×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية ( ج 1) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

البيت عليهم‏السلامومناقبهم، وموجباً لإهراق الدموع على مصائبهم، ومظهراً لشيعتهم وأتباعهم بمظهر الفضل والكمال الموجب لميل النفوس إليهم، لا بمظهر الوحشيّة والانتقاص المنفّر للقلوب عنهم.

وقد أقيمت في اليوم العاشر فيه مراسم الحزن والبكاء، وظهرت بأجلى مظاهرها وأوقرها وأكملها فلم تبق عين لم تسكب دموعها، ولا قلب لم يحزن ويخشع، وختم باللطم المهيّج المؤثّر الذي لا يدخله محرّم ولا منفّر، والحمد للّه‏ على التوفيق. ومن واجبات اتّباع الأئمّة عليهم‏السلام حفظهم في أبنائهم وذريّاتهم، وعدم اساءة القول فيهم ونسبتهم إلى ما هم منه براء. أمّا البصري المعرّض به والمنسوب إليه مخالفة الأئمّة وعلماء الأُمّة، فهو سيّد جليل القدر، من أفاضل السادة العلماء، ومن الذرّيّة الطاهرة التي جعل اللّه‏ مودّتها أجر الرسالة، وهو العلاّمة السيّد مهدي الكاظمي، صاحب المؤلّفات في الذب عن مذهب أجداده الطاهرين.

رأى منكراً فنهى عنه، وشاهد في البصرة ما لا تبرك عليه الإبل، فحرّكته حميّته الهاشميّة إلى الذبّ عن حرم أجداده الطاهرين والمنع من هتك حرمتهم، وذلك إنّه في المحرّم من السنة الماضية - وهي سنة ١٣٤٥ه - جرى تمثيل الواقعة في البصرة، فجئبامرأة من مومسات البصرة، ووضعت في الهودج حاسرةً، وشبّهت بزينب بنت أمير المؤمنين عليه‏السلام على مرأى من ألوف المتفرّجين.

فأخذت هذا السيّد الجليل الصادق النسبة الغيرة على بنت أمير المؤمنين عليه‏السلام وأجلّ امرأة هاشميّة بعد أمّها الزهراء عليهاالسلام، فمنع من التشبيه الذي اشتمل على هذه المنكرات من شقّ الرؤوس وإيذاء النفوس والطبول والزمر،

٤١

وتشبيه بنات رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم بهذا التشبيه الشنيع، وكتب في ذلك رسالة ونشرها، فكان بذلك عند صاحبنا مخالفاً للأئمّة وعلماء الأُمّة... أمّا العاملي المنسوب إليه ذلك، فهو هذا الفقير الذي كتب في مقدّمة «المجالس السنيّة» بعض كلمات في منع التشبيه المشتمل على المحرّمات ا لمشار إليها، مدعومة بساطع البرهان، حداني عليها الغيرة على الطائفة والمذهب من أن يلصق بهما الأغيار من المعائب ما هما براء منه، وقد بان بذلك من هو المخالف للأئمّة وعلماء الأُمّة.

وهذان السيّدان اللذان عرّض بهما بسيّئ قوله يؤلمهما وأيّم اللّه‏ مصاب جدّهما بما لا يؤلم به سواهما، وليست الثكلاء كالمستأجرة، ويقول أحدهما - وهو كاتب هذه السطور - من قصيدة:


يا جدّ ما برحت عيني مسهّدة حزناً عليك وقلبي يشتكي العطبا

ما مرّ يوم بقلبي ذكرُ مصرعكم إلاّ وفاض سحاب الدمع وانسكبا

إن يقتلوكم ويقلوكم فما نسخوا ذكرا لكم وثناءً زين الكتبا

كما قال الشريف الرضي - رضي اللّه‏ عنه - قبله:


يا جد ما زالت كتائب حسرة تغشى الضمير بكرها وطرادها

ابدا عليك وأدمع مسفوحة إن لم يراوحها البكاء يغادها

هذا ما أردنا إثباته في هذه العجالة، واللّه‏ ولي التوفيق، وله الحمد والمنّة»(١).

١- التنزيه لأعمال الشبيه المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٢: ٢٤٠.

٤٢

المرحلة الخامسة

تتمثّل في ردود الفعل على رسالة «التنزيه» للسيّد الأمين، فقد جاءت ردود الفعل من مختلف طبقات المجتمع: علماء، وفضلاء، وخطباء، وشعراء، وعامّة الناس. واختلفت هذه الردود حسب مستوى الناس وثقافاتهم: فمنهم من اكتفى بكلمات الاستغفار والدعوة لصاحب الفتوى بالهداية. وأظهر آخرون معارضتهم لها باللسان والكتابة والشعر. وتجاوز البعضُ الحدود فاتّهم السيّد الأمين بتُهم باطلة، وتجاسر آخرون عليه وعلى مؤيّديه بالسب واللعن. فأحاول في هذه الأوراق أن اُبيّن ردود الفعل من المعارضين والمؤيّدين، وعلى عدّة مستويات:

رجال الدين:

عارض السيّد الأمين عددٌ كبير من رجال الدين، وفي مقدّمتهم مراجع دين، ومجتهدون، وكتّاب معروفون، منهم:

١) المرجع الدينيّ الكبير الميرزا حسين النائيني (ت١٣٥٥ه)، عارضه في

٤٣

النجف الأشرف بإصدار فتوى بالجواز(١).

٢) المرجع الدينيّ الكبير الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (ت١٣٧٣ه)، عارضه في النجف الأشرف بإصدار فتوى بالجواز(٢). وكانت لفتوى هذين المرجعين أثر كبيرٌ في نفوس الناس في العراق وخارجه، حيث استغلّها بعض المغرضين لتأليب الرأي العام على السيّد الأمين.

٣) المجتهد الكبير الشيخ عبد الحسين صادق العاملي (ت١٣٦١ه)، عارضه في النبطيّة بإصدار فتوى بالجواز(٣).

٤) المجتهد الكبير السيّد عبد الحسين شرف الدين (ت١٣٧٧ه)، عارضه بإصدار فتوى بالجواز(٤).

وكانت لفتوى هذين العالمين أثرٌ كبيرٌ في لبنان. وورد في رسالة ثورة التنزيه: «ومن أشرس مَن قاوم الدعوة في لبنان كان السيّد عبد الحسين شرف الدين، الذي كتب رسالة عنيفة أسَفَّ بها إلى سييء القول، ونحّلها صهره الشيخ عبد اللّه‏ سبيتي، كما أوعز إلى ولده السيّد محمّد علي بأن يصدر رسالة، وإلى ابن شقيقه السيّد نور الدين بأن يوالي حملاته.

وقد استغلّ موت إحدى قريباته من آل الصدر في العراق، فأقام لها أربعينيّة في صور، وحشد له من استطاع حشدهم من الناس، وألقى هو بصوته الجّهوري خطاباً، هاجم فيه الدعوة وصاحبها، كما ألقيت قصيدة لصاحب الكتيب المار

١- معارف الرجال ٢: ٢٨٤، هكذا عرفتهم ١: ٢٠٧.

٢- معارف الرجال ٢: ٢٧٢، هكذا عرفتهم ١: ٢٠٧.

٣- معارف الرجال ٢: ٤١، هكذا عرفتهم ١: ٢٠٧.

٤- معارف الرجال ٢: ٥١، هكذا عرفتهم ١: ٢٠٧.

٤٤

ذكره»(١).

٥) المجتهد والكاتب المعروف المجاهد الشيخ محمّد جواد البلاغي (ت١٣٥٢ه)، وكانت معارضته فعليّة، فلم يُسمع منه أيّ كلامٍ ضدّ السيّد الأمين، بل كان هذا الشيخ الجليل على ضعفه وكبر سنّة يخرج أمام مواكب العزاء يضرب على صدره ورأسه وقد حلّ أزراره وطيّن جبهته. وكان له مجلس عزاء كبير جدّاً يُقيمه في كربلاء المقدّسة يوم عاشوراء، لازال الناس يتحدّثون عنه(٢).

قال معاصره المؤرّخ الشيخ جعفر محبوبة (ت١٣٧٧ه):

«وكم له أمام المناوئين للحسين عليه‏السلام من مواقف مشهودة، ولولاه لأمات المعاندون الشعائر الحسينيّة والمجالس العزائيّة، ولكنّه تمسّك بها والتزم بشعائرها وقام بها خير قيام»(٣).

وقال الشيخ محمّد هادي الأميني (ت١٤٢١ه)، بعد أن حكى قول الشيخ جعفر محبوبة السابق: «فحين أفتى بعض العلويّين في الشام - وتبعه علويّ آخر في البصرة - بحرمة الشعائر الحسينيّة، وزمّر وطبّل على هذه الفتوى كثير من المغرضين المعاندين، شُوهد هذا الشيخ الكبير على ضعفه وعجزه أمام الحشد المتجمهر للعزاء يمشي وهو يضرب على صدره وقد حلّ أزراره وخلفه اللطم والأعلام، وأمامه الضرب بالطبل. ومن آثاره إقامة المآتم في يوم عاشوراء في كربلاء، فهو أوّل من أقامه هناك، وعنه أُخذ حتّى توسّع فيه ووصل إلى حدّه اليوم»(٤).

١- رسالة ثورة التنزيه المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٣: ٤٣٧.

٢- شعراء الغري ٢: ٤٣٦.

٣- ماضي النجف وحاضرها ٢: ٦٢.

٤- معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام ١: ٣٥٣.

٤٥

٦) الحجّة الشيخ عبد المهدي المظفّر (ت١٣٦٣ه)، عارضه بتأليف رسالة «إرشاد الأُمّة للتمسّك بالأئمّة»، طبعت سنة ١٣٤٨ه .

٧) الحجّة السيّد محمّد هادي البجستاني الحائري (ت١٣٦٨ه)، عارضه أيضاً بتأليف «رسالة في الشعائر الحسينيّة»، طبعت سنة١٣٤٨ه .

٨) الحجّة الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي (ت١٣٧٥ه)، ألّف رسالة في ردّه سمّاها «النقد النزيه لرسالة التنزيه» طبعت سنة١٣٤٧ه .

٩) العلاّمة الحجّة الشيخ محمّد علي الغروي الأردوبادي (ت١٣٨٠ه)، ألّف رسالة في ردّه سمّاها «كلمات جامعة حول المظاهر العزائية».

١٠) الحجّة الشيخ محمّد حسين المظفّري (ت١٣٨١ه)، ألّف أيضاً رسالة في ردّه سمّاها «الشعار الحسيني» طبعت سنة ١٣٤٧ه .

١١) الحجّة السيّد علي نقي النقوي اللكهنوي (ت١٣٠٨ه)، عارضه أيضاً برساله «إقالة العاثر في إقامة الشعائر»، طبعت سنة ١٣٤٨ه .

ومن المراجع ورجال الدين الذين أيّدوا السيّد الأمين في فتواه:

(١) المرجع الدينيّ الكبير السيّد أبو الحسن الأصفهاني (ت١٣٦٥ه)، أيّده بإصدار فتوى بالتحريم(١).

(٢) المجتهد المجاهد الشيخ عبد الكريم الجزائري (ت١٣٨٢ه)، أيّده بإصدار فتوى بالحرمة، وقد أثّرت فتواه كثيراً في أوساط الشباب(٢).

(٣) المجتهد المجاهد السيّد هبة الدين الشهرستاني (ت١٣٨٦ه)، أصدر

١- أعيان الشيعة ٢: ٣٣١، هكذا عرفتهم ١: ٢٠٧.

٢- هكذا عرفتهم ١: ٢٠٩.

٤٦

فتوى بالحرمة، وقد أثّرت فتواه في بعض مدن إيران(١).

(٤) المجتهد الحجّة الشيخ جعفر البديري (ت١٣٦٩ه)، أيّده وسانده كثيراً(٢).

(٥) الحجّة السيّد حسين الحسيني البعلبكي (ت١٣٩١ه)، أيّده كثيراً عندما كان في النجف الأشرف، وكذلك في لبنان(٣).

قال الاُستاذ جعفر الخليلي: «ومنهم - أي الذين أيّدوا السيّد الأمين - الجرئالعامل، والموالي المؤيّد بالعقيدة، السيّد حسين البعلبكي، وهو صهر لأخت السيّد محسن الأمين»(٤).

(٦) الحجّة الشيخ عبد المهدي الحجّار (ت١٣٥٨ه).

(٧) الحجّة الزاهد الشيخ علي القمّي (ت١٣٧١ه) وقد أظهر تأييده علناً وفي المجالس والمحافل(٥).

(٨) الحجّة الشيخ محمّد الگنجي (ت١٣٦٠ه)، أيّده بتأليف رسالة مستقلّة، سمّاها «كشف التمويه عن رسالة التنزيه»، طبعت سنة ١٣٤٧ه .

قال الاُستاذ جعفر الخليلي: «وكان من أبرز دعاة التحريم بعد طبقة العلماء الكبرى من النّجفيين الشيخ محمّد الگنجي، الذي سخّر قلمه ولسانه وكلّ نشاطه في شجب الضرب بالسيوف، وقد شجّعت جرأته الكثيرين على الالتفاف

١- أعيان الشيعة ١٠: ٢٦١، هكذا عرفتهم ٢: ٢١٢.

٢- هكذا عرفتهم ١: ٢٠٩.

٣- هكذا عرفتهم ٣: ٢٢٩.

٤- هكذا عرفتهم ٣: ٢٣١.

٥- هكذا عرفتهم ١: ٢٠٩.

٤٧

حوله»(١).

(٩) الحجّة الشيخ محسن شرارة (ت١٣٦٥ه)، أيّده بالكتابه في الصحافة، قال الاُستاذ جعفر الخليلي: «أمّا البارزون من غير النجفيين - أي الذين أيّدوا السيّد الأمين - فقد كان الشيخ محسن شرارة، وكان من العناصر المليئة بالإيمان وحرارة الدعوة في تحريم هذه التقاليد، وهو رجل لم ينل بعد يومذاك درجة الاجتهاد، فالتفّ حوله من أهل بلده من العامليين جماعة»(٢).

رسائل اُلّفت حول هذا الموضوع:

تضمّ حوزة النجف الأشرف - التي أسّسها الشيخ الطوسي (ت٤٦٠ه)، قبل ألف عام تقريباً - علماء كبار، ومراجع دين أتقياء، وكتّاباً لامعين، يصلون الليل بالنهار في عمل دؤوب، لا يعرفون الملل الضجر، همّهم الأوّل والأخير مرضاة اللّه‏ سبحانه وتعالى، وذلك عبر المحافظة على الدين الإسلامي الحنيف وصونه عن أيّ تغيير يطرأ عليه، أو أيّ أفكار دخيلة تصل إليه.

وما إن وصلت إلى النجف الأشرف رسالة «التنزيه» حتّى انقسم الكتّاب فيها إلى معارضين وهم الأكثر، ومؤيدّين وهم القلّة القليلة، فألّف بعضهم رسائل ردّاً على رسالة الأمين، يأتي الحديث عنها مفصّلاً قريباً إن شاء اللّه‏ تعالى.

وأمّا الكتّاب المؤيّدون للسيّد الأمين - وكانوا قلّة قليلة - فقد واجهوا موجةً عارمةً ملتهبة من كلّ حدبٍ وصوب، أدّت إلى ابتعاد بعضهم عن الأنظار خوفاً من الناس. ومع ذلكّ كلّه فقد جمعوا قواهم وأوعزوا إلى أحدهم تأليف رسالة مؤيّدة

١- هكذا عرفتهم ٣: ٢٣٠.

٢- هكذا عرفتهم ٣: ٢٣١.

٤٨

للسيّد الأمين، فقام الحجّة الشيخ محمّد الگنجي (ت١٣٦٠ه)، بجمع فتاوى العلماء والمجتهدين المؤيّدين لما في رسالة «التنزيه»، وطبعها في رسالة مستقلّة سمّاها «كشف التمويه عن رسالة التنزيه»، طُبعت في المطبعة العلويّة في النجف الأشرف سنة١٣٤٧ه(١)، وطبعت أيضاً ضمن هذه المجموعة.

وفي الترجمة المفصّلة الكاملة لحياة السيّد الأمين - التي كُتب أكثرها بقلمه الشريف - المطبوعة في آخر موسوعته الكبيرة «أعيان الشيعة» وردت عدّة عبارات لكتّاب معروفين، أيّدوا فيها آراء السيّد الأمين في رسالته «التنزيه»:

قال الدكتور علي الوردي:

«يعجبني من المصلحين في هذا العصر رجلان: الشيخ محمّد عبده في مصر، والسيّد محسن الأمين في الشام... وإنّي لا أزال أذكر تلك الضجّة التي اُثيرت حول الدعوة الإصلاحيّة التي قام بها السيّد محسن قبل ربع قرن. ولكنّه صمد لها وقاومها باسلاً، فلم يلين ولم يتردّد وقد مات السيّد أخيراً، ولكن ذكراه لم تمت ولن تموت، وستبقى دهراً طويلاً حتّى تهدم هاتيك السخافات التي شوّهت الدين وجعلت منه أضحوكة الضاحكين»(٢).

وقال الشيخ محمّد رضا الشبيبي:

«شنّ السيّد الأمين حرباً شعواء على الخرافات والأوهام الشائعة، وعلى العادات التي اعتبرت ديناً عند بعض الطبقات، وما هي من الدين ولا من الشرع الشريف في شيء، فهو في طليعة المنادين في الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي في الشرق العربي وفي غيره من الأقطار»(٣).

١- الذريعة ١٨: ٢٤ / ٤٩٢، أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٢.

٢- أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٢.

٣- أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٣.

٤٩

الصحف:

كانت الصحافة هي الشرارة الأولى لهذه الحركة الإصلاحية - كما بيّنا سابقاً - فقد قامت صحيفة «الأوقات العراقية» وصحيفة «العهد الجديد» البيروتية بنشر آراء السيّد محمّد مهدي الموسوي البصري والسيّد محسن الأمين.

ولأهمّيّة هذه القضيّة وحساسيّتها ؛ لأنّها تعدّ من الشعائر والمعتقدات التي لا يمكن المساس بها عند عامّة الناس، نرى أنّ الصحف وفي مختلف البلدان الإسلاميّة قد ألقت بدلوها وأعطت رأيها فيها. والمؤيّدون للسيّد الأمين لجأوا إلى الصحف أكثر من المخالفين له ؛ لأنّهم القلّة القليلة، وقد سُدّت الأبواب في وجوههم، ولا وسيلة للدفاع عن آرائهم ؛ لذلك اتّخذوا من الصحافة الحرّة ميداناً رحيباً لأقلامهم، فكتبوا فيها وكتبوا، حتّى أنّ البعض منهم كتب بأسماء مستعارة كـ «حبيب بن مظاهر» و«أبي فراس»(١).

والذي ظهر لي من المصادر التي راجعتها أثناء كتابة هذه الأسطر أنّ عدداً ليس قليلاً من الصحف شارك في هذه المعركة الفكريّة، إلاّ أنّي لم أعثر إلاّ على صحيفتين كان لهما الدور الرئيسي في ذلك، هما:

صحيفة «ديوائن ميسج» التي كانت تصدر باللغة الإنجليزيّة في الهند، وقد كتب صاحبها محمّد علي سالمين مقالات عديدة مؤيّدة للسيّد الأمين، وترجم بعضها إلى العربية(٢).

وصحيفة «الهاتف» وإن كانت صدرت متأخّرة عن زمان الفتوى، إلاّ أنّ صاحبها الاُستاذ جعفر الخليلي كان له دور فعّال في مناصرة السيّد الأمين سنة

١- أعيان الشيعة ١٠: ٣٨١.

٢- أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٠.

٥٠

١٣٤٤ه وما بعدها، إذ يقول: «ولمّا كنتُ يومذاك موظّفاً فقد نشرتُ مقالاتي في الجرائد بتواقيع مستعارة»(١).

وهكذا فعل الشيخ محسن شرارة، وسلمان الصفواني، إذ كتبا مقالات في الصحف اللبنانيّة بأسماء مستعارة. وأمّا المعارضين للسيّد الأمين فلم يلجأوا إلى الصحف - كما قلنا – لوجود قنوات كثيرة لهم يُبيّنون فيها آراءهم، ومع ذلك فقد كتب أحدهم - وهو السيّد نور الدين شرف الدين - مقالاً في صحيفة لبنانيّة يردُّ فيها على السيّد الأمين ورسالته «التنزيه».

فانبرى له في هذه المرة السيّد الأمين وردّ عليه بمقالة مفصّلة، كما وانبرى للرّد عليه بمقالة مفصّلة اُخرى شخص آخر وقّع مقالته باسم «حبيب بن مظاهر»(٢).

ونورد هنا ما عثرنا عليه من هذه المقالات، كما نشرتها رسالة «ثورة التنزيه»(٣).

١- هكذا عرفتهم ١: ٢٠٩.

٢- أعيان الشيعة ١٠: ٣٨١.

٣- ثورة التنزيه (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ٣: ٤٣٢.

٥١

مقالة الكاتب الهندي محمّد علي سالمين في جريدة ديوائن ميسج

«وكتب العلاّمة المجتهد الأكبر آية اللّه‏ السيّد محسن الأمين أيّده اللّه‏ كتاباً ردّ به على من يضربون الصدور، والكتاب بصورة رسالة جمع فيها من الشارد والوارد إلى ما شاء اللّه‏، على أن هذا العلم لم يأتنا من إمام أو وصيّ بل هو بدعاية الجهلة بدعة ابتدعوها، وكما قال النبيّ الكريم: «كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار» فبأيّ حديث بعده يؤمنون؟

ظنّوا حبّ آل محمّد بهذه الأعمال، فهذا لعمري ليس حبّاً ؛ لأنّ من أحبّ شيئاً أعزّه واحترمه، وهل اللطم والضرب والتشبيهات في الشوارع أمام المجوس والوثنيين يدلّ على حبكم يا محبّي آل محمّد اليوم»؟

٥٢

ردّ السيّد نور الدين شرف على مقالة محمّد علي سالمين

«لم يكن في الحسبان أنّ الشعائر الحسينيّة، التي اتّخذتها الشيعة سنّة من عهد آل بويه إلى يومنا هذا، تُجعل مسألة نظرية تتضارب فيها الأفكار وتختلف الأنظار، إذ لا شكّ في فوائدها التي تعود بالنفع العميم على هذه الطائفة، وليت من ناقش في ذلك أدلى بحجّة واضحة وبرهان قاطع لنتبعه، فإنّ الحقّ أحقّ أن يُتّبع».

وبعد أن يمضي الكاتب على هذا المنوال، يعدّد أسماء بعض المخاصمين لدعوة الإصلاح، ويعدّد أسماء كتبهم التي تخالف الدعوة وهم: عمّه السيّد عبد الحسين شرف الدين، وصهر عمّه الشيخ عبد اللّه‏ سبيتي، وابن عمّه السيّد محمّد علي شرف الدين، وقريب عمّه الشيخ مرتضى آل ياسين، ثمّ الشيخ عبد الحسين

الحلّي، والشيخ محمّد حسين المظفر، يذكر هؤلاء ليدعم قوله بهم، ثمّ يستشهد ببعض الأقوال إلى أن يصل إلى الردّ الصريح على خصمه فيقول:

«وممّا عجبت له جدّاً - بل أسفت - أن محمّد علي سالمين اقتفى أثر المهووسين، فغدا يضرب على ذلك الوتر الذي تغلق المسامع دون ألحانه ونغماته».

٥٣

ثمّ يقول:

«والأستاذ أنكر على الشيعة تمام الإنكار ما يقومون به من لطم الصدور والتمثيل والنياحة على الحسين، وزعم أنّ ذلك محرّم بل بدعة وضلالة، إنّها حملات شديدة ولهجات غريبة ظهرت بمظهر الإصلاح».

ثمّ يقول مريداً أن يبرهن أن لا ضرر جسديّاً من الضرب: «نحن نلتمس من الأستاذ سالمين أن يلطم صدره لزمن ساعة أو ساعتين، فإن حصل له شيء من ذلك - أي الأذى - فأنا ضمين له كلّ ما يقترح».

ثمّ يختم كلامه بقوله: «لم أقصد بكلمتي هذه إلاّ الذود عن الحقيقة...».

٥٤

مقالة موقّعة باسم «حبيب بن مظاهر»

«نكتب هذه الكلمة الموجزة ليعلم أنّ الطائفة الإسلاميّة الشيعية قد ابتليت كغيرها من الطوائف بفئة خاصة من الخلق، دأبها قلب الحقائق والمكابرة لدى الدليل - حينما يؤوب إليها رشدها - أنّ تلك الأعمال قد اتّخذها أمراء الشيعة سنّة من عهد القرن الرابع إلى يومنا هذا.

فإذا قيل لها: إن عمل الأمراء وأتباعهم من الرعاع لا يصلح أن يكون حجّة شرعيّة، قامت وأعادت تمثيل تلك الرواية وزادت عليها قول: «واسنّة نبيّاه». وإذا اعترضت عليها بأنّ الشيء لا يكون سنّة نبوية إلاّ إذا صحّت روايته عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم، كما أنّ عمل غير واجب العصمة لمصلحة اقتضته لا تبرّر العمل المضرّ، جابهتك بالسباب والتفسيق والتكفير، فيخيّل إليك أنّها من بقايا رؤساء الكنيسة في القرون الوسطى.

ولا تحسبنّ أنّ هذه الفئة اكتفت بالقول السيّئ، بل اجتهدت في إضرام نار الفتنة حتّى بين الأخ وأخيه والولد وأبيه، فكانت العائلة وهي في مسكن واحد منقسمة إلى قسمين، قسم يحبّذ تلك الأعمال البربرية وقسم ينكرها.

٥٥

ثمّ بعد هذا كلّه إذا جاءها أحد المصلحين الغيورين، وأثبت لها بالحجّة الراهنة الدامغة حرمة الكذب في المأتم الحسيني، وحرمة إضرار النفس بضرب الزنجير وشجّ الرأس واللطم الدامي وإدخال الأقفال في الأبدان، وتشبّه الرجال بالنساء، إلى غير ذلك من الأعمال الهمجيّة، قامت عليه وأعادت تمثيل رواية

القذف والسبّ».

إلى أن يقول: «هذا مُجمل ما أحدثته هذه الفئة، وقد طبعت في ذلك وريقات كلّها سباب وشتائم شأن صبيان الأزقة».

٥٦

مقالة موقّعة باسم «أبي فراس»

«كنّا نحسب أنّ كلمة الداعية الإسلامي المفضال الأستاذ محمّد علي سالمين ستكون الأخيرة من نوعها في موضوع المأتم الحسيني، وأنّها سيكون منها مقنع لجماعة التهويش، فيفهمون أنّ الأُمّة قد اقتفت أثر مصلحيها، وأنّ هذا الذي يستندون إليه من الضوضاء والضجيج لا يُحسدون عليه.

ولكن كلمات جاءت بتوقيع نور الدين شرف الدين، جعلتنا نعلم أنّهم لا يزالون يحسبون أنّ التهويل يوصلهم إلى ما يأملون! إنّني لا أُريد هنا أن آتي بأدلّة جديدة أُقدّمها بين يدي القارئ الكريم، ولكن الذي أريده هو أن أُفهم صاحب تلك الكلمات ومن لفّ لفّه ونفخ في بوقه ومن حرّضه ودفعه، أنّنا بعد اليوم لن نعير كلّ ما يصدر من هذا القبيل أقلّ اهتمام، وأنّنا نضنّ بأوقاتنا وأوقات القرّاء أن تشغل بهذه الأمور التي أصبح مفروغاً منها، فلينضحوا كلّ ما في نفوسهم، ويسوّدوا ما يشاؤون من الصحف، وسَيَرون أنّ هذه البذور الإصلاحية التي تعهّدها أفاضل الأُمّة وساداتها بالرعاية ستنمو وتأتي أكلها

في وقت قريب.

ولن يضير هؤلاء الكرام أنّ يقول عنهم نور الدين: إنّهم مهووسون».

٥٧

الشعراء والخطباء:

من الطبيعيّ جدّاً أن يشارك الخطباء - وبعضهم شعراء في نفس الوقت – في هذه المعمعة الفكرية، فيؤيّد بعضهم السيّد الأمين ويعارضه آخرون. وهو حقّ من حقوقهم، كغيرهم من العلماء والكتّاب والمثقّفين الذين أيّدوا وعارضوا.

لكن أن يأتي شاعر ويتعدّى الحدود المرسومة ويتجاسر على السيّد الأمين ومؤيّديه وينعتهم بنعوت باطلة، ويتلاعب بعقول الناس ويحاول تمويه الحقائق عليهم، فهذا غير مسموح به، ولا أعتقد أنّ التأريخ سوف يمحو هذا عن صفحاته. وعلى كلّ حال، فمن الشعراء الخطباء الذين كان لهم دور بارز في هذه

الأحداث، هو الشاعر الكبير والخطيب المفوّه السيّد صالح الحلّي (ت١٣٥٩ه)، الذي مدحه وأثنى عليه وعلى مقدرته الخطابيّة محبّوه ومبغضوه(١).

ومع ذلك كلّه نرى أنّ السيّد الحلّي يقف موقفاً معارضاً بل معادياً ومعانداً للسيّد الأمين، ويتعرّض له في مجالسه بالتصريح تارةً وبالإشارة اُخرى، ويصفه بصفات باطلة، وممّا قاله فيه:


يا راكباً أما مررت بـ (جلّق)(٢)فأبصق بوجه (أمينها) المتزندق(٣)

ولم يكتف بذلك فقط، بل شنّ حملة شعواء على كلّ المؤيّدين والمناصرين للسيّد الأمين، فأخذ ينهال عليهم بالطعن والاتهامات الباطلة، حتّى وصل به الأمر إلى أن تجاسر على المرجع الدينيّ الكبير السيّد أبي الحسن الأصفهاني ؛ لأنّه أيّد السيّد الأمين.

١- انظر: البابليّات ٤: ١٣٣، أدب الطفّ ٩: ٢٠٤ - ٢٠٥.

٢- جلّق: دمشق. معجم البلدان ٢: ١٥٤ «جلّق».

٣- هكذا عرفتهم ١: ٢٠٨.

٥٨

«فشنّ عليه غارة واسعة عنيفة بكلّ معنى العنف، ولم يترك لوناً من ألوان الزراية بالكناية والتصريح إلاّ وصبغ به السيّد أبا الحسن من فوق المنابر التي كان يرقاها، فكان يتصرّف من فوقها تصرّف المالك، ويميل بها أنّى شاء، بما كان يملك من مقدرة وموهبة وجرأة رفعته إلى أعلى الدرجات في سماء الخطابة والبلاغة»(١).

فأصدر السيّد أبو الحسن الأصفهاني فتوى حرّم بها الاستماع لقراءة السيّد صالح الحلّي، فأرخ ذلك الشاعر الشيخ علي بازي قائلاً:


أبو حسنٍ أفتى بتفسيقِ (صالحٍ)قراءته أرّختها (غير صالح)(٢)

وقال أيضاً يهجوه:


مُذ تردّى الشقيّ بالغي جهلاًوإمام الزمان طُراً جفاه

قلتُ: يا من قد أرخوا (أحقيققد رمى اللّه‏ صالحاً بشقاه)(٣)

علماً بأنّ السيّد محسن الأمين أثنى على السيّد صالح الحلي في رسالته «التنزيه» قالاً:

«ولا ننكر أن فيهم - أي الخطباء - الفضلاء الكاملين الذين يفتخر بأمثالهم،وقليل ما هم، كالسيّد صالح الحلّي خطيب الذاكرين ومفخرة القارئين وأمثاله»(٤).

ويقول الأستاذ جعفر الخليلي نقلاً عن السيّد الأمين عند زيارته في دمشق: «وأذكر في ما أذكر أنّه قال لي ما مضمونه: إنّ السيّد صالح الحلّي هو أحسن

١- هكذا عرفتهم ١: ١٠٨.

٢- شعراء الغري ٦: ٣٦٩، هكذا عرفتهم ١: ١١١.

٣- شعراء الغري ٦: ٣٦٩.

٤- التنزيه لأعمال الشبيه المطبوعة ضمن هذه المجموعة٢: ١٩٢.

٥٩

خطيب عرفته المنابر الحسينيّة، وأنا أودّ أن نعدّ الخطباء على غراره إذا ما أردنا أن ننبّه الناس ونوجّههم توجيهاً صحيحاً، أمّا موقفه ضدّ الحركة الإصلاحية وضدي أنا فله تفاسير اُخرى لا يجوز أن تصدّنا عن قول الحقيقة»(١).

ويقال: إنّ السيّد رضا الهندي كان من المعارضين للسيّد الأمين، وقد قال فيه:


ذريّة الزهراء إن عددتيوماً ليطرى الناس فيها الثنا

فلا تعدوا (محسناً) منهملأنّها قد أسقطت محسنا

وقيل: إنّ هذين البيتين في السيّد محسن أبو طبيخ.

ووقف الشاعر الشيخ مهدي الحجّار (ت١٣٥٨ه)، موقف المؤيّد للسيّد محسن الأمين، فأنشأ قصيدة في ذلك، يذكرها لنا الشيخ علي الخاقاني (ت١٣٩٨ه)، ويذكر كيفيّة إلقائها وكلماته قائلاً:

«نجده من جهة أخرى يقف موقف الجرئالحرّ، لم يخضع لحرب الأعصاب، ولم يعر الرجعيّة الرعناء أي قيمة أو أهمّية عندما ثارت على المصلح الديني السيّد محسن الأمين في ثورته الإصلاحية على تنزيه الشعائر، وتلطيفها ممّا لحقها من غبار الوحشية والجهل، من ضرب القامة على الهامة ولدم الظهور

بالسلاسل.

فكان يقود الفئة المحدودة من الشباب متترّساً بالزعيم الجزائري، الذي استطاع أن يقضي على قائدها الخطيب السيّد صالح الحلّي، وقصيدته الدالية التي هنّأ بها الشيخ محمّد رضا المظفّر بقرانه ومطلعها:

١- هكذا عرفتهم ١: ٢١٤ - ٢١٥.

٦٠