المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 331 - ص 360) وكونه سبباً لهتك حرمة الموتى من جهة أخرى، وهو مخالف للأحكام الشرعيّة. وصارت بحوثه هذه سبباً لزعزعة علماء الشيعة في هذه المسألة، التي تعدّ مورداً اقتصادياً عظيماً كما يرونه.

وقد منع وحرّم المجتهدون القاطنون في البقاع المقدّسة هذه المسألة، لكنّهم قد اختلفوا في درجات المنع والتحريم، ومنهم محمّد كاظم الخراساني الذي منع عن نقل الجنائز المتعفّنة، وحرّم نبش القبر.

وحرّم عبد الله المازندراني المسألة الأولى، وهي [حمل الجنائز المتعفّنة]، ولكنّه لم يصدر فتوى بالنسبة للمسألة الثانية، وهي [نبش القبر]، ولكنّ الموقف الذي ذكره هبة الدين الشهرستاني للعلماء لم يكن مانعاً من استمرار هذه العادة.

وواجه هبة الدين الشهرستاني كثيراً من المعترضين، وكان من أقواهم مجتهد مدينة تير tyr [وكذا، والصحيح: صور. ح] عبد الحسين شرف الدين، وكان كلاهما من كتّاب مجلّة العرفان، يتناقشان ويتناظران في بحوثها، حتّى أنّ محسن الأمين عَنون هذه المناقشات بـ >المعركة القلميّة<، ومع أنّ محرّر المجلّة كان من المدافعين عن نظريّة هبة الدين الشهرستاني، لكن الكاتبين وقف كلّ منهما بوجه الآخر وخالفه.

وقد حاول عبد الحسين شرف الدين ـ في المرحلة الأولى ـ أن يثبت مشروعيّة نقل الجنائز، ثمّ حاول أخرى أن يوجّه مسألة نبش القبر، مستدلاً بأنّ وجه التحريم فيه إنّما هو النبش لنقل الميّت إلى غير الأمكنة المقدسّة والمتبرّكة.


الصفحة 332
وكانت استدلالاته بأجمعها مبنيّة على الحديث، مضافاً إلى أنّه كان يشير إلى وجود هذه العادة وأصالتها تاريخيّاً، وهي من التقاليد التي كانت عند المسيح واليهود وليس عند الشيعة فحسب، وقد ناقش في باب الآثار السلبيّة المترتبة على نقل الجنائز، وكانت هذه النقطة هي المنشأ لبداية بحثه، حيث شكّك في هذه النتائج والآثار من غير أن يتعرّض كثيراً لجزئيّات المسألة.

فأجاب هبة الدين الشهرستاني على ما أشكله، فردّ عليه عبد الحسين شرف الدين، وقد نشرت مجلّة العرفان كلاً من نصّ الشهرستاني ونقد مخالفه [عبد الحسين شرف الدين] (1).

وأخيراً بعدما استمرت هذه المناقشات أشهراً لم تنتج إلاّ شدّة الخلاف، وقد دخل فيها أيضاً يوسف الفقيه من علماء جبل عامل، وكتب كتاباً تحت عنوان >نقل الأموات< ثمّ نشره، وقد دافع فيه عن نظريّة هبة الدين الشهرستاني. ولم يتدخل محسن الأمين في هذه البحوث، ولكنّه ذكر في كتابه ملاحظة تتعلّق بها، حيث تساعدنا هذه الملاحظة على عدّه من جماعة العلماء الذين تقدّم ذكرهم [القائلين بالحرمة].

____________

1- عبد الحسين شرف الدين «الشهرستاني ونقل الأموات، تحرير المسائل وذكر أدلّتها» ١٩١١. هبة الدين الشهرستاني «نقل الأموات والسيّد الموسوي» (مارس١٩١٢). إسحاق النقّاش «الشيعة في العراق» ص١٩٢ ـ ١٩٧.

Werner ende. (the flagellations of muharram and the shiite ulema). P.٢١٧ – ٢١٨.


الصفحة 333
وقد تصاعدت حدّة النقاش في العراق، حتّى اضطرّ هبة الدين الشهرستاني إلى إغلاق مجلّته الموسومة بـ >العلم<، واتهمّه بعض مخالفيه إلى درجة رميه بالكفر، وهدّدت حياته بالخطر، حتّى اضطرّ إلى الهجرة إجباراً، فترك العراق في أواخر شهر أوت سنة ١٩١٢، ولم يعد إليها إلاّ بعد مضيّ سنتين.

بل ذهب إلى الهند مجتازاً بلاد الشام ومصر والحجاز واليمن، وقد واصل مسيرته السياسيّة والإصلاحيّة، وأصبح لديه مركزاً مهمّاً في حكومة >فيصل<، ولكنّه فقد مكانته ومرتبته في سلسلة [المرجعيّة] الشيعية التي كان بإمكانه أن يحظى بها، وذلك بسبب هذه الخلافات(1).

وكان هبة الدين الشهرستاني القائد والعالم الأوّل الذي حمل مسؤوليّة إصلاح هذه العادات والتقاليد على عهدته، وقد بذل بعده آخرون بعض الجهود في هذا المجال، ولكنّهم أصيبوا بنفس الخيبة التي أصيب بها، ولكنّه قد حصل على صكوك الفوز في المراهنة وكان بوسعه ضمان سلامته وموفقيته، حيث كانت الأجواء تصلح لفكرة الإصلاح بعد خلفيّات ثورة المشروطة في إيران، التي وقع فيها بعض المجتهدين تحت التأثير، أمثال محمّد كاظم الخراساني، وحكمت فيها أجواء الروحيّة الإصلاحيّة على المدن المقدّسة، ولم يكن لهذه الأجواء نظير قبل ذلك، فمن ناحية قضية

____________

1- إسحاق النقاش «الشيعة في العراق»:ص ١٩٧.


الصفحة 334
اتفاق بعض المجتهدين الكبار مع هبة الدين الشهرستاني في مسألة نقل الجنائز.

ومن ناحية أخرى الترغيب الذي كان يقوم به الحكّام العثمانيون نحو الإصلاح بسُبلٍ متفقة مع الأطروحات العثمانية، كما صرّح بذلك ورنر اند Werner Ende، وكان الأتراك [ العثمانيون]، وتماشياً مع اقتراب زمن عقد المؤتمر العالمي الصحي، الذي يقام في باريس بين نوفمبر ١٩١١، وژونيو ١٩١٢ ـ كما هو المتوقع ـ يسعون في مراقبة الصحة في مسألة نقل الجنائز؛ لأنّ هذه القضيّة عند الأوربيين مصدر لشيوع الأوبئة، كما عنونت بذلك(1).

وهكذا اتسّعت وتطوّرت فكرة الإصلاح في المناقشات الخاصّة بين الطلبة الروحانيين، فقد كان لزاماً عليهم المحافظة على وحدتهم، قبال الضغوطات المتوجّهة إليهم من قِبَل الأتراك، كي يبرزوا استحكام قوّتهم وقدرتهم.

وبعد الخيبة التي حلّت جرّاء ثورة المشروطة في إيران، حان زمن التقارب بين الأتراك والمجتهدين، ولا تُنسى الاتصالات التي كانت تدور بين إسطنبول والمدن المقدّسة، نتيجة ما كان ينادي به جمال الدين الأفغاني من >پان ـ اسلاميست<(2) الإسلام الأصيل الواقعي.

____________

1- Wener Ende (The Flagellations of Muharram and the Shiite ulema) p.٢١٨.

2- [الميل إلى الإسلام الخالص قبال القوميّة العربيّة الأتراك والإيرانيين وغيرهم. م].


الصفحة 335
فقد وافق بعض المجتهدين أن يشتركوا في هذه اللعبة ويسجّلوا فيها دوراً، والبعض الآخر رفضوا ذلك.

ولابدّ أن نعلم بوجود خلافات بينهم في المواقف، ونأخذ بنظر الاعتبار مصادفة التقارن الزمني بين ميول هبة الدين الشهرستاني، وبين الأطروحة الإصلاحية لدى الأتراك، ومع ذلك لا يمكن إثبات اطّلاع جميع أطراف النزاع بما يجري خلف الكواليس، مضافاً إلى أنّ الشيعة كانوا يتصوّرون كونهم في معرض الهجوم السنّي.

وفي الواقع بعد مضي سنة ١٩١٠ نشرت عدد من الجرائد مقالات عرّفت كربلاء بأنّها مقبرة واتّهم فيها ساكنوها بأنّهم لا يرتزقون إلاّ عن طريق دفن الأموات. كما أنّ الشيعة اُتهمت بهذا الأمر على لسان ممثل جريدة (التقدّم) الحلبية في بغداد في مقالة كتبت فيها، و>المقتبس< في دمشق، و>الأحوال< في بيروت، و>الهدى< في أمريكا، وغير ذلك من الجرائد التي اقتبست ونشرت(1)، فأجابهم محسن الأمين في مجلة >العرفان<(2).

ويمكن أن نفسّر رفض الشيعة المقيمين في العتبات مقابل هذه الإصلاحات، بأنّه إحساس بالخطر على العقائد والممارسات والتقاليد المذهبيّة، وأنّه هجوم عليها من قبل الآخرين.

____________

1- محسن الأمين في (مقطع) ص١٨٤.

2- «هل كربلاء مدينة الأموات؟» مجلّة العرفان، ژوني ١٩١١.


الصفحة 336
ولابدّ أن نضيف لهذه المسألة وجود نفع اقتصادي أيضاً؛ لأنّ منع وتحريم نقل الجنائز إلى العتبات المقدّسة صار سبباً لخسران مصدر من مصادر التمويل، ولا يشكّ أحد بأنّ عبد الحسين شرف الدين كان مطلعاً على الحساسيّة العقائديّة الخاصّة لدى الشيعة، وكان يلاحظ منافع العوائل الساكنة في العتبات منِ أقربائه(1).

____________

1- لابدّ أن نذكر أنّ عبد الحسين شرف الدين دفن في النجف كسائر علماء جبل عامل.


الصفحة 337

القسم الثاني إصلاح ممارسات عاشوراء


الصفحة 338


الصفحة 339

الفصل الأوّل المناهج والأفعال المتّبعة في هذه الممارسات

قُتل [واستشهد] الحسين بن علي، حفيد النبيّ، وثالث أئمة الشيعة، في سنة ٦٨٠ في كربلاء ـ كما نُقل في التاريخ ـ بعد هلاك الأمير والخليفة الأموي معاوية، الذي تصالح مع أخ الحسين، الحسن بن علي، حول مسألة الحكومة، وقد خرج الحسين من مكّة مطالباً بحقّه من يزيد بن معاوية خليفة أبيه، ومحارباً إيّاه، حيث وعده أهل الكوفة بالدفاع عنه، وكان يظنّ أنّ [الكوفيين] إلى جنبه، ولكنّ الكوفيين لم يفوا له.

وقد خرج مع عائلته وقلّة من أصحابه، مقابل الجيش الذي أرسله يزيد لإلقاء القبض عليه، فبقي وحيداً، واستغرقت مدّة الحرب الغير متكافئة عشرة أيام، وفقد الحسين أصحابه واحداً تلو الآخر، ثمّ أهل بيته أيضاً في هذه الحرب، حيث قُتلوا يوم عاشوراء، وساروا بالنساء والأطفال ـ الذين بقوا أحياء ـ اُسارى إلى دمشق.


الصفحة 340
هكذا وقعت حكاية استشهاد الحسين بن علي في كربلاء قرب ساحل الفرات، في العاشر من محرم سنة ٦٨٠.

[طبعاً نحن نعلم بأنّ الحسين بن علي (عليه السلام) ورد أرض كربلاء في الثاني من شهر محرّم، ولمّا بدأت الحرب يوم عاشوراء كان ختامها استشهاد الحسين (عليه السلام) وأصحابه في غروب ذلك اليوم، وقد حاول المترجم في هذا الفصل ـ ترجيحاً ـ أن ينقل عبارات الكاتب بدقّة وحرفاً بحرف، كي يتسنّى للقارئ أن يتعرّف على نظرة فردٍ غربيّ، ويطّلع على تحليلاته وآرائه في المسألة.

وقد كان الأحرى بنا أن نذكر أسماء الشخصيّاتِ الدينيّة، وبالخصوص الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ، مقروناً بالتقدير والاحترام؛ لأن هذا ما تقتضيه ثقافتنا وبلاغتنا الدينيّة، وكذلك ما يلزمنا به أدبنا وأخلاقنا، وإن تغيّر بعض الاصطلاحات الواردة في هذه القصّة مثل (الشهادة) بدل (القتل).

ومن المؤسف أن يتغيّر جمال المحتوى لصالح جمال البلاغة والتعبير، خصوصاً إذا التفت القرّاء إلى أنّ هذا التغيير صدر من أحد المحققّين والكتّاب الغربيّين.

>الأفضل أن نسمع سرّ العشاق من ألسنة الآخرين< م].

إنّ الحادثة التراجيديّة التي حدثت في كربلاء، والتي استُشهد فيها الإمام الثالث مع عدّة من أهل البيت، باتت من الحوادث والقصص الأساسية في تاريخ الشيعة، وأعطتهم حظاً في ذاكرة التاريخ، وجعلت منهم منهاجاً


الصفحة 341
مثاليّاً في الحياة السياسيّة، وعدّة قيم أخلاقيّة قابلة للاتباع، وأضحت سبباً أنتج مجموعة من الممارسات والعبادات الخاصّة بالشيعة الإماميّة.

وذُكرت هذه الأسطورة دائماً بصور متعددة [مثل التعزية، والشبيه]، وقد انبثقت وتطوّرت باستمرار في كلّ سنة وعُرضت مكرّراً، وكان القيام بهذه الممارسات وسيلة لتجديد عهد الشيعة مع أئمتهم، وتأكيداً على أصل من أصول الشيعة ـ يعني الإمامة ـ عندهم.

وقد سارت هذه القضيّة نحو التكامل في عدّة مراحل زمنيّة بواسطة العلماء وسائر المفكرَّين الشيعة، وجدّدوا النظر فيها ونقدوها وعنونوها بمفاهيم حديثة، فصارت غذاءً فكرّياً(1).

وقد اختلفت الممارسات والمناهج في الممارسات المرتبطة باستشهاد الحسين على مرّ العصور، وذلك نتيجة لتطوّر العادات القديمة والميول الفكريّة والعقديّة لدى المسلمين(2)، وقد استعادت هذه الممارسات حياتها

____________

1- لم ينفرد (الروحانيون) اليوم بتطبيق اُسطورة الشهادة، على سبيل المثال: علي شريعتي في ايديولوجية (اللاييك) لثورة إيران الإسلامية، فقد استفاد من هذا المفهوم كثيراً، وكان يقوم بتحليله [ومصطلح «اللاييك» هنا بمعناه الأصلي وهو «اللاروحاني»، وقباله من كان يعدّ في مراتب الروحانية، وبعبارة أخرى: إنّ «اللاييك» هنا ليس بمعنى كون الفرد غير متدين، م].

2- للتعرّف على الطرق والأساليب المختلفة لإقامة ممارسات أحداث كربلاء في إيران، راجع عصر ما قبل الصفوية.
Jean Calmard (Le culte de l. Imam Husayn. Etude sur l comemoration de krabaa dans l. Iran pre – safavide). These dactylographiee de ٣e cycle. ٢ vol. EPHE – paris ٧١٣ p.


الصفحة 342
من جديد في عهد الصفويّة، وأخذت في مسيرتها، وكانت الهيئات العزائية والشبيه تضيف من مأساة هذه المشاهد، وكانت على مدى القرون والعصور تقام أربعة أنواع من هذه الممارسات الكبرى، لإحياء ذكرى شهيد كربلاء بواسطة الشيعة وهي: المآتم أو التعازي، زيارة قبر الحسين خصوصاً في يوم عاشوراء والأربعين، وخروج الهيئات إلى الشوارع (المواكب الحسينيّة)، والتمثيليّات والمسرحيّات (الشبيه والتعزية).

وقد تتغيّر مجالس العزاء والمواكب التي تخرج إلى الشوارع بتغيّر العادات والتقاليد، ويمكن أن تتحوّل من ضرب الصدور المتعارف (اللطم) إلى ضرب السلاسل بطرق مختلفة (تتبير) [كذا، والصحيح تطبير. ح]، وهكذا تتغيّر وتختلف(1).

إنّ إقامة مجالس العزاء تحتلّ المرتبة الأولى في هذه الممارسات، فلها سابقة تأريخيّة، وتأريخها يعود إلى يوم الواقعة ومحلّها، وهو كربلاء؛ لأنّ عائلة الحسين أقامت العزاء في كربلاء قبل سيرها إلى دمشق، وكانت هذه الممارسات تقام دائماً بشكل خفيّ، ثمّ خُلّدت.

____________

1- المصطلحات التي استعملت في المتن مشهورة وكثيرة الاستعمال في اللغة العربية، المثقّف يستعمل المصطلحات المتداولة لدى العموم، واللغات الخاصة المستعملة في هذا الباب، ولكننا تركنا الخوض في لغات محليّة متفاوتة تجنباً للاطالة والتعقيد. مضافاً إلى أننّا لم نستفد كثيراً من اللغات الفارسيّة مع احتوائها على هذه المصطلحات التي تستعمل في إحياء ذكرى عاشوراء، ولكن استعمالها يؤدي إلى الحيرة والخلط لدى المخاطب؛ لأنّها لم تستعمل في معانيها الأصلية، مثل «التعزية» التي تستعمل في اللغة الفارسية للتمثيل والمسرحيات التي تمارس وليس بمعنى مجالس العزاء.


الصفحة 343
وفي عهد الأمويين اُقيمت في البيوت سرّاً، ثمّ في عهد العباسيّين صارت علناً وفي محضر العموم، وفي القرن العاشر [للميلاد] كانت تقام في بغداد وحلب والقاهرة في أمكنة معدّة لإقامة المجالس لأحياء هذه الذكرى، وتسمى هذه الأمكنة [بالحسيّنيّات] فتراق في هذه المجالس الدموع، وتُقرأ اللطميّات والمراثي العزائيّة، وفي بعض هذه المجالس تقرأ(1) عبارات من حوادث >المقتل<(2)، وبعد ذلك اُقيمت المجالس لإحياء الذكرى طوال عشرة محرّم الأولى.

وكانت الزيارة الدينيّة للحسين وسائر الشهداء في كربلاء عادة معروفة في الإسلام منذ القدم، والشاهد على ذلك المحاولات التي كانت لهدم قبر الحسين سنة ٨٥٠ [للميلاد] من جانب الخليفة العباسي المتوكّل (المتوفى ٨٦١م) كي يتمّ القضاء على هذه الزيارة.

ثمّ في عهد الصفويّة، حين عنيت زيارة العتبات اهتماماً بالغاً وتطوّراً ملحوظاً، وكما يشير إليه ابن العطّار المؤرّخ المتوفى (١٢٣٣)أنّه في سنة ٩٦٣ وفي حكومة >معزّ الدولة< أوّل أمراء السلسلة البويهية، كانت الهيئات والمواكب تقام في يوم عاشوراء، ثمّ بعد هذه السنة خرجت مواكب اللطم

____________

1- Mamoud ayoub, (A Redemptive suffering in Islam a study of the devotional Aspects of Ashura in Twelver shi, isme, mouton La hague paris ١٩٧٨ p ١٥٢-١٥٤. Yitzhak nakash An Attempt to Trace the origin of the Rituals of Ashoura) p. ١٦٣-١٦٤.

2- «المقتل» رواية الموت والقتل العنيفة، وموضوع البحث فيها هو قتل الحسين.


الصفحة 344
الشيعيّة إلى شوارع بغداد، وقد حصل طبعاً جدال ونزاع في ما بين الشيعة والسنّة(1).

وقد بدأت التمثيليّات الحاكية عن واقعة الطفّ بعد ذلك في القرن السادس على يد ملوك الصفويّة، وحسب ما يذكر في تاريخ وتقاليد ـ ايران ـ العامة أنّ شاه إسماعيل الصفوي كان أوّل من شجّع هذه الممارسات على نحو التمثيل، وذلك لتعزيز الشيعة الإماميّة في إيران، وكان الشاه عباس (المتوفى ١٦٢٩) يرغّب لها.

وسار القاجاريّون على هذا المنهج أيضاً، وقد أعدّوا بأنفسهم لهذه الممارسات والتمثيليّات وأسسّوا لها، ومن ذلك الحين خرجت عن كونها متفرّقة وغير مترابطة، وبدت على نحو مشهد تأريخي حقيقيّ يعرض على خشبة المسرح(2)، وكانت هذه التمثيليّات تعرض في إيران فقط.

وأمّا ما يتعلّق باللطم والضرب بالسلاسل، مع كونها مشهودة في تراث وثقافة الشرق الأوسط(3)، ولكنّها صارت ضمن ممارسات وأعمال عاشوراء

____________

1- yitzhak nakash (an attempt to trace the Origin of the rituals of Ashora), p ١٦٧-١٦٩.

2- Yitzhak naksh an attempt to trace the origin of the rituals of ashura p ١٦٩.

3- إنّ هذه الحضارة كانت مشهودة عند: «البعليّين»، «الأتراك»، «الأوساتين» وغيرهم ر.ك:
Jean Calmard, (Le Culte de I,Imam Husayn, Etude sur l comemo ration de Krabu a dons I,Iran pre-safavide), p.٤٢١.


الصفحة 345
بعد ذلك بكثير، وقد قام (YitZhak Nakash) إسحاق النقاش في تحقيق منطقي استنتج منه أنّ اللطم وضرب السلاسل ظهر بداية لدى الشيعة في شمال إيران، حيث كانت تلك المنطقة موضعاً للسياحة العثمانية، وقد شوهدت تلك المراسم في سنة ١٦٤٠ [للميلاد]، وكانت هذه التقاليد والممارسات دخلت إلى إيران من جانب القفقاز وآذربايجان، ثم تطوّرت خلال القرن التاسع عشر، حتّى وردت البقاع العربيّة(1).

وقد أثبت في تحقيقاته في التأريخ القديم أيضاً، أنّ هذه الفرضيّة كانت موجودة لدى شرق الأناظول والقفقاز، وقد اقتبسوها من إيطاليا [الرومان] (2).

ولسنا هنا بصدد البحث والتحقيق في تأريخ هذه الممارسات عند الشيعة الإماميّة، والاختلاف في هذه العادات والتقاليد المتفاوتة في إقامة إحياء ذكرى الإمام الحسين في مختلف البقاع، ولكن علينا أن ندقّق النظر في جبل عامل على الأقل؛ لما حصل فيها من تطوّرات في ممارساتها وتقاليدها في أواخر القرن الماضي، ونحتاج في هذا البحث إلى شيء من الرجوع التأريخي؛ لأنّ جبل عامل كانت في الحقيقة متأثرة عقائديّاً ودينياً بإيران والعراق، كما أنّها سياسيّاً تحت سلطة وحكومة ميناء لبنان، والجانب

____________

1- Yitzhak Nakash (An Attempt to Trace the origin of the Rituals of Ashoura) p ١٧٤-١٧٥

2- Yitzhak naksh an attempt to trace the origin of the rituals of ashura p ١٧٨-١٨٠.


الصفحة 346
الآخر من المياه [التركيّة]، وعليه فلابدّ أن نحقّق النظر في منهج الحكومة العثمانيّة وأسلوبها في إسطنبول.

في إيران:

أشار كثير من السوّاح الأجانب في كتاباتهم ومذكّرات سفرهم إلى إقامة الممارسات لإحياء ذكرى واقعة كربلاء في العشرة الأولى من محرّم في عصري الصفويّة والقاجاريّة، وتطرّقوا في مذكّراتهم إلى ذكر بعض التفاصيل الدقيقة لهذه الأعمال، التي من خلالها يتمّ إبراز الاحترام والتقدير للأئمة، وإظهار المودّة لأهل البيت، ومشاطرة الشيعة لأحزانهم وهمومهم [لما أصابهم من الظلم].

وبعبارة واحدة: إنّ جميع مظاهر الدين لدى عموم الشيعة يتمّ إبرازها بصراحة من خلال هذه الممارسات، وفي يوم عاشوراء تبلغ ثورة الحزن والفزع لدى أهل العزاء ذروتها، حيث تسيل الدماء من أبدانهم وهم يضربون بالسلاسل، وما سوى هذه الممارسات من ضرب السلاسل، وزيارة العتبات المقدّسة، وتمثيليّات الشبيه، فإنّه تقام مجالس العزاء حيث يقوم بعض الحضّار [بضرب القامات] مبرهنين بذلك توبتهم وعقوبتهم، [وإنّما يعاقبون أنفسهم لأجل مواساة شهداء كربلاء، وإبراز التألّم والتأسف على فوت الحضور في كربلاء يوم عاشوراء لنصرة الحسين. م.].


الصفحة 347
وهذه المشاهد ـ المعروفة بالعنف ـ بعينها قد كتب عنها كنت دو گوبينو Comte de Gobineau في سنة ١٨٦٦، حيث ذكر أنّه شاهد أشخاصاً يضربون بالسلاسل، ويغرسون في أجسامهم الإبر(1).

وكان ذلك بعد مرور أربعين سنة تقريباً مما حكاه Eugene Aubin اوژن اوبن(2)، راسماً صورةً أخرى من اللطم(3)إذ يقول: فكان التوّابون يدقّون صدورهم على التوالي [يلطمون]، أو يشقّون رؤسهم قبل اللطم [يتطبّرون]، ثمّ يضربون على الموضع المجروح كي يسيل منه الدم(4).

____________

1- (Les Religions et Ies philosophies dans I, Asie centrale) ٢e ed. Didier et cie librairie academique paris p.٣٧٧-٣٧٨.

2- (Le chisme et la nationalite persane) RMM/IV/٤٧٩-٤٨٠ (mars١٩٨٠).

3- [يظهر أن منشأ الاختلاف الموجود في ما بين تعابير هذين السائحين، لم يكن هو الفرق بين نوعيّة هذه الممارسات، بل سببه يعود إلى عدم اطلاعهما على مناهج هذه الممارسات وأهدافها، ولذا فقد نقل كلّ منهما ما فهمه، وفي بعض المراحل التي اختلفت فيها هذه الممارسات إنّما رأى كلّ منهما قسماً منها، أو رأى ما يتعلّق بمنطقة خاصّة أو طائفة معيّنة، فنقل ما رأى. م].

4- كتب اوژن اوبن مفصّلاً حول مجالس العزاء والتمثيليات المسرحيّة بحذافيرها وجزئياتها واُرفق بها صوراً تحكيها.
(La perse d aujourd hui, Iran, Mesopotamie)
Armand Colin, Paris, ١٩٠٨, p.١٦٨.


الصفحة 348
ثمّ تطوّرت مناهج العزاء العاشورائي في عهد الصفويّة، وزادت الكتب المشتملة على الرثاء، والتي تنقل وقائع استشهاد الحسين وسائر الشهداء في هذه الحادثة المؤلمة.

وكانت هذه الممارسات الشعبيّة تقام في المدن الكبرى برعاية حكّام وملوك وأمراء القاجاريّة، وكانوا يوجّهونها ويقودونها، بل وحتّى أنّهم كانوا ينظّرون لها، وكانت هذه سبباً كافياً في ارتقاء مكانتهم ونفوذ دولتهم(1).

وقد استمرت هذه الوضعيّة حتّى عهد ناصر الدين شاه (١٨٤٦ ـ ١٨٩٦)، وكان خليفته محمّد شاه يأخذ دور يزيد ـ الظالم والغاصب وخصم الإمام الحسين ـ في الشبيه، بينما كان هذا العمل قبل ذلك [تشبيه حكّام الجور بيزيد] منحصراً بسلاطين الدولة العثمانية(2) [حيث كان الإيرانيون والشيعة غير متعاطفين معهم؛ لأنّهم يعتقدون أنّهم ظلمة ومغتصبون م.].

وبعد انقضاء عهد سلطنة ناصر الدين شاه، صارت أساليب الإعلان لممارسات عاشوراء الحاكية عن تراجيديا حادثة كربلاء، تسلك جهة الخلاف والرفض للحكومة، حيث كان المخالفون للسلطة وغيرهم من طلّاب المشروطة يتّخذون من هذه الممارسات وسيلة للدعاية نحو

____________

1- Jean Calmard (Le mecenat des representations de ta ziye: I. les precurseurs de Naseroddin chah) p.١١٩.

2- Jean Calmard (L Iran sous Naseroddin chah et les derniers qadjar…) in Le monde iranien et I islam r,t. iv Droz paris ١٩٧٦-١٩٧٧.p.١٩٤. du meme (Le culte de I imam Husayn), p.١٩٢.


الصفحة 349
عقائدهم، ففي سنة ١٩٣٥ منع رضا شاه الپهلوي هذه الممارسات، ولكنّها لم تمحَ بشكل مطلق ولم تندثر، بل استعادت حياتها في القرى(1).

وفي عهد سلطنة أوّل ملوك القاجار آغا محمّد خان، حيث اتّسعت هذه الممارسات والمظاهر، أصدر مجتهد ذلك الزمان >الفاضل القميّ< (م١٦٠ ـ ١٩١٥) فتوى بالجواز(2).

وقد اشتهرت هذه الفتوى وطبعت عدّة مرات، وصارت مستنداً ووثيقة يُستدل بها على حليّة عمل الشبيه والتمثيل لواقعة عاشوراء، وكان هواة هذه الممارسات يعتمدون عليها سابقاً، وهي كذلك لحدّ الآن، ولكن مضمون هذه الفتوى الجوابيّة كان يدلّ على وجود مخالفين لها ومانعين عن شرعيّتها.

وبعد ذلك اجتهد علماء إيران ـ ولمرّة أخرى ـ في الخلاف في هذه الممارسات، وجواز هذه المسرحيّات [الشبيه والتعزية]، والضرب [بالسلاسل والقامات و...] فلم يرفضوها فحسب، وإنّما [حرّموا بعض الأمور]، وعلى الأقل رفضوا المشاركة في هذه الممارسات(3).

____________

1- Jean Calmard (Le mecenat des representations de ta ziye: I. Les precurseurs de Naseroddin chah) p.٧٧.

2- Mayel Baktash (Ta ziyeh an dits philosophy in), Ta ziyeh: Ritual and Drama in Iran, peter chelkowski, p.١٠٧-١٠٨.

3- Jean Calmard (Le mecenat des representations de ta ziye: I. Les precurseurs de Naseroddin chah) p.٩٣ et ١١٩ note n ١٥١ du meme, (muharram ceremonies and Diplomacy. Apreminary study) p.٢٢٢.


الصفحة 350
ولكن كما كتب گونينو Gonineau، في ذلك الوقت بأنّ مجالس العزاء كانت تقام بشجاعة وتهوّر، وقد اجتازت حدود التوبيخ والملامة، ومهما تحدّث الخطباء حول هذه الممارسات [واعتقدوا تحريمها]، إلاّ أنّها تقام في العشرة الأولى من محرّم بل على طيلة أيام السنة، وفي كلّ الأوقات تتكرّر تحت عنوان أعمال البرّ والإحسان(1).

وقد تطوّر مسرح [التعزية والشبيه] وبطرق متعدّدة، وخرج من الطور المتعارف في زمانه المختصّ به [عشرة محرّم الأولى]، ونشأت جماعات وهيئات خبيرة وأكثر تخصصّاً بهذه الأمور من غيرها، ولم يكتفِ هؤلاء بوقائع كربلاء خاصّة، بل تعدّوا إلى غيرها من موسوعات القصص والحكايات الدينيّة، كقصص الأئمّة وحكايات المقدّسين والمحسنين من العوام أيضاً(2).

أمّا ممارسات الضرب [بالسلاسل والقامات و...] فقد اجتاز مرحلة الشهرة، ولكنّها خفّت وضعفت حوالي سنة ١٩٣٠.

____________

1- Les Religions et les philosophies dans I Asei central), p.٣٦٧.

2- Enrico cerulli, (Le theatre person) p.٢٨٧. peter chelkowski, (Indigenous Avant - Grade Theatre of Iran), in Ta ziyah…, p.٨.


الصفحة 351
قال هنري ماسه Henri Masse إنّ هذه الممارسات، قبل أن يمنعها الشاه سنة ١٩٣٥، لم تكن معهودة في الملأ العام ومشهودة عند الناس، وإنّما كانت بصورة خفيّة، وكان أحد الحلاّقين يؤمر بجرح رأس المتطّوعين بالموسى [وتطبيرها] (1).

وقد كانت الممارسات التي تُقام في عاشوراء تستهدف ـ قبل كلّ شيء ـ جذب الشارع العام، وتحريك عواطفه وأحاسيسه نحو الرقّة والترحّم، وكانت السلطة تستفيد من ذلك لأجل إدخال الناس في لعبة الحكم وتجعل لهم دوراً في ذلك(2).

وعلى أيّ حال، لم يكن العلماء مؤسسين لهذه الممارسات ولا مديرين لها، وحتّى المآتم ومجالس العزاء لم تكن من صلاحيّات الطلبة، بل هي من وظائف الخطباء الذين يعبّر عنهم گوبينو [بالملالي وقرّاء التعزية]، وهؤلاء لم تعترف بهم المرجعيّة والقيادة الحوزويّة بشكل تام.

كما أنّ گوبينو يرى أنّ هؤلاء الملالي وقراء التعزية بمثابة >الكنائس الحّرة< أو >المبهمة وغير القانونيّة< وإن لم يُحقّر هؤلاء الخطباء على يد

____________

1- (Croyances et coutumes Persanes), t. I, Maisonneuve, paris, ١٩٣٩, p.١٢٩, note n١.

2- يعتقد Jean Calmard أنّ هذه النصوص التي تظهر على يد المثقّفين وتعرض على المسرح، لم تكن وسائل لبيان الواقعة ومظاهر للظلم والإجرام فحسب، وإنّما منصّةً ومنبراً سياسيّاً لضلعٍ من أضلاع حركة الإصلاحيين، أي أتباع المشروطة، حيث كانوا يستفيدون منها. ر.ك.
(Le mecenat des repesentations de taziye), p. ٧٧


الصفحة 352
العلماء، فهم على الأقلّ [ليس لهم مكانة علميّة] ولكنّ الناس كانت تحترمهم وتكرّمهم، وكانوا وسائل لتأمين أرزاقهم(1).

وكان دور هؤلاء القرّاء إثارة الناس في مجالس عزاء استشهاد الحسين، وتهييجها نحو البكاء بذكر مصائب الحسين، وأوّل مقتل قرئ على ألسنة الخطباء، هو مقتل ابن طاووس في بداية القرن [العشرين] (2)(3).

[ولا شكّ أنّ المؤلّف يقصد: >الروزخونيّة< في هذا الفصل، القرّاء المحترفين منهم، الذين كانوا ـ غالباً ـ أُميّين، ولم يكن لهم عمل سوى قراءة التعزية، ومع أنّهم كانوا يظهرون بزيّ الطلبة الروحانيين، ولكن ليس لهم حظ من العلم والمعرفة، ولذا كان العلماء يحتقرونهم.

ولم تكن هذه النعوت المذكورة لأصل >قراءة التعزية< وإنّما >للقرّاء< المحترفين والأميّين؛ لأنّ كثيراً من العلماء المعروفين والطلبة الفضلاء أيضاً كانوا يعقدون المجالس في مناسبات مختلفة، وتقرأ التعزية عندهم، بل كان بعضهم يتولّى قراءة التعزية بنفسه، وما كان مذموماً في أواسط العلماء هم القرّاء الأميّين الذين اتخذوا القراءة صنعة لهم، والذين كان غالبهم ينقل الخرافات والأكاذيب العارية تماماً من أهداف عاشوراء، والمجرّدة عن

____________

1- (Les Religions et les philosophies dans I Asie central), p.٣٧٤.

2- الكتاب المقصود «كتاب اللهوف»، ص٧٤: ٣

3- Eugene Aubin, (Le chisme et la nationalite Persane), p.٤٧٧.


الصفحة 353
الدروس المفيدة التي تنفع المخاطبين والمعزّين، بل (بالعكس) ما يلقونه مؤدّياً إلى ضعف الإسلام وتشويه سمعته م.].

في مدن العراق المقدّسة [العتبات المقدّسة]:

لقد كانت هذه الممارسات في المدن المقدّسة من العراق [العتبات المقدّسة] تقام بنحو آخر؛ لأنّ هذه البقاع كانت تحت سيطرة المتطرّفين من السنّة، وكانت تعرف ـ عادة ـ بتقاليد وعادات >الفرس<، وكانت لا تقام بصورة اختياريّة حتّى في المناطق التي لم تُشدّد فيها الحكومة رفضها ومنعها.

فظهرت هذه الممارسات ودخلت إلى مدينة الكاظمية في نهاية القرن الثامن عشر، ثمّ في النجف ـ بعد قرن من الزمن ـ حيث كانت تقام في فناء المساجد بمشهد من النخبة وكبار القوم ورؤساء القبائل، بل حتّى أمام رجال السلطة العثمانيين.

وكانت هذه المشاهد استنساخاً وتركيباً من المسرح الإيراني، الذي استكمل بعد ذلك، وليس هنالك مدوّنة أثبتت سند ذلك، ولا دافعت عنه وأيّدته(1).

وقد قدّم أحمد شاكر الآلوسي ـ الذي كان من العوائل السنّية المعروفة ـ تقريراً سنة ١٩٠٧، خاطب فيه الحكومة العثمانية، بادياً استياءه من الشيعة،

____________

1- Yitzhak Nakash (The shi is of Iraq) p.١٤٦. du meme, (An Attempt to Trace the Origin of the Rituals of Ashoura), p.١٧٣.


الصفحة 354
ومؤكّداً على ضرورة منعهم عن هذه الممارسات؛ لأنّها سبب لإثارة الناس(1).

وقد تطوّرت ممارسات قراءة التعزية في أواسط القرن التاسع عشر، حيث كان الحاكم البكتاشي(2) المدعو بـ >علي الرضا< يسعى في سبيل وصوله إلى السلطة في بغداد سنة ١٨٣١، وكان هذا الحاكم يشترك في إحدى التعازي، ثم يعلن تأييده لهذه المجالس التي تقام في مدن العراق الأخرى.

وبعد ذلك مُنعت بعض مضامين هذه المجالس على يد الحكّام العثمانيين، حتّى أدّى ذلك إلى إقامتها داخل المنازل والسراديب بشكل خفيّ، ويحتمل قويّاً أنّ الملتزمين الأوفياء بهذه الممارسات كانوا يلطمون في هذه المجالس، ثمّ ظهرت هذه الممارسات في بداية القرن التاسع عشر

____________

1- هناك نقطة لابدّ من الإشارة إليها، وهي: أنّ أحمد شاكر الآلوسي (١٨٤٨ ـ ١٩١١/ ١٩١٢) كان قاضياً في البصرة، وهو أحد أقارب محسن الشكري المعروف.

2- الفرقة «البكتاشيّة» التي تدعى «القزلباش» أيضاً، كانت تقيم العزاء الحسيني ومصحوباً بالصيام» ر. ك: Metin And. (The Muharram observance sin Anatolian tuekey) ولما توّلى العثمانيون السلطة سنة ١٨٣١، وبعد إسقاط «الملكيّة» الحاكمة، حيث تسلّموا زمام أمور العراق كانوا يتسامحون مع ممارسات الشيعة هذه أكثر مما سبق. ر. ك إسحاق النقاش «الشيعة في العراق» ص٤١.


الصفحة 355
في نفس العتبات(1)، ثمّ أقيمت ممارسات ضرب السلاسل على يد الأتراك القفقازيين والآذربايجانيّة [تقصد بلد آذربايجان] القادمين لزيارة العتبات المقدّسة في النجف وكربلاء(2).

وفي بداية القرن [العشرين] كانت تتحشّد الجموع الغفيرة لتقوم بممارسات عاشوراء في المدن المقدّسة، التي كانت مواضع يرجّح فيها اجتماع شيعة العراق لإقامة العزاء لاستشهاد الحسين، وكان كثير من الزوّار ـ الذين يأتون من مختلف البلدان قاصدين قبر الحسين وغيره من شهداء كربلاء كالعباس(3) وقبور الأئمة ـ يشاركون بشكل فعّال في هذه الممارسات.

____________

1- قال «ورنراند» Werver Ende: إنّ المصادر الشيعيّة ذكرت بأنّ باقر بن أسد الله الدزفولي (المتوفى ١٨٣٨ ـ ١٨٣٩) كان أوّل من أدخل هذه الممارسات إلى داخل العتبات.
(The Flagellations of Muharram and the Shiite ulema), Der Islam ٥٥/١ (mars ١٩٧٨), p.٢٨.

2- Yitazhak Nakash, (An Attempt to Trace the Origin of the Rituals of Ashoura), p.١٧٦-١٧٧.

3- العباس هو أخ الحسين من أبيه، وهو آخر من استشهد في واقعة كربلاء، واستشهد قبل الحسين، وتقام الممارسات لإحياء ذكراه ليلة [تاسوعا] أي ليلة التاسع من محرم وقبل إقامة عزاء الحسين بليلة. وكان يتصف بجميع الصفات الإيجابيّة عند أعراب البادية والمحاربين، وقد أشار إسحاق النّقاش في صفحة ١٤٤، وفي كتاب «شيعة العراق»: أنّ للعباس قدسيّة ومحبوبيّة شديدة عند شيعة العراق.


الصفحة 356
يضيف >كاظم الدجيلي< في مجلّة >لغة العرب< سنة ١٩١٣: إنّ من أهم الممارسات التي تطوّرت في العزاء هي اللطم [وضرب السلاسل والتطبير وو....]، وقد فصّل جزئيات هذه الممارسات والشعائر التي تقام في ذكرى عاشوراء وكربلاء بدقّة، وخصوصاً [التطبير] الذي يريق فيه التوّابون دماءهم للحسين(1)، وذلك بعد حلاقة رؤوسهم وارتداء ثوباً أبيض بعنوان الكفن، يشقّون رؤوسهم [بالموسى والقامة]، ثمّ يخرجون بمسيرة طويلة يضربون فيها على موضع الشق من رؤوسهم على طيلة المسافة.

وفي أجواء مفعمة بالعواطف والأحاسيس المنفعلة بشدّة، وبرؤوس ووجوه مخضّبة بالدماء، وقد أرهقهم وأسكرهم عمق الأسى وفرط التعب واللطم، وازدحام الناس الذين يتدافعون لرؤياهم ويأتون صوبهم، وهم في ذلك الحال يستمرون في ما يمارسونه.

وحسب ما ذكر هذا المؤلّف: إنّ عوام الناس والبسطاء يعتقدون بأنّ من تزهق نفسه ويموت على أثر [التطبير]؛ (لأنّ بعض أهل العزاء يفقد حياته أحياناً جراء هذا العمل ويموت لعشقه للحسين)، يعدّ من الشهداء، وتحسب له ولأسرته وجميع أهل بلدته (حسنة)، ولكن الآخرين يعتقدون أنّه فقد حياته جزافاً وبلا مقابل(2).

____________

1- «عاشوراء في النجف الأشرف»، «لغة العرب» ج٢ ص٢٨٦ ـ ٢٩٥.

2- المصدر نفسه: ص ٢٩٢.


الصفحة 357
إنّ أوّل مجلس عزاء أقيم داخل الحرم الحسينيّ، وكذلك في حرم العباس، وكان المعزّون والتوّابون إلى أوائل القرن [العشرين] يدخلون الحرم، مشرّعين سيوفهم ويطغاناتهم(1) وهم يضربون بها، ويكرّرون الضرب على موضع الجرح من رؤوسهم.

وبعد ذلك تدخّلت الدولة كي تمنع هؤلاء من رفع السلاح؛ وذلك لاتقاء الخسائر والأتلاف الناجمة عن ذلك، لأنّ الممارسات التي تظهر في الشوارع تتحوّل إلى نزاعات، ولذا أرادوا أن يقفوا أمام خسائر أكثر؛ [لأنّ المواكب والجماعات المختلفة حينما تخرج وهي مسلّحة بالسيوف والقامات يحدث الشجار والنزاع بينها وقد تنجم عن هذه الخلافات والنزاعات خسائر من الجانبين م.].

وهكذا كانت مواكب التوابين خارج المدينة لأوّل وهلة تجتمع في موضع يسمّى بـ (المعسكر)، وذلك اقتداءً بمعسكر الحسين، فيجرحون أبدانهم باليطغانات، وقبل أن يدخلوا المدينة، يأتي رجال من قبل الحكومات العثمانية والإيرانية والإنجليزية والروسيّة، فينتزعونهم السلاح طوعاً أو كرهاً، ثمّ يعطونهم سعف النخيل، كي يقضي هؤلاء بقيّة يومهم وينشغلون بجرح رؤوسهم بها [لأنّه شبيهة بالرمح والقامة] (2).

____________

1- [سلاح أبيض أصغر من السيف وأكبر من الخنجر، محدّد من طرف واحد لا من طرفين. ح].

2- المصدر نفسه: ص ٢٨٨.


الصفحة 358
وكانت أوّل مجالس العزاء ـ مع ما فيها من المشاهد التراجيديّة ـ تقام في حرم الحسين، وكان الخيّالة يلعبون دور الإمام وأصحابه وأعدائه، وأمامهم ما يتراوح بين عشرين إلى خمسَة وعشرين ألفاً من المشاهدين الحضّار في فناء الحرم، أو على سطوح المنازل المجاورة، ثمّ تستمر التمثيليّة في (المخيّم) الحسينيّ، وهو الموضع الذي يقع فيه تمثيل الهجوم عليه وسلبه، وأسر أهل البيت وأسرة الحسين ونسائه(1). ثمّ ينطلق الموكب الثاني ـ بعد التمثيلية ـ من خارج المدينة إلى داخلها حتّى يرد فناء الحرم، ثمّ ينتهي.

ويصّرح كاظم الدجيلي بأنّ ما يقارب من خمسين ألف شخص يشهدون اللطم و[التطبير] الذي يقوم به التوّابون(2)، وقد كتب وشاهد هو وغيره من المؤلّفين أنّ جماعة [المتطبّرين] ليسوا من العرب(3).

وعليه فقد كانت تُشاهد ممارسات عاشوراء في المدن العراقيّة الكبرى، وذلك في أواخر الحكومة العثمانيّة، ثمّ استمرت بعد سقوط الإمبراطوريّة، وتطوّرت في الواقع في سنة ١٨٩٠، في وقت كان العثمانيون قد قلقوا من انتشار التشيّع وتطوّره في العراق، ودخول القبائل والعشائر فيه، وازدياد المجتهدين.

____________

1- المصدر نفسه: ص ٢٨٨ ـ ٢٩٠.

2- المصدر نفسه: ص ٢٩٠.

3- إسحاق النقاش «الشيعة في العراق»: ص ١٤٩.


الصفحة 359
وكانت مراسم عاشوراء حينئذٍ تتطوّر وتتسع بشدّة، فلم تستطع أو لم ترغب الحكومات أن تقف بوجهها، فلم يمنعوها، وصارت سياستهم المتناقضة ـ هذه ـ سبباً لظهور هذه الممارسات وبروزها في المدن المقدّسة [العتبات]، وهذه المظاهرات والممارسات دلائل واضحة وجليّة على تفوّق الشيعة في العراق.

في اسطنبول:

كان الإيرانيون المقيمون في اسطنبول سنة ١٨٦٠ تقريباً يقيمون ممارسات محرّم في منازلهم خفيةً، ولو قُبض عليهم أثناء إقامة العزاء فإنّهم يُغرّمون ويُعاقبون لذلك، وقد تسبّب ورود >نعمة اللهي< ـ أحد أعضاء الحكومة آنذاك، المسمّى >رضا القولي<، المشهور بـ >ميرزا صفا< (١٨٠٧ ـ ١٨٧٤) ـ لاسطنبول تغيير معاملة الحكومة معهم.

وكان هذا الشخص ـ في الحقيقة ـ ممّن استبصر الكثير على يديه، واعتنقوا مذهب التشيّع، واُنشئت على يديه شبكة من الارتباطات والعلاقات، خصوصاً في التأسيس العثماني؛ لأنّه كان أحد أعضائه. وكان لنفوذه الفضل في رفع الأذى الذي كان يعاني منه الشيعة على يد العثمانيين بشكل كامل، أو تقليله شيئاً ما.

وقد أصدر شيخ الإسلام مرسوماً يُجيز بإبعاد وطرد كلّ من يتّهم الشيعة ويفتري عليهم ويطعنهم في خطابه، من حوزة الإمبراطورية العثمانية، مضافاً


الصفحة 360
إلى أنّ الحكّام العثمانيين رخّصوا الشيعة وأجازوهم في إقامة ممارسات العزاء في محرم بشكل علني(1).

وقد تحسّنت أوضاع الشيعة في اسطنبول أواخر القرن التاسع عشر، وبلغ عددهم أربعة آلاف نسمة(2)، وصارت أفضل في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وفي الحقيقة فقد تغيّرت سياسة العثمانيين مع شيعة العراق واختلفت على ما كانت عليه، حتّى بلغت حدّ التناقض وعدم التوازن مع الشيعة المقيمين في اسطنبول، ضمن حسابات وعوامل مختلفة، وكانت السياسة متحّدة معهما بشكل واضح وجليّ، واتبع هؤلاء سياسة الصلح مع [جماعة الشيعة المقيمين في اسطنبول] فيما يتعلّق بهذا المجال، أي إقامة الشعائر، وأرادوا بذلك عرضاً وتصويراً (للإسلام الموحَّد) (پان اسلاميسم)(3) والإمبراطوريّة [العثمانيّة].

____________

1- Thierry Zarcone, (La situation du chi isme a Istanbul au xixe siecle et au debut du xxe siecle in les iraniens d lstanbul ed Thierry zarcone et f.zarinebaf-shahr IFEA/IFRI, Istanbul-Teheran ١٩٩٣, p.١٠٣-١٠٥.

2- Thierry Zarcone, (La. Communaute iranienne d Istanbul a la fin du XIXe et au debue du XXe siècle), in La shi a nell Impero ottoman, p.٥.

3- [هذا المصطلح كان لحركة ظهرت في القرن التاسع عشر، وهي عقيدة سياسيّة مبتنية على وحدة المماليك الإسلاميّة، وكان الشعار فيها: وحدة تحت راية الخلفاء الأتراك العثمانيين ج].


الصفحة 361
الصفحة السابقةالصفحة التالية