المكتبة العقائدية » موسوعة حديث الثقلين ج 1 (الامامية) (لـ مركز الابحاث العقائدية )


من وجود نسخة من (رسالة في الرجعة) عنده(1) ، فلعلّها مستلّة من (كتاب المختصر) ، أو أنّ المؤلّف ألّف هذه الرسالة بعد المختصر مستقّلا ، ثمّ ألحقها بالمختصر ، أو الأرجح أنّه رأى العنوان في أوّلها بـ(رسالة في الرجعة) كما وقع للطهراني ، وعلى كلّ حال فمن المؤكّد ، أنّ هذه الرسالة المسمّاة بـ(الرجعة) أو (إثبات الرجعة) ، موجودة في نسخ (مختصر البصائر) .

ثمّ إنّ الشيخ حسن بن سليمان الحلّي قال في أوّل كتابه ـ كما في المخطوطات والمطبوع ـ : نقلت من كتاب مختصر البصائر تأليف سعد بن عبد الله بن أبي خلف القمّي (رحمه الله)(2) .

وكذا قال بعد باب الكرّات : يقول العبد الضعيف الفقير إلى ربّه الغني حسن بن سليمان : إنّي قد رويت في معنى الرجعة أحاديث من غير طريق سعد بن عبد الله فأنا مثبتها في هذه الأوراق ، ثمّ أرجع إلى ما رواه سعد بن عبد الله في كتاب مختصر البصائر(3) .

فهو قد صرّح بأنّه ينقل من مختصر بصائر سعد لا من نفس بصائر سعد ، المذكور في ضمن كتبه عند النجاشي والطوسي(4) ، وغيرهما .

فما حاول تأويله صاحب الذريعة ، في معرض ردّه على صاحب الرياض ، الذي قرأ (أرجع) في العبارة ـ بعد باب الكرّات ـ بصيغة المتكلّم ، ومقتضاه الوعد بأن يذكر روايات سعد بعد روايات غيره في هذا الكتاب ، مع أنّه لم يذكر فيه شيئاً من روايات سعد أبداً ، فيظهر منه أنّ قوله (إرجع)

____________

1- رياض العلماء ١ : ١٩٤ .

2- مختصر البصائر : ٤٦ ، وانظر : تصوير الصفحات الأُولى من المخطوطات في أوّل الكتاب .

3- مختصر البصائر : ١٢٥ .

4- رجال النجاشي : ١٧٧ ]٤٦٧[ ، فهرست الطوسي : ٢١٥ ]٣١٦[ .


الصفحة 152

أمر لمن أراد الاطّلاع على أحاديث سعد أيضاً برجوعه إلى كتابه الآخر الذي ألّفه وأورد فيه أحاديث سعد ، وهو مختصر كتاب البصائر(1)، غير صحيح ، فإنّ العبارة في أوّل الكتاب صريحة في أنّه نقل من مختصر بصائر سعد ، كما أنّ هذه العبارة الثانية بعد باب الكرّات من ضمن المختصر ، وتأتي بعد ذكر عدّة روايات عن مختصر سعد ، فلا وجه للاعتقاد بالأمر بالرجوع إلى الكتاب الثاني ، فلا كتاب ثاني هناك ، كما أنّ كلمة (ثمّ) قبلها لا تناسب الأمر ، بل يفهم منها أنّه سوف يرجع بعد حين إلى روايات سعد ، فتأمّل!

فما استفاده صاحب الرياض ، ومحقّق كتاب مختصر البصائر (مشتاق المظفّر) صحيح في بعضه ، وهو أنّ الشيخ حسن انتخب من مختصر البصائر لسعد لا من نفس البصائر .

قال الأفندي (ت حدود ١١٣٠ هـ ) في الرياض : لكن قال نفسه في أثناء كتاب منتخب البصائر : إنّ كتاب منتخب البصائر لسعد بن عبد الله ، فلعلّ أصل كتاب البصائر لمحمّد بن حسن الصفّار ، والاختصار لسعد بن عبد الله ، والانتخاب لهذا الشيخ ـ فلاحظ ـ ، ويؤيّده ما سيجيء من عبارته(2) ، ويقصد العبارة الثانية بعد باب الكرّات التي مرّت .

وقال بعد نقلها : لكن الحقّ ما حقّقناه ، نعم ، في هذه العبارة دلالة على ما قلناه من أنّ أصل البصائر لغير سعد بن عبد الله ، ولكن المختصر له ، والانتخاب منه لهذا الشيخ ، فتدبّر(3) .

____________

1- الذريعة ٣ : ١٢٤ ]٤١٥[ ، وانظر : الذريعة ١ : ٩١ ]٤٣٩[ .

2- رياض العلماء ١ : ١٩٤ ، ويقصد بما سيجيء من عبارته العبارة التي في أوّل رسالة إثبات الرجعة التي نقلناها .

3- نفس المصدر ١ : ١٩٥ .


الصفحة 153

وأيّده محقّق كتاب مختصر البصائر (مشتاق المظفّر) ، وأورد أدلّته عليه من قول الشيخ حسن الذي نقلناه من أوّل الكتاب ، وقول الحرّ العاملي الذي أوردناه من خاتمة الوسائل ، وهو قوله : كتاب الحلل مختصر البصائر . . . ، وما قاله في الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة مكرّراً ، ما نصّه : ما رواه الحسن بن سليمان بن خالد القمّي في رسالته نقلا من كتاب مختصر البصائر لسعد بن عبد الله ، ونقل المحقّق موارد عديدة منها(1).

فهي تدلّ على أنّ النقل كان من مختصر البصائر لا البصائر .

ولكن البعض الآخر من كلام الأفندي ، وهو أنّ كتاب سعد مختصر من كتاب الصفّار ، وموافقة محقّق الكتاب عليه ، غير صحيح ، وذلك :

إنّ النجاشي والطوسي ، وغيرهما ، نصّوا على أنّ لسعد بن عبد الله كتاب البصائر ، وأضاف الطوسي (ت ٤٥٠ هـ ) أنّه أربعة أجزاء(2) ، كما أشار إلى ذلك العلاّمة الطهراني (ت ١٣٨٩ هـ )(3) والسيّد الأمين(ت ١٣٧١ هـ )(4) ، ولم يذكر أحد أنّ له مختصر البصائر ، فهذا المختصر الذي انتخب منه الشيخ حسن قد يكون لسعد نفسه اختصره من كتابه البصائر ، أو لغيره اختصره من كتاب سعد (بصائر الدرجات) .

وأمّا أنّ مختصر بصائر سعد ليس مختصر لبصائر الصفّار ، فقد طابقت روايات المختصر على روايات بصائر الصفّار المطبوع (والمسمّى بالكبرى)(5) ، ووجدت من مجموع (٢٦٤) رواية نقلها الشيخ حسن

____________

1- مختصر البصائر : ٢٩ ، مقدّمة التحقيق .

2- رجال النجاشي : ١٧٧ ]٤٦٧[ ، وفهرست الطوسي : ٢١٥ ]٣١٦[ .

3- الذريعة ٣ : ١٢٤ ]٤١٥[ .

4- أعيان الشيعة ٥ : ١٠٧ .

5- هناك نسخ عديدة لبصائر الصفّار على قسمين : كبرى وصغرى ، وقد أشار إلى ذلك الحرّ العاملي في خاتمة الوسائل ٣٠ : ١٥٥ ، الفائدة الرابعة .


الصفحة 154

من المختصر (١١٠) رواية لا توجد في بصائر الصفّار ، منها : (٤٥) رواية في الرجعة لا يوجد منها أثر في بصائر الصفّار ، إضافة إلى أكثر من (١٥) رواية تختلف عمّا موجود في بصائر الصفّار من إضافة في السند أو المتن ، أي حوالي نصف الروايات المنقولة عن مختصر بصائر سعد غير موجودة ، أو مختلفة عمّا موجود في بصائر الصفّار ، فكيف يصحّ أنّ مختصر سعد هو مختصر من بصائر الصفّار!

وهناك شيء آخر ، فإنّ الشيخ حسن بن سليمان الحلّي ، نقل في القسم الثاني من مختصر البصائر عدّة روايات عن غير مختصر بصائر سعد ، منها : عدّة روايات صرّح أنّها من بصائر الصفّار ، وقد طابقت هذه الروايات للصفّار على مصوّرة نسخة صغرى من بصائر الدرجات للصفّار بخطّ الحرّ العاملي ، نسخها بتاريخ (١٠٤٦ هـ ) على نسخة الشيخ زين الدين ابن الشيخ محمّد ابن الشيخ حسن ابن الشيخ زين الدين العاملي (الشهيد الثاني) ، حفيد ابن الشهيد الثاني مؤرّخة سنة (١٠٣٣ هـ ) ، كتبت في أربعة أجزاء ، موجودة في مكتبة جامعة طهران تحت رقم (١٠٦١) ، فوجدت ما نقله مطابقاً بالحرف والترتيب لما مذكور في هذه البصائر الصغرى ، والتي ظاهرها أنّها مختصرة من البصائر الكبرى ، حيث إنّ رواياتها مطابقة لما يقابلها في الكبرى بالترتيب والأبواب ، إلى منتصف الجزء التاسع من الكبرى ، وبالتالي فإنّ الشيخ حسن لم ينقل ولا رواية من النصف الثاني للجزء التاسع إلى تمام الجزء العاشر من بصائر الصفّار الكبرى ، وما أورده من روايات موجودة في هذا الجزء والنصف الباقي نقله من مختصر بصائر سعد لا بصائر الصفّار ،فالظاهر أنّه لم يطّلع على الجزء والنصف الأخيرين من بصائر الصفّار ، وذلك لوجود النسخة الصغرى عنده لا الكبرى ، (مع


الصفحة 155

ملاحظة جديرة بالتأمّل ، أنّ الشيخ حسن من تلامذة الشهيد الأوّل ، ووقوع الشهيد الأوّل في طرق إجازات الشهيد الثاني ، ثمّ ولده وحفيد ولده والحرّ العاملي واضح)(1) .

ولا مجال للاحتمال بأنّ ما كان موجوداً عند الشيخ حسن من مختصر بصائر سعد ، هو في الحقيقة نصف الجزء التاسع والجزء العاشر من بصائر الصفّار الكبرى ، وأنّ هناك خطأً ، إمّا من الشيخ حسن أو من الناسخ بنسبتها إلى سعد بن عبد الله القمّي ; لأنّا ذكرنا وجود حوالي ١٢٥ رواية فيه لا توجد في بصائر الصفّار .

وأمّا روايات النصف الآخر (حوالي ١٣٩) التي ذكرها الشيخ حسن من مختصر سعد وتوجد في بصائر الصفّار ، فقد وجدناها مطابقة بترتيبها لما موجود في بصائر الصفّار ، ومنها روايات حديث الثقلين التي أوردناها ، إلاّ في عدّة حالات شاذّة ، وتختلف في ترتيب الأبواب ، فهو ما لم أجد له تفسيراً مقنعاً ، سوى ما ذكر من الجميع من أنّ سعد بن عبد الله القمّي ومحمّد بن الحسن الصفّار متعاصران وشيوخهما متّحدان ، ولكن هذا لا يفسّر سبب توافقهما في ترتيب الروايات ، وعلى كلّ ، فقد ظهر أنّ بصائر سعد هي غير بصائر الصفّار ، وهما غير مختصر بصائر سعد الذي نقل منه الشيخ حسن ، والمجهول المختصِر ، وهي غير مختصر بصائر الشيخ حسن ابن سليمان الحلّي ، والذي يسمى أيضاً (إثبات الرجعة) أو (الرجعة) .

____________

1- راجع خاتمة الوسائل ، الفائدة الخامسة .


الصفحة 156

الصفحة 157

حديث الثقلين عند الإماميّة (الاثني عشريّة)

القرن الرابع الهجري


الصفحة 158

الصفحة 159

(١٢)

كتاب : تفسير فرات

لأبي القاسم فرات بن إبراهيم الكوفي

(أواخر القرن الثالث ـ أوائل القرن الرابع)

الحديث :

فرات ، قال : حدَّثني علي بن محمّد بن عمر الزهري معنعناً ، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، في قول الله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُم ، قال : «نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام)» .

قلت : إنّ الناس يقولون فما منعه أن يسمّي عليّاً وأهل بيته في كتابه؟

قال أبو جعفر (عليه السلام) : «فتقولون لهم إنّ الله أنزل على رسوله الصلاة ، ولم يسمّ ثلاثاً وأربعاً ، حتّى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسّر ذلك لهم ، وأنزل الحجّ ، فلم ينزل طوفوا أُسبوعاً ، ففسّر لهم ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأنزل الله ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُم ، نزلت في علي ابن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام) ، فقال فيه : من كنت مولاه فعلي مولاه ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي ، إنّي سألت الله أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما علي الحوض ، فأعطاني ذلك ، فلا تعلّموهم فهم أعلم منكم ، إنّهم لم يخرجوكم من باب هدى ، ولن يدخلوكم من باب ضلالة ، ولو سكت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يبيّن أهلها ، لادّعاها آل عبّاس وآل عقيل وآل فلان وآل فلان ، ولكنّ الله أنزل في كتابه :


الصفحة 160

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ، فكان علي والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام) تأويل هذه الآية ، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ، فأدخلهم تحت الكساء في بيتِ أمّ سلمة ، فقال : اللّهم إنّ لكلّ نبيّ ثقلا وأهلا فهؤلاء ثقلي وأهلي ، فقالت أمّ سلمة : ألست من أهلك؟

فقال : إنّك إلى خير ، ولكن هؤلاء ثقلي وأهلي ، فلمّا قُبض رسوالله (صلى الله عليه وآله) ، كان علي أولى الناس بها لكبره(1) ، ولِما بلّغ فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقامه وأخذه بيده»(2) .

وستأتي هذه الرواية في تفسير العيّاشي مرسلة ، ولكن رواها الحاكم الحسكاني (توفي أواخر القرن الخامس) في شواهد التنزيل عنه مسندة(3) .

فرات بن إبراهيم الكوفي :

لم تنقل لنا ترجمة له في الكتب الرجاليّة المعروفة ، إلاّ في بعض الكتب المتأخّرة ، ولكنّه ورد في أسانيد الصدوق (ت ٣٨١ هـ ) في كتبه(4) ، وفي تفسير القمّي (ت بعد ٣٠٧ هـ )(5) ، وفضل زيارة الحسين (عليه السلام) لابن الشجري (ت ٤٤٥ هـ )(6) ، ونقل عنه الحاكم الحسكاني في شواهد

____________

1- المقصود من (كبره) ، أي أكبر وأفضل أهل البيت(عليهم السلام) ، الذين عيّنهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

2- تفسير فرات : ١١٠ ح ١١٢ ، سورة النساء : ٥٩ (يا أيّها الّذيْنَ آمنوا أطيِعُوا الله وأَطيِعُوا الرّسول وأُولي الأمرِ مِنْكم) .

3- انظر ما ذكرناه في تفسير العيّاشي ، الحديث الرابع .

4- انظر الأمالي للصدوق ، وغيره من كتبه الأُخرى .

5- تفسير القمّي ٢ : ٣٣١ ، آية (٢٤) ، سورة (ق) : (أَلقيا فِي جَهنّم كُلّ كَفّار عَنيِد) و٤٣٧ ، سورة المطفّفين(٧) : (كُلاّ إنّ كِتَابَ الفُجّارِ لَفِي سِجّين) .

6- انظر فضل زيارة الحسين (عليه السلام) لابن الشجري : ٤٦ ]٢٢[ ، ٤٩ ]٢٦[ ، ٥٠ ]٢٧[ ، ٦٤ ]٤٦[ ، ٦٨ ]٥٢[ ، ٧٥ ]٦١[ ، ٧٧ ]٦٥[ ، ٧٨ ]٦٧[ ، ٨٣ ]٧٣[ ، ٩١ ]٨٤[ ، ٩٣ ]٨٧[ .


الصفحة 161

التنزيل(1) .

والظاهر من كتابه ومن الروايات التي نقلت عنه ، أنّه كان كثير الحديث ، ومن طبيعة ومضمون هذه الروايات وأنّ أغلبها مسندة إلى الإماميين الباقر والصادق (عليهما السلام) ، يظهر أنّه كان إماميّ المذهب .

فقد قال عنه العلاّمة المجلسي (ت ١١١١ هـ ) : وتفسير فرات وإن لم يتعرّض الأصحاب لمؤلّفه بمدح ولا قدح ، لكن كون أخباره موافقة لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة ، وحسن الضبط في نقلها ، ممّا يعطي الوثوق بمؤلّفه وحسن الظنّ به ، وقد روى الصدوق (رحمه الله) عنه أخباراً بتوسّط الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي ، وروى عنه الحاكم أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل ، وغيره(2) .

وقال الميرزا محمّد باقر الخوانساري الإصبهاني (ت ١٣١٣ هـ ) : صاحب كتاب التفسير الكبير الذي هو بلسان الأخبار ، وأكثر أخباره في شأن الأئمّة الأطهار عليهم سلام الملك الغفّار ، وهو مذكور في عداد تفسيري العيّاشي وعلي بن إبراهيم القمّي ، ويروي عنه في الوسائل والبحار على سبيل الاعتماد والاعتبار ، ذكره المحدّث النيسابوري في رجاله بعد ما تركه سائر أصحاب الكتب في الرجال ، فقال : له كتاب تفسيره المعروف عن محمّد بن أحمد بن علي الهمداني . . . ، ثمّ نقل كلام العلاّمة المجلسي السابق .

____________

1- انظر : شواهد التنزيل ١ : ٥٦ ]٥٧[ ، ٧٨ ]٩٢[ ، ١٥١ ]١٦٤[ ، ١٨٣ ]١٩٥[ ، ٢٠٨ ]٢١٥ [و٢٦٧ ]٢٦٢[و ٣٣٦ ]٣٤٥[ ، وغيرها ، راجع فهرست شواهد التنزيل .

2- البحار : ١ : ٣٧ ، ونقل كلامه الميرزا عبد الله الأفندي (ت ١١٣٠ هـ ) في رياض العلماء٤ : ٣٣٧ .


الصفحة 162

ثمّ قال : وقال بعض أفاضل محقّقينا في حواشيه على كتاب (منهج المقال) ـ بعد الترجمة له في الحاشية بما قدّمناه لك في العنوان ـ : له كتاب تفسير القرآن ، وهو يروي عن الحسين بن سعيد من مشايخ الشيخ أبي الحسن علي بن بابويه ، وقد روى عنه الصدوق بواسطة ، ونقل من تفسيره أحاديث كثيرة في كتبه ، وهذا التفسير يتضمّن ما يدلّ على حسن اعتقاده ، وجودة انتقاده ، ووفور علمه ، وحسن حاله ، ومضمونه موافق للكتب المعتمدة . . . (1) .

وذكره المامقاني (ت ١٣٥١ هـ ) بمضمون ما سبق ، ثمّ قال : أقول : إنّ أقلّ ما يفيده كونه من مشايخ علي بن بابويه ، وإكثار الصدوق (رحمه الله) الرواية عنه ، وكذا رواية الشيخ الحرّ (رحمه الله) والفاضل المجلسي (رحمه الله) عنه ، هو كون الرجل في أعلى درجات الحسن ، بعد استفادة كونه إماميّاً من الأخبار التي رواها ، والعلم عند الله تعالى(2) .

وقال التستري (ت ١٤١٥ هـ ) ـ بعد ما ذكر ملخّصاً ممّا سبق ـ : أقول : وقد طبع تفسيره في هذه الأعصار ، إلاّ أنّ الغريب عدم ذكر الكشّي والشيخ في الرجال والفهرست والنجاشي له أصلا(3) .

وقال العلاّمة الطهراني (ت ١٣٨٩ هـ ) ـ بعد أن ذكر أنّه أكثر الرواية عن الحسين بن سعيد الكوفي ـ : وكذلك أكثر فيه من الرواية عن جعفر بن محمّد بن مالك البزّاز الفزّاري الكوفي (المتوفّى حدود ٣٠٠) ، وكان هو المربّي والمعلّم لأبي غالب الزرّاري (المولود ٢٨٥) ، بعد إخراجه عن الكتب وجعله في البزّازين . . . ، وكذلك أكثر من الرواية عن عبيد بن كثير

____________

1- روضات الجنّات ٥ : ٣٥٣ ]٥٤٢[ .

2- تنقيح المقال ٢ : ٣ .

3- قاموس الرجال ٨ : ٣٧٦ ]٥٨٧٥[ .


الصفحة 163

العامري الكوفي (المتوفّى ٢٩٤) مؤلّف كتاب (التخريج) . . . ، وكذلك يروي فيه عن سائر مشايخه البالغين إلى نيّف وماية ، كلّهم من رواة أحاديثنا بطرقهم المسندة إلى الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ، وليس لأكثرهم ذكر ولا ترجمة في أُصولنا الرجاليّة ، ولكن مع الأسف ، أنّه عمد بعض إلى إسقاط أكثر تلك الأسانيد ، واكتفى بقوله مثلا (فرات عن حسين بن سعيد معنعناً عن فلان) ، وهكذا في غالب الأسانيد ، فأشار بقوله معنعناً إلى أنّ الرواية التي ذكرها كانت مسندة معنعنة ، وإنّما تركها للاختصار .

ويروي التفسير عن فرات والد الشيخ الصدوق ، وهو أبو الحسن علي ابن الحسين بن بابويه (ت ٣٢٩ هـ ) ، كما أنّه يروي والد الصدوق أيضاً عن علي بن إبراهيم المفسّر القمّي (الذي توفّي بعد ٣٠٧ هـ ) ، ولعلّ فرات أيضاً بقي إلى حدود تلك السنة . . . ، ثمّ قال : ونسخه كثيرة في تبريز والكاظميّة والنجف الأشرف .

ثمّ ذكر قريباً ممّا ذكرناه آنفاً من اعتماد الصدوقين والحسكاني وعلي ابن إبراهيم ، ونقل كلام العلاّمة المجلسي(1).

كما ذكره السيّد حسن الصدر (ت ١٣٥٤ هـ ) في تأسيس الشيعة ، وقال : وهو من علماء عصر الجواد (عليه السلام)(2) .

ويظهر من كلّ ما نقلناه من كلمات الأعلام ، ترجيح كونه إماميّ العقيدة ، وأمّا ما ذكره محقّق الكتاب الأخ محمّد كاظم في مقدّمته ، وتبعه آخرون ، من أنّه ربّما كان من الناحية الفكريّة والعقائديّة زيديّاً(3) ، فإنّه

____________

1- الذريعة ٤ : ٢٩٨ ]١٣٠٩[ ، كما ذكره أيضاً في طبقات أعلام الشيعة (القرن الرابع) : ٢١٦ .

2- تأسيس الشيعة : ٣٣٢ .

3- تفسير فرات الكوفي : ١١ ، مقدّمة المحقّق .


الصفحة 164

مجرّد فرض واحتمال لا أكثر ، فإنّ مجرّد نقل أكثر من رواية في كتابه عن زيد بن علي (رضي الله عنه) تنفي العصمة عن غير الخمسةِ ـ أصحاب الكساء ـ(1) ، لا يدلّ على زيديّته ، بعد ما عرفت أنّه ينقل في كتابه الروايات الواصلة إليه عن طريق شيوخه بخصوص الآيات النازلة في أهل البيت (عليهم السلام) من مختلف الرواة ،سواء كانوا إماميّة أو زيديّة أو واقفيّة ، وحتّى من العامّة ، مع كثرة رواياته المسندة إلى الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) ، والتي في كثير منها دلالة على إمامتهما .

وأمّا القول في أسانيده ومشايخه ، وأنّ فيهم كثيراً من الزيديّة ، فقد عرفت أنّ كثيراً منهم لم يترجم لهم ، والآخرين صرّح أعلامنا بأنّهم من رواة أحاديثنا ، كما مرّ .

وأمّا رواياته في كتابه ، فهي أدلّ على ما نقول من إماميّته لا زيديّته ، كما عرفت ذلك سابقاً ، خاصّة بعد ضمّ ما رواه عنه الصدوق (رحمه الله) ووالده .

وعلى كلّ حال ، فرواية حديث الثقلين هنا معنعنة ، ولكنّها ذكرت في كتب أُخرى مسندة ، كما سيأتي .

تفسير فرات :

هو واحد من التفاسير الروائيّة القديمة ، إذ إنَّ مؤلّفه كان من أعلام أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع ، جمع فيه الروايات الخاصّة بالآيات النازلة بحقّ أهل البيت (عليهم السلام) غالباً ، مع بعض الروايات الخارجة عن هذا الموضوع ، ومعظم الروايات مسندة إلى الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) ، وهناك روايات أُخرى عن الصحابة والتابعين أو غيرهم من رواة أهل السنّة أو الزيديّة ، بعضها عن زيد بن علي (رضي الله عنه) .

____________

1- تفسير فرات الكوفي : ٣٣٩ ح٤٦٤ ، و٤٠٢ ح٥٣٦ .


الصفحة 165

وقد أورد عنه الحاكم أبو القاسم الحسكاني (توفّي أواخر القرن الخامس) في كتابه شواهد التنزيل(1)، ومن الشيعة العلاّمة المجلسي (ت ١١١١ هـ ) في البحار(2) ، والحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ ) في إثبات الهداة(3) .

وقال الحرّ في مقدّمة كتابه المذكور ، الفائدة التاسعة : إعلم أنّ لنا طرقاً إلى رواية الكتب التي نقلنا منها والأحاديث التي جمعناها . . . ، إلى آخر ما نقلناه سابقاً عند الكلام عن كتاب سُليم(4) ممّا قاله في الفائدة الرابعة من خاتمة الوسائل عند ذكره للكتب المعتمدة عنده ، وقد عدّ منها في رقم ]٨٠ [تفسير فرات بن إبراهيم ، وكذا ما ذكره من طرقه هناك(5) .

وتوجد منه الآن عدّة نسخ ، إحداها نسخة يقع تاريخها بين أوائل القرن التاسع إلى أوائل القرن الحادي عشر ، ولكنّها نسخة ملخّصة غير كاملة ، قد تكون هي نسخة العلاّمة المجلسي (رحمه الله) ، وهناك نسخة هي نسخة المحدّث الشيخ حسين النوري (رحمه الله) ، استنسخت على نسخة تاريخها ١٠٨٣هـ .

أمّا هذه النسخة المطبوعة ، فأصلها نسخة في مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام)في النجف الأشرف ، كتبت بداية القرن الرابع عشر ، وقد سقط عامّة أسانيدها ـ كما لاحظت ذلك في رواية حديث الثقلين ـ إلاّ بعضها ، ولا يعرف من أسقطها ، إلاّ أنّ نسخة الحاكم الحسكاني كانت

____________

1- انظر شواهد التنزيل ١ : ٥٦ ]٥٧[ ، و٧٨ ]٩٢[ ، و١٥١ ]١٦٤[ ، و١٨٣ ]١٩٥[ ، وغيرها ، راجع فهرست شواهد التنزيل .

2- انظر : البحار ١ : ١٩ ، ٣٧ ، ورمز له بـ(فر) .

3- انظر : إثبات الهداة ٣ : ٨٩ ، فصل (٥٥) .

4- راجع ما كتبناه عن كتاب سُليم بن قيس .

5- خاتمة الوسائل ٣٠ : ١٥٩ ، الفائدة الرابعة .


الصفحة 166

مسندة ، كما يلاحظ من الروايات التي نقلها عن تفسير فرات في شواهد التنزيل .

وراوي هذه النسخة المطبوعة ، هو أبو الخير مقداد بن علي الحجازي المدني ، عن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الرحمن العلوي الحسني أو الحسيني ، عن فرات ، كما موجود في بداية الكتاب(1) .

وأمّا حديث الثقلين الوارد فيه ، فقد حذف إسناده كما رأيت ، فأصبح معنعناً ، ولكنّا حاولنا تخريج نفس الحديث بأسانيد أُخرى من كتب أُخرى ، فقد أخرجه العيّاشي في تفسيره كما مرّ آنفاً ، وسيأتي .

____________

1- لخّصنا هذا العنوان من مقدّمة تفسير فرات ، تحقيق : محمّد كاظم .


الصفحة 167

(١٣)

تفسير علي بن إبراهيم القمي

لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمّي (رحمه الله)(كان حيّاً سنة ٣٠٧هـ)

الحديث :

الأوّل : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع في مسجد الخيف : «إنّي فرطكم وإنّكم واردون عليّ الحوض ، حوض عرضه ما بين بصرى وصنعاء ، فيه قدحان من فضّة عدد النجوم ، ألا وإنّي سائلكم عن الثقلين» ، قالوا : يا رسول الله ، وما الثقلان؟

قال : «كتاب الله الثقل الأكبر ، طرف بيد الله وطرف بأيديكم ، فتمسّكوا به لن تضلّوا ولن تزلّوا ، والثقل الأصغر عترتي وأهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض ، كإصبعيّ هاتين ـ وجمع بين سبّابتيه ـ ، ولا أقول كهاتين ـ وجمع بين سبّابته والوسطى ـ فتفضل هذه على هذه»(1) .

تنبيه : قد يكون هذا الحديث الموجود في المقدّمة ، ليس من رواية علي بن إبراهيم ، وإنّما هو والمقدّمة كلّها من كلام راوي التفسير عن علي ابن إبراهيم ، وهو أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم ، أو الراوي عنه ، الذي يقول حدّثني أبو الفضل في أوّل تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وسيأتي مفصّلا .

____________

1- تفسير القمّي ١ : ١٦ ، المقدّمة ، وعنه المجلسي (ت ١١١١ هـ ) في البحار ٢٣ : ١٢٩ ح ٦١ ، باب فضائل أهل البيت (عليهم السلام) .


الصفحة 168

الثاني : وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ، قال(1) : نزلت هذه الآية في علي ، (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ، قال : نزلت هذه الآية في منصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ، وحجّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجّة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدينة ، فكان من قوله بمنى ، أن حمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : «أيّها الناس ، اسمعوا قولي واعقلوه عنّي ، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا» ، ثمّ قال : . . .

ثمّ قال : «أيّها الناس ، إحفظوا قولي تنتفعوا به بعدي ، وافهموه تنعشوا ، ألا لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا ، فإن فعلتم ذلك ولتفعلن لتجدوني في كتيبة بين جبرائيل وميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف» ، ثمّ التفت عن يمينه ، فسكت ساعة ، ثمّ قال : «إن شاء الله أو علي بن أبي طالب» .

ثمّ قال : «ألا وإنّي قد تركت فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض ، ألا فمن اعتصم بهما فقد نجا ، ومن خالفهما فقد هلك ، ألا هل بلّغت»؟ قالوا : نعم ، قال : «اللهم اشهد» .

ثمّ قال : «ألا وإنّه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عنّي ، فأقول ربّ أصحابي ، فقال(2) : يا محمّد ، إنّهم أحدثوا بعدك ، وغيّروا سنّتك ، فأقول : سحقاً سحقاً» .

____________

1- القول : لعلي بن إبراهيم القمّي ، وهذا القول إمّا موقوف عليه وهو من تفسيره ، أو أخذه من شيوخه رواية عن الأئمّة (عليهم السلام) فهو مرسل ، أو مسند بأحد الطرق التي ذكرها علي بن إبراهيم عن شيوخه في هذا التفسير ، وهي كثيرة .

2- الظاهر أنّها (فيقال) .


الصفحة 169

فلمّا كان آخر يوم من أيّام التشريق ، أنزل الله : ﴿اِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «نُعيت إليّ نفسي» .

ثمّ نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف ، فاجتمع الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : «نصر الله امرءاً ، سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم يسمعها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن : قلب امرء مسلم أخلص العمل لله ، والنصيحة لأئمّة المسلمين ،ولزم جماعتهم ، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم ، المؤمنون أخوة تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذّمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم .

أيّها الناس ، إنّي تارك فيكم الثقلين» ، قالوا : يا رسول الله ، وما الثقلان؟

قال : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض ، كأصبعيّ هاتين ـ وجمع بين سبّابتيه ـ ، ولا أقول كهاتين ـ وجمع سبّابته والوسطى ـ ، فتفضل هذه علي هذه» .

فاجتمع قوم من أصحابه ، وقالوا : يريد محمّد أن يجعل الإمامة في أهل بيته ، فخرج أربعة نفر منهم إلى مكّة ، ودخلوا الكعبة ، وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا في ما بينهم كتاباً ، إن مات محمّد أو قتل ، أن لا يردّوا هذا الأمر في أهل بيته أبداً . . .(1) .

____________

1- تفسير القمّي ١ : ١٧٩ ـ ١٨١ ، تفسير سورة المائدة ، الآية (يا أَيّها الرّسولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إليْكَ . . .) ، وعنه الفيض الكاشاني (ت ١٠٩١ هـ ) في تفسير الصافي ٢ : ٦٧ ، سورة المائدة (٦٧) إثبات الهداة ١ : ٦٣١ ح٧٢٧ ، فصل (٤٠) ، و١ : ٦٣٤ ح٧٣٩ ، الفصل (٤٠) ، المورد الثاني ، والمجلسي (ت ١١١١ هـ ) في البحار ٣٧ : ١١٣ ح٦ ، والحويزي (ت ١١١٢) في نور الثقلين ١ : ٦٥٥ ح٢٩٩ .
وقد جاءت بعض مقاطع هذا الحديث مسندة ، كما في الخصال : ١٤٩ ح ١٨٢ ، باب الثلاثة ، هكذا : حدَّثنا أبي(رضي الله عنه) ، قال : حدَّثنا سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله) الناس بمنى في حجّة الوداع في مسجد الخيف ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : «نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها . . . » إلى قوله : «وهم يد على من سواهم» .


الصفحة 170

الثالث : جاء في تفسير سورة الرحمن ، في قوله تعالى :

﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ، قال(1) : حدَّثني أبي ، عن الحسين بن خالد ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ، في قوله : (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ) ، قال (عليه السلام) : «الله علّم محمّداً القرآن . . . ،» قوله : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ) ، قال(2) : «نحن وكتاب الله ، والدليل على ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي»(3) .

الرابع : جاء في تفسير سورة النصر ، في قوله تعالى :

﴿اِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ، قال(4) : نزلت بمنى في حجّة الوداع(5)﴿اِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ، فلمّا نزلت ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)(6) : «نُعيت إليّ نفسي ، فجاء إلى مسجد الخيف فجمع الناس(7) ، ثمّ قال : نصر الله امرءاً

____________

1- القائل علي بن إبراهيم القمّي .

2- الظاهر أنّ القائل هو الإمام الرضا (عليه السلام) ، بدليل ما تقدّم من السؤال له في أوّل الرواية ، وقوله هنا : نحن وكتاب الله .

3- تفسير القمّي ٢ : ٣٢٣ ، تفسير سورة الرحمن ، آية : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّها الَثّقَلانِ) ، وعنه الكاشاني في الصافي ٥ : ١١٠ ، الرحمن : ٣١ ، والبحراني (ت ١١٠٧ هـ ) في البرهان ٤ : ٢٦٧ ح٤ ، والحويزي في نور الثقلين ٥ : ١٩٣ ح٣٢ .

4- القائل : علي بن إبراهيم القمّي .

5- في الرواية السابقة (الحديث الثاني) ، فلمّا كان آخر يوم من أيّام التشريق، أنزل الله: (إذا...).

6- في الرواية السابقة : فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : . . .

7- في الرواية السابقة : ثمّ نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف ، فاجتمع الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : «نصر الله . . .» .


الصفحة 171

سمع مقالتي فوعاها ، وبلّغها من لم يسمعها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه .

ثلاث لا يغل عليه(1) : قلب امرىء مسلم أخلص العمل لله ، والنصيحة لأئمّة المسلمين ، واللزوم لجماعتهم(2) ، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم(3) .

أيّها الناس ، إنّي تارك فيكم ثقلين(4) ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ولن تزلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّهما لن يتفرّقا(5) حتّى يردا عليّ الحوض ، كإصبعيّ هاتين ـ وجمع بين سبّابتيه ـ ولا أقول كهاتين ـ وجمع بين سبّابته والوسطى ـ ، فيفضل(6) هذه على هذه»(7) .

علي بن إبراهيم القمّي :

قال النجاشي (ت ٤٥٠ هـ ) : ثقة في الحديث ، ثبت ، معتمد ، صحيح

____________

1- في الرواية السابقة : عليهن .

2- في الرواية السابقة : ولزم جماعتهم .

3- في الرواية السابقة ، زيادة بعدها : المؤمنون أخوة تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذّمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم .

4- في الرواية السابقة : «إنّي تارك فيكم الثقلين» ، قالوا : يا رسول الله ، وما الثقلان؟ قال : «كتاب الله . . .» .

5- في الرواية السابقة : يفترقا .

6- في الرواية السابقة : فتفضل .

7- تفسير القمّي ٢ : ٤٤٩ ، تفسير سورة النصر ، وعنه الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ ) في إثبات الهداة ١ : ٦٢٤ ح٧٢٩ ، فصل (٤٠) ، البرهان ٤ : ٥١٧ ح٤ ، والمجلسي (ت ١١١١ هـ ) في البحار ٢٧ : ٦٨ ح٥ ، والحويزي (ت ١١١٢ هـ ) في نور الثقلين ٥ : ٦٩٠ ح١٠ .


الصفحة 172

المذهب ، سمع فأكثر ، وصنّف كتباً ، وأضرّ في وسط عمره(1) .

وبنفس العبارة ذكره العلاّمة (ت ٧٢٦ هـ ) في الخلاصة(2) ، وببعضها ابن داود (ت ٧٠٧ هـ ) في رجاله(3) .

وقال العلاّمة المجلسي (ت ١١١١ هـ ) في الوجيزة : ثقة(4) .

وقال الطهراني (ت ١٣٨٩ هـ ) : كان في عصر أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) ، وبقي إلى (٣٠٧) ، فإنّه روى الصدوق (ت ٣٨١ هـ ) في (عيون أخبار الرضا (عليه السلام)) عن حمزة بن محمّد بن أحمد بن جعفر ، قال : أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم (سنة ٣٠٧) . . . ، وفي بعض أسانيد (الأمالي) و(الإكمال) ، هكذا : حدَّثنا حمزة بن محمّد . . . ، بقم (في رجب ٣٣٩) ، قال : أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم ، في ما كتبه إليّ في سنة سبع وثلاثمائة(5) .

تفسير القمّي :

ذكر النجاشي (ت ٤٥٠ هـ ) في ضمن كتبه كتاب التفسير ، وقال : وله كتاب التفسير .

ثمّ قال : أخبرنا : محمّد بن محمّد ، وغيره ، عن الحسن بن حمزة بن علي بن عبيد الله ، قال : كتب إليّ علي بن إبراهيم بإجازة سائر حديثه وكتبه(6) .

____________

1- رجال النجاشي : ٢٦٠ ]٦٨٠[ .

2- خلاصة الأقوال : ١٨٧ ]٥٥٦[ .

3- رجال ابن داود ١٣٥ ]١٠١٨[ .

4- الوجيزة (رجال المجلسي) : ٢٥٥ ]١١٩٣[ ، انظر : منهج المقال : ٢٢٣ ، تنقيح المقال ٢ : ٢٦٠ ، قاموس الرجال ٧ : ٢٦٤ ]٤٩٧٧[ ، مجمع الرجال ٤ : ١٥٢ ، بلغة المحدّثين : ٣٧٩ ]٣٢[ ، جامع الرواة ١ : ٥٤٥ ، بهجة الآمال ٥ : ٣٥٤ .

5- الذريعة ٤ : ٣٠٢ ]١٣١٦[ ، وانظر : عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ٢ : ٢٢٦ ح١٣ ، والأمالي : ١١٦ ح١٠١ ، و٣٢٧ ح٣٨٤ ، و٧٠٨ ح٩٧٦ ، ولم أجده في الإكمال .

6- رجال النجاشي : ٢٦٠ ]٦٨٠[ .


الصفحة 173

وقال الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ ) في الفهرست : له كتب منها : كتاب التفسير . . . ، أخبرنا بجميعها جماعة ، عن أبي محمّد الحسن بن حمزة العلوي الطبري ، عن علي بن إبراهيم .

وأخبرنا محمّد بن محمّد بن النعمان ، عن محمّد بن علي بن الحسين ،عن أبيه ، ومحمّد بن الحسن وحمزة بن محمّد العلوي ومحمّد بن علي ماجيلويه ، عن علي بن إبراهيم ، إلاّ حديثاً واحداً ، استثناه من كتاب الشرايع في تحريم لحم البعير ، وقال : لا أرويه . . .(1) .

وكذا نسبه إليه كلّ من تعرّض له .

وذكره الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ ) في الكتب التي اعتمد عليها في الوسائل(2) ، والمجلسي (ت ١١١١ هـ ) ضمن مصادر البحار(3) ، وذكر الحرّ طرقه إليه(4) .

والتفسير المتداول الآن والمطبوع باسم تفسير القمّي ، يتكوّن من قسمين :

أحدهما : ما رواه علي بن إبراهيم القمّي ، والذي يمثّل تفسير القمّي في الواقع .

ثانيهما : روايات في التفسير عن أبي الجارود ، أدخلها في ضمن تفسير القمّي ، راوي التفسير أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) ، أو الراوي عنه ، حيث قال في أوّل التفسير ، في تفسير ﴿ِْسمِ الله الرّحْمنِ اَلْرَحيمِ : حدَّثني أبو الفضل العبّاس ابن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) ، قال : حدَّثنا أبو

____________

1- فهرست الطوسي : ٢٦٦ ]٣٨٠[ .

2- خاتمة الوسائل ٣٠ : ١٥٧ ]٤٦[ .

3- البحار ١ : ٨ و٢٧ .

4- خاتمة الوسائل ٣٠ : ١٧٩ .


الصفحة 174

الحسن علي بن إبراهيم . . .(1) ، فقوله : (حدَّثني) يدلّ على شخص آخر غير أبي الفضل العبّاس ، ولكن الروايات المسندة إلى أبي الجارود ، رويت عن شيوخ معاصرين لعلي بن إبراهيم أو بعده بقليل ، كما ذكر ذلك الطهراني في الذريعة (ت ١٣٨٩ هـ )(2) ، ورجّح بسببه هو وغيره(3) ، أنّ الجامع للتفسيرين هو أبو الفضل العبّاس بن القاسم .

وقد جاء في مقدّمة التفسير : ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا ، ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم ، وأوجب ولايتهم ، ولا يقبل عمل إلاّ بهم ، وهم الذين وصفهم الله تبارك وتعالى ، وفرض سؤالهم والأخذ منهم ، فقال ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(4) ، حيث اعتمد هذه العبارة بعض أكابر الأعلام في توثيق كلّ رجال تفسير القمّي(5) ، ولكن بعد أن حقّق آخرون أنّه يتضمّن تفسيرين لعلي بن إبراهيم وأبي الجارود ، قسّموا الرجال الواردين فيه ، إلى قسمين : الأوّل : رجال علي بن إبراهيم ، وهم المشمولون بالتوثيق ، والثاني : رجال أبي الجارود ، غير المشمولين بالتوثيق(6) .

ولكن من أين يمكن إثبات أنّ المقدّمة هي لعلي بن إبراهيم ، بل بعد أن ثبت أنّ التفسير مجموع من تفسيرين بتوسّط شخص ثالث ; يترجّح أنّها ليست لعلي بن إبراهيم .

____________

1- تفسير القمّي ١ : ٣٩ .

2- الذريعة ٤ : ٣٠٤ ، في المتن والهامش .

3- أُصول علم الرجال : ١٦٤ ، كليّات في علم الرجال : ٣١٣ .

4- تفسير القمّي ١ : ١٦ ، المقدّمة .

5- الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ ) ، في خاتمة الوسائل ٣٠ : ٢٠٢ ، الفائدة السادسة ، ووافقه على ذلك السيّد الخوئي (ت ١٤١٣ هـ ) ، في معجم رجال الحديث ١ : ٤٩ .

6- أُصول علم الرجال : ١٦٥ ، كليّات في علم الرجال : ٣١٣ .


الصفحة 175

فالمقدّمة تتكوّن من قسمين : القسم الأوّل صيغ بالأسلوب المعهود للمقدّمات ، من الحمد وذكر صفات الخالق جلّ وعلا ، والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) ، وذكر معجزته القرآن الكريم ، ووصف أمير المؤمنين له ، وأنّ الأئمّة (عليهم السلام) هم العدل الثاني للقرآن ، ومن ضمنها العبارة التي نقلناها سابقاً في توثيق رواة التفسير ، وجاء في نهايته في بعض النسخ المطبوعة (قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الهاشمي القمّي) ، كبداية للقسم الثاني .

والقسم الثاني : هو بعض الروايات في علوم القرآن ، مختصرة من روايات مبسوطة عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، أوردها النعماني بطولها في أوّل تفسيره ، وأخرجها منه المرتضى ، وجعل لها خطبة ، وتسمّى برسالة المحكم والمتشابه ، وأُدرجت بعينها في البحار(1) ، وذكر في بدايتها سندها ، وليس فيه علي بن إبراهيم ، وذكر في آخرها أنّه وجد رسالة قديمة مفتتحها ، هكذا : حدَّثنا جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي (رحمه الله) ، قال :حدَّثني سعد الأشعري القمّي أبو القاسم (رحمه الله) ، وهو مصنّفه : الحمد لله . . . ، روى مشايخنا ، عن أصحابنا ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) : أنزل القرآن على سبعة أحرف . . . ، وساق الحديث إلى آخره ، لكنّه غيّر الترتيب ، وفرّقه على الأبواب ، وزاد في ما بين ذلك بعض الأخبار(2) .

أقول : وقد راجعت ما نقله من هذه الرسالة(3) فوجدت فيه بعض روايات مقدّمة تفسير القمّي .

وقد أدخل كاتب هذه المقدّمة المختصرة بعض الروايات عن علي بن

____________

1- الذريعة ٤ : ٣٠٢ ، والبحار ٩٣ : ١ ، باب ]١٢٨[ .

2- البحار ٩٣ : ٩٧ .

3- البحار ٩٢ : ٦٠ .


الصفحة 176

إبراهيم فيها بصيغة : قال أبو الحسن علي بن إبراهيم ، وهي لا توجد في ما أورده المجلسي في البحار .

ثمّ جاء بعد المقدّمة سند التفسير ، بعد أن قال : أقول : تفسير ﴿بِْسمِ الله الرّحْمنِ اَلْرَحيمِ حدّثني أبو الفضل العبّاس بن محمّد . . . .

فبملاحظة تأخّر السند عن المقدّمة ، وقوله فيه : حدّثني أبو الفضل العبّاس ، ووجود بعض روايات علي بن إبراهيم الواردة في المقدّمة بصيغة (قال) ، في ضمن الروايات المختصرة من روايات الإمام الصادق (عليه السلام) التي أوردها النعماني ، يصبح هناك شبه اطمئنان ، أنّ المقدّمة ليست لعلي بن إبراهيم ، أو على الأقلّ أنّ القسم الأوّل منها ليس لعلي بن إبراهيم ، إذا أخذنا بالحسبان ما ذكره بعض المحقّقين(1)، رواها الشيخ حسن بن سليمان (القرن التاسع) في مختصر البصائر من مقدّمة التفسير ، وقال : حدَّثني أبو عبد الله محمّد بن مكّي بإسناده عن علي بن إبراهيم بن هاشم من تفسير القرآن العزيز ، قال : وأمّا الردّ على من أنكر الرجعة ، فقوله عزّ وجلّ ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّة فَوْجاً ، قال علي بن إبراهيم : . . ، ثمّ روى ثلاث روايات من المقدّمة(2) كلّها مرويّة عن علي بن إبراهيم .

مع ما موجود في بعض النسخ المطبوعة في بداية القسم الثاني من المقدّمة ، قال : أبو الحسن علي بن إبراهيم الهاشمي القمّي .

____________

1- أشار إلى ذلك الشيخ الداوري في أُصول علم الرجال : ١٦٣ هامش (١) ، بقوله : والصحيح أنّها ـ أيّ المقدّمة ـ له ، وذلك لوجود أجزاء من المقدّمة في كلمات القدماء منسوبة إلى علي بن إبراهيم ، فلا وجه للإشكال ، أقول : لم يصرّح هنا بأنّ مراده من القدماء هو الشيخ حسين بن سليمان ، ولكنّي سألته شخصيّاً عنه ، فأجاب : هو الشيخ حسن بن سليمان في مختصر البصائر . ثمّ أنّ جواب الإشكال يأتي في المتن .

2- مختصر البصائر : ١٤٩ .


الصفحة 177

ولكن الشيخ حسن بن سليمان من رجال القرن التاسع ، وكذا أستاذه الشهيد الأوّل ، مع أنّ سند الشهيد إلى كتاب التفسير هو من الإجازات العامّة ، وقد روى التفسير كاملا ، ووصله بشكله الذي وصلنا ، ونحن ندّعي أنّ كاتب المقدّمة متقدّم عليه ، بحدود ثلاثة قرون على الأقلّ ، إذا لم يكن أكثر ، فكيف يثبُت ما قاله هذا المحقّق ؟ ومن الواضح أنّ الشيخ حسن قد فهم أنّ المقدّمة لعلي بن إبراهيم ، مثل ما فهم الحرّ العاملي والسيّد الخوئي ، وغيرهم ، وليس هناك دلالة على أنّ الشهيد الأوّل فهم مثل فهمهم ، وإنّما ذكر سنده إلى التفسير الذي وصله مع المقدّمة .

هذا كلّه إضافة إلى أنّ قوله في القسم الثاني من المقدّمة : (قال : علي ابن إبراهيم) ، يدلّ على شخص آخر ، وإلاّ لو كان الراوي هو علي بن إبراهيم لقال : حدَّثني أبي ، كما هو سائد في سائر التفسير .

والشخص الكاتب للمقدّمة ، إمّا أن يكون راوي التفسير أبو الفضل العبّاس ، أو شخص ثالث ، فأمّا أبو الفضل العبّاس ، فلم يذكر في كتب الرجال ، وإن ذكر في كتب الأنساب ، كما نقل صاحب الذريعة(1) ، وأمّا إذا كان الكاتب غيره فهو غير معروف ، وبالتالي فلا يمكن الاعتماد على ما في المقدّمة ، على كلا الاحتمالين ، إلاّ إذا استطعنا اعتبار شهادة كاتب المقدّمة بتوثيق شيوخه أيضاً ، ويكون توثيقاً لكلّ الشيوخ الواردين في أسانيد روايات التفسير ، سواء كانوا شيوخ القمّي أو أبي الجارود ، ولكن هذا يحتاج إلى تحقيق في وثاقة أبي الفضل العبّاس ، أو معرفة الراوي عنه ووثاقته .

ثمّ نجد في هذا التفسير بعض الروايات مسندة ، كما في الرواية الثالثة

____________

1- الذريعة ٤ : ٣٠٧ .


الصفحة 178

من حديث الثقلين ، وبعضها مصدّر بـ (قال : علي بن إبراهيم) ، الظاهر منه أنّه نظر وقول لعلي بن إبراهيم نفسه ، كما في الرواية الثانية ، إلاّ أن نقول : إنّ كلّ ما قاله في هذا التفسير مأخوذ من الأئمّة (عليهم السلام) .

وروايات حديث الثقلين في التفسير كلّها عن علي بن إبراهيم ، فتكون بسند موثّق ، على مبنى من يقول بتوثيق رجال علي بن إبراهيم .

وعلى كلّ ، فروايات حديث الثقلين هنا متوافقة مع الروايات المرويّة في المصادر الأُخرى ، ولم تخرج في مضمونها عمّا هو مشتهر من حديث الثقلين .


الصفحة 179

(١٤)

كتاب : تفسير العيّاشي

عيّاش السلمي السمرقندي (ت حدود ٣٢٠ هـ )

الحديث :

الأوّل : عن أبي جميلة المفضّل بن صالح ، عن بعض أصحابه ، قال : ] لمّا [ خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الجُحفة بعد صلاة الظهر ، انصرف على الناس ، فقال : «يا أيّها الناس ، إنّي قد نبّأني اللطيف الخبير ، أنّه لن يعمّر من نبيّ إلاّ نصف عمر الذي يليه من قبله ، وإنّي لأظنّني أُوشك أن أُدعى فأُجيب ، وإنّي مسؤول ، وإنّكم مسؤولون ، فهل بلّغتكم ، فماذا أنتم قائلون؟»

قالوا : نشهد بأنّك قد بلّغت ونصحت وجاهدت ، فجزاك الله عنّا خيراً ، قال : «اللّهم اشهد» .

ثمّ قال : «يا أيّها الناس ، ألم تشهدوا أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، وأنّ الجنّة حقّ ، وأنّ النار حقّ ، وأنّ البعث حقّ من بعد الموت ؟»

قالوا : نعم ، قال : «اللّهم اشهد» .

ثمّ قال : «يا أيّها الناس ، إنّ الله مولاي ، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ألا من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» .


الصفحة 180

ثمّ قال : «أيّها الناس ، إنّي فرطكم ، وأنتم واردون عليّ الحوض ، وحوضي أعرض ما بين بصرى وصنعاء ، فيه عدد النجوم قدحان من فضّة ، ألا وإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما حتّى تلقوني»

قالوا : وما الثقلان ، يا رسول الله؟

قال : «الثقل الأكبر كتاب الله ، سبب طرفه بيدي الله وطرف في أيديكم ، فاستمسكوا به ولا تضلّوا ولا تذلّوا ، ألا وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أن لا يفترقا حتّى يلقياني ، وسألت الله لهما ذلك ، فأعطانيه ، فلا تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فهم أعلم منكم»(1) .

الثاني : عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله)بالمدينة ، فكان فيها : قال لهم : . . . » الحديث(2) . أي الحديث السابق .

الثالث : عن مسعدة بن صدقة ، قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام) : «إنّ الله جعل ولايتنا أهل البيت قطب القرآن ، وقطب جميع الكتب ، عليها يستدير محكم القرآن ، وبها نوّهت الكتب ، ويستبين الإيمان ، وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، أن يقتدى بالقرآن وآل محمّد ، وذلك حيث قال في آخر خطبة خطبها : إنّي تارك فيكم الثقلين : الثقل الأكبر والثقل الأصغر ، فأمّا الأكبر فكتاب ربّي ، وأمّا الأصغر فعترتي أهل بيتي ، فاحفظوني فيهما ، فلن تضلّوا

____________

1- تفسير العيّاشي ١ : ٧٦ ح ٣ ، في فضل القرآن ، وعنه الحرّ العاملي (ت ١١٠٤ هـ ) في إثبات الهداة ١ : ٦٢٥ ح٦٨٣ ، فصل ]٣٨[ ، والسيّد هاشم البحراني (ت ١١٠٧ هـ ) في البرهان ١ : ١٠ ح٩ ، وغاية المرام ٢ : ٣٤١ ح٢٥ ، باب ]٢٩[ ، والعلاّمة المجلسي (ت ١١١١ هـ ) في البحار ٢٣ : ١٤١ ح٩٢ .

2- تفسير العيّاشي ١ : ٧٧ ح ٥ ، في فضل القرآن ، وعنه المجلسي في البحار ٢٣ : ١٤٢ ح٩٣ .


الصفحة 181
الصفحة السابقة الصفحة التالية