×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية ( ج 1) / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

أجل، إنّها فوارق مذهبيّة لا مفرّقة لجماعتهم الملتئمة، فهذه الكلمة(١) إمّا بذر للتفرقة، أو وهم واشتباه.

وإذا شئت أن أريك التعصّب المذهبي ملموساً باليد، فتأمّل في ما أنقله لك عن المقريزي في خططه في الصفحة ٣٨٥ من الجزء الثاني منه، فإنّه بعد أن ذكر أنّ الملوك العلويين بمصر كانوا يتّخذون يوم عاشوراء يوم حزن تتعطّل فيه الأسواق، قال: «فلمّا زالت الدولة اتّخذ الملوك من بني أيّوب يوم عاشوراء يوم سرور، يوسّعون فيه على عيالهم، ويتبسّطون في المطاعم ويصنعون الحلاوات، ويتّخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام، جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجّاج في أيّام عبدالملك بن مروان، ليرغموا بذلك آناف شيعة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، الذين يتّخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي(عليه السلام)، لأنّه قتل فيه». انتهى.

فيا أيّها الرامز إلى التفرقة في كلامه، والمريد للتأليف حسب الظنّ بمرامه، إن كنت تجد أعمال الجعفريّة مهجّنة للرسوم المذهبيّة لغيرهم من فرق المسلمين فلك الحقّ في الاستياء منها، وإن لم تكن كذلك ـ كما هو الواقع ـ فماذا يضرّك منها، وما هو سبب الاستياء من إقامتها؟!

لو أنّ في طوائف المسلمين من لا يوالي الحسين(عليه السلام) ولا يقدّرشرفه ولا مظلوميّته ولا قربه من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكان حقّه أن يستاء من إقامة تذكاراته، لكنّه سلام الله عليه ممّن يشترك في ولائه جميع المسلمين، وعلى جميعهم الحقّ في إظهار مظلوميّته والنوح عليه تقرّباً إلى جدّه صاحب الشفاعة الكبرى(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف

١- أي كلمة جريدة الأوقات العراقية في عددها ١٦٦١ التي نقلت كلام السيّد محمّد مهدي الموسوي القزويني.

٤٢١
رسائل شعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص ٤٢١ - ص ٤٥٠)

تكون تذكاراته ـ وهو بتلك المنزلة عند جميعهم ـ رمزاً إلى التفرقة بين جماعتهم وعاملاً من عواملها؟!

وقد كثر تحامل الصحف على الجعفريّة في أعمالهم الحسينية، وعسى أن يكون أصحابها هم المعنيّون في كلام صاحب المقالة، بأنّهم يسخرون ويستهزئون، بيد إنّه يسمّيهم الأجانب، وهم في الحقيقة أقارب لاأجانب، قد وشجت بينهم وبين الجعفريّة من عروق الدين الإسلامي نوابضه ورواهشه (١)وشواكل قلبه، واشتبكت أواصر القرابة بينهم في الأعضاء الرئيسيّة من جسم دينهم الأقدس.

وهؤلاء في الحقيقة لا يسخرون بل يستاؤون وتتأثّر قلوبهم، ولو لم يكونوا قد أدركوا النكات الدقيقة العائدة بالنفع المذهبي على الجعفريّة من جميع هذه الأعمال - التي تعملها الشيعة في شهر المحرم في مآتم وموكب وتمثيل ـ لما استاؤوا، ولما جدّوا ليل نهار في رفعها ودرس أثرها.

١- الرواهش: عروق باطن الذراع. الصحاح ٣: ١٠٠٨ «رهش».

٤٢٢

الأمر الثاني

إنّ بعض أهل التقشف يمنع من ضرب الطبول، ونفخ الأبواق، ودقّ الصنوج في المواكب وغيرها على الكيفيّة المرسومة في العزاء في النجف اليوم، وذلك ـ أي المنع ـ من الزّلاّت الناشئة عن خفاء هذه الموضوعات لديهم، ولا غرو فهذه موضوعات لايعرفها النسّاك.

الآلات الثلاث تارة يكون استعمالها على الكيفيّة التي يضرب بها اللهو والطرب، كما يستعمله أهله، وهذا لا ريب في حرمته.

وتارة لايكون على تلك الكيفيّة، كالذي يكون في الحرب، وفي العزاء المرسوم، وهذا لو كان محرّماً لكان الضرب العبثي غير المنتظم محرّماً، وذلك ممّا لاينبغي لأحد أن يحتمله ولم يذهب ذاهب ممّن يعتدّ به من فقهائنا إلى حرمة جميع أنحاء استعمال آلات اللهو، فضلاً عن المشتركة بينه وبين غيره، على أيّ كيفيّة كان الاستعمال وفي أيّ حال وقع.

وما ورد في أخبارنا ـ كالمروي عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق(عليه السلام): من نهي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الزفن(١)، والمزمار، وعن الكوبات(٢)،

١- الزفن: الرقص. الصحاح ٥: ٢١٣١ «زفن».

٢- الكوبة: الطبل المخصّر، معرّب. المصباح المنير: ٥٤٣ «كوب».

٤٢٣

والكبرات(١) (٢)، ـ لم يحرز له إطلاق يشمل غير مورد الاستعمال اللهوي، بل الخبر الآتي(٣) وغيره قرينة على أنّ المراد استعمال الآلات المذكورة لأجل اللهو والطرب على الكيفيّة التي يستعملها أهل الملاهي.

وليس المراد باللهو مطلق اللعب ـ كما لعلّه يتوهّمه من لا خبرة له ـ بل ما كان على سبيل البطر وشدّة الفرح، فإنّ اللعب والعبث ـ ولو لغرض عقلاني ـ ممّا لم يقل بحرمته أحد، إلاّ أن يكون شاذّاً، وهو مع شذوذه محجوب بالأخبار الكثيرة.

قال شيخنا الإمام المرتضى الأنصاري قدّس سرّه: «الظاهر أنّ حرمة اللعب بآلات اللهو ليس من حيث خصوص الآلة، بل من حيث إنّه لهو».

والمراد باللهو هو ما ذكرناه كما صرّح به قبل ذلك وبعده.

ثمّ استشهد على ذلك بشواهد منها: رواية سماعة عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)قال: «لمّا مات آدم شمت إبليس وقابيل به، فاجتمعا في الأرض، فجعل إبليس وقابيل المعازف والملاهي شماتةً بآدم، فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذّذ به الناس ـ من الزفن والمزمار والكوبات والكبرات ـ فإنّما هو من ذلك»(٤).

ثمّ قال: «فإنّ هذا يشير إلى أن المناط هو التلهّي والتلذّذ»(٥).

١- الكبر: الطبل له وجه واحد. المصباح المنير: ٥٢٤ «كبر».

٢- الكافي ٦: ٤٣٢ حديث ٧، وسائل الشيعة ١٧: ٣١٣ ـ ٣١٤ حديث ٦ باب ١٠٠ من أبواب ما يكتسب به.

٣- وهو رواية سماعة الآتية.

٤- الكافي ٦: ٤٣١ حديث ٣، وسائل الشيعة ١٧: ٣١٣ حديث ٥ باب ١٠٠ من أبواب ما يكتسب به.

٥- المكاسب ٢: ٤٦.

٤٢٤

أقول: وأنت إذا تأملت وجدت دقّ الصنج مثل التصفيق، بل هو تصفيق بآلة لا باليد، ورأيت ضرب الطبل المتعارف في العزاء كضرب الطشت، ولا ريب في أنّ التصفيق والضرب بالطشت بدل الدّف إذا استعملا للّهو والطرب كان استعمالها محرّماً كما صرّح به الإمام الشيخ المرتضى أيضاً، مع أنّ الطشت ليس من آلات اللهو فضلاً عن التصفيق، ولا بمنصوص عليه في الأدلّة، وما ذلك إلاّ لكونه مفيداً فائدة آلات اللهو.

وكذا الحال في الصنج والطبل إذا استعملا على تلك الكيفيّة كان استعمالهما حراماً، وإلاّ فلا وجه لحرمته البتّة، ومن هذا القسم ما يستعمل في العزاء والمواكب والشبيه اليوم في النجف، ودعوى أنّ هذا من الملهي المطرب سخيفة جدّاً.

اللهو والطرب أمران يعرفهما الفسّاق لا النسّاك، ولا يقلّد فيهما المجتهد إذا كان المقلّد عالماً بهما والمجتهد محتاطاً; لعدم استفراغ وسعه في البحث عن الموضوع.

وهكذا الأمر في معنى الغناء، فإنّي لا أستبعد أنّ أولئك إذا سمعوا صوتاً رخيماً وإن كان غير متقاطع ولا متناسق النغم حسبوه غناءً، وهذا خطأ، وأولى لهم أن يسألوا أهل الفسوق عن ألحانهم فإنّها الغناء لا غيرها.

إنّ من البديهي الوجداني أنّ ضرب الطبل ودقّ الصنج ونفخ البوق على الكيفيّة المرسومة في العزاء اليوم في النجف، مع إنّها لم يقصد بها اللهو والطرب، هي بنفسها لا لهو بها ولا طرب، وإنّما يقصد بها انتظام الموكب والإعلان بمسيره ووقوفه ومشايعة صوته لندبة أهل الموكب، فإنّ انتظامه يختلّ بخفاء أصوات النادبين، ولذلك تجدهم إذا اجتمعوا للّطم في دار أو مأتم لايضربون ولا يدقّون بشيء; لاستغنائهم حينئذ عن كلّ شيء.

٤٢٥

وقد سمعتُ من غير واحد أنّ الصّنج المتعارف الآن قد أحدثه في العزاء العلاّمة المجلسي أعلى الله مقامه في قرى إيران ; ليسمع أهل القرى القريبة منهم ويعلموا بإقامتهم العزاء، وكذا في البلدان ا لكبار لأجل تنبيه أهل المحلاّت جميعاً ; لأن الطبل الحربي الذي هو ا لمتعارف في العزاء لا شيوع له في البلدان الإيرانية.

وهذا القدر وان كان كافياً في إثبات الجواز، لكن نظراً إلى أهميّة تحقّق الحال في استعمال الآلات الثلاث المذكورة، فإنّي أرجع إلى البحث عنها بطور آخر:

٤٢٦

الطَبْلُ

المعبّر عنه بلسان العامة (الدمّام)، وهو موضوع العناية من الكلام، أمّا غيره ممّا قد يستعمل في بعض البلدان كالمسمّى عندهم (نقّارة) فلا ريب في حرمته.

ذكر العلاّمة في التذكرة(١) والمحقّق الثاني في جامع المقاصد(٢) أقسام الطبول وعدّا منها: «طبل الحرب الذي يُضرب به للتهويل، وطبل القافلة الذي يضرب به للإعلام بالنزول والارتحال، وطبل العطّارين: وهو سفط لهم، وطبل اللهو وفسّر بالكوبة».

ولكن نظراً إلى اشتراك الكوبة بين معان، بعضها ليس من أقسام الطبول، وبعضها الآخر طبل لهو كما ستعرفه، مثّل له العلاّمة بما «يضرب به المخنثون من طبل وسطه ضيّق وطرفاه واسعان» وقد صرّحوا بجواز استعمال ما عدا الأخير منها وبيعها وشرائها والوصيّة بها، وادّعى في التذكرة الإجماع على ذلك.

ولا ريب أنّ هذه الطبول جميعاً يمكن أن يضرب بها ضرباً لهوياً كما يستعمله أهل الطرب، فلم جوّزوا استعمالها؟

١- تذكرة الفقهاء «الطبعة الحجرية» ٢: ٤٨٣ كتاب الوصايا.

٢- جامع المقاصد ١٠: ١٠٧.

٤٢٧

أليس لأنّها ما أعدّت ولا هيّئت لذلك ؟

أليس لكون الضرب العادي بها ليس ملهيّاً ولا مطرباً؟ بل هو ضرب إعلام وتنبيه، كما هو الشأن في الطبل المستعمل في العزاء.

الطبل العزائي لو كان من الآلات المشتركة بين اللهو وغيره، فلا ريب أنّ استعماله ليس لأجل الطرب ولا على الكيفيّة المطربة، ولهذا عدّ كاشف الغطاء في عداد ما كان راجحاً لعنوان راجح ينطبق عليه أكثر ما يقام في العزاء من «دقّ طبول وضرب نحاس وتشابيه صور».

قد رأينا طبل الحرب أيام الحرب العامّة عند أعراب نجد في النجف، وطبل القافلة عندهم منذ كان الحاج العراقي يسير برّاً على طريق جبلي طي، وهما عين الدمّام المتعارف استعماله اليوم في المواكب العزائية في النجف.

إنّ طبل الحرب والقافلة وطبل العزاء في الشكل والحجم سواء، وفي كون الضرب عليها بآلة لاباليد سواء، وفي كون الضرب منتظماً انتظاماً خاصاً سواء، وفي كون الغرض من ضربها التنبيه والإعلام سواء، فما هو الفارق بينهما إذاً؟!

إنّ طبل اللهو يفارق هذه الطبول في جميع هذه الخواص عدا الانتظام، بيد أنّه في طبل اللهو على كيفيّة خاصة يعرفها أهل الملاهي ولا يجهلها كلّ أحد، وتلك الكيفيّة غير حاصلة في ضرب الدمّام.

ومع قطع النظر عن جميع ما أسلفته، أوقفك على أمر يكفيك في الحكم بجواز الدمّام، وهو أنّه لم يقع لفظ الطبل في شيء من الأدلّة موضعاً للحكم ليؤخذ باطلاقه، وليدفع الاطلاق بكون المراد طبل اللهو، أو يراد بضربه الضرب الملهي وإنّما الموجود في الأدلّة الكبرات والكوبات.

والكَبَرُ ـ بفتحتين ـ الطبل ذوالوجه الواحد، وهذا ليس إلاّ طبل اللهو، فإنّ ما

٤٢٨

عداه بوجهين.

والكُوبَةُ ـ بالضمّ البربط: وهو العود أو النرد أو الشطرنج أو طبل صغير.

وفي الصحاح: طبل صغير مخصّر(١).

وهذا أيضاً ليس سوى طبل اللهو; لأنّه الصغير، ولو كان غيره كوبة ـ أي طبلاً صغيراً ـ لم يبق للطبل الصغير مصداق أبداً.

وإذا كان لفظ الطبل لم يقع موضوعاً للحكم، فلا مساغ للمنع عنه إلاّ بدعوى أنّ كلّ طبل آلة لهو، وأنّ كلّ آلة لهو يحرم جميع أنحاء الاستعمال بها على جميع الكيفيات، وهذا ما لا أظنّ بأحد أن يقول به.

ومع هذا كلّه فالاحتياط بترك الطبل كلّه ; لأنّ تذكارات سيّد الشهداء من أهم الأعمال التي يعتبر فيها الإخلاص لله في إقامتها، وتعريتها عن كلّ ما يحتمل تحريمه فضلاً عن معلوم الحرمة.

١- الصحاح ١: ٢١٥ «كوب»

٤٢٩

البُوق

المعبّر عنه في لسان العامة (البوري)، لم يعهد استعماله قديماً وحديثاً لأهل الطرب والملاهي كالعود والأوتار والمزامير، وانّما يستعمل في الحرب للتنبيه ولحشر الجنود وتسيير المواكب لحرب أو لغيرها، فهو في الحقيقة آلة تنبيه وإعلام، لا آلة طرب نحو الآلة الصغيرة الصافرة التي يستعملها الشرط والحرس اليوم للتنبيه ليلاً نهاراً.

ومن عرف الخاصيّة الطبيعيّة لهيئته الوضعيّة يعرف بأنّه يستحيل أن يخرج بالنفخ فيه صوت مطرب، ولذلك يحصل الجزم لكلّ عارف به أنّه ليس من المزامير المعدودة من آلات اللهو.

ابتدع الشكل الطبيعي للبوق لأجل خروج صوت عال مرتفع مستهجن، يبلغ بارتفاعه وهجنته مالا يبلغه أرفع صوت مجرّد، وهو كلما دقّ موضع النفخ منه واتسعت فوهته العليا زاد صوته ارتفاعاً وهجنة.

فلارتفاعه استعمل لتنبيه الجند، ولهجنته جعل جزء من «الجوق الموسيقي» للتأليف بين نحو عشرين صوتاً من الأصوات المختلفة في نفخة واحدة; لحصول الطرب بالمجموع، ولكنّه لو أنفرد لايكون ولا يصلح لذلك، ولذلك لاينبغي عدّه من الآلات المشتركة بين اللهو وغيره.

٤٣٠

وإذا لم يكن من المزامير ولا من آلات اللهو، فما هو البرهان على تحريمه؟! لم يوجد في الأدلّة ما يتضمّن النهي عن استعماله بخصوصه في ما حضرني من كتب الاستدلال من غير فحص كامل.

٤٣١

الصّنج

وهو مفرد صنوج، المعبّر عنها بلسان العامة اليوم (طوس)، المنهي عنه في المروي في المجمع(١) فهو بظاهر الأمر مردّد بين معان ثلاثة، لا يعلم أيها المقصود بالنهي، ولا أنّ النهي نهي تنزيه أو تحريم، فقد ذكروا أنّه آله بأوتار، ونحاس صغار مدوّر يجعل في إطار الدف، وآله تتخذ من صفر يضرب إحداها بالأخرى(٢).

وهذا المعنى الأخير ينطبق على ما هو المستعمل اليوم في العزاء الحسيني، لكن من المعلوم أنّ استعمال هذا بالنحو المتعارف الآن في النجف لايمكن قصد التلهّي به والطرب; لأنّه بذاته لا لهو فيه ولا طرب، فكيف يعدّ من آلات اللهو أو المشتركة بينه وبين غيره؟

١- في مجمع البحرين ٢: ٣١٣ «صنج»: «إياك والضرب بالصوانيج، فإنّ الشيطان يركض، معك والملائكة تنفر عنك».

٢- في الصحاح ١: ٣٢٥ «صنج»: الصّنج الذي تعرفة العرب: وهو الذي يتّخذ من صفر، يضرب أحدهما بالآخر. وأمّا الصّنج ذوالأوتار فيختصّ به العجم، وهما معرّبان.
وفي القاموس المحيط ١: ٢٠٤ «صنج»، الصّنج: شيء يتخذ من صفر يضرب أحدهما على الآخر، وآله بأوتار يضرب بها، معرّب.
وقريب منهما ورد في مجمع البحرين ٢: ٣١٣، «صنج».

٤٣٢

إنّ دقّ الصّنج المتعارف في المواكب يوجب الضجر لا الطرب، وما هو إلاّ كدقّ الصفّارين بمطارقهم الحديدية على قطعات الصفر دقاً منتظماً، ولا يبعد أن يكون هذا كان مستعملاً في الحرب مع الطبل - إن كان قديماً - وإنّ الصّنج المعدود من آلات الملاهي ليس هو هذا الصّنج، ولا صنج الموسيقى، بل ما يتّخذ من صفر قطعاً، نحو ما يجعل في إطار الدف، يضع الزافن ـ الراقص ـ كلّ اثنتين منها في إصبعين من أصابع يديه، إحداهما في الإبهام والأخرى في السبابة أو الوسطى، يضرب بأحدهما الأخرى فترنّ رنيناً خفيفاً هو أرقّ من التصفيق صدى وأقرب منه إلى الإطراب، وهذا هو ما يسمّيه الفرس بلغتهم. «زنك».

وقد اتّفق اللغويون على أنّ لفظ «صنج» فارسي معرّب، وإذا كان فارسيّاً هو تلك الآلة كان النهي مختصّا باستعمالها لا محالة، وعسى أن تكون تسمية غيره باسمه للمشابهة.

ثمّ إذا كان الصّنج لغةً مردّداً بين المعاني الثلاثة، وكانت الآلة ذات الأوتار وما يجعل في إطار الدفّ قدراً متيقّناً ممّا جعل موضوع الحكم، وما عدا ذلك مشكوك الفرديّة له، كان مقتضى أصول الفنّ ـ لمن لايوجب الاحتياط في الشبهة المفهوميّة ـ أن يقول بجوازه لاحرمته.

وكم من فرق بين هذا وبين كاشف الغطاء - واللغة بمرئى منه ـ يعدّ من الأمور الراجحة «دقّ طبل إعلام وضرب نحاس» وظنّي أنّه حمل الصّنج المنهي عنه على خصوص المطرب منه، ملاحظة للمناسبة بين الحكم وموضوعه.

على أنّ حمل ذلك النهي على التحريم لاقرينة عليه، ولا إجماع بالفرض، لاسيما والنهي الوارد بلفظ التحذير لابهيئة النهي ولا بمادّته.

٤٣٣

الأمر الثالث

رأيت كلاماً لصاحب الرسالة(١) يلوّح به إلى المنع عن التذكارات التي تقع فيها المحرّمات بحجّة أنّه «لا يطاع الله من حيث يعصى»(٢) فدعاني ذلك إلى شرح هذه الكلمة مهذّباً:

لا يراد بهذه الكلمة أنّ الطاعة إذا وقع في أثنائها فعل محرّم مباين لها ـ وجوداً منفكاً عنها خارجاً ـ تكون محرّمة، كما هو الحال في التذكارات المقترنة بالمحرّمات، لأنّ هذا ممّا قام البرهان على فساده، وإلاّ لبطلت أكثر العبادات، ومع ذلك فالأدلّة النقليّة - مضافا إلى حكم العقل به ـ كثيرة، ويكفي منها الخبر المتضمّن لخروج الصادق(عليه السلام)في تشييع جنازة رجع بعض المشيعين عنه لمكان

١- أي السيّد محمّد مهدي الموسوي القزويني، إذ قال في رسالته «صولة الحقّ على جولة الباطل» (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ١: ١٨٩ «و أمّا مسألة لطم الصدور، فما حرّمته وما منعته، بل الذي ناديت علناً في ذلك بين الناس على المنبر وغيره، بأن يصير ذلك في المآتم; وذلك لما بلغني من ترتّب بعض المحرّمات على خروجهم، من فتنة وفساد ومضاربة ومقاتلة عندما يلتقي أهل محلّتين، ـ بحيث يحصل من جرّاء ذلك جرح وقتل».

٢- في وقاية الأذهان: ٣٩٤ قال: مروي عنهم عليهم السلام، وفي الجواهر ٢٢: ٤٦ والقواعد الفقهية ١: ٢٦ إنّه قول وليس حديثاً.

٤٣٤

صراخ صارخة، ولم يرجع هو(عليه السلام)، بل قال لزرارة: «امض بنا، فلو أنّا إذا رأينا شيئاً من الباطل مع الحقّ تركنا له الحقّ لم نقض حقّ مسلم»(١).

بل يراد بهذه الكلمة الإعلام بأنّ المعصية الحقيقيّة لاتكون طاعة، كصدقة الزانية من كسب فجورها وإدخالها بذلك السرور على مسلم.

وبهذه الكلمة على مثل هذا المعنى استشهد السجّاد أو الصادق عليهما السلام في الخبر المروي عنه المتضمّن لبطلان عمل الناسك السارق للرمّان المتصدّق بواحدة منه ; محتجّاً بقوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾(٢).

ويمكن أن يراد بها مع ذلك أنّ ما هو طاعة حقيقيّة يلزم أن لايكون متّحداً مع المعصية خارجاً بفعل يكون مجمع العنوانين، كالصلاة في الأرض المغصوبة، وهذا المعنى وسابقه أجنبي عن التذكارات التي تقع فيها المحرّمات بزعمه.

تمّت في شهر ربيع الأول سنة ١٣٤٥هـ ، في المطبعة العلويّة في النجف الأشرف.

١- الكافي ٣: ١٧١ ـ ١٧٢ حديث ٣ باب «من يتبع جنازة ثمّ يرجع».

٢- الأنعام (٦): ١٦٠.
والرواية في الاحتجاج: ٢٠٠، وعنه في بحارالأنوار ٤٧: ٢٣٨ - ٢٣٩ حديث ٣٣.

٤٣٥

( ٨ ) الآيات البيّنات في قمع البدع والضلالات

«المواكب الحسينيّة»

تأليف

الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء

( ١٢٩٤ هـ ـ ١٣٧٣ هـ )

٤٣٦

٤٣٧

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة جامع هذه الأسئلة و أجوبتها

بعد حمد الله، والصلاة على أنبيائه وأوليائه، يقول ناشر هذه الطُرف، وحاشر هذه التُحف، العبد الفقير إلى ربّه محمّد ابن المرحوم الشيخ عبد الحسين آل كاشف الغطاء:

إنّ أُستاذنا الأعظم، حامل أمانة الشرع الشريف، وكافل سدانة الدين الحنيف، آية الله والحجّة وصراطه والمحجّة، الشيخ شيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء أدام الله بركات إفاضاته وأيام إفاداته، مازال منذ ثلاثين عاماً يناضل عن دين الإسلام ويحامي ويذب عنه، قد أوقف نفسه سحابة عمره في سدّ ثغوره، وتشييد سوره، وإعلاء نوره، ودفع كلّ واردة سوء ترد عليه، وقطع كلّ يد تمدّ بالعدوان إليه.

وقد اشتهر وانتشر من مؤلّفاته في تلك المقاصد والمناحي مالم تكتحل عين الدهر بمثلها، نحو كتاب «الدين والإسلام»، و«المراجعات الريحانية» ممّا بلغت تخوم الأرض وجازت أقاصي المعمور.

ولكن في هذه البرهة الأخيرة، حيث نهض بأعباء الزعامة الدينيّة، واستوى على منصّة الفتوى والمرجعيّة، واستغرقت أوقاته الثمينة العناية بمصالح العامّة وقضاء حوائج الناس، والبحث والتدريس، وتوسيع نطاق التأليف في علم الفقه،

٤٣٨

والتوسّع في أدلّته.

كلّ ذلك ممّا عاقه عمّا كان عليه من الدفاع الديني، والجهاد الإسلامي، وبثّ الدعوة والإرشاد لعامّة الخلق إلى دين الحقّ.

ولكنّنا كنّا ولا نزال، حرصاً على استثارة كنوز معارفه، والاستنارة بأنوار علومه، وثقة منّا بأنّه في صناعة النقد والردّ وتحقيق الحقّ وتمزيق الأباطيل لايبارى ولايجارى، وله المزبر(١) الذي لا يشقّ غباره، ولا يدرك في السباق شأوه(٢)، الآخذ بأعنّة البراعة في الإنشاء لفظاً ومعنى وعلماً وعملاً، مع الإحاطة بأسرار العلوم وغوامض الفنون، وخفايا المعارف وكنوز الشريعة وبواطن الدين وظواهره.

لذلك كنّا نترصّد أيّ فادحة ترد على الدين وتريد أن تصدّع بيضة الإسلام وتقضي على أُمهات عقائد المسلمين، حتّى إذا عثرنا بها انتهزنا فرصة من أوقاته، وفراغاً من ساعاته، فعرضناها عليه، أو قدّمناها إليه، متعرّضين بذلك في قمعها ودفعها لنفحات كلمه، أو رشحات قلمه، ثمّ نعود إليه ثانياً وثالثاً حتّى نجمع من إفاضاته ومحاضراته في ذلك الموضوع جملة كافية في إزاحة العلّة ودفع تلك المضلّة.

من ذلك عندما نشرت الصحف فتوى علماء المدينة لقاضي الوهابيّة «ابن بليهد» التي تذرّع بها إلى هدم قبور أئمّة البقيع سلام الله عليهم(٣) وحينما تلوناها

١- المِزْبَرُ: القلم. الصحاح ٢: ٦٦٧ «زبر».

٢- الشأوُ: الغاية والأمد. الصحاح ٦: ٢٣٨٨ «شآ».

٣- في سنة ١٣٤٤هـ استفتى قاضي القضاة في الحجاز الشيخ عبد الله بن بليهد علماء المدينة المنورة في جواز البناء على القبور، وتقبيل الأضرحة، والذبح عند المقامات حيث يتناول الزائرون لها تلك اللحوم. فأجاب العلماء - وكان عددهم خمسة عشر شخصاً - بعدم جواز ذلك، ووجوب منعه ومعاقبة من يفعله.
وقد نُشرت هذه الفتوى في أكثر الصحف الصادرة آنذاك، كجريدة أُمّ القرى الصادرة في مكّة المكرّمة، وجريدة العراق الصادرة فيه.
وكان الهدف الرئيسي من هذه الفتوى هو تهيئة الرأي العامّ لهدم المراقد في الحرمين الشريفين، وفعلاً فقد تمّ في الثامن من شوال من تلك السنة هدم قبور الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) في بقيع الغرقد في المدينة المنورة، وفي مقبرة المعلّى في الحجون في مكّة المكرّمة، والمراقد الموجودة في الطائف.
وقد ضمّ بقيع الغرقد في المدينة المنورة عشرة آلاف مرقد من مراقد الصحابة والشهداء والأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام)، منها: مرقد الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومرقد الإمام السجّاد زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام)، وابنه الإمام محمّد الباقر(عليه السلام)، ثمّ ابنه الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). وهم عند عمّهم العبّاس بن عبد المطلب تحت قبّته التي كانت مشادة.
وعلى رواية أنّ هناك مرقد الصدّيقة الزهراء(عليها السلام)، وكذلك مراقد عمّات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وزوجاته - عدا السيّدة خديجة الكبرى والسيّدة ميمونة بنت الحارث - وعقيل بن أبي طالب، وإبراهيم بن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والإمام مالك بن أنس، ونافع شيخ القرّاء، وحليمة السعديّة.
كما طال الهدم مرقد عمّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حمزة بن عبد المطّلب، وغيره من شهداء أُحد مثل مصعب بن عمير، وجعفر بن شمّاس، وعبد الله بن جحش.
وقد امتدّ التدمير إلى مرقد حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس في الطائف، وقد كانت عليه قبّة مشادة لا تزال صورتها موجودة على صفحات التاريخ.
وعندما امتدّ الزحف العسكري إلى مكّة المشرّفة عمدوا إلى آثارها فدمّروها، وهدموا المراقد الشريفة في مقبرة المعلّى في الحجون، فهدّموا قبّة عبد المطّلب جدّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومرقد عمّه أبي طالب.
كما دخلوا إلى مدينة جدّة فهدّموا قبّة حوّاء أُمّ البشريّة الأُولى وخرّبوا قبرها، كما طال الهدم بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنزل فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ومنزل حمزة بن عبد المطّلب، ودار الأرقم ابن أبي الأرقم، ومكان العريش التاريخي الذي أشرف منه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على معركة أُحد.
انظر مقدّمة كتاب «دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى»، المطبوعة سنة ١٤٢٠هـ في دار المحجّة البيضاء في بيروت.

٤٣٩

٤٤٠