المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 301 - ص 330)

المقدّمة:

لم تكن الحركة الإصلاحيّة عند أهل السنّة تحظى باهتمام كبير لدى المحقّقين من المستشرقين والباحثين في قضايا العرب، وممّا تسكن له النفس أنّ التعابير والآداب المنبثقة من هذه الحركة لم تؤخذ بنظر الاعتبار ولم تتطوّر معرفتها علميّاً كما تتطوّر سائر الأصول الأساسيّة في الفكر الإسلامي، ولم تأخذ حيّزاً في جميل الكلام ومنطق الشعر.

وقد ألقى المستشرقون المعاصرون والمحقّقون في مجال الحركة الإصلاحية نظرةً عابرةً على هذا التطوّر، وكانوا مشغولين بالاستطلاع الكلاسيكي نحوها شيئاً فشيئاً، إلاّ من أخذ على عهدته التحقيق حول هذه المسألة منهم، وهو: آن هانري لاوست، Henri Laoust التي لازالت مقالته المنشورة سنة ١٩٣٢م حول السلفية هي المصدر والمرجع المهم في هذا المجال.

وقد ربّى هانري لاوست تلاميذ، كان في مقدّمتهم ژيلبرت دولاغويه Gilbert Delanoue صاحب الرسالة المعنونة بـ المتطرّفون والسياسيون


الصفحة 302
المسلمون في مصر في القرن التاسع عشر (١٨٨٢ـ ١٩٧٨)، التي ألّفها لحصوله على شهادة الدكتوراه، فأدرك المحقّقون الأوربيون والأمريكان ـ حينئذٍ ـ أهمية البحث والتحقيق فيما يتعلّق بالحركة الإصلاحية، والتفتوا إلى إمكانية طرح بعض الأسئلة حول الإسلام، والإجابة عليها من خلال فهم هذا المطلب.

وبالرغم من هذا، فإنّ التحقيقات على مستوى الدكتوراه في علم الاجتماع فيما يتعلّق بالإصلاحيين السنّة لا تفي بالمطلوب.

ماذا ينبغي أن يقال فيما يتعلّق بالإصلاحيين الشيعة؟

لقد اُلكنت ألسنة المحقّقين في هذا الجانب، وكان لـ : ورنر إند Werner Ende الفضل علينا، حيث بدأ البحث حول المفكّرين من الشيعة العرب، وأرشد تلامذته نحو هذا الأمر، حيث لم يكن لقضية الإصلاحيين والروفورميسهم(1) (أو المجدّدين) من الشيعة ـ وهو الإصلاح الذي أطلقه مستشرقو الإنكليز والألمان ـ وجود قبله إلاّ قليلاً، فلابدّ إذن من التحقّق في جذور هذا الإهمال.

ولكن ينبغي أن نذكر قبل هذا أنّ محقّقي التأريخ المعاصر في الإسلام السنّي لو التفتوا إلى العرب، فإنّهم سيجدون أنّ التحقيقات التي ترتبط بالإسلام الشيعي إنّما كانت تتمحور بإيران فقط، وكان الشيعة ضحيّة لهذا

____________

1- مصطلح بمعنى الحداثة والتجدّد كما يبدو من المراجعة.


الصفحة 303
التقسيم العلمي، ولم يكن هناك التفات نحو هذا البحث [حول الشيعة العرب] إلاّ في الآونة الأخيرة.

وقد حقّق في هذا الأمر: پي ير ژان لويزارد Pierre - Jear Luizard، وإسحاق النّقاش Yitzhak nakash فيما يخصّ الشيعة العرب.

وكانت مسألة [الإصلاحيين] تعدّ تناقضاً ظاهرياً من الناحية المنطقيّة لدى المستشرقين، [وحسب رأيهم] إنّ الشيعة الاثني عشريّة لا يستطيعون الاعتماد على حركة الإصلاحيين، وفي الحقيقة أنّ المصطلحات الأساسيّة في ثقافة الإصلاحيين ـ السنّة ـ هي >الرجوع إلى الإسلام الأصيل<، >الرجوع إلى إسلام المتقدّمين< (السلف)، >فتح باب الاجتهاد<، >التفسير الجديد لنظرية الاجتماع<، أو >الإحياء الجديد للخلافة<، حيث كان الشيعة يعتمدون في اعتقاداتهم المرتبطة بآخر الزمان [انتظار فرج الموعود] على مفهوم زمني وتاريخي يختلف عن المفهوم الذي عند السنّة.

ولم يكن صدر الإسلام [كما ينظر إليه الشيعة] عصراً ذهبيّاً ومثاليّاً فحسب، بل كانوا يعتقدون أنّه عصر نحس ومشؤوم؛ لوجود الضغوطات الحاكمة على الشيعة، بالرغم من كونه زمناً جليلاً وعظيماً؛ لحضور الإمام فيه بين أصحابه، مضافاً إلى أنّهم لم يُقيموا لأصحاب النبي من (السلف) الأوّل وزناً ولم يجلّوهم(1).

____________

1- [إنّ الشيعة يعتقدون وجود المكانة العالية للصحابة، ولكنهم بلا شكّ حينما يحيوا ذكراهم ويجلّونهم إنّما يهتمون بشأن أهل البيت والأئمّة(عليهم السلام)، ويدافعون عنهم بجدّ وواقعية].


الصفحة 304
>الاجتهاد< في الإسلام الشيعي اتجاه تاريخي مخالف للإسلام السنّي، حيث كان في البدء محظوراً من قبل الأئمّة(1)، وبعد ذلك قُبل العمل به ـ تسامحاً ـ وأخيراً اعتبر كنظرية متطوّرة متكاملة لها قيمة عند الشيعة.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم يفتح باب الاجتهاد فحسب، وإنّما تطوّر وفُصّل. [في وقت كان الاجتهاد عند السنّة مفتوحاً في عصر فقهاء المذاهب الأربعة، ولكنه أغلق بعد ذلك، وفي الآونة الأخيرة نادى الإصلاحيون من السنّة بفتحه].

وأمّا ما يتعلّق بمفهوم >الإجماع<، فمع أنّه عارية استعارها الشيعة من السنّة(2)، إلاّ أنّ الشيعة أضافوا إليه معنى ومفهوماً جديداً.

____________

1- [طبعاً لم يكن الاجتهاد محظوراً في فكر أهل البيت أبداً، بل كانوا يدعون تلامذتهم إلى التفقه والتفهّم والاستنباط، وعليه فكانوا يعطونهم الملاكات والمقاييس التي يتمكّنون من خلالها على التفقّه في الدين، ويكونون قادرين عليه، وبالخصوص الإمام الباقر والصادق(عليهما السلام)، فكان هذان الجليلان يسعيان في تعليم تلامذتهم المباني الفكرية للتفقّه، ويَعدُّون الشيعة لعصر غيبة الإمام].

2- [لقد كان لفقهاء الشيعة ـ في مسألة حجيّة الإجماع ـ نظريات مختلفة، قد بيّنوها. وبعد عصر الغيبة، بالخصوص في زمن الشيخ المفيد، والسيد المرتضى (في القرن الخامس الهجري)، تأسسّ الفكر الأصولي الفقهي عند الشيعة، واعتقد الأصوليون (المعتقدون بعلم الأصول) بأنّ العقل البشري إنّما يكون مصوناً من الخطأ ومصدراً يمكن الاعتماد عليه في معرفة الحكم الشرعي، إذا تحققّت فيه الشرائط المطلوبة.
ويقابل هؤلاء ـ الأصوليين ـ الأخباريون الذين يعتقدون أنّ الحكم الشرعي لا يستنبط ولا يؤخذ إلاّ من كلام الله والروايات، وقد أنكروا حجيّة العقل.
وقد تعرّض السيّد رضي الدين بن طاووس (المتوفى ٦٦٤ هـ ق) لبعض هذه البحوث، ودونها الملاّ محمّد أمين الاسترآبادي (المتوفى ١٠٣٣ هـ ق) في كتابه الموسوم بـ (الوافد المدنيّة) [كذا، والصحيح: الفوائد المدنيّة ح]، إذ كان زمانه بلغ القمّة في هذا الفكر والاعتقاد، وكان يرى أنّ علم الأصول من صنع أهل السنّة، وأنّه قد أضيف إلى المذهب الشيعي بعد عصر الغيبة، وعليه فيكون بدعة.
ولم يعتقد الأخباريون بأنّ الإجماع مصدر فقهيّ يمكن الاعتماد عليه، بحجّة أنّ العقل البشري عاجز عن فهم وإدراك الكلام الإلهيّ.
وقد أجاب الوحيد البهبهاني ـ في المنتصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري ـ في كتابه الموسوم بـ (الفوائد الحائرية) على هذا الإشكال، فبدأ نجم الأخباريين بالاُفول حينئذٍ.
وأجاب الشيخ البهائي (المتوفّى ١٠٢٩ هـ ق)، وسلطان العلماء، والملاّ محمّد صالح المازندراني، والفاضل التوني و... على هذا، وأثبتوا أنّ الأئمة قد علّموا قواعد الاستنباط وعلم الأصول لتلامذتهم كهشام بن الحكم في القرن الثاني والثالث الهجري، وقد دوّن هذه البحوث: الميرزا القمّي، وصاحب الجواهر، والشيخ مرتضى الأنصاري، والميرزا حسين النائيني، والآخوند الخراساني. حيث اعتبروا «الإجماع» و«العقل» كدليلين ومصدرين لفقه الشيعة، مضافاً إلى «الكتاب» و«السنة».
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ هناك أقوالاً متعدّدة في حجيّة الإجماع، وما ذكره المؤلّف في المتن إنّما هو الإجماع «الكشفي»، بمعنى أنّ حجّته منوطة بكشفه عن قول المعصوم. والمزيد من التوضيح حول هذا الأمر ليس له علاقة بمحل البحث، وإنّما يرجع إليه الراغب ويراه في كتب اُصول الفقه].


الصفحة 305
>فالإجماع< عند الشيعة ليس متعلّقاً بالأمّة وممثّليها، كي يمنحوه اعتباراً في الحجيّة، وإنّما يتعلّق بنيابة الإمام الغائب.

وفي النظريّة الشيعيّة إنّما يكون الإجماع حجّة فيما إذا كشف عن قول الإمام من بين أقوال الفقهاء، وقد أبان الانتصار في نظريات الأصوليين ونظام المرجعيّة الدورَ الفعّال للمجتهدين والمتميّزين والذين تمّ اختيارهم


الصفحة 306
ضمن سلك الرتب الحوزويّة، وأدّى إلى تقويته، [والحجيّة والخبرة الشرعيّة] >للإجماع< قد قيّدت ـ مفهوماً ـ من خلال الحوزويين الذين يتمّ الإجماع بهم أيضاً.

وأخيراً، فإنّ النظرّية الشيعيّة ردّاً على نظريّة الخلافة كانت بواسطة الإماميّة، وكان التنصيب في الرتب الدينيّة إنّما يتمّ مِن قِبل المرجعيّة، وقد بدأ البحث في مسألة الخلافة عند الإصلاحيين من السنّة ـ دقيقاً ـ في وقتٍ طرحت فيه نظريّة مكانة المرجعيّة [عند الشيعة].

وكانت هذه الاستدلالات تصيب الأطروحة والعقيدة التي ينكرها الإصلاحي من الشيعة.

ويمكننا طبعاً أن نغضّ النظر عن هذه الاستدلالات، كما ادّعى لئؤنارد بيندر Leonard Binder بأنّ الإصلاح الذي انبثق من مباني الفكر السنّي لا يمكن أن يُعدّ أصلاً في الفكر الشيعي.

وقد أوضح هذه النقطة وعدّها سبباً في فضول (وحبّ الاستطلاع) لدى السنّة، الكاتب المعروف والحديث السيّد أمير علي (الشيعي)، وكان من القلائل الذين عرضوا القضية وبيّنوها بشكل آخر، ثم أجابوا عليها بأجوبة حديثة منسجمة مع الفكر المتطوّر لدى الشيعة.

ولكن الظروف السياسيّة الجديدة لدى الحركة الإصلاحيّة قد حكمت على الشرق الأوسط بأجمعه، حيث كان السنّة والشيعة يعيشون في محيط


الصفحة 307
واحد ويتحمّلون الضغوطات المتوجّهة إليهم من جهة أوربا. وعليه، فيجب أن نتوقّع الانفعالات منهما على حدّ واحد.

وإنّما يدور البحث في هذه المسائل حول إيران غالباً، وفيه يتمّ تجزئة وتحليل الفترة التي اتسع فيها الفكر الشيعي المعاصر في إيران.

ويتأسس البحث في هذه النقطة متفرّعاً عن عنصرين:

الأوّل: الحركات الإصلاحية الناشئة من (الشيخيّة والبابيّة وو...).

والآخر: قراءة حركة المشروطة التي كان العلماء الإيرانيون في مقدّمتها.

وحينما يبحث المحقّقون في الحركات المشهورة والمعروفة، فإنّهم يسلّطون الضوء على الأحداث الحوزويّة، ولكنّهم يشكّون ويتردّدون في اشتمالها على حركة إصلاحية تشبه الحركة الإصلاحية عند السنة.

وشرح عبد الهادي الحائري، وبعده وانيسا مارتين Vanessa Martin في تأليفاتهما المرتبطة بالمشروطة، بعض جوانب الإصلاح لدى محمّد الطباطبائي (١٩٢٠ ـ ١٨٤١) وأشار يان ريشارد Yann Richard بأنّ الطلبة الإيرانيين كانوا يميلون إلى الإصلاح السلفي.

وكشف هذا التدوين عن وجود نهضة إصلاحية من بين الطلبة والحوزويين الشيعة في جبل عامل في أواخر العصر الإمبراطوري العثماني وفي وقت تأسيس دولة لبنان، وأصحاب هذه النهضة قد فصّلوا في خصائص هذه النهضة ووضعوها على طاولة التحليل والتجزئة.


الصفحة 308
وإنّما اختيرت هذه المنطقة [جبل عامل في لبنان] بالذات؛ لكونها مهداً للشيعة الإماميّة، حيث كانت منطقة الدرّة في البقاع معزولةً عنها مع كونها أكثر سكّاناً وأغلبهم من الشيعة، وقد اُلحقت جبل عامل بلبنان العظمى سنة ١٩٢٠، [بعد تأسيس بلد لبنان الفعلي واستقلاله]، ولكن قلّما تجد فيها من يسكنها من الأسر العلميّة].

وهذا الكتاب ينظر إلى دمشق أيضاً؛ لأنّ السيّد محسن الأمين، العالم الكبير، الذي سكن في جبل عامل حدود خمسين سنة، كان يسكن في منطقة شيعيّة المذهب، وقد ترك فيها آثاراً وجنى ثماراً لم تزل باقية.

والمقطع الزماني الذي لوحظ في هذا المؤلَّف إنّما يكون من سنة ١٨٨٠، حيث يُبحث فيه عن نشوء هذه النهضة، واستمراراً بعصر استقلال لبنان سنة ١٩٤٣. وبعد ذلك تداومت حركة الإصلاحيين ضمن مناهج وأساليب متعدّدة، وكانت هذه الفترة من أهم الفترات التي حصل فيها التغيير سياسيّاً واجتماعياً.

ومن خصائص هذه البرهة الزمنيّة تأثّرها بالنمو والتطوّر الأوربي السريع، الذي أدّى في النهاية إلى الاحتلال العسكري للدولة، الذي وافقت عليه جامعة الأمم المتحدّة تحت إشراف فرانسا.

وأمّا الأعلام الذين يُبحث عنهم في هذه القراءة فهم العلماء والمفكرون، فسيتمّ البحث في أحوالهم، وأحوال بعض الشخصيّات في


الصفحة 309
الدرجة الثانية [بما تشتمل عليه من مؤثّرات على الحوادث المعنيّة بهذا المؤلّف].

وسيأتي في آخر الكتاب ذكر بعض العلماء الذين كتبوا وألَّفوا وتركوا آثاراً، فاعتبرت ـ في الأغلب ـ مستنداً ومصدراً، وقد عدّت تأليفات هؤلاء وتصرّفاتهم موضوعاً أساسيّاً في تصنيف هذا الكتاب.

ولم ننسَ الطلبة المجهولين، الذين لم تكن هناك أمارة دالّة عليهم، بل عملنا جاهدين في البحث عن أدوارهم في تطوّر طبقات المجتمع ونموّه، والعلاقات الموجودة فيما بينهم، وفلسفة التزاوج عندهم [الاقتران بالقرابة] وتواصلهم مع سائر الشخصيّات الفعّالة التي لعبت دوراً اجتماعياً، بل اعتبرنا حتّى سيرتهم اليوميّة في مناط البحث، وكيف استطاع العلماء تربية الأطفال وتعليمهم، وكيف كانوا يعلّمون المؤمنين تعاليم الدين والحوزة؟

وما هو موقفهم تجاه العلوم الأكاديميّة والحديثة؟

وما هو رأيهم في الاختراعات والتكنلوجيا الواردة من الغرب؟

فهل أصابهم القلق الذي حصل عند إصلاحيي السنّة؟ فأخذوا على عهدتهم محاربة البدع؟

أم كيف يبرزون قلقهم هذا؟

فإنّ هذه الأسئلة تؤدّي بنا إلى البحث عن مفهوم البدعة عند الشيعة الاثني عشريّة الإماميّة، وتكون سبباً يدفعنا لمعرفة العادات والتقاليد عند العوام، التي كانت بدورها جذوراً تتفرّع عنها البدعة.


الصفحة 310
وما كان دور هؤلاء العلماء سياسيّاً؟

وكيف كانوا يبدون برأيهم في خضمّ هذه الأوضاع الحرجة؟

وكانت المصادر المعتبرة في هذه القراءة على نحوين:

الأوّل: بالنظرة إلى داخل جبل عامل، والآخر: إلى خارجه.

أمّا النحو الأوّل: فينظر فيه إلى التأليفات والكتابات والمقالات المطبوعة التي كانت لدى العلماء والمفكّرين، وكذلك التقارير التي وردت من شهود العيان، واللقاءات الحاصلة مع مخالفيهم وسائر الطلبة.

وأمّا الثاني: فيكون البحث فيه منصّباً على ما كتبه المهاجرون، خصوصاً في ما شوهد في وثائق وزارة الخارجية الفرنسيّة، حيث كانت هذه المنهجيّة لازمة في التحقيق والبحث؛ وذلك لجمع أكبر عدد ممكن من المعلومات.

وكذلك تمّ البحث في التحقيقات الجامعيّة، المتعلّقة بمنطقة جبل عامل، التي كان غالبها على يد المولودين فيها. وقد ازداد حجم هذه البحوث والتحقيقات في سنة ١٩٧٠، يعني في الوقت الذي انطلقت فيه نهضة موسى الصدر في جنوب [لبنان] حيث لم يعتنِ المستشرقون والمؤرّخون في الشرق الأوسط بهذه المنطقة كثيراً.

وقد شرع بعض محقّقي إنيستيتو الفرنسيين في دمشق ببعض الأعمال الصغيرة في هذا الباب، حين تسلُّط فرنسا وسيطرتها [على لبنان] ولم تثمر من هذه الأعمال سوى ما حقّقه روجر لسكُت Roger Lescot، وبعد ذلك التفت الجامعيون الإيطاليون إلى البحث حول تاريخ الشيعة في بلاد الشام.


الصفحة 311
ومع وجود المصادر واختلافها، كان أغلبهم يعتمدون على رؤى شخصيّة قد حكموا بها مسبقاً. وكان جلّ من يلعب دوراً أصليّاً في حركة الإصلاح ـ أعمّ من الطلبة والموظّفين في الدوائر التي كانت تحت السيطرة ـ ممّن كان [يراقب تصرّفات] الشيعة ويحلّل الظروف الزمانية آنذاك، وكان بعضهم هادفاً وسابقاً للأحداث، والبعض الآخر غير متحيّز.

وهذا الوضع جعلني أتأسف على قلّة المعلومات الاجتماعيّة المتوفّرة عندي المتعلّقة بهذه الأمور.

وبعبارة اُخرى: فإنّي لا أستطيع أن أدّعي [حصولي وإظهاري] لحالة متعادلة تتعلّق في مورد النظريّة التي أنا بصدد البحث عنها، ولكنّي أسعى أن أعرض مطالب قد وجدت قبل تاريخ تدوين العقائد.

ولكن نظراً لتواجدي المتكرّر في جبل عامل، ولقاءاتي واجتماعاتي الدائمة مع الروحانيين، وحواراتي المتعددة معهم، كنت أسعى للنقد والتحقيق والبحث في المناهج المصدريّة والنظريات المتفاوتة بنظرة تأريخية واجتماعية.


الصفحة 312


الصفحة 313

القسم الأوّل جماعة علماء جبل عامل والبدع


الصفحة 314


الصفحة 315

الفصل الأوّل الشيعة والبدعة

إنّ محاربة البدع هي إحدى الأهداف الأساسيّة لدى الإصلاحيين من علماء أهل السنّة.

والبدعة عند الشيعة: هي ما يقابل السنّة الإسلاميّة، وكانوا يحاربونها أيضاً.

وقد كانت هذه الانحرافات قبل ظهور الإسلام، وامتدت إلى ظهوره، أو أنّها برزت بعده ودخلت إليه، ومع هذا فإنّ علماء جبل عامل لم يستفيدوا من مفهوم >البدعة<، الذي يعتقدونه انحرافاً يجب محاربته، كما جاء في القوانين الإلهيّة، حيث كانت هذه الانحرافات ناشئة من عادات وتقاليد كانت موجودة قبل الإسلام، أو تقاليد قد ابتعدت عن أصولها الأساسيّة ودخلت الإسلام، أو سياسات غربيّة مستوردة قد وردت على الإسلام(1).

____________

1- لابد أن نذكّر هنا بأنَّ إحدى البدع المذمومة والمحرّمة التي كان إصلاحيو السنّة يحاربونها هو «طلاق البدعة»، وهو ما تتكررّ فيه كلمة الطلاق ثلاث مرات في مجلس واحد، ويكون من جهة الرجل فقط، فتكون المرأة به مطلّقة بالثلاث، كمن طُلّقت هكذا في مجالس متعدّدة ومتوالية، ولم يعد هذا القسم من الطلاق مقبولاً عند الشيعة، ولذا لم يجبروا على تحريمه [لأنّه لم يصح عند الشيعة من البدء أساساً، ولم ينصّ عليه في فقههم].


الصفحة 316
وكان إصلاحيو السنّة يسلّطون حربهم ضدّ البدع خصوصاً على ثقافة وآداب >زيارة المقدّسين<، ولذا اهتم الشيعة ـ خصوصاً القرويون كأهل جبل عامل ـ بالأمكنة المقدّسة ومقابر الأنبياء الذين كانوا قبل الإسلام، وبالغوا في اهتمامهم بأئمة الشيعة وآل النبي، وكانوا يعتقدون أنّ هذه الممارسات إحدى أصول الشيعة الإماميّة التي استند العلماء في شرعيّتها إلى سنّة النبيّ واستمدّوا جوازه منه وكانوا هم أيضاً يحضرون في هذه المجالس.

وفي عصر حصول الاختلافات والمناقشات بين العثمانيين والصوفيين، كان السفر إلى كربلاء وزيارة قبر الحسين بن علي قد عدّ بديلاً عن السفر إلى مكة والحجّ، وتطوّر السفر لزيارة الأماكن المقدّسة في العراق، وكان يشرف عليه كبار المجتهدين من سكنة العراق(1)، حتّى صارت هذه السياحة والزيارة مصدراً مهماً من مصادر اقتصاد البلد(2).

____________

1- itzhak Nakash [اسحاق النقّاش] «The visitation of the Imams and the shi i Mujtahids in the Early Twentieth Century», SI, ٨١ (١٩٩٥) p.١٥٥

2- في أواخر القرن التاسع عشر كانت المدن المقدّسة في العراق [العتبات المقدّسة] تستقبل سنوياً حوالي مائة ألف زائر ومسافر، المصدر نفسه ص١٥٦.


الصفحة 317
ولم يبدِ مجتهدو الشيعة أيّ رفض لهذه الممارسات، التي اتفقت وتواكبت مع جوهر الثقافة الشيعيّة، مضافاً إلى أنّها كانت تدعم الشيعة معنوياً وتبقي ذكرهم خالداً في الأذهان، ومن جهة اُخرى تعدّ مورداً اقتصادياً وتجارياً للبعض. وقد التزم المجتهدون ورابطوا في مواقفهم بشِدّة، بحيث صاروا مرصداً لهجوم إصلاحيو السنّة (وعلى رأسهم الوهابية) (1).

وقد وقف الإصلاحيون شاهرين سلاح محاربة البدعة على ممارسات العزاء عند العوام والصوفية، الذين يعظّمون بعض القدّيسين، ووجّهوا إليهم الانتقاد، حيث كانت هذه القضيّة من صميم المناظرات الدائرة بين الشيعة والسنّة، وكانت في بدايات القرن العشرين آراء متبادلة وجادّة لرشيد رضا ومحسن الأمين في هذا الباب.

وقام الوهابيّون في سنة ١٩٢٥ بهدم وتخريب قبور ومزارات أهل البيت، وقد ساق علماء الشيعة الأدلّة على مشروعيّة هذه الزيارات؛ كي تصلح جواباً وردّاً على هذا الفعل.

ففي سنة ١٩٢٧ لمع نجم محمّد حسين كاشف الغطاء (المتوفى سنة ١٩٤٥) الذي كان أحد علماء النجف المعروفين، وكان ذلك بعد ثلاث سنوات من مؤتمر أورشليم [بيت المقدس]، وكما ردّ الاتهام ـ بالبدعة ـ

____________

1- توجد هنا نقطة جديرة بالذكر، بأنّ القرابة والعلاقة بين [إصلاحيو السنّة] والوهابية تعود إلى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، حيث هجم الوهابية على المدن [العتبات المقدسة] في العراق.


الصفحة 318
المتوجّه من قبل الوهابيين، وبيّن أنّ الشيعة حينما تزور هذه المراقد إنّما تتعبّد لله تعالى فيها، لا أنّها تعبد أصحابها.

ونهض غيره من المجتهدين للدفاع عن هذه العقيدة وأيّدوا كتابي علي الحريري ومحمّد حسن القزويني المتحدّثين عن نظرية شفاعة المقدّسين [والأئمة (عليهم السلام) ](1).

وقد بيّن محسن الأمين سنة ١٩٠٩ أيضاً هذا المطلب في كتابه >الحصون المنيعة< وقد شرع في بيانه في وقت اتّخذ فيه الوهابيون وسائر >الساكتين< موقفاً ضد >زائري العتبات<، فلم يستهدفوا الشيعة في هجومهم فحسب، بل هاجموا حتّى السنّة؛ لأنّ تعظيم واحترام المعابد من السنن التي كان الناس يمارسونها جيلاً بعد جيل، حيث عدّت هذه النقطة دليلاً على مشروعيتها، مضافاً إلى أنّها قضيّة معمول بها عند سائر الأديان.

ولو سلّمنا أنّ هذا المجتهد لم يقبل مشروعيّة زيارة المقابر (في حدّ ذاتها)، ويعتقد ورود النهي في القرآن والسنّة عن بناء القبور وارتفاعها، ولكنّه استدلّ على الجواز ببناء المساجد قرب المقابر؛ كي يتعبّد المؤمنون فيها، [وحينئذٍ ستكون عبادة المؤمنين في المساجد، لا في المقابر على رؤوس أهلها].

____________

1- إسحاق النقاش: ١٦٠ ـ ١٦١.


الصفحة 319
هذا مضافاً إلى عدم ورود النهي عن احترام وتعظيم القبور والتبرّك بها، وطلب الخير من أصحابها، فالشفاعة حسب رأيه أمر مشروع(1).

وقد دافع محسن الأمين عن زيارة الأئمة بهذه الصورة مع اتفاق رأيه لانتقادات علماء الإصلاح من السنّة فيما يتعلّق ببعض العادات والممارسات التي يقوم بها العوام، حيث كان مخالفاً لبعض العقائد والعادات المتداولة عند أهل جبل عامل كالسحر، والطّلسم [وهو اعتقاد بالتبرّك ببعض الأمور، وأنّها المنشأ للخير، وبكون بعض الأشياء أمراً إعجازياً].

وكذلك عادات التبرّك بالأشجار المقدّسة، وسائر الطرق التي تستخدم في دفع الإصابة بالعين من البشر والحيوانات، ولكنّه لم يستعمل كلمة >البدعة< في رفضه لهذه العادات العاميّة، بل استخدم ألفاظاً بليغة جداً لتوبيخ أهل هذه العادات(2).

ولعلّه رأى أنّ الخوض في هذه الحرب بلا جدوى بداهةً، ولا يستطيع أن ينهى العوام ويحرّمه عليهم، ولذا ارتأى أن يبذل مجهوده في قضايا أهم، ولم يعتقد أحد أنّ التساهل في تحريم هذه العادات يكون من باب التسامح وغضّ النظر، إذ أنّها منهجيّة معروفة لدى علماء جبل عامل، وعلى حدّ علمي لم يخالف أحد منهم هذه البدع، ولم يكتب في هذا شيئاً.

____________

1- ورد هذا البيان في المجموعة الفقهيّة لمحسن الأمين في كتاب «الدرّ الثمين»، ص٤٥.

2- كمثال يراجع «اتوبيوگرافي»، ص٥٨ ـ ٦٠.


الصفحة 320
ومفاد ذلك ـ كما يرى علماء الشيعة ـ أنّهم قد اتّهموا من قبل أقرانهم وأمثالهم من السنّة، ووجّهوا إليهم اللوم في مسألة زيارة الأئمّة وأهل البيت، ولذا لم يكتب علماء الشيعة شيئاً، ولا نشروا كلاماً يعدّ دليلاً مضافاً لأدلة إصلاحيي السنّة، والوهابيّة وسائر السلفيّة، كي يهجموا عليهم، ولهذا امتنع العلماء من طرح هذه المواضيع، والبحث في مسألة البدعة.

الصوفيّة:

وكما أنّ الإصلاحيين السنّة قاموا بالهجوم على الزيارات، كذلك هجموا على طرق الصوفيّة وممارساتهم العباديّة، مع العلم بأنّ جلّ الإصلاحيين كحسين القيصر، ومحمّد عبده، وحتّى رشيد رضا وحسن البنّا، كانوا ممّن يستلهم ويتغذّى من المصادر والأصول المعنويّة والروحيّة لدى الصوفيّة.

ولكن هؤلاء جهدوا في محاربة قسم من العقائد والآداب الموجودة عند الصوفيّة، كي يسوقوا المؤمنين إلى الدين الحقيقي الخالص.

وقد نالت خطبهم ومواعظهم في هذا الشأن اهتماماً كبيراً، إلى حدّ أنّنا لا نستطيع غضّ النظر ـ في بحثنا ـ عن النهضة الشيعيّة التي نشأت مقابل ذلك، وعليه فلابدّ أن نبحث أوّلاً في العلاقات القائمة بين الصوفيّة والشيعة، ثمّ نشرع في البحث حول الطرق العرفانيّة التي كانت في جبل عامل.

والعقيدة التي يحملها غالب الناس، هي أنّ الفكر الصوفي متداخل في أُسس الفكر الشيعي، بل هو جزء من التشيّع، ويظهر أنّ قواعد الفكر الشيعي


الصفحة 321
باطنيّة في أساسها، وقواعد الفكر السني ظاهرية، فيكون كلّ منهما قبال الآخر، ولكن هل أُتهم الشيعة من جانب السنّة دائماً بكونهم باطنيين(1)؟

لخّص هذه القضية جيّداً السيّد حسين نصر، معتقداً بأنّ الباطنيّة في الفكر السنّي قد تجلّت في الصوفيّة، وفي الوقت نفسه كانت الباطنيّة مصدراً يستق منه الشيعة ويحملونه بأجمعهم، وبالخصوص في القرون الأولى من عصر الإسلام(2).

وهذا >الحمل< مصطلح على مستوى >النظريّة<، وقد تغيّر طيلة القرون تغيّراً أساسياً، وتحوّل من كونه نظرّية شيعيّة الأساس باطنيّة الأصل(3) إلى عدّة قواعد وقرارات ظاهريّة وخارجيّة.

وطالما كانت الباطنيّة الأولى ظهرت بلباس [التقيّة]، ولكنّها برزت بعد ذلك بثوب الحديث(4)، واستمرت تحت هذا العنوان؛ [لأنّ هذه الأسرار حينما تُلقى على الناس بعنوان الأحاديث، سوف تحفظ وتنقل من جيل إلى آخر، وتخرج بذلك من الخفاء إلى الظهور، وتتحوّل إلى تعاليم عامّة].

____________

1- إنّ مفردة «الباطنيّة» كان لها معنىً سلبيّاً في الأدب السنّي، ويطلقها السنّة على الشيعة اليوم.

2- «Le shi isme et Ie soufisme» in Le shi isme imamate, ed. Robert Brinshvig et Touflc Fahd, P٢١٦.

3- مؤلّفات وتحقيقات «محمّد علي أمير معزي» توضّح هذا الأمر بالكامل.

4- لقد حذف بعض الأحاديث القديمة المرتبطة بـ «الباطنيّة» من المصادر والموسوعات، ولابدّ من التذكير بأنّ جميع المؤلفين والمشتغلين في النظرية الباطنية الشيعيّة الأولى لا يمكن العثور عليهم في النظريات الشيعيّة العامة في الوقت الحاضر. محمّد علي أمير معزّي «Le guide divin» صفحة ٤٨ ـ ٥٨.


الصفحة 322
وصارت هذه الأحاديث هي المصادر الأساسيّة التي يتغذّى منها المؤمنون، والقاعدة التي يعتمد عليها العلماء [علماء التفسير والبيان للقرآن الكريم] ويرجعون إليها، والمادة الأساسيّة التي يتشكل منها مذهب العوام.

وأقطع بأنّ هذه الباطنيّة لم تعدّ درجة من درجات التكامل، ولاهي ممّا يغذّي النظرية العلميّة، ولكن هذين النوعين من الباطنية نتيجة المخاض والانفعالات التي حصلت بين جهتين متقابلتين.

ويتضح هذا القول في مثال: بأنّ هذا العالم كان عند الشيعة منذ سبعة آلاف سنة قبل الخلق، بمثابة هالة نورانيّة تطوف حول تاج الألوهيّة، ولما حضر الأئمّة على الأرض كانوا قد حملوا بعض هذا النور الإلهي، ويُسمّى هذا النور عند الصوفيّة من أهل السنّة بالنور المحمّدي، حيث تتّحد النظريّة الشيعيّة العامّة لدى العوام مع العقيدة الصوفيّة بهذا النحو، وأوكّد أنّ محبّة أهل البيت قضية مهمة وضروريّة عند الشيعة والصوفيّة(1).

____________

1- وهذا الموضوع الذي أراد تنبيهه وتفهميه السيّد محسن الأمين في «الريحلات» [كذا والصحيح: الرحلات. ح] بأنّ ما يفعله زائرو الحرم والمقبرة المشهورة «برأس الحسين» من المصريين في [آداب الزيارة] هو نفس ما يقوم به العراقيون وغيرهم [يقصد غير الشيعة بلا شكّ] من [آداب الزيارة] في حريم أئمّة العراق(عليهم السلام). ر.ك «ريحلات» السيّد محسن الأمين، دار الجديد، بيروت، ص٢٠.


الصفحة 323
ولابدّ أن نُضيف إلى هذه القضيّة، أنّ أئمة أهل البيت يستطيعون ـ بإذن الله ـ أن يظهروا >كرامات< للمتديّنين، كما أنّ المقدّسين والقدّيسين [الأولياء والأقطاب] قادرون على الكرامات(1).

وقد ساعد هذا التقريب ـ بين الشيعة والصوفية ـ الإصلاحيين السنّة أن يقفوا لمواجهتهم معاً، فضربوا الشيعة مستدلين بشباهة عاداتهم وتقاليدهم للصوفيّة من جهة، ومعلنين من جهة أخرى أنّ الصوفيّة نشروا الطقوس والممارسات الخاصّة بالشيعة وعملوا بها، ولذا اتّهم >مصطفى عبد الرزاق< >أحمد البدوي<(2) ـ أحد قدّيسي طنطا في مصر سنة ١٩٢٥ ـ بأنّه من المبلّغين الشيعة(3).

____________

1- أُوكّد بأنّ المجلّة الإصلاحيّة شديدة اللهجة «العرفان» نشرت كرامة للإمام الرضا(عليه السلام) بواسطة أحد «الأطبّاء الجدد»، وقد نشر هذا المطلب في جريدة في مدينة مشهد، بأنّ أحد المرضى الذين كانوا يباشرون العلاج على يد هذا الطبيب، وقد كان المريض مصاباً بالسرطان، وقد أقيمت مجالس العزاء عنده لمدة سبعة أيّام، فرأى في اليوم الأوّل الإمام في عالم الرؤيا قائلاً له «قم»، وفي الصباح حصل على الشفاء. ر.ك. العرفان، فبراير (١٩٣٥).

2- cathrin mayeur – jaouen. (al – sayyid al – badawi), un grand saint da l islam egyptien, Ifao, t, ٣٢, le caire, ١٩٤٤, p. ١١٢ – ١١٣.

3- صرّح الكاتب في كتابه المشار إليه أعلاه ـ في فصل آخر ـ بأنّ كون أحمد البدوي من السنّة أمرٌ لا شكّ فيه ولا شبهة أبداً (ص٢٥٩ ـ ٢٦٠)، ويظهر أنّ الشيعة لهم أدلّة على تشيّعه، وبعد الحوار الذي قمنا به مع أحد الطلبة الشيعة قال قاطعاً بذلك: إنّ البدوي كان شيعيّاً، ولكنّه كان يستعمل التقيّة.


الصفحة 324
إضافة إلى وجود سلسلة من مراتب الصوفيّة في إيران ممّن كانت تستقي من سلسلة مراتب أهل السنّة(1)، بعد أن حذفت هذه السلسلة في القرن السابع عشر عمليّاً، ولكنّها عادت مرّة أخرى في القرن الثامن عشر على يد الملوك، كي تتمّ المساواة مع النفوذ المتطوّر لعلماء الشيعة(2).

ولم تتمكن الصوفيّة ـ على أيّ حال ـ أن تنبت أصولاً دائميّة في العراق(3)، وكذلك كان نفوذها في جبل عامل أقلّ ممّا هو في العراق، بحيث لا نرى لها اليوم أثراً هناك.

وقد أظهر محسن الأمين سروره ـ في كتاباته ـ بأنّه أمر بخلاف ما حصل في الدول الأخرى، واتسعت رقعة >الشاذليّة<(4) في دول الجوار، ولم يكن أحد من الأمراء العامليين [في جبل عامل] قد مال إلى الوساوس التي تجذبه إلى >الكشفيّة<.

و>الكشفيّة< مأخوذة من مصطلح >الكشف<، وهنا تأتي بمعنى المتصوّفة وجمعهم من أي طريقة كانوا(5).

ولم يكن محسن الأمين متخفيّاً في توقّفه تجاه العادات والتقاليد الدينيّة، بل كان يتعامل معها كما يتعامل مع السحر والخرافات التي يعتقد

____________

1- cf. moojann. (an introduction to shi. Islam). P. ٢٠٩ – ٢١٧.

2- Vanessa martin. (Islam and modernism).p. ١٩ – ٢٠.

3- Yitzhak nakash. (the shi. Is of iraq). P. ١٧٧.

4- [الشاذليّة: طريقة من طرق الصوفيّة، وهي شائعة اليوم في دول المغرب وأفريقيا. م].

5- خطّة جبل عامل، ص٨١.


الصفحة 325
بها العوام، وقد ذكر في أحد أسفاره إلى بيروت ـ حيث كان في السفينة ـ أنّه شاهد مثالاً لها، فيقول متعجّباً: إنّه رأى الرجال يلقون بأبدانهم من جهة إلى جهة أخرى، ويدورون بشِدّة وحرارة [يرقصون ويستمعون]، وقد اصطدم رأس أحدهم ـ ذات يوم ـ بجدار السفينة(1).

ثم يصف ممارسات الصوفيّة بأنّها عنف وتعذيب للنفس [وهي كضرب السلاسل والتطبير عند الشيعة]، وقد منع عن هذه الممارسات مجيباً لأحد الكتّاب السنّة بقوله: ماذا يمكن أن يقال فيمن يُقيمون مجالس الذكر والرقص، ويدخلون في أجسادهم الرماح، ويخرجون بنفخهم النار من أفواههم، ويدقّون الطبول، ولهم زعيق كالحيوانات ويدورون يميناً وشمالاً، ويبصقون وينشدون بالألحان الموسيقيّة(2)؟

ولذا لا يمكن أن يُتّهم محسن الأمين أنّه من هواة التصوّف، ولم يكن كغيره من علماء جبل عامل متّصلاً بالسلسلة المرتبطة بالحلقات الصوفيّة، ولكنّه كان يظهر محبّته للعبادة عن طريق الشعر، فوجد سبيلاً آخر لإبراز ذلك، وله بعض الأشعار في مدح وتمجيد المحاسن الإلهيّة، التي يأنس بها

____________

1- ريحلات [كذا، والصحيح: رحلات. ح]. السيّد محسن الأمين، ص٢٩.

2- نقد الشيعة، مطبعة الإنصاف، بيروت، ١٣٧٠، ١٩٥١، ص٢٧.


الصفحة 326
الأولياء ويغمرهم الفرح والسرور حين خلوتهم(1)، ولكنّه لا يغالي في شعره ومديحه بحيث يكون مقلّداً للصوفيّة أو مستعيراً لأفعالهم، والذي كان متّخذاً لنمط الصوفيّة ومستعيراً له هو محمّد علي عزّ [الصحيح: زين.ح] الدين في أنشودته المؤرخة ١٨٨٤ التي يقول فيها:


حبيب لا يحبّ له شريكاًدعاني فاستجبت دعاه
جلا عيني إذا نظرت إليهويحجبها إذا لحظت سواه(2)

وقلّما يكن الطراز والنمط الموجود في الأدب الصوفي ـ خاصة ـ مُقلَّداً لدى علماء جبل عامل، ويندر بشدّة أن يأخذوا منه، بل لا يستفاد من مصطلح >التصوّف< تقريباً، ولم أرَ هذا المصطلح في كتابات محسن الأمين إلاّ في جانب اصطلاح >الزهد< في مقطع أراد به مدح أحد العلماء في باب العفّة والزهد عن المتعلّقات الدنيويّة.

____________

1- Ismail alamin «etude historique et critique de la poesie d une region musulman», p١٢٢-١٢٣.

2- نقل هذه الأبيات مصطفى قيصر في «الشعر العاملي في جنوب لبنان»، ص٧٣.
[قال قيصر فارس مصطفى في رسالته «الشعر العاملي الحديث في جنوب لبنان» رسالة مقدّمة للحصول على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد، القاهرة ١٩٨٧م، جامعة الأزهر ـ كلية اللغة العربية، الباب الثاني: الحياة الأدبية في جبل عامل، الفصل الأوّل: الزهد، الصفحة: ٥٦: وعلى طريقة السالكين في التصوّف يقول الشيخ محمّد علي زين الدين العاملي، المتوفّى عام ١٣٠١هـ.ح].


الصفحة 327
ولم نعثر على مصطلح >العرفان< في معارف الشيعة الخاصّة لدى كتابات علماء جبل عامل في تلك الحقبة الزمنية، ولذا لابدّ أن نشير إلى مجلّة عارف الزين، بأنّه لو بُدّل فيها العنوان >العرفان< فليس معناه >علم العرفان<، بل يراد منه المصدر ومعناه >المعرفة<.

ويمكن أن نطمئن إلى وجود علماء آخرين قد سلكوا مسير العرفان من بين علماء جبل عامل المتقدّمين قبل هذه الطبقة من العلماء، أمثال العالم المشهور بهاء الدين العاملي (١٥٤٧ ـ ١٦٢١)، الذي كان ممنّ سلكوا طريق العرفان، وكان من بين هؤلاء الأساتذة مجتهدون أيضاً قد اشتغلوا بالتدريس في النجف، وكان بعضهم يدعو إلى هذا العلم على نحو الباطنيّة والفلسفة التجزئيّية، مثل محمّد كاظم الخراساني، الذي عبّر عنه >هانري كربن< Henry Corbin بـ >الكلامي الكامل< والذي كان يعتقد بأنّ الوصول إلى معرفة السنّة ومنهجيّة الأئمة يجب أن يكون عن طريق تعلّم الفلسفة والميتافيزيقيا(1).

____________

1- «histoire de la philosophie islamqiue» Gallimard - Folio paris p ٤٩٤.


الصفحة 328

الفصل الثاني الاختلاف في مسألة نقل الجنائز

لم يبدِ الإصلاحيّون من الشيعة ـ قياساً إلى الإصلاحيين من علماء السنّة ـ مزيداً من الاهتمام بقضيّة البدعة، ويعود قسم من السبب في ذلك إلى ما أشرنا إليه سابقاً وهو [القلق الناشئ من تضعيف المجتمع الشيعي مقابل المجتمع السنّي]، ولكي لا يعترض أهل السنّة على زيارات أئمة الشيعة والممارسات المرتبطة بهم.

ولقد كان لعلماء جبل عامل دور فعّال في محاربة البدعة، ويتجلّى هذا الدور في أمرين، سنقوم بالتحقيق في شأنهما، وكلاهما يتعلّق بالممارسات العباديّة المرتبطة بأئمة الشيعة، وقد اجتازت هذه الأبحاث المحافل العلميّة، ودُوّنت على الورق ونشرت في المجلات وانتشرت بين العوام.

وما كان شديد التأثير منها ما تعلّق بإصلاح النمط المتّخذ في ممارسات عاشوراء في سنة ١٩٢٠ بواسطة محرّره محسن الأمين، وسندخل في هذه البحوث.


الصفحة 329
ومن قبله بعشرات السنين تطرّق لهذه البحوث هبة الدين الشهرستاني (١٨٨٤ ـ ١٩٦٧)، وقد حارب سنّة نقل الجنائز إلى الأماكن المقدّسة في العراق لمجاورة الأئمّة، حيث كانت تردّ عدّة حملات إلى العراق، وبالخصوص إلى كربلاء والنجف، تحمل عدّة جنائز قد دُفنت سابقاً، ثمّ نبشت قبورها كي تنقل إلى العراق وتدفن فيه(1).

وفي السنوات المتأخرّة من الإمبراطوريّة العثمانية، ترد إلى النجف عشرون ألف جنازة سنويّاً، كي تُدفن فيه، ويُدفن بعضها في مقبرة دار السلام قرب حرم الإمام علي (عليه السلام)(2). وتعدّ مسألة نقل الجنائز إلى النجف والدفن فيه مورداً ماليّاً مضاعفاً، يغذّي المدن المقدّسة، وقد عبّر عن ذلك أحد أدباء النجف في شعره قائلاً:

____________

1- [نحن نعلم أنّ في مثل هذه الحالات، مع الأخذ بنظر الاعتبار حرمة نبش القبور في الإسلام، ولذا كما هو المفروض، لابدّ من تأمين هذه الجنائز كي يمكن نبش القبر ونقلها إلى موضع آخر ودفنها فيه. م].

2- في ما يتعلّق بحمل الجنائز ودفنها في مدينة النجف، يُراجع «الشيعة في العراق» لإسحاق النقّاش، ص١٨٤ ـ ٢٠١.
ونؤكّد أنّ المؤمنين يعتقدون أنّ دفنهم بجوار الأئمّة نوع وسيلة لضمان دخولهم الجنّة [وهذه العقيدة موجودة لدى العوام من الشيعة، ويعتقد علماء الشيعة ومفكروهم أنّ الإيواء إلى هذه البقاع الشريفة سبب لنيل السعادة وعامل مساعد لارتقاء الدرجات، وهذا هو الاعتقاد بالشفاعة بعينه، وهو وساطة الشفعاء لأعمال الإنسان، وفي الحقيقة أنّ الاعتقاد بالشفاعة بحدّ ذاته عمل صالح يُضمّ إلى حسنات الفرد الأخرى، لا أنّه منج للعصاة والجناة والفجّار لوحده. م] وهناك عدد كبير من المؤمنين خصوصاً مَن كان مِن العوائل العلميّة [يوصون] بأن يدفنوا في المدن المقدّسة في العراق [في العتبات المقدّسة].


الصفحة 330

صادرات بلدتي [النجف] عمائم وواردات بلدتي جنائز(1)

لنتصور كيف أنّ نقل الجنائز مسألة غير صحيّة؛ لأنّها تؤدي إلى التلوّث، ولم يستطع الإصلاحيون أن يغضوا النظر قبالها، مع شدّة حجمها، ولذا أفتى بعض العلماء في هذا المجال، منهم >هبّة الدين الشهرستاني<، فقد طرح هذا البحث بشكل عام وعلني.

وقد عُرفت شخصيّة هذا المجتهد قبل ذلك في بغداد، وهو الذي كان يدافع عن نهضة القانون الأساسي في إيران [المشروطة] وبدأ اعتناؤه بالعلوم الحديثة سنة ١٩١٠، وأخرج مجلّة باسم >العلم<، وبعد ذلك بسنة كان من المتوقّع ارتقاؤه إلى سلسلة مراتب علماء الشيعة، حيث كان هذا الإصلاحي عضواً في حلقة بحوث محمّد كاظم الخراساني [المرحوم الآخوند الخراساني صاحب الكفاية].

وكتب في مجلّته مقالاً تحت عنوان >حرمة نقل الجنائز< (حرمة نقل جنائز الموتى)، وبعد ذلك نشرت في كرّاسة مستقلّة(2).

وطلب هبة الدين الشهرستاني من علماء الشيعة أن يمنعوا نقل الجنائز [لدفنها في العتبات المقدّسة]، وكان يعتقد بدعيّة هذا الفعل من جهة،

____________

1- ذكر ذلك «جعفر الخليلي».

2- هذا الكتاب تحت عنوان «تحريم نقل الجنائز» (حرمة نقل جنائز الموتى)، نشر في مطبعة الآداب بغداد، ١٣٢٩ (١٩١١). ر.ك ص١٨. مجلة العرفان في عدد اكتوبر ١٩١١، نشرت ببلوغرافيا توصيفيّة لهذا الكتاب.


الصفحة 331
الصفحة السابقةالصفحة التالية