×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية ( ج 1) / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

عليه صار يلقي علينا محاضرة في ردّها وتفنيدها في كلّ اسبوع مرّة أو مرّتين، وكانت تنشر في جريدة النجف شذوراً ونتفاً.

ولمّا شاعت الشبهة في مواكب عزاء الحسين(عليه السلام)، وقامت لها عواصم بلاد الشيعة وقعدت، وبالأخصّ بلاد البصرة، تواردت عليه البرقيات مستفتين عن جواز تلك المواكب وعدم جوازها، فكتب فيها بقلمه الشريف جملة جوابات قالعة لجراثيم(١) الشبهة، وجادعة(٢) لخراطيم الضلالة.

وكنّا ذات يوم سألناه أن يلقي علينا شيئاً من شأن مذهب «البهائيّة» المعروفين بالبابيّة، فألقى علينا نبذة وافية في شرح حالهم ومقدار جهلهم وضلالهم.

ثمّ أحبّبنا أن نضمّ تلك الشذور النفيسة والأعلاق الثمينة، التي عقمت أمهات الكتب والمؤلّفات الغابرة والحاضرة عن الإتيان بواحدة من مثلها، أحببنا أن نضمّها في مجموع يؤلّف شتاتها، ويجمع متفرّقاتها.

١- الجُرثومة: الأصل. الصحاح ٥: ١٨٨٦ «جرثم».

٢- أي قاطعة: انظر الصحاح ٣: ١١٩٣ «جدع».

٤٤١

جواب السؤال الأوّل

وبعد أن وفّق الله لجمعه، رغبنا في نشره وطبعه نصرة للحقيقة، وخدمة للحقّ والفضيلة، وإخماداً للنائرة، وقطعاً لدابر الفساد والفتنة إن شاء الله.

وقد أعاننا على نشره بعض أعاظم العلماء في عواصم بلاد الشيعة، شكر الله مساعيه وغرّ أياديه(١).

ثمّ استجزنا شيخنا الأعظم أدام الله أيامه في ذلك، فتكرّم بالإجازة وإن كان جملة منها قد طُبع منفرداً، وقد جمعناها هنا مع ما أضافه إليها ثانياً، ويليق أن يوسم هذا المجموع الزاهر بـ «الآيات البيّنات في قمع البدع والضلالات» فاغتنمه علقاً(٢) ثميناً، وفرقاناً مبيناً، فرقاناً بين الحقّ والباطل، وتبياناً للهدى من الضلالة، ولله الحمد والمنّة على ذلك.

كتب مدّ الله ظلّه في أجوبة الأسئلة الواردة إليه عن فتواه في المواكب الحسينيّة - زادها الله عزّاً وكرامة - عدّة مقالات، وكتب مطوّلة ومختصرة ومتوسطة، ونحن ننتخب منها ثلاثاً على ذلك النسق.

وكان أوّل استفتاء ورد إليه في النجف من جماعة من ذوي الفضل وهذا صورته:

«ما يقول مولانا حجّة الإسلام شيخنا الشيخ محمّد حسين - مدّ الله ظلّه العالي على رؤوس الأنام - في المواكب المشجية التي اعتاد الجعفريّون اتّخاذها في العشر من المحرّم الحرام تمثيلاً لفاجعة الطفّ، وإعلاماً لمّا انتهك فيها من حرمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في عترته المجاهدين بالتمثيل للشهداء وجهادهم، وما جرى عليهم وما جرى على الأطفال من القتل والقسوة، وبإعلانهم الحزن لذلك الفادح بأنواعه:

١- أي بيضاء أياديه، وهو كناية عن الكرم وحسن الفعل. انظر الصحاح ٢: ٧٦٧ «غرر».

٢- العِلقُ، بالكسر: النفيس من كلّ شيء. الصحاح ٤: ١٥٣٠ «علق».

٤٤٢

من ندب ونداء، وعويل وبكاء، وضرب بالأكفّ على الصدور وبالسلاسل على الظهور. فهل هذه الأعمال مباحة في الشرع الأزهر أم لا؟ افتونا مأجورين».

فكتب دامت بركاته ما نصّه:

بسم الله الرحمن الرحيم

قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ¯لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَل مُّسَمًّى﴾(١).

ولا ريب أنّ تلك المواكب المحزنة وتمثيل هاتيك الفاجعة المشجية، من أعظم شعائر الفرقة الجعفريّة شيّد الله أركانها.

ونحن إذا لم نقل باستحبابها ورجحانها ; لتوفّر الأدلّة من الأخبار والأحاديث المتظافرة المشعرة بمحبوبيّة تلك المظاهرات لأهل البيت(عليهم السلام)، فلا أقل من القول بالجواز والإباحة.

وما يتداول ويستعمل فيها من ضرب الطبول ونحوه، غير معلوم اندراجه في ما علم حرمته من آلات اللهو والطرب، نعم لو عُلم كونها منها فاللازم تنزيه تلك الأعمال الشريفة ممّا يشينها ويحبط أجرها وفضلها الجسيم.

وما أحسب التعرّض للسؤال عن تلك الأعمال التي استمرت السيرة عليها منذ مئات من السنين، وذلك بمشاهدة أعاظم العلماء لها وصلحاء أهل الدين، مع عدم النكير من واحد منهم، لا حديثاً ولا قديماً، مع أنّها بمرأى منهم ومسمع.

ما أحسب وضعها في مجال السؤال والتشكيك إلاّ دسيسة أمويّة أو نزعة

١- الحجّ (٢٢) : ٣٠ - ٣١.

٤٤٣

وهّابيّة، يريدون أن يتوصّلوا بذلك إلى إطفاء ذلك النور، الذي أبى الله إلاّ أن يتمّه ولو كره الكافرون.

كما أنّي لا أرتاب في أنّه لو تَمّت لهم هذه الحيلة ونجحت - لا سمح الله - هذه الوسيلة وعُطلّت تلك المواكب والمراسم في سنتين أو ثلاث، سرى الداء واستفحل الخطب وتطرّقوا إلى السؤال والتشكيك في ما يقام في بلاد الشيعة من المآتم، وجعلوا ذلك باباً إلى إماتة تلك المحافل والمحاشد التي بإحيائها إحياء الدين، وبإماتتها إماتة ذكر الأئمّة الطاهرين(عليهم السلام).

ومن له أقلّ إلمام ووقوف على المجتمعات والجمعيّات التي عقدت في هذه الأعصار في مصر ودمشق وغيرهما، وما أصبحت تنشره من المقالات والمؤلّفات في إحياء ذكر بني أُميّة، وتنزيههم، وتبرير أعمالهم، وتبرّئهم من قتل الحسن والحسين(عليهما السلام)، والتنويه بذكر يزيد، وأنّه من الخلفاء الراشدين والأئمّة المرضيين، عرف من أين سرى هذا السمّ الخبيث، وجاءتها تلك البليّة، التي تريد أن تقضي على حياة الشيعة وتزهق روح الشريعة، ولا يروج هذا إلاّ على السذّج والبسطاء والمغفّلين الذين يقتلون الدين باسم الدين من حيث لا يشعرون.

فالرجاء والأمل من جميع إخواننا المؤمنين - ثبّتهم الله بالقول الثابت وأيّدهم بروح منه - ترك الخوض في مثل هذه الأُمور المتسالم عليها خلفاً عن سلف، والتي هي من أعظم الوسائل إلى نيل الشفاعة، والدخول في سفينة النجاة وأبواب الرحمة.

وليصرفوا أوقاتهم الثمينة في الاتّفاق والتعاضد والتعاون على البرّ والتقوى في ما يعود إلى إصلاح شؤون دينهم ودنياهم، وجمع كلمتهم على الحقّ والهدى إن شاء الله تعالى ولا يخوضوا في ما يوجب اختلاف الأُمّة وتفرقة الكلمة، والله ولي

٤٤٤

التوفيق وبه المستعان.

ثمّ تتابعت البرقيّات من البصرة وغيرها سائلين منه دام علاه، طالبين فتواه في تلك الأعمال، فكتب إليهم كتاباً أبسط من الجواب المتقدّم، وقد طبع في مطبعة الكاظميّة بالبصرة، وانتشر بصورة منشور منفرد في عامّة الأطراف، ونحن نذكر ذلك المنشور بحروفه المطبوعة حفظاً له:

بسم الله الرحمن الرحيم

جواب السؤال الثاني الوارد من البصرة

وله الحمد والمجد، والصلاة على أُمناء وحيه وأُمراء أمره ونهيه.

صورة ماورد من النجف الأشرف من الفتوى لجناب المصلح الكبير والداعية الشهير، صاحب كتاب «الدين والإسلام» العالم الربّاني والزعيم الروحاني، كبير مشاهير العصر، وعظيم فقهاء المصر، حجّة الإسلام والمسلمين، وعميد الإيمان والمؤمنين، زعيم زعماء الحقيقة، ورئيس رؤساء المذهب والطريقة، وحيد...(١) وكبير نواب الدست الإمامي من العرب، ورجل رجال الدعوة في القرن الرابع عشر، الآية الكبرى في العالم الإسلامي، الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء دام مجده، حين سُئل عن عنوان المواكب التي تندب الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام في الشوارع والطرقات وما اشتملت عليه:

إلى إخواننا ا لمؤمنين وعباد الله الصالحين من السادة الأشراف والأماجد الكرام السيّد هاشم البعّاج، والسيّد عبد الباقي البعّاج، والحاج داود العطيّة، وعبد الواحد العطيّة، والملاّ جعفر أدام الله حراستهم وتوفيقهم.

١- وردت هنا كلمة غير مقروءة.

٤٤٥

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وتحياته.

وردتنا برقيّتكم، فأزعجتنا غاية الإزعاج، وما كنّا نظنّ أنّ الأمر يبلغ إلى هذه المنزلة.

ثمّ وردنا بعد ذلك كتاب من السيّد الأمجد السيّد هاشم أدام الله عزّه، في طيّة الرسالة ذات الاسم الخشن الهائل، وكنّا كتبنا في جواب السيّد الأعزّ السيّد فاخر البعّاج حفظه الله، ما كنّا نأمل أن يعود حاسماً لتلك المشاجرة التي هي من أضرّ الحوادث في الحال الحاضر علينا معشر المؤمنين.

ويكفينا عن وقوع الخلاف بيننا تهاجم الأعداء علينا من كلّ ناحية ومكان، ويلزم علينا اليوم أن تكون حادثة المدينة وهدم قبور أئمّة البقيع سلام الله عليهم، هي الشغل الشاغل لنا عن كلّ خلاف، الداعية لكلّ تعاضد بيننا وائتلاف.

أمّا الحكم الشرعي في تلك المظاهرات والمواكب، فلا إشكال في أنّ اللطم على الصدور، وضرب السلاسل على الظهور، وخروج الجماعات في الشوارع والطرقات بالمشاعل والأعلام مباحة مشروعة، بل راجحة مستحبّة، وهي وسيلة من الوسائل الحسينيّة، وباب من أبواب سفينة النجاة.

وأمّا الضرب بالطبول والأبواق وأمثالها ممّا لا يُعدّ من آلات اللهو والطرب، فلا ريب أيضاً في إباحتها ومشروعيّتها للإعلام والإشعار وتعظيم الشعار.

وأمّا الضرب بالسيوف أو الخناجر والإدماء، فهو كسوابقه مباح بمقتضى أصل الإباحة، بل راجح بقصد إعلان الشعار للأحزان الحسينيّة. نعم، إلاّ أن يعلم بعروض عنوان ثانوي يقتضي حرمة شيء من تلك الأعمال الجليلة، مثل كونه موجباً للضرر بتلف النفس، أو الوقوع في مرض مزمن.

أمّا الألم الذي يزول بسرعة، فلا يوجب الحرمة.

٤٤٦

وكذلك الخروج في الشوارع، إذا أوجب الفساد بالمقابلة أو المقاتلة فهو حرام أيضاً.

وهذه عوارض وقتيّة وموارد شخصية، لا يمكن ضبطها، وليس على الفقيه إلاّ بيان الأحكام الكليّة، أمّا الجزئيّات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته، على أنّ استلزامها للفساد أحياناً لا يوجب تحريمها أبداً.

أمّا الشبيه، فلا ريب أنّ أصل تشبّه شخص بآخر مباح جائز، كيف وقد ألقى الله سبحانه شبه نبيه عيسى عليه السلام على أبغض خلقه وهو يهوذا الإسخربوطي، الذي نمّ على عيسى(عليه السلام) عند اليهود وحرّضهم على قتله(١)، كما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾(٢).

وكان أمين الوحي جبرائيل عليه السلام يتشبّه بدحية الكلبي إذا حضر في السدّة النبوية(٣).

والملائكة تشبّهت يوم بدر بأمير المؤمنين صلوات الله عليه(٤).

١- ففي حديث طويل عن أبي جعفر الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «... إنّ اليهود جاءت في طلب عيسى(عليه السلام) من ليلتهم، فأخذوا الرجل الذي قال له عيسى(عليه السلام): «إنّ منكم لمن يكفر بي من قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة»، وأخذوا الشاب الذي ألقي عليه شبح عيسى فقتل وصلب...»، تفسير القمّي ١: ١٠٣، رفع عيسى.

٢- النساء (٤) : ١٥٧.

٣- عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ أبا ذر أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه جبرئيل في صورة دحية الكلبي وقد استخلاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)...».
الكافي ٢: ٥٨٧، حديث ٢٥، باب (دعوات موجزات لجميع الحوائج).

٤- عن زيد بن وهب قال: سمعت عليّاً(عليه السلام) يقول وقد ذكر حديث بدر ومجيء عمّه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «والله يا رسول الله ما أسرني إلاّ ابن أخي علي بن أبي طالب...».
فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «صدق عمّي ذاك ملك كريم».
فقال العبّاس: لقد عرفته بجلحته وحسن وجهه.
فقال له: «إنّ الملائكة الذين أيّدني الله بهم على صورة علي ابن أبي طالب ; ليكون ذلك أهيب لهم في صدور الأعداء...». الفصول المختارة: ٢٤٩، كلام في شجاعة أمير المؤمنين(عليه السلام).

٤٤٧

وصيّة المؤلّف

نعم، خروج النساء سوافر محرّم، سواء كان في الشبيه أو غيره، وهذا لا يقتضي حرمة الشبيه، بل ينبغي ويلزم التجنّب عنه بنفسه. ولو أنّ كلّ راجح يستلزم محرّماً أو يقع فيه محرّم تركناه، لبطلت سنن الشريعة وقوّضت دعائم الدين.

ولكن يلزم على أُمناء العلم وحملة الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالموعظة الحسنة والقول الليّن، فإنّها أنجع(١)وأنفع في تهذيب الأخلاق وإصلاح النفوس.

ووصيّتي ونصيحتي ورغبتي وطلبتي من كافّة إخواننا المؤمنين البصريّين خصوصاً، ومَن في سائر الأقطار عموماً أمران مهمّان:

الأوّل: تنزيه المواكب الحسينيّة الشريفة من كلّ ما يشينها ويدنّسها ويخرج بها عن عنوان مظاهر الحزن والفجيعة، إذ ليس الغرض من تكرار فاجعة الطفّ كلّ سنة بل كلّ يوم، اللهو واللعب بقصّة من الأقاصيص وعجيبة من الأعاجيب، بل في ذلك من الحِكم السامية والأسرار المقدّسة ما يقصر عنه اللسان ويضيق به البيان.

فاللازم تطهير تلك المواكب الشريفة عن كلّ ما يمسّ شرفها وكرامتها، حتّى يترتّب عليها آثارها المشروعة وغاياتها الشريفة، التي من أجلها وفي سبيلها بذل الحسين - أرواحنا فداه - نفسه وأفلاذ قلبه وأعزّ أهل بيته وأصحابه، حتّى جرى

١- وقد نجع فيه الخطاب والوعظ والدواء: أي دخل وأثّر. الصحاح ٣: ١٢٨٨، «نجع».

٤٤٨

عليه من زوابع(١) الفجائع مالم يجرِ على بشر، ولا نحسبه يجري على أحد من بعده.

الأمر الثاني: ولعلّه أهم من الأوّل، ألاّ وهو رفض هذه الخلافات والمشاجرات التي لا تعود إلاّ بالضرر المبيد والضعف المهلك علينا معشر المؤمنين، إنّما اللازم المحتّم علينا - سيّما في مثل هذه الأعصار - أن نكون يداً واحدة أمام العدو الذي لا يزال يجدّ ويدأب في هدم بيوت ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾(٢).

ولعمر الله والحقّ لئن استمر هذا الحال من تخاذلنا، وتضارب بعضنا ببعض، وتكالب الأعداء علينا من كلّ حدب وصوب، لنذهبنّ ذهاب أمس الدابر(٣)، ولا يبقى لهذه الطائفة أثر ولا عين.

فالله الله يا عباد الله الصالحين في جمع الكلمة، ولمِّ الشعث، وتدارك الخطر قبل فواته، ورتق(٤) الفتق قبل اتساعه، ونبذ تلك المشاجرات المفرّقة والمؤجّجة لنيران العداوة، المحرقة على غير طائل.

١- جمع زوبعة، قال الجوهري: ومنه سمّي الإعصار زوبعة. الصحاح ٣: ١٢٢٤، «زبع».

والمراد: أنّه جرت عليه أعاصير الفجائع.

٢- النور (٢٤) : ٣٦.

٣- دبر النهار وأدبر: ذهب. وأمس الدابر: الذاهب، وقالوا: مضى أمس الدابر وأمس المدبر،وهذا من التطوّع المشام للتأكيد ; لأنّ اليوم إذا قيل فيه: أمس، فمعلوم أنّه دبر، لكنّه أكّده بقوله: الدابر. ويقال: هيهات، ذهب فلان كما ذهب أمس الدابر، وهو الماضي لا يرجع أبداً. لسان العرب ٤: ٢٧٠ «دبر».

٤- رتقت الفتق أرتقه فارتتق أي: التأم. الصحاح ٤: ١٤٨٠، «رتق».

٤٤٩

كونوا يا عباد الله إخواناً في دين الله رحماء بينكم أشدّاء على أعدائكم(١) ولا تعكسوا الآية فإنّ ذلك أربح وأنجح وأفضل وأجمل في الدنيا والآخرة، والله سبحانه وليّ التوفيق لنا ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأرجو أن يكون هذا القدر على اختصاره يغني عن تأليف الرسالة، وعسى مع سنوح الفرصة أن يوفّق الله سبحانه لذلك إن شاء الله.

١٧ صفر سنة ١٣٤٥هـ

طبعت بالمطبعة الكاظميّة في البصرة

وحيث لم تنحسم الشبهة، ولم تبرأ العلّة، ولم تُمسك ألسنة المعارضين بتلك البيّنات الشافية، لذلك تظاهرت وتظافرت عليه البرقيّات من عدّة جهات يرغبون إليه في أن يكتب ما هو أبسط من ذلك، فعززّهما بثالث، لم يبق للشبهة مجالاً ولا للشكّ موضعاً، وكتب بقلمه دامت بركاته ما نصّه:

١- حيث قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)، الفتح (٤٨) : ٢٩.

٤٥٠

بسم الله الرحمن الرحيم

وله المجد والكبرياء

إلى عموم إخواننا المؤمنين من أهالي البصرة ونواحيها - وفّقهم الله جميعاً للعمل الصالح، والمتجر الرابح، والسعي الناجح إلى سعادة الدارين، وفوز النشأتين إن شاء الله - بتوسّط الأمجدين السيّد هاشم البعّاج والحاج داود العطيّة أدام الله لهم السلامة والكرامة.

سألتم أعزّكم الله - في عدّة برقيّات وردت إلينا منكم ومراسلات تتابعت لدينا عنكم - عن المواكب الحسينيّة زاد الله شرفها، وعمّا يجري فيها من ضرب الرؤوس والصدور بالسلاسل والسيوف والإدماء، وقرع الطوس والطبول، والشبيه، أو الخروج في الشوارع والأزقّة بالهيئات المتعارفة والكيفيّات المتداولة في أكثر بلاد الشيعة - نصرها الله - سيّما في العتبات المقدّسة دام شرفها.

ولعمري، ما كنتُ أحسب أنّ هذا الموضوع يُعرض على مطرقة النقد والتشكيك، أو يُطرح في منطقة السؤال والترديد. كيف، وقد مرّت عليه الدهور والأحقاب، وخضعت له أساطين الملّة وأعلام الشريعة في جميع الأعصار والأدوار، ما أنكره منكر، ولا اعترضه معترض، وهو بمرأى منهم ومسمع، ومنتدى ومجمع.

وقد كان يجري في القرن الماضي أزمنة السيّد بحر العلوم وكاشف الغطاء -

٤٥١
رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء ج ١» الشيخ محمد الحسون (ص ٤٥١ - ص ٤٨٠)

قدّس الله أسرارهما - من التشبيهات التي كانت تسمّى «الدائرة» ما هو أوسع وأشيع وأكثر وأوفر ممّا يجري في هذه العصور، وفضلاً عن سكوت أُولئك الأساطين كانوا يمدّونهم بالمساعدة، ويعضدونهم بالحضور والمشاهدة، وفي كشف الغطاء(١) وجامع الشتات(٢) للمحقّق القمي وغيرهما من أقرانهما ما يشهد بذلك أكبر شهادة.

دع عنك هذه الشواهد والمشاهد، وأُنظر إلى المسألة من وجهها العلمي، ومن حيث القواعد والأدلّة:

أمّا أوّلاً: فالأُصول الأوليّة تقضي بإباحة جميع تلك الأعمال، وعلى مدّعي الحرّمة إقامة الدليل عليها، والأصل مع المنكر ومطالبته بالدليل تضليل.

وأمّا ثانياً: فكلّ واحد من تلك الأعمال على الإجمال ممّا يتخرّج لمشروعيّته وجه وجيه عند المتضلّع الفقيه، من عمومات الأدلّة ومحكمات القواعدالمعقولة والمنقولة.

١- كشف الغطاء ١: ٥٣ - ٥٤، المقام الثاني: في ما يتعلّق بجملة العبادات بالمعنى الأخص.

٢- جامع الشتات ٢: ٧٨٧.

٤٥٢

اللطم واللدم

مَن ذا يشكّ ويرتاب في رجحان مواساة أهل بيت الرحمة وسفن النجاة، والتأسّي بهم في الأفراح والأتراح والضرّاء والسرّاء؟!

أو من ذا يشكّ أنّ أهل البيت - سلام الله عليهم - قد لطموا في فاجعة الطفّ وجوههم، ولدموا صدورهم، وقرح البكاء خدودهم وعيونهم؟! وفي زيارة الناحية المقدّسة «فبرزنَ من الخدور ناشرات الشعور لاطمات الخدود سافرات الوجوه»(١).

ولا تقل: إنّ هذا مخصوص بيوم الطفّ وما قاربه، فقد روى الصدوق رضوان الله عليه أنّ دعبل لمّا أنشد الرضا عليه السلام تائيّته المشهورة التي فيها: «إذاً للطمت الخدّ فاطم عنده» لطمت النساء وعلا الصراخ من وراء الستر وبكى الرضا عليه السلام في إنشاد القصيدة حتّى أُغمي عليه مرّتين(٢).

فإذا جاز للرضا عليه السلام أن يتعرّض لسبب الإغماء الذي هو أخ الموت، فلماذا لايجوز لشيعته ضرب الرؤوس والظهور ولدم الصدور وأمثالها ممّا هو دون الإغماء بكثير؟!

١- المزار: ٥٠٤، زيارة أخرى في يوم عاشوراء خرجت عن الناحية، باختلاف يسير.

٢- لم نعثر على نصّ للشيخ الصدوق بهذا العنوان، ولكن نقل أبو الفرج الأصفهاني هذه الواقعة بهذه الكيفيّة في الأغاني ٢٠: ١٦٢، دعبل وعلي ابن موسى الرضا(عليه السلام)، ونقلها عنه بهذا النصّ المرحوم الأميني في الغدير ٢: ٣٥٠ والسيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة ٦: ٤١٥.

٤٥٣

خروج المواكب في الطرقات

بزغت شمس هذه الحقيقة المكنونة من عهد يناهز الألف سنة، أعني من زمن معزّ الدولة وركن الدولة، حيث أمرا بخروج مواكب العزاء يندبون سيّد الشهداء سلام الله عليه، وبأيديهم المشاعل ليلاً، حتّى تعود بغداد وطرقاتها ضجّة واحدة، وذلك في أُخريات القرن الرابع، على ما ذكره ابن الأثير في كامله في مواضع(١).

وكان ذلك العصر الزاهي حافلاً بأكابر علماء مذهب الإماميّة: كالشيخ المفيد، وابن قولويه، والسيّدين الإمامين المرتضى والرضي نوّر الله مراقدهم،

١- قال ابن الأثير: «في هذه السنة ]٣٥٢هـ[ عاشر المحرّم، أمر معزّ الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن يخرج النساء منشرات الشعور، مسودات الوجوه، قد شققن ثيابهنّ، يدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههنّ على الحسين بن علي رضي الله عنهما، ففعل الناس ذلك ولم يكن للسنية قدرة على المنع منه لكثرة الشيعة ولأنّ السلطان معهم»، الكامل في التاريخ ٨: ٥٤٩، ذكر عدّة حوادث سنة ٣٥٢هـ .
ويقول في ذكر أحداث سنة ٣٥٨هـ : «عمل أهل بغداد ما قد صار لهم عادة من إغلاق الأسواق وتعطيل المعايش وإظهار النوح والمآتم بسبب الحسين بن علي رضوان الله عليهما»، نفس المصدر صفحة: ٦٠٠.

٤٥٤

وكان ملوك آل بويه قيد إشارة أُولئك الأساطين ورهن أوامرهم ونواهيهم.

وحسبك ما شاع وأخذ بمجامع الأسماع من أنّ السيّد الرضي ورد لزيارة جدّه الحسين(عليه السلام) يوم عاشوراء في بعض السنين، فرأى جماعة من الأعراب يعدون(١)، وهم ينوحون ويلطمون متهافتين للهجوم على الحائر الحسيني، فدخل في زمرتهم، وأنشأ في ذلك الحال على البديهة قصيدته الغرّاء المشهورة التي يقول في براعتها:

كربلا لازلت كرباً وبلا

مالقي عندك آل المصطفى(٢)

١- أتاه عَدْواً: وهو مقارب الهرولة ودون الجري. تاج العروس ١٩: ٦٥٨ «عدو».

٢- هذا البيت مطلع «المقصورة الحسينيّة» المعروفة، وهي أشهر ما نظمه الشريف الرضي رحمه الله، فإن كان شعره على كثرته، وسعة أغراضه، وسموّ معانيه، ورفعة منزلته الأدبيّة، معروفاً عند الأدباء، فإنّ مقصورته هذه تداولتها الأجيال الواسعة قراءة وسماعاً منذ عصره إلى عصرنا الحاضر، بل وإنّ الكثير منهم قرأها أو سمعوها وإن لم يعرفوا القائل.
وقد ناقش البعض في نسبتها إلى الشريف الرضي، بل قام بحذفها من ديوانه!!! محتجّاً ببعض المعاذير الواهية، كما فعل الدكتور عبد الفتاح محمّد الحلو في تصديره لديوان الشريف، الذي نشرته له وزارة الإعلام أيام حكومة صدام حسين.
ومن هذا يتّضح أنّ الأحقاد الأموية لا زالت باقية ليومنا هذا، يتوارثها الأبناء عن الآباء، وأنّ كربلاء لازالت لهذا اليوم كرباً وبلا.
ونورد هنا القصيدة كاملة تعميماً للفائدة:

كربلا، لا زلت كرباً وبلا ملقي عندك آلُ المصطفى
كم على تربك لمّا صرعوا ن دم سال ومن دمع جرى
كم حصان الذّيل يروي دمعها ّها عند قتيل بالظّما
تمسح الترب على إعجالها عطلى نحر رميل بالدّما
وضيوف لفّلاة قفرة لوا فيها على غير قِرى
لم يذوقوا الماء حتّى اجتمعوا حدى السيف على ورد الردى
تكسف الشمسُ شُموساً منهمُ لتدانيها ضياءً وعُلى
أرجل السبق وأيمان الندىوتنُوشُ الوحشُ من أجسادهم
ووجوهاً كالمصابيح، فمنوتنُوشُ الوحشُ من أجسادهم
غيّرتهن اللّيالي، وغدا جاير الحكم عليهنّ البلى
يا رسول الله لو عاينتهم وهم ما بين قتلى وسبا
من رميض يُمنعُ الظّلّ، ومنعاطش يُسقى أنا بيب القنا
ومسوق عاثر يُسعى به خلفَ محمول على غير وطا
متعب يشكو أذى السير علىنقب المنسيم، مجزول المطا
لرأت عيناك منهم منظراً للحشى شجواً، وللعين قذى
ليس هذا لرسول الله، يا أمّة الطغيان والبغي، جزا
غارسٌ لم يألُ في الغرس لهمفأذاقوا أهله مر الجنى
جزّرُوا جزر الأضاحي نسلهثمّ ساقوا أهله سوق الإما
معجلات لا يوارين ضحىسُنن الأوجه أو بيض الطلى
هاتفات برسول الله فيبهر السعي، وعثرات الخُطى
يوم لا كسر حجاب مانعٌ بذلة العين ولا ظل خبا
أدرك الكفر بهم ثاراتهوأزيل الغيّ منهم فاشتفى
يا قتيلاً قوّض الدهر بهعمُد الدين وأعلام الهدى
قتلوه بعد علم منهمُ أنّه خامس أصحاب الكسا
وصريعاً عالج الموت بلا شدّ لحيين ولا مدّ ردا
غسلوه بدم الطعن، وما كفّنوهُ غير بوغاء الثرى
مرهقاً يدعو، ولا غوث لهبأب برّ وجدّ مصطفى
وبأُمّ رفع الله لها علماً ما بين نسوان الورى
أيّ جدّ وأب يدعوهما جدّ، يا جدّ، أغثني يا أبا
يا رسول الله يا فاطمةيا أمير المؤمنين المرتضى
كيف لم يستعجل الله لهمبانقلاب الأرض أو رجم السما
لو بسبطي قيصر، أو هرقلفعلوا فعل يزيد، ما عدا
كم رقاب من بني فاطمةعرقت ما بينهم، عرق المدى
واختلاها السيفُ حتّى خلتها سلمَ الأبرق، أو طلح العرى
حملوا رأساً يُصلّون علىجدّه الأكرم طوعاً وإبا
يتهادى بينهم لم ينقضوا عمم الهام، ولا حلوا الحبى
ميّتٌ تبكي له فاطمةٌ وأبوها، وعليّ ذو العُلى
معشر منهم رسول الله والـ ـكاشفُ الكرب، إذا الكربُ عرا
صهرهُ الباذلُ عنه نفسهُ وحسام الله في يوم الوغى
أوّلُ الناس إلى الداعي الذي لم يقدّم غيره لمّا دعا
ثمّ سبطاه الشهيدان، فذا بحسا السّمّ، وهذا بالظبى
وعليّ، وابنهُ الباقر، والصـ ـادقُ القول، وموسى والرضا
أين عنكم للذي يرجو بكم ع رسول الله فوزاً ونجا
يا جبال المجد عزّا وعُلىوبدور الأرض نوراً وسنا
جعل الله الذي نابكمُ سبب الوجد طويلاً والبُكا
لا أرى حزنكم يُنسى، ولا رُزءَكم يُسلى، وإنّ طال المدى
قد مضى الدهرُ، وعفىّ بعدكملا الجوى باخّ، ولا الدّمَع رقا
أنتم الشافون من داء العمىوغداً ساقون من حوض الروا
نزل الدين عليكم بيتكم وتخطىّ الناس طُراً، وطوى
أين عنكم للذي يبغي بكمظل عدن دونها حرّلظى
أين عنكم للذي يرجو بكم ع رسول الله فوزاً ونجا
يوم يغدُو وجهُهُ عن معشر رضاً ممتنعاً عند اللقا
شاكياً منهم إلى الله، وهل فلحُ الجيلُ الذي منهُ شكا
ربّ! ما حاموا، ولا آووا، ولا صروا أهلي، ولا أغنوا غنا
بدّلوا ديني، ونالوا أسرتي العظيمات، ولم يرعوا ألَى
لوولي ما قد ولوا من عترتي ئم الشرك لأبقى ورعى
نقضوا عهدي، وقد أبرمتهُ ُرى الدّين، فما أبقوا عُرى
حُرمي مستردفاتٌ، وبنو نتي الأدنون ذبحٌ للعدى
أتُرى لست لديهم كامرء ٌفوه بجميل إذ مضى
ربّ! إني اليوم خصمٌ لهمُ ئتُ مظلوماً وذا يوم القضا
٤٥٥
الصفحات: ٤٥٦ - ٤٥٧ فارغة

ولولا خروج المواكب في الطرقات لبطلت الغاية، وفسدت الثمرة، وانتفى الغرض المهم من التذكار الحسيني، بل ومن الشهادة الحسينيّة، كما يعرفه كلّ متعمّق في الأسرار.

وأمّا ترتّب بعض المحرّمات عليه من فتنة وفساد ومضاربه ومقاتلة، فذلك لا يستوجب حرمة الخروج الراجح، فإنّ حرّمة الشيء لا توجب حرمة ما يقع فيه، ومن تغنّى في القرآن لا يقال له: إنّ قراءة القرآن حرام، بل التغنّي بالقرآن حرام. فليس الخروج حراماً، بل المضاربة والمقاتلة محرّمة أينما كانت.

٤٥٨

ضرب الرؤوس والظهور بالسيوف والسلاسل

لاريب أنّ جرح الإنسان نفسه وإخراج دمه بيده في حدّ ذاته من المباحات الأصليّة، ولكنّه قد يجب تارةً، وقد يحرم أخرى، وليس وجوبه أو حرمته إلاّ بالعناوين الثانويّة الطارية عليه وبالجهات والاعتبارات.

فيجب كما لو توقّفت الصحّة على إخراجه، كما في الفصد والحجامة.

وقد يحرم، كما لو كان موجباً للضرر والخطر من مرض أو موت.

وقد تعرض له جهة تُحسّنه ولا توجبه، وناهيك بقصد مواساة سيّد أهل الإبا وخامس أصحاب العبا، وسبعين باسل من صحبه وذويه، حسبك بقصد مواساتهم وإظهار التفجّع والتلهّف عليهم وتمثيل شبح حالتهم مجسّمة أمام عيون محبّيهم، ناهيك بهذه الغايات والمقاصد جهات محسّنة وغايات شريفة ترتقي بتلك الأعمال من أخسّ مراتب الحطّة إلى أعلى مراتب الكمال.

وإنّ الأُولى بالطفّ من آل هاشم

تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا(١)

١- تاريخ الطبري ٥: ٦، أحداث سنة إحدى وسبعين، والبيت لمصعب الزبيدي حينما خذله قومه، فوقف وقال هذا البيت.

٤٥٩

أمّا ترتّب الضرر أحياناً بنزف الدم المؤدّي إلى الموت، أو إلى المرض المقتضي لتحريمه، فذاك كلام لا ينبغي أن يصدر من ذي لبّ، فضلاً عن فقيه أو متفقّه:

أمّا أوّلاً: فلقد بلغنا من العمر ما يناهز الستّين، وفي كلّ سنة تقام نصب أعيننا تلك المحاشد الدمويّة، وما رأينا شخصاً مات بها أو تضرّر، ولا سمعنا به في الغابرين.

وأمّا ثانياً: فتلك الأُمور على فرض حصولها إنّما هي عوارض وقتيّة، ونوادر شخصيّة، لا يمكن ضبطها ولا جعلها مناطاً لحكم أو ملاكاً لقاعدة، وليس على الفقيه إلاّ بيان الأحكام الكليّة، أمّا الجزئيات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته، والذي علينا أن نقول: إنّ كلّ من يخاف الضرر على نفسه من عمل من الأعمال يحرم عليه ارتكاب ذلك العمل.

ولا أحسب أنّ أحد الضاربين رؤوسهم بالسيوف يخاف من ذلك الضرب على نفسه ويقدم على فعله، ولئن حرم ذلك العمل عليه فهو لا يستلزم حرمته على غيره.

وأمّا ما ورد في الأخبار(١)، وذكره الفقهاء في كتاب الحدود والدّيات(٢)، من أقسام الشجاج كـ«الحارصة»: وهي التي تقشر الجلد(٣)، وفيها بعير،

١- الكافي ٧: ٣٢٦، باب (دية الجراحات والشجاج).

٢- راجع على سبيل المثال جواهر الكلام ٤٣: ٣١٧، (المقصد الثالث - في الشجاج والجراح)، وقد ذكر أحكام كلّ منها على وجه التفصيل.

٣- قال الجوهري: الحارصة: الشجة التي تشقّ الجلد قليلاً، الصحاح ٤: ١٠٣٢ «حرص».

٤٦٠