المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 1 - ص 30)




الصفحة 1

رسائل

الشعائر الحسينيّة

رسالة الصولة للسيّد مهدي القزويني

ورسالة التنزيه للسيّد محسن الأمين

والرسائل المؤيّدة والمعارضة لهما

تأليف

مجموعة من العلماء

جمعها وحقّقها وعلّق عليها

الشيخ محمّد الحسّون

الجزء السابع


الصفحة 2


الصفحة 3


الصفحة 4


الصفحة 5

دليل الكتاب

(٢٨) فقيه الشعراء وشاعر الفقهاء >نبذة عن سيرة الشيخ عبدالحسين صادق العاملي<، للسيّد أحمد زكي تفاحة الحسيني >حفظه الله<.

(٢٩) ثورة التنزيه، لمحمّد القاسم الحسينيّ النجفيّ.

(٣٠) اختلاف آراء العلماء في بعض أنواع العزاء في شهر محرّم، للمستشرق الألماني ورنر إنده، باللغة الألمانية.

(٣١) وقوف رجال الدين الإصلاحيين في لبنان أمام تحريف واقعة عاشوراء، للمستشرقة الفرنسيّة سابرينا مرون، باللغة الفرنسيّة.

(٣٢) مقالات الصحف والمجلاّت.


الصفحة 6


الصفحة 7

(٢٨) فقيه الشعراء وشاعر الفقهاء نبذة عن سيرة المغفور له الشيخ عبد الحسين صادق العامليّ

تأليف

السيّد أحمد زكي تفاحة الحسينيّ

(١٣٥٠هـ ـ حفظه الله)


الصفحة 8


الصفحة 9

>الشيخ عبد الحسين صادق، شاعر فحل، وقد مات ولم يحك شعرُه شعورَه، ولو وانته الظروف لإعمال مواهبه الأدبيّة لكان أحد الأفذاذ الموجّهين في دنيا الشعر<

كلمة مأخوذة من الخاتمة

أحمد زكي تفاحة الحسيني

من الصف الرابع (المنتهي) ـ كليّة الفقه، النجف الأشرف

٢٠ جمادى الأولى ١٣٨٢هـ

٢٠ تشرين الأوّل ١٩٦٢م


الصفحة 10


الصفحة 11

مقدّمة

إنّ كتابة الشيخ أو كلامه، تختلفان بحسب الدواعي والبواعث النفسيّة له على ذلك . ولستُ بدعاً من بين أولئك الأشخاص، فقد كنتُ تقدّمت بالكتابة عن مترجمنا المغفور له الشيخ عبد الحسين صادق، وكان الدافع لي على ذلك، هو ما للشخص من مكانة اجتماعيّة وأدبيّة وعلميّة في عصرنا

ـ وبخاصّة بين أفراد الطائفة الإماميّة ـ وكانت ذكراه صدى حيّاً تردّده الناس، وستبقى حيّة يُستلهم منها آيات من الإبداع.

وهذا الحافز الذي دفعني إلى تناوله، لم يكن هو الأوّل والأخير؛ فإنّ من الأسباب التي دفعتني للكتابة حوله: قلّة متناوليه في تحليل وتقييم، كما هو دأب المترجمين عندنا، حيث يجدون الاكتفاء بتناوله : ولادة، ونشأة مع أسرته، دون التعرّض إلى جوانب شخصيّته وما لها من ميّزات.


الصفحة 12
وما هذا بشيء مهم يستوقفني أكثر ممّا تحدّثت عنه، وأنا في غنى عن ذكر الأسباب التي دفعتني نحوه باستقصاء، ما دامت هناك بحوث ألزم وأهم، تستدعي أن أتحدّث خلالها في شيء من الإطالة والتفصيل.

إذ أنّ الرجل الذي تناولته شخصية دخلت فنوناً مختلفة، وَطَرَقَتْ ما كان متعارفاً من العلوم في النجف الأشرف. فكان بطلاً من أبطال الحلبات العلميّة، كما هو سبّاق إلى الأدب، شاعراً وناثراً.

رجلٌ توفّرت فيه خصائص جعلته درّة يتيمة بين أقرانهن، فهو حريّ بعناية الكتّاب والمؤلّفين، أكثر من حاجته إلى المترجمين، الذين يطغى على بحوثهم السطحيّة والسذاجة.

ولستُ مستعرضاً كلَّ جوانبه، وكلَّ ما يتصل بالجانب الذي أبحثه، إنّما أنا مُقتطف من كلّ جانب شذرات أستطيع بها تدليلاً على مقامه، ثناءً ونقداً، ولا يعني أنّ بحوثي موفّقة كلّ التوفيق، إنّما أكتب ما انتهيتُ إليه من خلال مطالعتي لترجمته في مصادرها، وما كتب من مؤلّفات أو قرّض من شعر.

أحمد زكي تفاحة الحسيني

جمادى الأولى ١٥/ ١٣٨٢هـ

والموافق تشرين الأوّل ١٥/ ١٩٦٢


الصفحة 13

فقيه الشعراء وشاعر الفقهاء

يشاء القدر، فيرسم في ألواحه أن يكون هناك نوابغ من بني الإنسان، يبرزون إلى المجتمع بأثوابٍ قشيبة، وبعلوم نافعة، وخدمات اجتماعيّة جُلّى، وأدب رفيع يرفع من رأس الأديب والأدب، ويدخر الفنّ خالداً بنبوغ أفراد، يسجّلهم التاريخ في طيّه بأحرف كبيرة بارزة من ذهب، فيستضيء بهم مَنْ بعدهم.

والمترجم (رحمه الله) كان من أولئك الذين كتب لهم أن يكون لهم القدح المعلّى واليد الطولى في الأدب العربي في عصرنا، فترك لنا مجموعة من شعره الكثير يعتزّ بها الفنّ الأدبيّ، والأديب العربيّ.

وهو رغم أنّه أكثر من نظم الشعر، حتّى بلغ فيه الآلاف من الأبيات ـ وبطبيعة الحال الكثرة من كلّ شيء تدعو صاحبها أن لا يجيد في كلّ ما أنتجه ـ غير أنّه كان الكثير من شعره له الصدى الرنّان في جوّ أدبنا العربيّ، مع غضّ النظر عن واقع هذا الشعر، وقد ساعده على ذلك ما انتقل إليه:


الصفحة 14
١ـ من وراثة كريمة عن آبائه الكرام، وهم مَن قد عرفتهم فضلاً وعلماً وأدباً، وهم أغنياء عن التعريف بما تركوه من مآثر حميدة، تتحدّث بها الركبان وينقلها الخلف عن السلف.

٢ـ وبيئةٍ عاش في وسطها مكتنفاً بالأفاضل من أهل العلم، سواء كان في دراسته على علماء عاملة، أم في دراسته على علماء النجف الأشرف.

وأنتم خبيرون بما للبيئة والوراثة من فعاليّة في تكييف الشخص وبلورته، وأنا في غنىً عن بيان ما للبيئة والوراثة من فعاليّة بفضل بيان الإسلام لهما قبل مئات السنين، وقد أكّد على عاملي البيئة والوراثة، في تكييف الشخص وبلورته >علم النفس الاجتماعي<

٣ـ مضافاً إلى هذا كلّه، ما كان عند المترجم (رحمه الله) من قابليّة واستعداد، ممّا ساعده هذا وذاك إلى أن يبلغ شأواً عالياً قَلَّ نظيره.

وكان المترجم رفع مقامه ذا مشاعر رفيعة وأحاسيس شفّافة، كانت تدفعه للفوز بقصبة السبق في ميادين السباق، ليكون هو الفائز بقصباتها والمجلي في حلباتها، فلا تكون مناسبة من مآثر المجد والمكرمات، إلاّ وله القدح المعلّى واليد الطولى فيها.

فتراه يهيم في كلّ وادٍ ليفوح شذاه من كلّ وادٍ، ولينل قسطه الأوفى، وكأسه المترعة، وحظه الأسمى، ونصيبه الأكمل.


الصفحة 15
وكان المترجم (قدس سره) يتمتّع بروح رياضيّة، وبشعور رقيق، وصدر رحب، وقلب واسع، وعقل كبير، يشفّ منه الأريحيّة العطرة، والطيب العبق، ونفس ملكوتيّة ترسم فيها المآثر الطيبّة والذكريات الحميدة.

أمّا كونه فقيه الشعراء: حيث (رحمه الله) كان منصرفاً إلى تحصيل العلوم الدينيّة والقيام بالوظائف الشرعيّة، وهو مع هذا فقد دخل ميادين الشعر، حتّى حصل على مكانة لا يستهان بها، ونظم الكثير من فنون الشعر، رغم أنّه (رحمه الله) كان لا يعطي الشعر الوقت الكثير.

وأمّا كونه شاعر الفقهاء: فهو (رحمه الله) وإن كان قد تضلّع في علوم الدين الإسلامي، حتّى أصبح من ذوي المراتب العالية، التي يرجع إليها في بلاده لبيان الحلال والحرام، وحلّ مشكلات الناس، وفضّ خصوماتهم.

إلاّ أنّه قد سبق في الأدب ـ وبخاصّة في نظم الشعر ـ قسماً من ذوي الاختصاص بمهنته الفقهيّة، فمن كانوا فقهاء ولم يكونوا شعراء وإن كان الفقيه لا يخلو من ذوق أدبي.

فلقد نظم في الشعر حتّى كان له ديوان مؤلّف من عدّة أجزاء، رغم ماله هنالك من مقطوعات وقصائد شعريّة في الفقه وغيره، ممّا لم يتسنّ لكثير من الفقهاء أن يبرعوا في الأدب العربي كما برعوا في الفقه الإسلامي.

نسبه:

هو ابن المرحوم إبراهيم بن صادق بن إبراهيم بن يحيى بن محمّد بن نجم المخزوميّ الخيّامي النباطيّ العامليّ.


الصفحة 16

مراحل حياته العلميّة والإصلاحيّة

المرحلة الأولى ولادته ونشأته

ولد المترجم في النجف الأشرف، في أواخر صفر من سنة ١٢٧٩هـ، وفي تلك السنة رجع المرحوم والده إلى وطنه >جبل عامل< يرافقه المرحوم الحاج حسن عبد الله (جد أولاد المترجم له)، وكان إذ ذاك متشرّفاً بزيارة العتبات المقدّسة في العراق(1).

____________

1- نقل عن المجموعة الشعرية للشيخ إبراهيم صادق ـ والد المترجم (رحمهما الله) ـ أنّه قال: «وبدخولنا إلى الشام دخلت سنة الثمانين، فجاء إلى الخيام وقد شيّدت له فيها دار فخمة، وعلى الأثر رغب إليه المرحومان: علي بك، ومحمّد بك الأسعد، أن يكون مقرّه في الطيبة، أو فيها وفي الخيام.

وأوفدا معتمدهما المرحوم الحاج موسى شرف الدين إلى العراق لإحضار عائلته، فكان في طريقهم إلى «الفوعة» من أعمال حلب أن صادفوا الوباء فيها، فمات جلّ العائلة ودفنوا هناك، ولم ينج منهم سوى المترجم ـ وكان رضيعاً ـ وشقائقه الثلاث، وخالته ـ زوجة أبيه ـ التي درّت عليه بعد وفاة والدته، بالرغم من أنّها ثاكلة بشاب لها أيضاً، وبعيدة العهد عن الرضاع، وتلك عناية منه تعالى فيه، إذ بقي الوحيد لأبيه» [المؤلّف].


الصفحة 17
ولم تطل الأيام حتّى انتقل والده إلى رحمته تعالى وعمره خمس سنوات، فترعرع في الخيام في أحضان كبرى شقائقه، وفي رعاية زوجها المرحوم الحاج محمّد أفندي عبد الله، حتّى إذا وجد في نفسه حبّ الاقتداء بآبائه في تحصيل العلم، ارتحل إلى طلبه.

وأوّل بلد أمّهُ إلى هذا السبيل مجدل سلم، فعيثا، فكفرا، ودرس على أساتذة تلك القرى النحو، والصرف، والمنطق، والمعاني، والبيان، والبديع، وكتاب (المعالم) في أصول الفقه، إلى سنة ١٣٠٠هـ .

وكانت هذه أوّل مرحلة من مراحل دراسته، فهي نواة بسيطة لبناء كيانه العلميّ، والذي تبوأه بعد ذلك، وما كانت مرحلته الأخرى الذي تلقّى علومه فيها داخل النجف الأشرف إلاّ تكملة لذلك البناء الضخم الذي بدأ أساسه في بلدة عاملة.


الصفحة 18

المرحلة الثانية: هجرته إلى النجف الأشرف ودراسته فيها

لقد هاجر إلى النجف الأشرف في أوّل يوم من رجب سنة ١٣٠٠ من الهجرة النبويّة، فدخلها في السابع عشر من شهر رمضان المبارك، وانتظم في صفوفها، وأتمّ دراسة السطوح، وهي عبارة عن الالتزام بفهم مضامين متون الكتب الدراسّية.

أساتذته في دراسة السطوح:

درس في النجف الأشرف على السيّد عبد الكريم البغدادي، والشيخ جعفر الشرقاوي، والسيّد علي البحراني، والشيخ علي الخاقاني، والسيّد ياسين طه قدّس الله أرواحهم.

أساتذته في درس الخارج:

درس الخارج ـ وهو أشبه شيء بالمحاضرات ـ على أساطين علماء عصره، وهم المرحوم الميرزا حسين الخليلي الطهراني، والشيخ محمّد طه نجف، والشيخ محمّد حسين الكاظمي، والشيخ آقا رضا الهمداني،


الصفحة 19
والفاضلان الشربياني، والمامقاني، والسيد محمّد بحر العلوم، والشيخ ملاّ كاظم الخراساني، والمجدّد السيد ميرزا حسن الشيرازي أيام زيارته لسامراء رضوان الله عليهم جميعاً.

إجازات العلماء له:

ولقد أجازه أكثر هؤلاء الأعلام الآنفة الذكر أسماؤهم، إجازة الاجتهاد المطلق، كما وأنّه أجيز من المرحوم الميرزا حسن الشيرازي، مرجع الإماميّة الأكبر في عصره، المتوفّى سنة ١٣١٤هـ .

تلامذته:

تتلمذ عليه كثير من أفاضل النجف الأشرف ممّن تبوأوا مكاناً سامياً في العلم، منهم علاّمة العلماء المرحوم الشيخ أحمد كاشف الغطاء، درس عليه شرح اللمعة في الفقه. ودرس عليه المرحوم الشيخ عبد الكريم آل الشيخ صالح كاشف الغطاء، والمرحومان السيّد محمّد حسين كشوان والشيخ عبد الحسين الحيّاوي، وكانا من أفاضل العلماء والشعراء، وغيرهم كثيرون ممّن لم تحضرني أسماؤهم.

ولقد ذكرنا أساتذته سطوحاً وخارجاً، خلافاً لما كان متعارفاً بين المترجمين من ذكر أساتذة الخارج وحدهم بالنسبة لمن بلغ الذروة من العلم.


الصفحة 20
أقول: ذكرنا أساتذته منذ كان في دور المقدّمات، حتّى انتقل منها إلى البحوث العالية، فرأيتُ الواجب يلزمني أن أستوفي أساتذته بالقدر المذكور الذي عثرنا عليه.

حتّى إذا تسنّم القمّة وبلغ الذروة، بادر العلماء يمنحونه إجازات تليق بمقامه الكريم، بعد اجتيازه ما يلزم من اختبار قد اعتاده الأعلام، وما ذكرناه من الأعلام هو عدد من عرفناهم من مجيزيه.

حتّى إذا نضجت شخصيّته، فكانت مثالاً للتكامل ونموذجاً للشخصيّة السويّة، حتّى إذا تركّزت شخصيّته أدبياً وعلميّاً واجتماعيّاً، قاده الحنين إلى وطنه، وبادر أبناء عامل يطالبونه بالعودة إليهم؛ ليقوم بالوظيفة الشرعيّة هناك، عملاً بما أمر به الذكر الحكيم.

وهنا بدأت مرحلته الثالثة، والتي كانت نهايتها يوم اختطفته يد المنون. وهذه المرحلة كانت ذات أثر مع الآخرين ؛ ففيها له مواقف كثيرة، سوف نستعرض أهم معركة حدثت خلالها، وهي التي انقسم الناس خلالها وفيها إلى فريقين :

أمويّين: وهم ثلّة تتألّف من السيّد الأمين وأنصاره .

وحسينييّن : وهم فئة وعلى رأسها الصادق ومن ورائه مشايعوه.


الصفحة 21

المرحلة الثالثة: عودته إلى وطنه لبنان

خرج المترجم من النجف الأشرف سنة ١٣١٦هـ مشيّعاً بمزيد الحفاوة والإجلال من عموم الهيئآت العلميّة ومختلف الطبقات، تتناقله الألسن وترويه الرواة، وهو يوم مشهود لم تعهد النجف نظيره، وكأنّي بهم ينشدهم من قوله:


يا جيرة المرتضى سقياً لربعكممازمجر الرعد أو صوب الحيا وكفا
هناكم القرب من دار الوصي ألابعداً لكلّ ديار بعده وعفا

آثاره العمرانيّة:

قضى سحابة عمره الشريف مجاهداً في سبيل الله، داعياً إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ذابّاً عن حرم الله وحرم رسوله.

ومضى جاداً في أداء رسالته الكريمة بمرونة وأناة، حتّى قضى نحبه، فمضى محمود الخصال، حسن الفعال، عالي الشأن، طيّب الذكر.


الصفحة 22
أنشأ في الخيام مدرسة حفلت بالطلاب، انتفع قسم كبير منهم بالتخلّص من الجنديّة في عهد الحكومة العثمانية، وقسم آخر أهّلته للهجرة إلى جامعة النجف الأشرف.

وسعى في إنشاء مسجدها الكبير، وبعض مساجد القرى المجاورة.

وقد اختار الله تعالى لصديقه المرحوم السيد حسن يوسف، الرحلة والانتقال إلى دار البقاء، فانتقل المترجم إلى النبطيّة بدعوة من أهلها، فسعى في توسعة مسجدها، وأنشأ الحسينيّة المشهورة فيها. وهي أوّل حسينيّة أقيمت في البلاد العامليّة، ويُقام فيها كثير من الحفلات الدينيّة والاجتماعيّة بحسب المناسبات.

>وبمساعيه المباركة أنجى الله آلافاً من الشيعة أيام الحرب الكبرى، ولولاه لما نجي منهم أحد، وبيمن بركاته وتدبيره أنجى الله عدّة قُرى في جبل عاملة، واستنقذها من تدمير الفرنسيين، منها: قرية ليايا، وقرية يحمر (البقاع)<.

هذه الفقرة المقوّسة نقلاً عن >ماضي النجف وحاضرها< ج٣ ص٥٥٤، ولم نعلم مدى صحّة هذا الكلام، فإن كان صحيحاً لم يكن إلاّ كرامة قد كرّم الله بها المترجم.


الصفحة 23

معركة التنزيه


الصفحة 24


الصفحة 25

معركة التنزيه

يسير الزمن بآناته المتصرّمة سريعاً، وتطوي الأفلاك دورتها، ثمّ تعود من حيث تبتدئ... وهكذا دواليك.

والناس منذ بدء الخليقة بين صعود وهبوط، ورقيّ وانحطاط في خضمّ هذه الحياة، ومعترك دنيا الوجود، يميل بعضهم لبعض في فرحهم وترحهم، وفي إصلاحهم وإفسادهم، فلا يكاد يعدم فريق من الناس ناصراً له، إن حقّاً وإن باطلاً.

وهذه المعركة التي دارت بين الصادق والأمين، ليست بمنأى عمّا حدث من معارك في التأريخ، وها أنا أبدأ في بيانها، فأقول:

قامت ثلة لإصلاح الشعائر الحسينيّة وتهذيبها ممّا يشينها ويوصم أهلها بالعار، ويوقف النهضة الحسينية عن سيرها قدماً إلى أمام، وكان في طليعتها أمين الأمّة وسيّدها المفدّى أعلى الله في الخلد مقامه.


الصفحة 26
وقد نشرت الصحف اللبنانيّة بعض الفتاوى، التي استنكر فيها السيد الأعمال التي أدخلت مؤخّراً على الشعائر الحسينيّة.

ثمّ جاء السيّد بعد ذلك يطالع العالم برأيه هذا في كتبه وبخاصة منها: كتابه (المجالس السنيّة)، وكتابه (إقناع اللائم).

وقد سبق السيّد الأمين إلى نهضته هذه، السيّد مهدي القزويني في البصرة.

غير أنّ السيّد القزويني (رحمه الله) لم يكن بتلك المنزلة العلميّة ـ بنظر أهل العلم ـ التي تساعده على بلوغ غايته، فكان ذلك سبباً من أسباب عدم نجاح نهضته، ولم يكتب لنهضته هذه الخلود، كما كتب للسيّد الأمين في معركته الإصلاحيّة بدمشق.

وقامت فئة أخرى تنادي مدوّية بكلّ ما أوتيت من قوّة للمحافظة على الشعائر الحسينيّة، بكلّ ما فيها من غثّ وسمين، وفي مقدّمة هذه الفئة شيخنا المترجم (رحمه الله).

فانبرى مُترجمنا (رحمه الله)، وقام بتأليف كتاب أسماه (سيماء الصلحاء)، يندّد به على مناوئيه، وقد أكثر من النكير على الفئة الأخرى المناوئة لفكرته في كتابه هذا، حتّى اضطرّ السيّد الأمين إلى تأليف كتابه (رسالة التنزيه) ردّاً عليه.

ولقد وصم السيّد الأمين وأنصارهُ بالأموييّن، ووصم مناوؤه بالحسينيّين، وقامت المعركة على ساق بين الفريقين وأنصارهما، إلى أن أطفأ الله اُوارها(1) وأخمد نارها.

____________

1- الأُوارُ، بالضمّ : حرارة النار والشمس، وحرارة العطش. الصحاح ٢: ٥٨٣ «أور».


الصفحة 27
ولابُدَّ أن نُسجّل المعركة تأريخيّاً، وهي بعيدة عن التأثّر في كلّ من الطرفين، لأكون قد أسديت للعلم خدمة، وأديت واجبي بالشكل الذي أراده البحث:

أوّلاً: يتلخّص رأي الأمين بما يلي:

١ـ ما هذا اللطم، والضرب بالصنوج، واللدم، إلاّ محرّم، لابدّ من تطهير التعازي الحسينيّة عنه(1).

٢ـ وما هذه المراثي التي يزغرد فيها الخطباء، إلاّ لون من الغناء، أجمع العلماء على حرمته دون ما خلاف بينهم(2).

٣ـ وليس الشبيه أمراً مباحاً، إنّما هو شيء لابدّ من مكافحته، وقد نرى من النساء من هُنَّ في مواخير البغاء ـ كما حدث ذلك في البصرة ـ تشاطر في تمثيليّة هذا الشبيه(3).

٤ـ وهذه الروايات التي تطرق أسماع الناس، الكثير منها ما هو إلاّ شيء محرّم لأنّه كذب، ونقل الكذب ممّا يرى العلماء حرمته(4).

٥ـ وما جرح الرؤوس بالسيوف والقامات ولبس الأكفان، إلاّ أعمال لا يرى الشارع إباحتها ؛ لتحقّق الضرر الذي نفته أو أثبتت نفيه قاعدة >لا ضرر ولا ضرار<(5).

____________

1- رسالة التنزيه (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ١٤:٥.

2- المصدر السابق ١٣:٥.

3- المصدر السابق ١٦:٥.

4- المصدر السابق ١٣:٥.

5- المصدر السابق ١٤:٥.


الصفحة 28
وهكذا يمضي الأمين متسلسلاً في نقاطه، ولم يكن له قول في حرمة القراءة نفسها، بل هو من دعاة إقامتها والتمسّك بها، بعد تطهيرها من هذه الأخطاء التي حملتها على مَرِّ السنين.

ومن البديهي أنّ السيّد الأمين كان يُقيم مجلس العزاء، فتحضره ألوف من الناس، ولا تزال آثاره في دمشق شاهدة على ذلك(1).

ثانياً: أمّا الصادق فكان يرى:

١ـ إنّ هذه أمور مباحة، إذ لم يرد نصّ على حرمتها، بل حتّى كراهتها بالعنوان الأوّلي.

٢ـ وأمّا المراثي فهي ليس ضرباً من الغناء، ولم يكن للعلماء إجماع حولها، إنّما كان الإجماع متّجهاً نحو القدر المعيّن من الغناء، وهو النحو الذي تعارف عند أهل الفجور، وهو يتحقّق مع ترجيع الصوت وقصد الإطراب، مع وجود الآلات المخصوصة لذلك، أمّا غير ذلك فإنّه مختلف فيه(2).

وهو رأي أراه صحيحاً، وما دام غير متّفق عليه شيئاً خلافيّاً، فإنّ للأمين أن يقول رأيه، كما أنّ للصادق أن يطلق كلمته، من دون أن يكون الحقّ بجانب أحدهما بالخصوص، بل كلّ منهما معذور فيما ينتهي إليه.

____________

1- المصدر السابق ٩٦:٥.

2- سيماء الصلحاء : (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ٥٠٢:٤.


الصفحة 29
٣ـ أمّا هذا الشبيه، فلم يتعرّض له الصادق في مناقشة تذكر، ولكنّنا نجيب الأمين: إنّ المشبّه لا يلزم أن يكون كالمشبه به، فإذا ما ذكر التماثل في القرآن بين أمتين مسيحيتها وإسلاميتها فلا يعني أنّهما متماثلان في كلّ شيء؛ إذ يكفي التماثل في ذلك ولو من بعض الوجوه.

إنّ الذي ثبت تحريمه هو تشبيه الرجال بالنساء بشكل يوجب التميّع والأنوثة، أمّا ما عداه فلم تثبت حرمته. إذن فهو مباح ؛ لانتفاء النصّ الذي يثبت حرمته، ومتى انتفت الحرمة كانت الإباحة متعيّنة.

٤ـ وكان ردّه ينحل إلى شقّين:

أ) إنّ ناقل الكذب ليس بكاذب، وهؤلاء الخطباء ليسوا إلاّ نقلة، فلا يحرم قيامهم بالنقل، أو استماع الناس إليهم(1).

ب) إنّ الأخبار ليست كلّها معلومة الصدق، فقد تكون ضعيفة ومجهولة.

والصادق مشتبه فيما ذكره في الشقّ الأوّل ؛ لأنّ الخطباء لا يقومون بعمليّة النقل فحسب، إنّما هم ملتزمون لكلّ ما يقرأون من أخبار، يدافعون عنها كلّما انصبّ عليها نقد من الناس.

وهب أنّهم لم يتهيأوا للدفاع عنها، لم يكونوا نقلة لكلّ ما يسمعون دونما تمحيص وتدقيق . وهذا كافٍ باعتبارهم كاذبين؛ إذ أنّ تحديد الكذب كما جاء على لسان الإمام مضمونه ما ذكرناه.

____________

1- المصدر السابق ٤٩٥:٤.


الصفحة 30
ولسنا نكلّف الخطباء بالتحقيق؛ إذ أنّ هذا من مهمة أعلام الدراية . ولكن الذي نريده منهم أن يرجعوا إلى أساطين هذا العلم ليأخذوا أصح الأخبار وأصدقها.

وأما في الشقّ الثاني، فكان الصادق على حقّ فيه، إذ أنّ الأمين اشترط فيما يقرأ الخطباء أن يكون معلوم الصدق، وهذا شيء غير ممكن غالباً، أو لا أقل من أنّه بعيد أن يتحقّق عادة، إذ أنّ الذي جاء وهو معلوم الصدق ضئيل بالنسبة إلى ما تفرضه القراءة آنذاك، أعني أيام الأمين والصادق.

٥ـ والصادق لا نقاش له مع الأمين ما إذا تحقّق الضرر، ولكن الصادق ينفي وجوده ولا يُثبت تحقّقه.

فكان كلاً من الصادق والأمين متّفقين على أنّ تحقّق الضرر موجب للحرمة، وهما مختلفان في أنّ الضرر قد تحقّق، فتحققت الحرمة، كما يرى ذلك الأمين، أو أنّه لم يكن له وجود فلا حرمة عندئذ كما يرى ذلك الصادق، ويعود النزاع بينهما صغروياً لا كبروياً.

والذي حدا بالأمين أن يقول بالضرر، عدم تمييز الفرق بين الإيذاء والضرر. وقد أحسن الأستاذ المرحوم الشيخ عبد الحسين الحلّي، إذ فرّق بين الضرر والإيذاء، فقال:

إنّ الإيذاء متحقّق، ولكن حصول الإيذاء دون أن يستلزم الضرر غير محرّم، وَدَلَلَ على هذا بما يصح مستنداً فليراجع كتابه (النقد النزيه)(1).

____________

1- النقد النزيه (المطبوع ضمن هذه المجموعة) ١٠١:٦ .


الصفحة 31
الصفحة السابقةالصفحة التالية