×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دلائل الصدق لنهج الحق ـ ج 7 / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
 كتاب دلائل الصدق لنهج الحق ج٧ الشيخ محمد حسن المظفّر (ص ٥ - ص ٢٩)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٥

الحمد لله ربّ العالمين
   وصلّى الله على سـيّد النبيّـين وآله
   ولعنـة الله على أعدائهم أجمعيـن .‏

٦
٧

المطلـب الأوّل(١)‏
تسـمية أبي بكر بخليفة رسـول الله‏

قال المصنّـف ـ أعلى الله درجته ـ(٢) :‏

المطلب الأوّل‏
في المطاعن التي رواها السُـنّة في أبي بكر‏

قالوا : إنّه سمّى نفسه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكتب ‏إلى الأطراف بذلك(٣) .‏

وهـذا كـذب صريح ; ( لأنّ رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) )(٤) اختلف ‏النـاسُ فـيـه . .‏

فالإماميّـة قالـوا : إنّـه مـات عـن وصيّـة ، وإنّـه اسـتخلف أميـر ‏

١- إضافـة يقتضيها النسـق .‏

٢- نهج الحقّ : ٢٦٢ .‏

٣- انظر : كتاب الردّة ـ للواقدي ـ : ٢١٨ ، الإمامة والسياسة ١ / ٣٠ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٠ و ‏‏٢٤ ، الأوائـل ـ للـعـسـكـري ـ : ١٠٠ ، المحلّـى ـ لابن حـزم ـ ١١ / ١٥٨ و ٤٠٩ ، الاسـتيعاب ‏‏٣ / ٩٧١ ـ ٩٧٢ و ١١٥١ ، تاريخ دمشق ٣٠ / ٢٩٧ ، صفة الصفوة ١ / ١٠٩ ، شرح نهج البلاغة ‏‏١٧ / ٢٢١ ، الرياض النضرة ١ / ١٧٦ ، الصواعق المحـرقة : ١٣٧ .‏

٤- في المصدر : " على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّـه لم يسـتخلفه ، و . . . " .‏

٨

المؤمنيـن (عليه السلام) إمامـاً بعـده(١) .‏

وقالت السُـنّة كافّـة : إنّه مات بغير وصيّـة ، ولم يسـتخلف أحداً ، وإنّ ‏إمامة أبي بكر لم تثبت بالنصّ إجماعاً ، بل ببيعة عمر بن الخطّاب ، ورضـا ‏أربعـة لا غيـر(٢) .‏

وقال عمر : " إنْ لم أسـتخلف ، فإنّ رسول الله لم يسـتخلف ، وإنْ ‏أسـتخلف ، فإنّ أبا بكر اسـتخلف "(٣) .‏

وهذا تصريح منه بعدم اسـتخلاف النبيّ أحداً ، وقد كان الأَوْلى أن يقال : ‏إنّـه خليفة عمر ; لأنّه هو الذي اسـتخلفه !‏

١- وهذا ثابت عندهم بالضرورة ، وهو أساس مذهبهم ، ولا حاجة إلى إيراد أدلّتهم عليه ، وإنّما ‏نذكر بعض مصادره جرياً على عادة المناظرات والمحاورات ; فانظر :‏

أوائل المقالات : ٣٩ ـ ٤٠ ، الشافي في الإمامة ٢ / ٦٥ ، رسائل الشريف المرتضى ١ / ٣٣٩ و ‏‏٣٤٠ ، تقريب المعارف : ١٩٢ وما بعـدها ، الاقتصاد في ما يتعلّق بالاعتقاد : ٣١٦ وما بعدهـا ، ‏نهج الإيمان : ٦٧ و ٦٨ و ٤٦٢ ، المنقذ من التقليد ٢ / ٣١٠ وما بعـدها ، تجريد الاعتـقاد : ٢٢١ ‏ـ ٢٢٣ ، قواعد المرام : ١٨٢ وما بعـدها .‏

٢- تمهيد الأوائل ـ للباقلاّني ـ : ٤٨٠ ـ ٤٨١ ، الأحكام السلطانية ـ للماوردي ـ : ٧ ، شرح نهج ‏البلاغة ٦ / ١٨ ، المواقف : ٤٠٠ .‏

٣- صحيح البخاري ٩ / ١٤٥ ح ٧٥ ، صحيح مسلم ٦ / ٥ ، سنن أبي داود ٣ / ١٣٣ ح ٢٩٣٩ ، ‏سنن الترمذي ٤ / ٤٣٥ ح ٢٢٢٥ ، مسند أحمد ١ / ٤٧ ، مسند البزّار ١ / ٣٥٧ ح ١٥٣ ، مسند ‏عمر بن الخطّاب ـ لأبي بكر النجّاد ـ : ٧٣ ح ٤٢ .‏

٩

وقال الفضـل(١) :‏

ما أجهلَ هذا الرجل باللغة ! فإنّ الخليفةَ فعيلةٌ بمعنى الخالف ، وخليفة ‏الرجل من يأتي خلفه ، ولا يتوقّـف إطلاق الخليفة المضافة إلى شخص ‏باسـتخلافه إيّـاه .‏

فمعنى خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الذي تولّى الخلافة ‏بعده ، سواءً اسـتخلفه أم لم يسـتخلفه .‏

فلو سلّمنا أنّ أبا بكر هو سمّى نفسه بهذا الاسم ، فإنّه لا يكون كذباً ; لِما ‏ذكرنـا .‏

ثمّ لا شكّ أنّ عليّـاً خاطبه في أيّام خلافته بخليفة رسول الله ، ولو كان ‏كذباً لَما تكلّم به ولا خاطبه به ، ولكن للشـيعة في أمثال هذه المضايق سـعة من ‏التقـيّـة .‏

والظاهر ، أنّ القوم خاطبوه بذلك ، ولو أنّه سمّى نفسه بهذا صـحّ ، كما ‏ذكرنـا ، فلا طعن .‏

١- إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن " إحقاق الحقّ " ـ : ٤٨٥ الطبعة الحجرية .‏

١٠

وأقـول :‏

الخلافـة هي : الإمـامة والولايـة العامّـة على الأُمّـة . .‏

وبالضـرورة : إنّ الولاية العامّـة إنّما تكون بالأصالة لله تعـالى ، وبالـتَّـبع ‏والجعـل للنبيّ ثمّ للإمـام ، فلا تـثبت الخلافة لأحد بدون النصب مـن الله ‏ورسـوله .‏

وإن شـئتَ قلت : الخلافةُ نيابةٌ عن الله ورسوله في الأُمّة ، فلا تكون ‏بدون إنابـةِ مَن له الحكم والأمـر .‏

واعـترف بذلك صاحب " المواقف " وشارحها ، قالا في المقصد الثالث من ‏مقاصد الإمامة : " وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد خلافاً للشيعة ، احتـجّـوا ‏بوجـوه :‏

الأوّل : الإمامة نيابة الله والرسول ، فلا تثبت بقول الغير ; إذ لو ثبتت ‏بقوله لكان الإمام خليفةً عنه لا عن الله ورسـوله .‏

قلنـا : اختيار أهل البـيعـة للإمام دليـلٌ لنيابة الله ورسـوله .‏

وتلخيصـه : إنّ البيعة عندنا ليـسـت مثبتة للإمامـة حتّى يتمّ ما ذكرتم ، بل ‏هي علامة مظهرة لها ، كالأقيـسـة والإجماعات الدالّة على الأحكام "(١) .‏

انتهى ملـخّـصـاً .‏

فإنّـك ترى أنّـهما لم يُنـكرا أنّ الإمام والخليفـة لا يكون إلاّ ‏

١- المواقف : ٣٩٩ ، شرح المواقف ٨ / ٣٥١ .‏

١١

بالاسـتخلاف والنصب من الله ورسوله ، ولكنّهما ادّعيا حصول الاسـتخلاف ‏من الله ورسوله بسـبب البيعة من حيث كشفها عن الاسـتخلاف والاسـتنابة .‏

لكن عرفت في أوائل مبحث الإمامة بطلانَ الرجوعِ إلى الاختيار والبيعة ‏في ثبوت الإمامة ، ولا سـيّما بيعة الواحد والاثنين(١) .‏

ويظهر أيضاً من ابن أبي الحديد الاعتراف بما قلنا ، إلاّ أنّه أجاب عن ‏الإشكال(٢) بما حاصله : إنّه سُمّي خليفة ; لاسـتخلاف النبيّ إيّـاه على الصـلاة .‏

وفـيـه ـ مع منع اسـتخلاف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) له على الصلاة ‏ـ : إنّه لو سُـلّم لا يقتضي اسـتخلاف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) له على ‏الأُمّـة ، كما مـرّ(٣) .‏

ويظهر ذلك أيضاً من الرازي كما مرّ في الآية الرابعة والثمانين ، ولكـنّه ‏أجاب عنه بحصول الاسـتخلاف بالأمر بالاخـتيار ، وقد عرفت أنّـه لا أمر ‏بالاختيـار(٤) .‏

وقد يُسـتدلّ للمدّعى بما رواه في " كـنز العمّـال "(٥) ، عن ابن ‏الأعـرابي(٦) ، قال : روي أنّ أعرابياً جاء إلى أبي بكر فقال : أنت خليفـةُ ‏

١- راجـع : ج ٤ / ٢٤٨ وما بعـدها ، من هذا الكـتاب .‏

٢- ج ٤ ص ١٩٠ من شرحه للنهج ‏‎[١٧ / ٢٢١]‎‏ . منـه (قدس سره) .‏

٣- راجـع : ج ٥ / ٣٨٦ الأمر الثالث و ج ٦ / ٥٦٧ ، من هذا الكـتاب .‏

٤- راجـع : ج ٥ / ٣٨١ ـ ٣٨٨ ، من هذا الكـتاب .‏

٥- ص ٣٢٢ ج ٦ ‏‎[١٢ / ٥٣٠ ـ ٥٣١ ح ٣٥٧٠٨]‎‏ . منـه (قدس سره) .‏

وانظر : تاريخ دمشق ١٩ / ٤٩٧ وجاء الخبر فيه محـرّفاً ; فلاحـظ !‏

٦- هو : أبو عبـد الله محمّـد بن زياد بن الأعرابي الهاشمي ، مولاهم ، النسّابة .‏

كان أحد العالمين باللغة ، كـثير السماع والرواية ، وكان من أحفظ الناس للّغات والأيّـام والأنساب ، ‏وكان ربيب المفضّل بن محمّـد الضبّي ، صاحب " المفـضّليّـات " ، فأخذ الأدب عنه وعن الكسائي ‏وغيرهما ، وأخذ عنه إبراهيم الحربي وثعلب وابن السِّـكّيت وغيرهم ، له تصانيف كـثيرة ، منها : ‏الألفاظ ، تاريخ القبائل ، تفسـير الأمثال ، معاني الشعر .‏

كان أبوه عبـداً سـندياً ، وكان هو أحـول أعـرج .‏

قال عنه الذهبي : " كان صاحب سُـنّـة واتِّـباع " .‏

وُلد بالكوفة سـنة ١٥٠ هـ ، وتوفّي بسامـرّاء سـنة ٢٣١ هـ .‏

انظر : تاريخ بغداد ٥ / ٢٨٢ رقم ٢٧٨١ ، وفيات الأعيان ٤ / ٣٠٦ رقم ٦٣٣ ، سير أعلام النبلاء ‏‏١٠ / ٦٨٧ رقم ٢٥٤ ، البلغة في تراجم أئمّة النحو واللغة : ٢٦٤ رقم ٣١٨ .‏

١٢

رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

قال : لا .‏

قال : فما أنت ؟ !‏

قال : أنا الخالِـفَـةُ بعـده ; أي : القاعـدةُ بعـده .‏

أقـول :‏

لم يذكر في " القامـوس " من معاني الخالفـةِ القاعـدةَ ، بل ذكر له معاني ‏أُخـر . .‏

أحدها : كـثير الخـلاف .‏

ثانيها : غير النجيـب ، ومَن لا خيـر فيـه .‏

ثالثها : الأحمـق(١) .‏

١- القاموس المحيط ٣ / ١٤١ ـ ١٤٢ مادّة " خلف " .‏

وانظر المادّة ذاتها في : الصحاح ٤ / ١٣٥٥ ، الفائق في غريب الحديث ١ / ٣٩١ ، النهاية في ‏غريب الحديث والأثر ٢ / ٦٩ ، لسان العرب ٤ / ١٨٣ ـ ١٩٠ ، تاج العروس ١٢ / ١٩١ ـ ١٩٢ و ‏‏٢٠٢ ، وجاء فيـها في معنى الكلمـة :‏

‏ الخالِفَـةُ : الطالِـحُ ، والذي لا غناءَ عنده ولا خيرَ فيه ، والكـثيرُ الخلاف والشقاق ، والأحمقُ ‏القليلُ العقلِ ، واللجوجُ من الرجال ، وفاسدُ القومِ وشـرُّهم ، وامرأةٌ خالفةٌ إذا كانت فاسدة ومتخلّـفة ‏في منزلها .‏

وأمّـا ما ابتدعه ابن الأثير ـ وتبعه بعضُ مَن أتى مِن بعده ـ ، بأنّ أبا بكر إنّما قال ذلك تواضعاً ، ‏فحملٌ للكلام على خلاف ظاهره ، ولا شاهد له ، بل القرائن كلّها على خلافـه !‏

١٣

فتدبّـر !‏

ويدلّ على المدّعى أيضاً ما رواه ابن قـتيـبة في كتاب " الإمامة ‏والسـياسة " ، قال : " قال : أبو بكر لقنفذ ـ وهو مولىً له ـ : إذهب فادع لي ‏عليّـاً !‏

فذهب إلى عليّ ، فقال ‏‎[له]‎‏ : ما حاجتك ؟ !‏

فقال : يدعوك خليفة رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .‏

فقال عليٌّ : لَسريع ما كذبتم على رسول الله (صلى الله عليه وآله ‏وسلم) . . . "(١) . . الحـديث .‏

ومنـه يظهـر بطـلان ما زعمـه الخصم من مخاطبـة أميـر المؤمنين له بـ ‏‏" خليفة رسول الله " ، ولو سُلّم فللتجـوّز بابٌ واسعٌ يخرج منه عن الكـذب ‏تدعـو إليـه الـضـرورة .‏

كما إنّ التقـيّـة من دين الله ورسوله ، كما صرّح بها الكـتاب(٢)‏

١- الإمامة والسـياسة ١ / ٣٠ .‏

٢- كقوله تعالى : ( لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليـس ‏من الله في شيء إلاّ أن تـتّـقوا منهم تـقـاة ويحـذّركم الله نفسـه وإلى الله المصيـر ) سورة آل ‏عمران ٣ : ٢٨ ; انظر : تفسير ابن المنذر النيسابوري ١ / ١٦٤ ـ ١٦٧ رقم ٣٤٨ ـ ٣٥٦ ، ‏تفسير الطبري ٣ / ٢٢٨ ح ٦٨٢٣ ـ ٦٨٣٠ ، تفسير الفخر الرازي ٨ / ١٤ ـ ١٥ ، تفسير القرطبي ‏‏٤ / ٣٨ ، فتح القدير ١ / ٣٣١ .‏

‏ وقوله تعـالى : ( مَن كـفر بالله من بعـد إيمانه إلاّ من أُكـره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن من ‏شرح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذاب عظيم )سـورة النحـل ١٦ : ١٠٦ ; انظر : ‏تفسـير الطبري ٧ / ٦٥١ ـ ٦٥٢ ح ٢١٩٤٤ ـ ٢١٩٤٧ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٣ / ٢٨٣ ، ‏تفسير الماوردي ٣ / ٢١٦ ، الوسـيط في تفسـير القرآن المجيـد ٣ / ٨٦ .‏

وقوله تعالى : ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربّي ‏الله . . . ) سـورة غافـر ٤٠ : ٢٨ ; انظر : تفسير القرطبي ١٥ / ٢٠١ .‏

١٤

والسُـنّـة(١) .‏

وأمّا مخاطبة الناس له ، فلا ترفع الكذب عنه بتسمية نفسه وكـتابته إلى ‏الأطراف بقوله : " مِن خليفة رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " ، وقوله في ‏عهـده لعمر : " هـذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمّـد رسـول الله (صلى الله عليه ‏وآله وسلم) "(٢) !‏

١- كقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند تعذيب قريش لعمّار وذِكره آلهتهم بخير : " يا ‏عمّار ! إنْ عادوا فَـعُـدْ " ; انظر مثلا : تفسـير الطبري ٧ / ٦٥١ ح ٢١٩٤٦ .‏

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأحد الرجلين اللذين أسرهما مسـيلمة ، فقتل أوّلهما لمّا رفض أن يشهد ‏له بالرسالة ، وأطلق الثاني لمّا شهد له بذلك : " أمّا صاحبك فمضى على إيمانه ، وأمّا أنت فأخذتَ ‏بالرخصة " ; انظر : تفسـير الحسن البصري ٢ / ٧٦ .‏

وقد اسـتأذن بريدةُ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول ما يتخلّص به من شرّ المشركين وإنْ ‏كان خلاف الواقع ، فأذن له (صلى الله عليه وآله وسلم) ; انظر : السـيرة الحلبية ٢ / ٥٨٣ ـ ٥٨٤ .‏

٢- انظر مثلا : تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٤ .‏

١٥

أبو بكر في جيـش أُسامة

قال المصنّـف ـ طاب مرقـده ـ(١) :‏

ومنها : إنّـه تخلّف عن جيـش أُسامة وقد أنفذه رسـول الله (صلى الله عليه ‏وآله وسلم)معه ، ولم يزل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يُكـرّر الأمر بالخروج ‏ويقول : " جهِّزوا جيش أُسامة ، لعن الله المتخلّـف عنـه "(٢) .‏

١- نهج الحقّ : ٢٦٣ .‏

٢- لقـد مـرّ تخـريـج كـون الشـيخين في جيـش أُسـامة وتخلّـفهما عنـه مفصّـلا في ج ٤ / ٣١٩ هـ ٦ ‏و ج ٥ / ٢١٣ هـ ١ ، من هذا الكـتاب ; فراجـع !‏

وانظر كذلك : أنساب الأشراف ١ / ٤٩٣ و ج ٢ / ١١٥ ، تاريخ دمشق ٨ / ٤٦ رقم ٥٩٦ ، شرح ‏نهج البلاغة ٦ / ٥٢ و ج ١٧ / ١٧٥ ـ ١٨٣ ، فتح الباري ٨ / ١٩٢ ب ٨٨ ح ٤٤٦٩ وقال ما ‏نصّـه : " وكان ممّن ندب مع أُسامة كبار المهاجرين والأنصار ، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبـيدة ‏وسعد وسعيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم " .‏

١٦

وقال الفضـل(١) :‏

كان رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يبعث جيش أُسامة ; طلباً لقصاص ‏زيد ; وليبلغ خبر قـوّة الإسلام إلى ملوك الشام فلا يقصدوا المدينة بعـد وفاته ، ‏ولهذا كان يبالغ في بعث جيـش أُسامة .‏

وأمّا قوله : " لعن الله من تخلّف عن جيش أُسامة " ، فهذا من ملحقـات ‏الروافض .‏

فلمّا بلغ أمر الخلافة إلى أبي بكر لم يكن ملائماً لأمر الإسلام أن يذهب ‏الخليفة بنفسه ، سـيّما وقد ارتدّ جميع العرب ، فأنفذ أبو بكر جيش أُسامة ; ‏امتثالا لأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو بنفسه قام لتجهيز باقي الجيوش ‏وقتال أهل الردّة وحفظ الحوزة ، ومع ذلك اسـتأذن من أُسامة ـ وهو الأمير ـ ‏في التخلّف ، فأذن له .‏

فيا معشر المسلمين ! من كان يعلم هذه الأحوال هل يجعل تخلّف الخليفة ‏القائم بتعبئة الجيوش وجرّ العساكر وإقامة وظائف الدين ، طعناً فيه ؟ !‏

هذا ، وقد صحّ أنّ أبا بكر لم يكن في جيـش أُسامة ، وقد قال الجزري : ‏‏" من ادّعى أنّ أبا بكر كان في جيش أُسامة فقد أخطأ ; لأنّ النبيّ بعدما أنفذ ‏جيـش أُسامة قال : ( مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ) ، ولو كان مأموراً بالرواح ‏مع أُسامة لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمره بالصلاة بالأُمّة " .‏

١- إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن " إحقاق الحقّ " ـ : ٤٨٦ الطبعة الحجرية .‏

١٧

وأقـول :‏

لا ريب أنّ أبا بكر كان من جيش أُسامة كما صرّح به في " طبقات " ‏ابن سعد(١) ، و " تهذيب تاريخ الشام " لابن عساكر(٢) ، وفي " كنز ‏العمّـال "(٣) عن ابن أبي شيبة عن عروة ، وفي " كامل " ابن الأثيـر(٤) .‏

وكلّهم صرّحوا بأنّ من جملة جيـش أُسامة أبا بكر وعمر .‏

وقال الطبري في " تاريخه "(٥) : " أوعب مع أُسامة المهاجرون ‏الأوّلـون " .‏

وهو شامل بعمومه لأبي بكر ، بل هو أظهر من يُراد بهذا اللفظ عندهم .‏

بل الظاهر أنّ في العبارة سقطاً ، وهو : " ومنهم أبو بكر وعمر " ، كما ‏في " كامل " ابن الأثير(٦) ; لأنّه مأخوذ من " تاريخ " الطبري .‏

ونقل ابن أبي الحديد(٧) ، عن أبي بكر أحمد بن عبـد العزيز الجوهري في ‏كـتاب " السـقيفة " ، عن عبـد الله بن عبـد الرحمن : " أنّ ‏

١- في القسم الثاني من ج ٢ ص ٤١ ‏‎[٢ / ١٩٢]‎‏ . منـه (قدس سره) .‏

٢- ص ٣٩١ ج ٢ ‏‎[مختصر تاريخ دمشق ٤ / ٢٤٨ رقم ٢٣٧]‎‏ . منـه (قدس سره) .‏

وانظر : تاريخ دمشق ٨ / ٤٦ و ص ٦٣ رقم ٥٩٦ .‏

٣- ص ٣١٢ ج ٥ ‏‎[١٠ / ٥٧٠ ح ٣٠٢٦٤]‎‏ . منـه (قدس سره) .‏

وانظر : مصنّـف ابن أبي شـيبة ٧ / ٥٣٢ ح ٣ و ج ٨ / ٥٤٩ ح ١٦ .‏

٤- ص ١٢٠ ج ٢ ‏‎[٢ / ١٨٢ حوادث سـنة ١١ هـ]‎‏ . منـه (قدس سره) .‏

٥- ص ١٨٨ ج ٣ ‏‎[٢ / ٢٢٤ حوادث سـنة ١١ هـ]‎‏ . منـه (قدس سره) .‏

٦- تقـدّم تخريجه آنفاً في الهامش رقم ٤ .‏

٧- ص ٤١ ج ٢ ‏‎[شرح نهج البلاغة ٦ / ٥٢]‎‏ . منـه (قدس سره) .‏

١٨

رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرض موته أمَّر أُسامة على جيش ‏فيه جلّة المهاجرين والأنصار ، منهم : أبو بكر ، وعمر ، وأبو عبيـدة بن ‏الجرّاح ـ إلى أن قال : ـ وقام أُسامة وتجهّز للخروج ، فلمّا أفاق رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله وسلم) سأل عن أُسامة والبعث ، فأُخبر أنّهم يتجهّزون ، فجعل ‏يقول : " أنفِذوا بعث أُسـامة ، لعن الله مَن تخلّف عنه " ، وكـرّر ذلك ـ إلى ‏أن قال : ـ فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أُسامة إلى أن ماتـا إلاّ بالأميـر " .‏

وبهذا عُلم أنّ لعن المتخلّـف ثابت بأخبارهم .‏

كما ذكره أيضاً الشهرسـتاني في أوائل " الملل والنحل " ، عند بـيان ‏الاختلافات الواقعة في مرض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته ، قال : ‏‏" الخلاف الثاني في مرضه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال : جـهّزوا جيـش ‏أُسامة ، لعن الله مَن تخلّف عنه ، فقال قوم : يجب علينا امتـثال ‏أمره . . . "(١) إلى آخـره .‏

وحكى شارح " المواقف " في أوّل تذييـل " المواقف " عن الآمدي ، أنّـه ‏ذكر الاختلافات الواقعة من المسـلمين ، وعدّ منها الاختلاف في التخلّف عن ‏جيـش أُسامة ، قال : " قال قوم بوجوب الاتّباع ; لقوله : جهّزوا جيـش ‏أُسامة ، لعن الله من تخلّف عنه .‏

وقال قوم بالتخلّف عنه ; انتظاراً لِما يكون من رسول الله (صلى الله عليه وآله ‏وسلم) في مرضـه "(٢) .‏

ومثل هذا الكلام ، وكلام الشهرسـتاني ، دالاّن على أنّ لعن المتخلّف من ‏الأُمور المسـلّمة عنـدهم .‏

ولو سُلّم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يلعن المتخلّـف ، فالله سـبحانه ‏قد ‏

١- الملل والنحل ١ / ١٢ .‏

٢- شرح المواقف ٨ / ٣٧٦ .‏

١٩

لعنـه ; لأنّ في التخلّـف إيذاءً للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد لعن ‏سـبحانه من آذاه وأعدّ له عذاباً أليمـاً ، قال تعالى في سورة الأحزاب : ‏{‏ إنّ ‏الّذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً ‏مهينـاً}‎‏(١) .‏

وقال سـبحانه في سورة التوبة : ‏{‏ والّذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ‏أليـم}‎‏(٢) .‏

‏. . إلى غيرهمـا من الآيـات(٣) .‏

واعلم أنّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعظمُ الناسِ سياسةً ، وأفضلُهم ‏حكمةً ، وأسدُّهم رأياً ، وأصوبُهم عملا ، وأظهرُهم عصمةً ، وقد أقدم على بعث ‏أُسامة ـ وهو ابن سـبع عشرة سـنة ـ رئيـساً على كبار الصحابة وشجعانهم ، ‏ومَن مضت لهم التجربة في الحروب والرئاسة ، ولهم السنُّ والسمعة ، مع عظم ‏الوجه الذي وجّهه فيه وأهمّـيّته وبُعد الشُـقّـة ، حتّى إنّه لمّا قدّمه عليهم قالوا ‏وتكلّموا ، فلم يمنعه طعنهم في إمرته ، وعزم على خلاف رغباتهم ‏ومقاصـدهم ، كما أمره الله تعـالى بقوله : ‏{‏ فإذا عزمـتَ فتوكّـل على ‏الله}‎‏(٤)(٥) .‏

١- سورة الأحزاب ٣٣ : ٥٧ .‏

٢- سورة التوبة ٩ : ٦١ .‏

٣- كقوله تعالى : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله . . . إنّ ذلكم كان عند الله عظيمـاً ) سورة ‏الأحزاب ٣٣ : ٥٣ .‏

٤- سورة آل عمران ٣ : ١٥٩ .‏

٥- هـذا ، ويظهر من هذا الخصم ‏‎[أي : ابن روزبهان]‎‏ ـ في أوّل كلامه ـ أنّ أبا بكر كان من ‏الجيـش ، إلاّ أنّـه اعتـذر عنه بأنّه اسـتأذن أُسامة ـ وهو الأمير ـ في التخلّـف .‏

ويَـرِدُ عليه ـ مع أنّ وقوع الاسـتئذان ممنوعٌ ـ : إنّه كيف يجوز له الاسـتئذان ولأُسامة الإذن ، وقد ‏أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخروج الجيـش ، ولعن من تخلّف عنه ؟ ! فمَن تخلّف ـ ‏والحال هذه ـ لا يسـتحقّ الإمامـة . .‏

كما إنّ بقاءه تحت إمرة أُسامة ـ كبقيّـة الجيـش ـ ناف لإمامته له ، بل وللجيـش كلّه ; ولذا احتاج ‏إلى الاسـتئذان من أُسامة في تخلّف عمر !‏

ولو سُلّم أنّه اسـتأذن من أُسامة ، وأنّ له عذراً في التخلّف بارتداد العرب والحاجة إليه في البقاء ، ‏فالكلام لا يختصّ بتخلّفه بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل يعمّ تخلّفه في حياته ، وهو ممّـا ‏لا يتأتّى فيه العذر المذكور .‏

والحـقّ أنّـه لا يصـحّ أن يكـون عـذراً حـتّى بعـد وفـاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لإمكـان أن ‏يخلّـفَ أبو بكر مَن يقوم مقامه ، لا سـيّما ولم يرتـدّ العـرب على الصحيح ، وإنّمـا كان في حيـاة ‏النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قـومٌ آمنوا بمسـيلمة وطليحة ، وهم لم يسـتوجبوا امتـناع النبيّ (صلى الله ‏عليه وآله وسلم) من بعث أُسامة ; إذ يكفيهم القليل من المسلمين كما وقع في حربهـم .‏

فاللازم أن لا يمنعوا أبا بكر من امتثال أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسـير بجيـش أُسـامة !‏

ومن المضحك قوله : " لم يكن ملائماً لأمر الإسلام أن يذهب الخليفة بنفسه " ‏‎[المتقـدّم آنفاً في ‏الصفحـة ١٦]‎‏ ، فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخرج بنفسه في الغزوات ، فكيف لا يلائم ‏أن يذهب أبو بكر بنفسـه ؟ !‏

هـذا ، ولا يخـفى أنّ تأميـر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أُسـامة على أبي بكر وعمر وعثمان وأبي ‏عبيـدة وأمثالهم ، شاهد صدق على انحطاط منازلهم عنه ، ولو في سـياسة الجيـش وإمرتـه .‏

وبالضـرورة : إنّ من انحـطّت منزلته عن الصبيّ الغـرّ ـ ولو في إمـرة الجيـش ـ لا يمكن أن ‏يصلح للإمامة والزعامة الكبرى ، ولا شكّ أنّ هذا من أوضح مقاصد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .‏

مـنـه (قدس سره) .‏

٢٠