الغاية" تصبح الهدف للقيام بالفعل، وهي التي يؤدّي الفاعل فعله من أجل الوصول إليها(3).

تنبيه :

إنّ المراد من "الغرض" و"الغاية" ليس "الهدف" و"المقصود" فحسب ، بل المراد "الهدف" و"المقصود" النافع الذي يستحق عقلا القيام بالفعل من أجل تحقّقه .

ومن هذا المنطلق، إذا قام شخص بفعل له "هدف" ، ولكن لم يكن لهذا الفعل هدف "عقلائي" ، فسيقول العقلاء حول هذا الفعل: إنّه عبث . ويتسامحون أحياناً في

____________

1 و 2) انظر: لسان العرب ، ابن منظور : مادة (غرض) و(غيا) .

3- انظر: معارف القرآن، (معرفة اللّه) ، محمّد تقي المصباح: هدف الأفعال الإلهية، ص 225 ـ 226 .


الصفحة 88

التعبير فيقولون: إنّه من دون هدف، أي: أ نّه ليس له هدف ذو قيمة(1).

____________

1- انظر: معارف القرآن، (معرفة اللّه) ، محمّد تقي المصباح، تعريب: محمّد عبدالمنعم الخاقاني: هدف الأفعال الإلهية: ص226 .


الصفحة 89

المبحث الثاني

وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى

إنّ اللّه تعالى لا يفعل شيئاً إلاّ لغرض وغاية وحكمة مقصودة(1).

تنبيهات :

1 ـ إنّ غرض الفعل الإلهي قد يكون واضحاً لعباده وقد يكون خفيّاً ، ولكنّه تعالى في جميع الأحوال لا يفعل إلاّ لغرض وغاية وحكمة مقصودة.

2 ـ إنّ غرض الفعل الإلهي يقتصر على نفع الغير لا إضراره، لأنّ الإضرار قبيح ، واللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح(2) .

3 ـ إنّ غرض الفعل الإلهي لا يعود على اللّه تعالى بالمنفعة ، لأ نّه تعالى غني بالذات وكامل من جميع الجهات، وهو غير محتاج لشيء ، وإنّما تعود منفعة الغرض والغاية للمخلوقات(3).

____________

1- انظر: قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل ، البحث الرابع، ص110 .

نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، ص74 .

2- انظر: النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص71 .

3- انظر: تجريد الاعتقاد ، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث، ص198 .

كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث ، الفصل الأوّل ، ص257 .