×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية ( ج 1) / الصفحات: ٤٦١ - ٤٨٠

و«الدامية»: وهي التي تأخذ من اللحم يسيراً(١) وفيها بعيران، وهلم جرا إلى «الهاشمة»(٢) وفيها عشرة، فمعلوم أنّ المراد مالو جناه إنسان على آخر عدواناً لا ماإذا فعله الإنسان بنفسه، ضرورة أنّ الإنسان لا يملك على نفسه شيئاً، وهذا ممّا لا أظنّه يخفى على جاهل فضلاً عن فاضل.

هذا، وأنّ بالأصل الذي شيّدناه من أنّ المباح قد تعرض له جهات محسّنة، يتّضح لك الوجه في جميع تلك الأعمال العزائيّة في المواكب الحسينيّة.

١- قال الجوهري: الدامية: الشجة التي تدمي ولا يسيل، الصحاح ٦: ٢٣٤١ «دما».

٢- الهاشمة: شجة تهشم العظم، أو التي هشمت العظم، تاج العروس ١٧: ٧٥٥ «هشم».

٤٦١

ضرب الطبول ونفخ الأبواق وقرع الطوس

كلّها أُمور مباحة، فإنّك أيّها السامع تحسّ - وكلّ ذي وجدان - أنّها لا تحدث لك بسماعها طرباً ولا خفّة ولا نشاطاً، بل وبالعكس توجب هولاً وفزعاً وكمداً وحزناً، فإذا قصد منها الضارب الإعلام والتهويل ونظم المواكب وتعديل الصفوف والمناكب، حسنت بهذا العنوان، ورجحت بذلك الميزان.

الشبيه ومواكب التمثيل

مباح في حدّ ذاته وإن كان بتشبيه الأدنى بالأعلى، والسافل بالسامي، والشريف بالعامي، وذي الميّزة بالعادي.

كيف لا، وقد ألقى الله تعالى شبه نبيّه وروحه عيسى عليه السلام على أبغض خلقه إليه «يهوذا الإسخربوطي» الذي نمّ على عيسى وحثّ اليهود على صلبه.

وكان أمين الوحي جبرئيل(عليه السلام) يتشبّه بدحية الكلبي إذا حضر عند السدّة النبويّة.

وتشبّهت الملائكة بأمير المؤمنين(عليه السلام) يوم بدر.

٤٦٢

وروى السيّد ابن طاوس رضوان الله عليه في كتاب «الإقبال» في فضل زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم المولود ما نصّه: وفي حديث عن الصادق(عليه السلام) - وذكر زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال - «إنّه يسمعك من قريب ويبلغه عنك من بعيد، فإذا أردت ذلك فمثّل بين يديك شبه القبر واكتب عليه اسمه، وتكون على غسل، ثمّ قم قائماً وقل وأنت متخيّل بقلبك مواجهته»(١)انتهى.

إلى كثير من أمثال ذلك ممّا يضيق المقام عن تعداده، كما يضيق المقام عن تعداد الحكم والمصالح والفوائد المترتّبة على تلك المواكب التمثيلية، ولعلّها أحد أسرار الشهادة ومفادات الإمام سلام الله عليه بنفسه وبأعزّ الأنفس على وجه الأرض.

إنّ تلك الأُسرة السامية قد مثّلت للناس مقام استهانة النفس، واحتقار هذه الحياة الفانية في جنب تلك الحياة السرمديّة والسعادة الأبديّة، وبذل كلّ عزيز إزاء العزّة والإباء.

علّمت الناس البسالة والإقدام والتفاني في الحفيظة ومجانبة الخضوع والذلّة، وما للنواميس الإلهية وللدين من القداسة والتعظيم الذي تهون عندها تلك الأرواح المقدّسة والأعراض المصونة.

علّمت الناس قوّة العزائم التي تهون عندها العظائم، وتسهل دونها المصاعب.

ولعمر الله والحقّ، إنّ تعطيل تلك المظاهرات والمواكب لا يلبث رويداً حتّى يعود ذريعة إلى سدّ أبواب المآتم الحسينيّة، وعندها - لا سمح الله - لا يبقى

١- إقبال الأعمال ٣: ١٢٣، الفصل ١٢، في ما نذكره من زيارة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

٤٦٣

للشيعة أثر ولا عين، ولتذهبنّ الشيعة ذهاب أمس الدابر، فإنّ الجامعة الوحيدة والرابطة الوثيقة لها هي المنابر الحسينيّة والمآثر العلويّة.

وما تلك الهنابث(١) والوساوس إلاّ من جرّاء هاتيك الدسائس، نزعة أمويّة ونزغة وهّابيّة، يريدون إحياء ذكر بني أُميّة وإزهاق الحقيقة المحمديّة ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴿(٢).

ويحسن هنا أن نورد لك ما ذكره جدّنا الشيخ الأكبر في كتاب «كشف الغطاء» فإنّه قد أحرز جوامع التحقيق، وتكفّل بإيصالك إلى الحقيقة من أقرب طريق قال قدّس سرّه ما نصه:

«وأمّا بعض الأعمال الراجعة إلى الشرع، ولا دليل عليها بالخصوص، فلا تخلو من أن تدخل في عموم الدليل، ويقصد بالإتيان بها الموافقة من جهته، لا من جهة الخصوصيّة، كقول: أشهد أنّ عليّاً وليّ الله، لا بقصد الخصوصيّة ولا بقصد النصوصيّة ; لأنّهما معاً تشريع، بل بقصد الرجحان الذاتي أو الرجحان الفرضي ; لما ورد من استحباب ذكر اسم علي متى ذكر اسم النبيّ(٣).

١- الهنابث: الأُمور والأخبار المختلطة، يقال: وقع بين الناس هنابث، وهي أُمور وهنّات، لسان العرب ٢: ١٩٨ «هنبث».

٢- التوبة (٩) : ٣٢.

٣- منها ما عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ الله عزّ وجلّ لمّا خلق العرش كتب عليه: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين. ولمّا خلق الله عزّ وجلّ الماء كتب في مجراه: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولمّا خلق الله عزّ وجلّ الكرسي كتب على قوائمه: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين. ولمّا خلق الله عزّ وجلّ اللوح كتب فيه: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين. ولمّا خلق الله إسرافيل كتب على جبهته: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين. ولمّا خلق الله جبرائيل كتب على جناحيه: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين. ولمّا خلق الله عزّ وجلّ السماوات كتب في أكنافها: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين. ولمّا خلق الله عزّ وجلّ الجبال كتب في رؤوسها: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين. ولمّا خلق الله عزّ وجلّ الشمس كتب عليها: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين. ولمّا خلق الله عزّ وجلّ القمر كتب عليه: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين. وهو السواد الذي ترونه في القمر فإذا قال أحدكم: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله فليقل: علي أمير المؤمنين(عليه السلام)». الاحتجاج ١: ٢٣١، أفضل منقبة لعلي(عليه السلام).

ومنها ما عن أنس قال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم: «لمّا عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله أيّدته بعلي نصرته بعلي»، أخرجه الحاكم في شواهد التنزيل ١: ٢٩٤، حديث ٣٠٠، وقريب منه ما في كنز العمّال ١١: ٦٢٤، حديث ٣٣٠٤٠، والمعجم الكبير للطبراني ٢٢: ٢٠٠، من إسناد هبار بن الأسود، وفي نظم درر السمطين: ١٢٠، مناقب الإمام أمير المؤمنين، وأمالي الصدوق: ٢٤٨، حديث ٣١٢.

ومنها ما عن فاطمة الزهراء(عليها السلام) قالت: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لمّا عرج بي إلى السماء صرت إلى سدرة المنتهى (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)، النجم (٥٣) :٩، فأبصرته بقلبي ولم أره بعيني، فسمعت أذاناً مثنى مثنى وإقامة وتراً وتراً، فسمعت منادياً ينادي: يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشيء اشهدوا أنّي لا إله إلاّ أنا وحدي لا شريك لي، قالوا: شهدنا وأقررنا.

قال: اشهدوا يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي بأنّ محمّداً عبدي ورسولي، قالوا: شهدنا وأقررنا.

قال: اشهدوا يا ملائكتي وسكّان سماواتي وأرضي وحملة عرشي بأنّ علياً وليي وولي رسولي وولي المؤمنين بعد رسولي، قالوا: شهدنا وأقررنا». تفسير فرات الكوفي: ٣٤٣، حديث ٤٦٨.

ومنها ما رواه الكليني عن ابن طريف عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّا أوّل أهل بيت نوّه الله بأسمائنا، إنّه لمّا خلق السماوات والأرض أمر منادياً فنادى أشهد أن لا إله إلاّ الله - ثلاثاً - أشهد أن محمّداً رسول الله - ثلاثاً - أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقّاً - ثلاثاً -»، الكافي ١: ٤٤١، حديث ٧، باب مولد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ووفاته.

٤٦٤

٤٦٥

إلى أن قال: «وكما يصنع في مقام تعزية الحسين(عليه السلام) من دقّ طبل إعلام، أو ضرب نحاس، وتشابيه صور، ولطم على الخدود والصدور ; ليكثر البكاء والعويل». ثمّ ختم الفصل بقوله: «وجميع ما ذكر وما يشابهه إنّ قصد به الخصوصيّة كان تشريعاً، وإنّ لوحظ فيه الرجحانيّة من جهة العموم فلابأس فيه»(١)انتهى.

ولكنّك عرفت ممّا قدّمناه أنّ بعض تلك الأُمور قد وردت فيها نصوص بالخصوص، مثل اللطم واللدم، فضلاً عن البكاء والعويل.

١- كشف الغطاء ١: ٥٣ - ٥٤، المقام الثاني: فيما يتعلّق بجملة العبادات بالمعنى الأخص.

٤٦٦

فذلكة المقام وخلاصة الفتوى

إنّ واقعة الطفّ وما جرى فيها من زوابع الفجائع، واقعة خرقت النواميس الطبيعيّة والغرائز البشريّة، فضلاً عن الشرائع الإلهية.

وما رأت عين الدهر ولا سمعت واعية الأزمان بواقعة مثلها، ولا تسمع بمثلها أبداً، وكما أنّها أخذت بمجامع الغرابة والتفرّد في بابها، فكذلك أحكامها غريبة الشكل، عديمة النظير، بديعة الأُسلوب، متفرّدة في بابها.

الجزع والبكاء في المصائب - مهما عظمت - قبيح مكروه، ولكن صادق أهل البيت سلام الله عليه وعليهم يقول في حديث معتبر: «البكاء والجزع كلّه مكروه إلاّ على الحسين صلوات الله عليه»(١).

شقّ الجيوب على الفقيد وخمش الوجوه محرّم في الأشهر، ولكن صادق أهل البيت سلام الله عليه يقول في حديث وثيق: «على مثل الحسين فلتُشقّ الجيوب ولتُخمش الوجوه ولتلطم الخدود»(٢).

١- ونصّ الحديث قال(عليه السلام): «إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي(عليهما السلام) فإنّه فيه مأجور»، كامل الزيارات: ٢٠١، حديث ٢٨٦.

٢- قال(عليه السلام): «وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود الفاطميّات على الحسين بن علي(عليهما السلام)، وعلى مثله تلطم الخدود وتشقّ الجيوب»، تهذيب الأحكام ٨: ٣٢٥، حديث ١٢٠٧.

٤٦٧

إيذاء النفس وإدماء الجسد مرغوب عنه مذموم، سيّما من الأعاظم وأرباب العزائم، والحجّة عجّل الله فرجه يقول في زيارة الناحية: «فلأندبنّك صباحاً ومساءً، ولابكينَّ عليك بدل الدموع دماً»(١).

وقد سبقه إلى ذلك جدّه زين العابدين(عليه السلام)، ففي بعض روايات المجلسي على ما يعلق ببالي من زمن متقادم أنّ زين العابدين كان أحياناً إذا قدّم إليه قدح فيه ماء بكى حتّى يملاؤه دماً(٢).

وعلى هذه الوتيرة فاسحب وجر سائر الأعمال التي يؤتى بها بقصد الحزن والتوجّع لفاجعة الطفّ، وأنّها لعمر الله باب الرحمة الواسعة، وسفينة النجاة من كلّ هلكة. ومَن ذا يقدر على سدّ باب رحمة الله، أو يقطع أعظم الذرائع والوسائل إلى الله؟!

ولكن رغبتي إلى إخواني المؤمنين ووصيّتي إليهم ومسألتي منهم أمران:

الأوّل: تنزيه تلك المواكب المقدّسة من كلّ ما يشينها ويدنّسها، ممّا يوجب إلقاح الفتنة والفساد من المقابلة والتفاخر وحبّ الغلبة وتفوّق قبيل على قبيل، وأمثال ذلك من الأخلاق الذميمة.

فإنّ تلك الأعمال أعمال إلهيّة، ولها غايات روحية، فلا تدعو للشيطان سبيلاً إلى إحباط أجرها ومحو أثرها وغاياتها.

الثاني: وهو أهم وأعظم، ألا وهو المحافظة على اتّفاق الكلمة، ونبذ الخلاف والتفرّق، ولتكونوا يداً في حفظ هذه الجامعة المقدّسة التي أوشكت أن تنحل

١- المزار: ٥٠١، زيارة أخرى في يوم عاشوراء صدرت على الناحية.

٢- بحار الأنوار ٤٦: ١٠٦، حديث ١، الباب السادس (حزنه وبكائه على أبيه)، نقلاً عن مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٣: ٣٠٣، باب إمامة علي بن الحسين(عليه السلام). وفي كلا المصدرين يملأها «دمعاً» لا «دماً».

٤٦٨

عراها وتضمحلّ قواها.

ومَن تدبّر في حالة الشيعة الحاضرة يجدها وخيمة العاقبة ذميمة المغبّة، تكاد تقضي على حياتها وتؤدّي إلى هلاكها، يعرف ذلك أهله من ذوي التدبّر والمعرفة.

وهذه حادثة المدينة وفاجعة أئمّة البقيع، كفى بها ذلاًّ وهواناً لنا معشر الإماميّة، وكان يجب أن تكون هي الشغل الشاغل لنا عن كلّ خلاف ونزاع، وتنابذ وافتراق.

فالله الله يا عباد الله المؤمنين في جمع الكلمة، ولم الشعث(١)، ورتق الفتق، ووحدة العدّة والقوّة، فإنّها أربح وأنجح وأفضل وأجمل في الدنيا والآخرة، وما أُريد إلاّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب.

١- الشعث بالتحريك: انتشار الأمر، يقال: لمَّ الله شعثك، أي جمع أمرك المنتشر. الصحاح ١: ٢٨٥ «شعث».

٤٦٩

محاضرة زاهرة وكلمات باهرة

ألقى علينا عمّنا الحجّة والآية، وعلم الهداية، الشيخ السابق الذكر أدام الله ظلّه العالي، ذات يوم محاضرة نفيسة، وجدناها تتعلّق أشدّ العلاقة بالفتوى المتقدّمة، فأحببنا إلحاقها بها ونشرها هنا، وأن نضمّ ما صدر من فمه إلى جنب ما صدر من قلمه، تعميماً للفائدة وخدمة للحقيقة ونشراً للمعارف الدينية، قال دامت بركاته:

إنّ مَن أمعن النظر وسبر(١) غور(٢) الوقائع التاريخية في بدء الدعوة المقدّسة الإسلاميّة، وفلسفة نشوئها وارتقائها وبدء انتشارها واعتلائها، وجد أقوى الأسباب العاديّة بعد العناية الربانيّة، هو سيف أمير المؤمنين صلوات الله عليه ومواقفه المشهورة ومساعيه المشكورة، بحيث لولا كفاحه وصفاحه لمّا اخضرّ للإسلام عود، ولمّا قام له عمود.

وكذلك من أعطى التدبّر حقّه وأمعن النظر في أسباب انتشار مذهب التشيّع

١- سبرت الجرح أسبره: إذا نظرت ما غوره. الصحاح ٢: ٦٧٥ «سبر».

٢- غور كلّ شيء قعره. الصحاح ٢: ٧٧٣ «قعر»، والمعنى أن الناظر إلى أعماق الوقائع التاريخية.

٤٧٠

واتّساع نطاقه، وارتفاع رواقه، لم يجد له سبباً حقيقيّاً، وسرّاً جوهريّاً، سوى شهادة أبي عبد الله الحسين - صلوات الله عليه - بذلك الشكل الغريب، والوقع الهائل.

ولولا شهادته سلام الله عليه لكانت الشريعة أمويّة، ولعادت الملّة الحنيفيّة يزيدية، فحقّاً أقول: إنّ الإسلام علوي، والتشيّع حسيني.

أقول وحقاً ما أقول: إنّ مَن ليس له حبل ولاء خاصّ إلى علي صلوات الله عليه، فليس من الإسلام على شيء، ومن ليس له حبل ولاء خاصّ بالحسين سلام الله عليه فليس من التشيّع على شيء.

ولعلّ من هنا تجد أنّ لكلّ شيعي علقة خاصة مع الحسين(عليه السلام) ليست له مع غيره من سائر الأئمّة سلام الله عليهم، مع أنّه يعتقد بإمامتهم وفرض طاعتهم.

نعم، وقد كان لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولذات الأئمّة(عليهم السلام) علقة خاصة بالحسين بخصوصه ليست لبعضهم مع بعض، فلقد كانت لهم لهجة خاصة بذكره، يعرفها من أنس بأخبارهم، ووقف على بعض أسرارهم.

وهذه ميّزة قد امتاز سلام الله عليه بها، ومزيّة قد تفرّد هو فيها. وكانوا جميعاً يشيرون إلى أنّ الحسين(عليه السلام) هو مستودع ذلك السرّ الإلهي الذي يستبين به الدين، ويميز الله به الخبيث من الطيّب، والحقّ من الباطل.

وما تبيّن الرشد من الغي والهدى من الضلال إلاّ بالحسين سلام الله عليه، وإلاّ فقد ارتبك الأمر بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على عامة المسلمين واختلط الحابل بالنابل(١) والحقّ بالباطل، سيّما بعد صلح أخيه الحسن سلام الله عليه، الذي كان

١- هذا من أمثال العرب، قال اليوسي: الاختلاط معروف، والحابل الذي يصيد بالحبل، والنابل الذي يصيد بالنبل، فيضرب ذلك في اختلاط الرأي. زهر الأكم في الأمثال والحكم ١: ٢٢١.

٤٧١

أيضاً بأمر من الله سبحانه، ولكن نهض الحسين سلام الله عليه تلك النهضة الباهرة، فقشع سحب الأوهام، وانتزع النور من الظلام، وأصحر بالهدى لطالبه، وبالحق الضائع لناشده.

وهذه إحدى المزايا التي امتاز بها وتفرّد، وكان من قبله من الأئمّة ومن بعده يشيرون إليها، ويدلّون الناس عليها، وكانت نسبته إليهم في ذلك على حدّ قول القائل:

ولستَ تَرى في محكمِ الذكر سورةً

تقومُ مقام الحمدِ والكلُّ قرآنُ(١)

١- أحد أبيات قصيدة ابن قلاقس المصري، وهو نصر بن عبد الله بن عبد القوي اللخمي الإسكندري الأزهري، المعروف بابن قلاقس، ولد في الإسكندرية عام ٥٣٢هـ ، ثمّ انتقل إلى القاهرة، توفّي في عيذاب - وهي قرية متوسطة بين مصر والحجاز واليمن - عام ٥٦٧ هـ ، ونذكر تمام القصيدة تعميماً للفائدة:

لأية حال فيضُ دمعك هتانُ ا هذه نعم ولا تلك نعمانُ
أكلُّ مكان للبخيلة منزلٌ لُّ حمول للبخيلة إظغانُ
وإلاّ فهل أسررت رأي متمّم ان على آثارهم عندما بانوا
سقى الله نعمان الأراك مدامعي قلت ولو أنّ المدامع طوفانُ
ديارٌ بها للسُمر غابٌ وللظِبا داولُ أنهار وللجرد غزلانُ
إذا رتعت آرامها قلت وجرةٌ إنّ ربضت آسادها قلت خفانُ
نعمت بها والعيش أخضر يانعٌ صن الصبا لدنُ المعاطف ريّانُ
فما نهدت عن شرعة الحبُ ناهدٌ لا أوهن الشمل المجمّع وهنانُ
أمّا وبدور في غصون تمايلت ا هي أقمارٌ ولا تلك أغصانُ
لقد جبت عرض البيد وهي فسيحةٌست عرين الليث والليثُ غضبانُ
ولا صاحبٌ إلاّ تنسم نفحة ززت لها عطفي كأنّي نشوانُ
يميل إليها أخدعُ الصبّ كبكبٌ لوي لها عطف المتيّم ثهلانُ
فعجتُ مع الشوق المبرّح طوعه ي كلّما لام العواذل عصيانُ
فلمّا رأيتُ الدار حيّيتُ ربعهاللطرف إنكارٌ وللقلب عرفانُ
وقلتُ لها قلبي كأهلك قد نأى ا أنت إطلالٌ وها أنا جُثمانُ
فأين أفنانُ القدود وقد هفتشجت لطير الحلي فيهنّ ألحانُ
ليالي تزري بالكواكب أكؤسٌاورُ بالشمس المنيرة ندمانُ
تصرّمُ ذاك العيش إذا تذكراً بتُ له بين الأضالع نيرانُ
فإن كنت من ماء الجزيرة راوياً نّي إلى عذب العذيب لظمآنُ
وقد أقطعُ البيداء والبدرُ فارسٌ الليلُ طرفٌ والكواكبُ خُرصانُ
بمنجرد في الوعر وعل وفي النقا قابٌ وفي سهل البسيطة سرحانُ
سرى وكأنّ الريح ملءُ حزامه ها وكأنّي في مطاهُ سليمانُ
وأخضر مرهوب الغرار إذا بكى حاملهُ طلق الأسرّة جذلانُ
وأرقط إمّا نسبة حين ينتمي قرٌ وإمّا نصبة فهو بستانُ
وروضٌ به للنهر تجري مجرّة لزهر غذتهُ المواطرُ شهبانُ
وقد أتلعت أجيادها قلل الربى لّدها للنور ذّر وعقيانُ
يعبّر عن نشر الأثير كأنما رُّ على تلك الرُبى منه أردانُ
أغرّ له حالا نوال وفتكة ي السلم مطعامٌ وفي الحرب مطعانُ
من القوم ما غير الظبي لبيوتهم اسٌ ولا غيرُ الذوابل أركانُ
إذا جرّدوا بيض السيوف فما لها ى أرؤس الصيد البهاليل أجفانُ
ظماءُ حروب من قلوب عداتهم هم قلبٌ والسمهرية أشطانُ
رعوا من يواليهم وراعوا عداتهم أقوامهم عزوا وأضدادهم هانوا
تكفلهُم للمجد أفضل كافلغذتهم من صفوة الفضل ألبانُ
صفا منهم جودٌ عميمٌ ومنظرٌ يمٌ وعرضٌ لا يشابُ وأذهانُ
إذا صمتوا خفوا وإن نطقوا هُدوا إنّ نزلوا زانوا وإن ركبوا صانوا
أجاروا وما جاروا وأولوا وما ألوا نّوا وما منّوا ومانُوا وما مانوا
وكم سقت الأعداء كأساً مريرةً وارم تثنيهم صريماً ومرانُ
سوام رعوا نبت الرماح فهومواجافاً وما كلُّ المسارح سعدانُ
تميمٌ تمامٌ فضلهُم غير أنّهُ عزّ وما ذلوا وأوفى وما خانوا
ولست ترى في محكم الذكر سورةً قومُ مقام الحمد والكلُّ قرآنُ
لهم شرفٌ يزدادُ فخراً بذكره هم المعالي ناظر وهو إنسانُ
له قلمٌ كالصّل لكن لعابهباغي الندى شهدٌ وللقرن ذيفانُ
إذا جال يوماً فالأنامل سابحٌمنخرقُ الطُرس المنمّقُ ميدانُ
فلله منه واحدٌ بين قومهم بين أحياء القبائل وحدانُ
يجودُ ويخفى جودُه فيذيعهُ ناءً وما بالمسك يعبقُ كتمانُ
أحبّ المعالي فاغتدت وهي طوعُه من شيم المحبوب مطلٌ وليّانُ
وأسعد بالندب السعيد فللعلى جمّع شمل لا دنا منه فرقانُ
فللمجتلي شمسٌ وبدرٌ تأّلقا وللمُجتدي سيحانُ فاض وجيحانُ
ومن عجب أن قسم الفضل فيهما ولا واحدٌ في قسمة منه نقصانُ
علاهُم سماءٌ والأمير محمّدُ بها قمرٌ طلقُ الأسرة ضحيانُ
طلاقتهُ دلت على طيب أصله وفي الفجر وضاحاً على الصبح عنوانُ
ليهنكم العيدُ السعيدُ وإن غدا بفضلكم يزهو جلالاً ويزدانُ
إذا كنتم عيداً لنا كلّ مدّة فقد بات شوّالٌ سواءً وشعبانُ
أقامت على جودي جودك فاكتفت سفينة آمالي وللبخل طوفانُ
لساني غوّاصٌ وفكري بحرُه وشعري درٌّ يُستفادُ ومرجانُ
إذا اختال فيه لا بسوه فحلّةٌ تزينُ ومن بعض الملابس أكفانُ
تقصّر عن نعماك أولادُ جفنة ويقصّرُ عن إدراك شأوي حسّانُ
٤٧٢
الصفحة: ٤٧٣ فارغة

ويتفرّع من هذه المزيّة مزايا تفوت حدّ المدّ، ويحصر عنها لسان الحصر.

٤٧٤

كان من مزاياه التي انفرد بها وامتاز عن غيره فيها، أنّه ربّما رآه وكلّمه أعدى عدوّ له، فانقلب أكبر محبّ له.

وحسبك بحديث زهير بن القين، وكان عثمانياً، أبغض شيء إليه أن ينازل الحسين(عليه السلام) في منزل، فما اجتمع به وكلّمه بضع كلمات حتّى طلّق الدنيا وزوجته، وفداه بنفسه(١)، ولا تحسب أنّ هذه من منفردات الشيعة ورواياتهم، فإنّ في كتب علماء السنّة قد يوجد ما هو أعجب من ذلك.

١- ففي اللهوف قال السيّد بن طاووس: «ثمّ سار(عليه السلام) فحدّث جماعة من بني فزارة وبجيلة قالوا: كما ]كنّا[ مع زهير بن القين لمّا أقبلنا من مكّة فكنّا نساير الحسين(عليه السلام) حتّى لحقناه، فكان إذا أراد النزول اعتزلناه فنزلنا ناحية، فلمّا كان في بعض الأيّام نزل في مكان لن نجد بدّاً من أن ننازله فيه.
فبينا نحن نتغدّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين(عليه السلام) حتّى سلّم، ثمّ قال: يا زهير بن القين، إنّ أبا عبد الله الحسين(عليه السلام) بعثني إليك لتأتيه، فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده حتّى كأنّما على رؤوسنا الطير.
فقالت له زوجته - وهي ديلم بنت عمرو - : سبحان الله! أيبعث إليك ابن رسول الله(عليه السلام) ثمّ لا تأتيه؟ فلو أتيته فسمعت من كلامه.
فمضى إليه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فحوّل إلى الحسين(عليه السلام) وقال لامرأته: أنت طالقّ فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خير، وقد عزمت على صحبة الحسين(عليه السلام) لأفديه بنفسي، وأقيه بروحي، ثمّ أعطاها مالها وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها.
فقامت إليه وبكت وودعته وقالت: كان الله عوناً ومعيناً، خار الله لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين(عليه السلام).
فقال لأصحابه: من أحبّ أن يصحبني، ولا فهو آخر العهد منّي به». اللهوف في قتلى الطفوف: ٤٤، خروج الحسين(عليه السلام) من مكّة إلى العراق.

٤٧٥

هذا مجد الملك بن شمس الخلافة، أحد وزراء العلماء في مصر، المتوفّى في حدود الستمائة، على ما ذكره ابن خلكان في ترجمته، ذكر في كتاب له ألّفه في محاسن المحاضرة وآداب المسامرة فقال:

«إن عصام بن المصطلق وكان شاميّاً أمويّاً قال: دخلت المدينة فرأيت الحسين بن علي سلام الله عليهما ومعه غلمانه وحاشيته، فأعجبني سمته ورواؤه وحسنه وبهاؤه، وأثار الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فجئت إليه وقلت له: أنت ابن أبي تراب؟

فقال: «نعم».

فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إليّ نظر عاطف رؤوف برّقة ورحمة، ثمّ قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ¯ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ¯ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾(١).

ثمّ قال لي: «خفّض عليك، أستغفر الله لي ولك، إنّك لو استعنتنا لأعناك، ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشدتنا لأرشدناك».

قال عصام: فندمت على ما قلت، وتوسّم منّي الندم على ما فرط مني فقال: ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(٢).

ثمّ قال(عليه السلام): «أمن أهل الشام أنت»؟

قلت: نعم.

١- الأعراف (٧) : ٢٠٠ - ٢٠٣.

٢- يوسف (١٢) : ٩٢.

٤٧٦

فقال: «شنشنة أعرفها من أخزم(١)، حيّانا الله وإيّاك، انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك تجدنا عند أفضل ظنّك إن شاء الله».

قال عصام: فضاقت علي الأرض بما رحبت ووددت لو أنّها ساخت بي، ثمّ انسللت من بين يديه لواذاً، وما على وجه الأرض أحبّ إليّ منه ومن أبيه»(٢) انتهى ما علق بخاطري من ذلك الكتاب.

وكم لهذه الواقعة من نظائر لا يسعها المقام، ولكن من عرف للحسين(عليه السلام)بعض هاتيك المزايا والخصوصيات لاشكّ أنّه يستقلّ في عزائه الكثير، ويستحقر الأمر الخطير، ويرى دون ما يستحقّه كلّ تلك الشعائر والمظاهرات، والمواكب والنزعات.

نعم، وإذا كان الشامي الأموي بنظرة واحدة وكلمات معدودة يعود وما على وجه الأرض أحبّ إليه من الحسين وأبيه، فما عذر الشيعي في إبداء الوهم والتشكيك في المواكب الحسينيّة والشؤون العزائيّة؟!

وأمّا والله لولا استمرار تلك الشعائر ; وقيام أعواد هذه المنابر، واستدامة التوجّع والتفجّع، لانطمست أعلام التشيّع، ولكنّي أختم كلمتي هذه بالآية الشريفة

١- الشنشنة بالكسر: الطبيعة والخلق، وأخزم بالزاي رجل من طي مات أخزم هذا وترك بنين، فوثبوا يوماً على جدّهم فأدموه فقال:

إنّ بنيّ زملوني بالدم يلق أساد الرجال يُكلَمِ

ومَن يكن ذا أود يُقوَّم شنة أعرفها من أخزم

لأنّه كان عاقاً كذلك. زهر الأكم والأمثال والحكم ١: ٣٥٥.

٢- لم نعثر على هذا الكتاب لكن القصّة مشهورة، فقد ذكرها ابن عساكر في تاريخه، تاريخ مدينة دمشق ٤٣: ٢٢٤، في ترجمة علي بن محمّد أبو الحسن الحوطي رقم ٥٠٧٨، وذكرها القرطبي في تفسيره ٧: ٣٥٠، ذيل قوله تعالى: (إنّ الذين اتقوا إذا مسّهم...).

٤٧٧

التي استشهد بها سلام الله عليه حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ¯ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾(١).

نسأله تعالى أن يمنَّ علينا بنفوذ البصيرة، ونزع بذور الأغراض من لوح السريرة، لنرى الحقائق كما هي إن شاء الله، والسلام.

انتهى ما ألقاه علينا من المحاضرة والخطبة شيخنا الحجّة نفعنا الله بإفاداته، ومتّعنا بطول بقائه إنّ شاء الله، والسلام عليكم أيّها المؤمنون جميعاً ورحمة الله وبركاته(٢).

١- الأعراف (٧) : ٢٠١ - ٢٠٢.

٢- في آخر الطبعة المستقلّة لهذه الرسالة «المواكب الحسينيّة»، كتبت عبارة: «الناشر محمّد ابن الشيخ عبد الحسين آل كاشف الغطاء - النجف الأشرف - المطبعة العلويّة».

٤٧٨

٤٧٩

(٩) قطعة من كتاب الفردوس الأعلى

تأليف

الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء

( ١٢٩٤هـ - ١٣٧٣هـ )

٤٨٠