المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 361 - ص 390) وكانت >وليدخان< ـ المنطقة التي يقيم فيها القسم الأعظم من المجتمع الشيعي والمائلون لهم ـ تشهد، بل يشرف أهلها على الممارسات العاشورائيّة التي تقام بطريقة الفرس، فكانوا يُقيمون المآتم والتمثيليّات الحاكية عن الأحداث التراجيدية لوقائع كربلاء، ويخرجون المواكب العامّة فقط لإحياء ذكرى عاشوراء، وكان الإيرانيون المقيمون في اسطنبول يخرجون من مناطقهم على شكل مواكب وجماعات، ثمّ يجتمعون في منطقة (اوسكودار)، وقد بنوا فيها مسجداً لهم بذيل مقبرتهم، وكان ثاني مسجد في المدينة(1).

ويمكن الحصول على شرح المشاهد في ممارسات عاشوراء ـ مرّة أخرى أيضاً ـ بفضل ما دوّنه السيّاح والدوبلماسيون، الذين دُعوا للحضور في هذه الممارسات، فقد ذكروا هذه المشاهد وشرحوها بتفاصيلها وحذافيرها، وبالخصوص ما كان جديراً بالملاحظة في هذه >التمثيليّات<، أي ممارسات اللطم [وضرب السلاسل وشجّ القامات] و...، فقد أكّدوا عليه ووصفوه بالدقة، فإنّ التوابين فيه يضربون أجسادهم بالسلاسل ويشجّون رؤوسهم [بشفرة القامات] بعد أن حلقوها حتّى تسيل دماؤهم.

____________

1- Thierry Zarcone, (Une regard sur Ies Iieux de culte chi ites a Istanbul (fin d Epire ottoman-epoque contemporaine) Latter d information de l Observatoire urbbain d Istanbul, ٢(juin ١٩٩٢), p.٢٣٩-٢٤٢.


الصفحة 362
وتحكي الرواية التي تصف هذه المشاهد ـ ما يرتبط منها بتاريخ ١٨٨٦ ـ وتبيّن تفاصيل هذه القضية وأبعادها بهذا النحو: >لقد أصيب في هذه السنة ستمائة شخص من بين ألفين قد شاركوا [في التطبير]، وتحمّلوا جراحاً شديدة وفق ما قرّره الشهود<(1).

وهكذا استطاع الشيعة أن يقيموا شعائرهم ويحيوها في الملأ العام، وبمشاركة العموم في اسطنبول، حيث مركز الإمبراطوريّة العثمانيّة وقلبها.

وعليه فلا عجب أن تقام هذه الممارسات الدينيّة في مجتمع جبل عامل الصغير، وتنتشر شيئاً فشيئاً، وتستعار ممّن جاوروهم لمدّة طويلة، وصاروا يقلّدونه في هذه القضايا.

[كما بيّن الكاتب في سطور قد ذُكرت، أنّ سياسة الدولة العثمانية، المتمثلة برفض هذه الممارسات ومنعها، أو بالترخيص فيها وقبولها، إنّما هو أمر مرتبط بمنافعها الحاليّة تماماً، فلو أنّهم كانوا يرون في هذه الممارسات ما يوجب علوّ التشيّع والحوزة ورفعتهما، لسعوا إلى منعها والوقوف بوجهها. وبالعكس كذلك، إذا كانت هذه الممارسات تؤدّي إلى تضعيف الشيعة وتصادمهم مع أهل السنّة، صاروا يجيزونها ويسمحون لها.

ولو كانت هذه الممارسات تحتاج ـ في بعض الأحيان ـ إلى تأييد من الروحانيين والمجتمع الشيعي، كانوا يرفعون الحظر نوعاً مّا، ويعطونهم شيئاً

____________

1- Metin And (The Muharram observances in Anatolian Turkey), p.٢٣٩-٢٤٢.


الصفحة 363
من الحريّة (كما حصل لهذه الممارسات في العراق). وأحياناً كانت هذه الحريّة النسبيّة لإظهار التسامح والتساهل، واستعراض التساهل الديني للنفوذ العثماني الحاكم، (كما كان في أوضاع هذه الممارسات في اسطنبول).

ونحن نلحظ هذا التصرّف المتناقض ـ بعض الشيء ـ في سائر الدول الإسلاميّة، ومثاله إيران في العهد الصفوي، فهي من جهة كانت تسعى لتقوية الحكومة الشيعيّة والتجاهر بشعائرها الخاصّة (كشعيرة عاشوراء مثلاً)، وذلك مقابل الطابع السني العثماني، فقامت بالترويج لهذه الممارسات. ومن جهة أخرى (كما يذكر المؤلّف في بداية هذا المقال) كانت تعمل للتقليل من أهميّة ومكانة الروحانيين، وتدعم التصوّف؛ كي يطغى إسلام التصوّف على إسلام الفقه ويظهر عليه.

وكذلك في العهد الپهلوي، حيث كان التصّرف مع المظاهر الإسلاميّة متفاوتاً ومتناقضاً: من حضور الشاه في مجالس العزاء والمواكب، والمطالبة بالإسلام واللجوء إليه، ودعوة رؤيا الأئمّة (عليهم السلام) في عالم الرؤيا، إلى إلغاء ومنع بعض الشعائر الدينيّة والمذهبيّة.

ومن خلال هذه الرؤية نفهم أنّ لكلّ التصّرفات المتناقضة أهدافاً خاصة لهذه الحكومة وأسباباً تحكم تلك البرهة الزمنيّة التي تقع فيها، حتّى كانت هذه الممارسات بصورة عامة تبدو أنّها من أصل الدين والمذهب وصميمه.


الصفحة 364
وخلاصة الكلام في هذا الباب: أنّ هذه الشعائر أدوات وآلات لهذا المذهب، وهي سبب في حدوث التشعبات وتعدّد المواقف، وإيجاد الاختلاف في التعامل مع هذه الشعائر.

ولذا ينبغي على الباحث في التأريخ أن يقف على رؤية الحكومات ونظرتها إلى الشعائر الدينيّة والثقافية آنذاك، ويأخذ بنظر الاعتبار جميع الشرائط المحيطة، والأوضاع الحاكمة، والمنافع الملحوظة في ذلك المقطع التاريخي، سواء الطويل منه أم القصير، ويقيس بعضها إلى بعض، وإلاّ سوف نشهد تناقضاً عمليّاً يؤدّي إلى تعقيد الحوادث التاريخيّة وحتّى إلى عدم التمكن من تركيبها واستخراج النتيجة منها. م].


الصفحة 365

الفصل الثاني انطلاقاً من التغيير والإصلاح لموسى شرارة حتّى دخول ممارسات الفرس [طرق العزاء لدى الإيرانيين المقيمين في جبل عامل]

إنّ أوّل مدوّنة وسند مكتوب ـ حول ما يرتبط بإحياء ذكرى محرّم في جبل عامل ـ عثرنا عليه، ما كتبه جان وربات John Worabat في سنة ١٨٦٠، وقد تحدّت على نحو الاختصار وفي سطور قليلة عن كيفيّة هذه الممارسات قائلاً:

>كانت المتوالية ـ وهي: [فرقة من شيعة لبنان وسوريا] ـ تُقيم العزاء في عشرة محرّم الأولى، وتُعلن الحداد في ذكرى رحلة [استشهاد] الحسين، فهم يسردون في هذه الأيام [العشرة الأولى من محرّم] الحوادث التأريخيّة المطوّلة والعاطفية، ويتركون أعمالهم وكسبهم في هذه الأيام التي يسمّونها بالعشرة<(1).

____________

1- John M.D. Wortabet, (Researches into the Religions of syri)a, p.٢٧٢.


الصفحة 366
وتُعدّ هذه الممارسات التي تقام في هذه الأيام، دالةً على مجالس العزاء والمآتم التي لم تدوّن تأريخيّاً، وكانت مخفيّةً وسريّة.

والحكايات القديمة تروي لنا: أنّ العامليين كانوا يُقيمون المجالس بشكل خفي في منازلهم؛ كي يكونوا في أمانٍ من أعين العثمانيين الذين منعوها، فكانت القوّات الأمنيّة لديهم تتجوّل في الأزقّة والشوارع كي يمنعوا أدنى شيء من هذه الممارسات، وكانت الشيعة ترسل أبناءها إلى الأزقّة كي يحرسوا ويخبروا الكبار بوجود القوات الأمنيّة، وكانت هذه القوات تدخل إلى المآتم فلا ترى إلاّ انشغال الحضور بشرب الشاي وتلاوة القرآن، ولم يروا أثراً للمآتم ومجالس محرّم(1).

ومن حسن الحظّ أنّنا اعتمدنا في استقرائنا هذا، فيما يتعلّق بهذه الممارسات والمذكّرات، التي تحدّث فيها محسن الأمين عن أيام طفولته، ومنها الخواطر المرتبطة بسنة ١٨٧٠، فإنّه قد وصف هذه المشاهد وسطّرها حيث كانت الشيعة طيلة ليالي العشرة الأولى من محرّم تنشغل بقراءة نسخة خطيّة لكتاب ضخم يسمّى >المجالس<، الذي هو من تأليفات شخص بحريني الأصل، وكان هذا الكتاب يشتمل على عشرة فصول مطوّلة، وكلّ فصل يحتوي على مجلس.

____________

1- هذا ما حصلنا عليه من خلال التقارير والبحوث الجامعيّة المرتبطة بممارسات ذكرى عاشوراء في جبل عامل، وقد حصلتُ على نسخة من هذه التقارير بواسطة حسن الأمين.


الصفحة 367
ويصرّح محسن الأمين أنّ هذا الكتاب مشتمل على جعليّات ومحرّفات عظيمة، وروايات وقصص تاريخيّة غير صحيحة، وحكايات وأساطير مكذوبة، ولكن ـ مع ذلك ـ كان أهل جبل عامل يعتنون بهذا الكتاب ويهتمون به كثيراً.

يقول محسن الأمين: >إنّ وجود هذا الكتاب يُعدّ سبباً للتفاخر والتباهي<.

إنّ المجالس التي تتمّ فيها قراءة هذا الكتاب ليست رسميّة وتشريفاتيّة، وإنّما تقام في داخل المقاهي [حينما تقام هذه المجالس] ويستعمل فيها الحضور مواد التدخين ويتحدّثون فيما بينهم، مضافاً إلى أنّ هذه المجالس ليست منظمة ومبرمجة.

ثمّ تختلف هذه الممارسات في اليوم العاشر، اليوم الذي استشهد فيه الحسين، فيقرأ أهل العزاء مقتل أبي مخنف (م٧٧٤)، وهو أحد المؤرّخين المسلمين(1)، ثمّ يقرأون زيارة الحرم الحسيني.

وفي الحقيقة إن لم يتمكنوا أن يزوروا الحسين ـ في عاشوراء ـ من قرب، فإنّهم يزورونه في حرم آخر بدون أن يسافروا للزيارة، ثمّ تصنع

____________

1- كانت بعض القرى التي لا تجد نسخة من كتاب «المجالس» تقرأ مقتل «أبي مخنف» وتكتفي به.


الصفحة 368
الشيعة طعاماً مخصوصاً يعدّ ليوم عاشوراء، وهو خليط من اللحم والحنطة، يسمّى >الهريسة<، فيُرسل إلى هذه المجالس ويوزّع على المحتاجين(1).

ولمّا ورد موسى شرارة [جبل عامل] سنة ١٨٨٠، أحدث تغييرات كثيرة لهذه الممارسات، وكما يرى محسن الأمين: >أنّها كانت نقطة انطلاق نحو إصلاح وترتيب مجالس العزاء< وكان إصلاحاً واقعيّاً؛ لأنّ موسى شرارة، نظراً إلى ما شاهده في مجالس أهل العراق، برمَجَ للمجالس التي تقام في جبل عامل، وأعطاها رؤية مختلفة ونظّمها، فلننظر إلى كيفيّة الإصلاحات التي قام بها:

فقام أوّلاً بتغيير الكتب التي يُستفاد منها في هذه المجالس، فأبدل كتاب >المجالس< بكتاب آخر كان قد أتى به من العراق، وهو عبارة عن مجموعة من المتون الروائيّة التي أعطاها أيّاه أحد رواة [وقرّاء التعزية]، وقد وزعت نسخ عديدة لهذا الكتاب في جبل عامل.

وكان هذا الكتاب ــ طبعاً كما يذكر محسن الأمين أيضاً ــ مشتملاً على أكاذيب وتحريفات متعدّدة، ولكنّه أفضل من الكتاب السابق، وقد دوّنت فيه المجالس بشكل أكثر ترتيباً ونظماً، والبديل الذي جعله موسى شرارة >لمقتل أبي مخنف< هو >مقتل ابن طاووس<، وكان منسجماً مع العادات

____________

1- محسن الأمين، «المذكّرات»: ص ٧٤٠.


الصفحة 369
والتقاليد المعروفة لدى شيعة العراق وإيران، كما أنّ أتباعه اقتدوا بهذه التغييرات.

وفي مرحلة أخرى نظّم موسى شرارة فقط مجالس العشرة الأولى من محرّم، حتّى ترتّبت وانسجمت مع بعضها، بل قام بترتيب المجالس ـ على هذه الكيفيّة ـ على طيلة أيام السنة، وكان يعدّ مجالس أسبوعيّة في منزله، أحدها ليالي الجُمَع، ومجلسين في صبح الجمعة وعصرها، وكان أحد الروحانيين يخطب في هذه المجالس، ثمّ ينشغل مع مخاطبيه بالبحث والتدريس، وأخيراً يقرأ مقاطع من نهج البلاغة.

مضافاً إلى ذلك كان يقيم مجالس لإحياء ذكرى الأموات تُسمى >مجالس الفاتحة< على أرواح الماضين من العلماء والشخصيات، فيتم الترحّم عليهم فيها، ويقرأ الروحاني فيها مقاطع أدبيّة لرثاء هؤلاء، ثمّ اقتدى به سائر العلماء والأدباء، وكانوا يقيمون هذه المجالس في جبل عامل حتّى عدّت من الأمور المتعارفة والمعتاد عليها عندهم.

ومضافاً إلى هذا كان يمنع حضور النساء عند تشييع الجنائز، وأن يمشين خلف الأموات، وقد جرت هذه العادة في مدينته >بنت جبيل<، فكانوا يطعمون الطعام ـ بعد رحيل موتاهم ـ ثلاثة أيام بنيّة الخيرات، وإطعام الطعام لكسب الأجر على أرواح الموتى(1).

____________

1- محسن الأمين «في مذكراته»: ص ٧٢ ـ ٧٥.


الصفحة 370
وهكذا فقد برمج موسى شرارة مجالس العزاء من جهة، وأضاف لها حيويّة، و(أحياها) كما يعبّر محسن الأمين، وكان في هذه المجالس تعرض وقائع حرب عاشوراء وشهادة الحسين بواسطة أحد الوعّاظ، ثمّ يقصّ على الحضور ما جرى في ذلك اليوم، ويقرأ الندبة حتّى تسيل الدموع حزناً لهذه الحوادث المرتبطة بأهل البيت.

ومن جهة أخرى قام بأمرين هما: تطوير وتوسعة هذه الممارسات المرتبطة بإحياء ذكرى شهداء كربلاء.

أمّا تطوير هذه المجالس والممارسات، فقد شملت سائر الأموات.

وأمّا توسعتها، فصارت غير خاصّة بعشرة محرّم الأولى، وإنّما رتّب مجالس أسبوعيّة تُسمّى >التعزية < (مجالس العزاء).

وكلّ ذلك كان سبباً في تقوية الشعور الديني لدى أفراد المجتمع، وباعثاً نحو الثقافة الراقية التي تكون في متناول الكلّ.

وقد حفظ ـ أي شرارة ـ هذه الروحيّة لإحياء عاشوراء طوال السنة، مضافاً إلى توزيع الطعام بنحو منظّم وإنفاق الخيرات التي كانت سبباً لقوّة الاتحاد والتعاون.

وكانت هذه الإصلاحات مصحوبة بالعوامل والآداب الأجنبيّة، ولم ترفض من قِبَل أحد بحجّة أنّها >بدعة< وحداثة، بل أُمضيت لكونها >بدعة حسنة< (حداثة مقبولة). وكانت هذه الأمور تشاع من قبل أحد المجتهدين


الصفحة 371
المعروفين بالعلم والتقوى، ولكن هذه الرؤية [البدعة الحسنة] لم تلحظ التغيّرات التي حصلت لممارسات عاشوراء ووردت عليها بعد ذلك.

>توافق من العادات< في النبطيّة(1):

اتسعت مجالس العزاء التي تأسّست بإشراف موسى شرارة، وأضيفت لها التمثيليّات والمسيرات والمواكب والهيئات وفق طريقة الإيرانيين، وكان الإيرانيون القاطنون في جبل عامل قبل مدّة من نشوء هذه الفعّاليات يُشرفون على هذه الإضافات على التعزية.

وفي القرن التاسع عشر استقرّ الإيرانيون ـ وبالأخص التجّار ـ في هذه البقاع، وقلّما كانوا يختلطون مع العموم وينجذبون إليهم. ولم تكن هذه الهجرة واسعة ومهمّة، وإنّما كانت فرديّة لبعض الأشخاص من أُسر متفرقة(2).

____________

1- استعير هذا الاصطلاح من كلام سليمان نجاح، إذ استفاد من هذا الاصطلاح في رسالة الدكتوراه، حيث كانت تحت عنوان «إحياء ذكرى عاشوراء في نبطيّة لبنان»، في جامعة اكس ان پروانس سنة ١٩٧٤ ـ المجلد الأوّل: ص ٣٩.

2- نرى بين الأسر المقيمة في جبل عامل مَن انحدر من أصول إيرانية، نذكر اثنين منها، تدلّ أسماؤها على الجذر والأصل الذي كانت منه، وهي: «الإيراني» و«العجمي» راجع مقالة عباس بيدون للتعرّف على تاريخ أسرة الإيراني، وفيما يتعلّق بأنيس الإيراني راجع (أنيس الإيراني: حكاية رجل من غير الموالين) النهار، ٤/ ٩/ ١٩٩٣ ص٤.
وحول أسرة «العجمي» راجع ما ذكره فؤاد العجمي في صفحة ١١ من كتابه حيث قال: «إنّ جدّ جدَّي أتى من «ايران إلى لبنان في أواسط القرن التاسع عشر» ر. ك.
The Vanished Imam musa al – Sadr and the shia of Lebanon , cornell university press, londre, ١٩٨٦.


الصفحة 372
وكان بين هؤلاء شخص يُدعى (الميرزا)، حيث كان مشغولاً بالطبّ الشعبي، ومحسوباً على أهل العلم في النبطيّة، وكان يجالس ويعاشر >أحمد رضا< و>سليمان ظاهر<، وكان ولده >بهيج< أوّل شخص درس علم الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، وقد لعب الابن والأب دوراً فعّالاً وملحوظاً في وصل هذه الثقافة الإيرانيّة في كلا المرحلتين(1).

وشرح محسن الأمين المرحلة الأولى من هذا الوصل، الذي كان بعد عودة >حسن يوسف مكّي< من العراق، يعني في حدود سنة ١٨٩٥ وكانت ممارسات عاشوراء لدى الإيرانيين (ونحن على اطمئنان كامل بأنّ الميرزا المعروف والمذكور سابقاً كان منهم)، بمشهد منه [أي من حسن يوسف مكّي] حيث كانت تقام بطريقة الإيرانيين، وكان بالخصوص يشهد مجالس التعزية والمسرح التراجيدي.

____________

1- ولكن اللقاء الذي كان بين المؤلّفة وحسن الأمين في تاريخ ١٣/ ٩/ ١٩٩٣ في بيروت يمكن أن يثبت خلاف ما شوهد في بعض التحقيقات والمطالعات الجامعية في هذا الباب، فإنّ أصل هذه الممارسات ومبدأ تاريخ اقتباسها والعمل بها سنة ١٩١٨ ليس «بهيج» الابن، وإنّما كان أصلها أباه، الذي قام بهذه الممارسات في نهاية القرن التاسع عشر.
ولم يكن الاعتماد ـ في هذا المطلب ـ إلاّ على مصادر شفهيّة ووثائق متفاوتة ومتناقضة في بعض الأحيان، والأحرى أن يكون الاعتماد في هذه الأمور على مصادر مدوّنة ومكتوبة كي يستند إليها.
وقد لاحظنا في المصادر التي كانت تنتقد من قِبَلنا، أنّ تاريخ هذه الممارسات يعود غالباً إلى النبطيّة، وقد وقع ذلك اشتباهاً من المحققين وخطأً اعترى مسيرهم البحثي.


الصفحة 373
وكان >حسن يوسف مكّي< يرى أنّ بعض هذه الممارسات مخالفة للقانون، ومنع من تكرارها بمساعدة >القائم مقام< [ممثّل الحاكم] في صيدا. ولكن الإيرانيين كانوا يتوسّلون بـ >حاكم بيروت< كي يأمر >القائم مقام< بإعطائهم الرخصة والسماح لهم بأن يقوموا بهذه الممارسات بأساليب قد اعتادوا عليها بينهم، يعني: يقيمون التعزية واللطم [وضرب السلاسل وشجّ الرؤوس بالقامات و...]؛ لأنّها ممّا تعارف عليها عندهم.

وهكذا فقد أدخل الإيرانيون هذه الممارسات إلى النبطيّة، ثمّ تبعهم

ـ في ذلك ـ أهل جبل عامل، ثمّ اتسعت وَزيدَ عليها حتّى جذبت الكثير من المشاهدين من القرى المجاورة، حيث كان أهلها يأتون للمشاهدة.

واستنتج محسن الأمين فيما كتبه بأنّ ما يسمّى عند الناس بـ >المواكب الحسينيّة< وممارسات عاشوراء، يضاهي حلقات الذكر لدى الصوفيّة(1)، وهذا يعني أنّه لم يؤيّد شيئاً من هذه الممارسات.

وقد استقرّ هذا الاقتباس والوصل لهذه الممارسات في النبطيّة ـ الموضع الذي كانت تقام به الممارسات هذه بالطريقة الإيرانيّة واللغة الفارسيّة القديمة ـ بعد رحيل >حسن يوسف مكّي< سنة ١٩٠٦، وكان >عادل حسين صادق< خليفةً له كقائد ديني في النبطيّة، وقد أجاز هواة هذه الممارسات

____________

1- «خطّة جبل عامل»: ص ١٤٦، و«التنزيه لأعمال الشبيه» لنفس المؤلّف، مطبعة العرفان، صيدا، ١٣٤٧ (١٩٢٨) ص٢٤، والأولى أن يراجع الأرشيف العثماني أيضاً للتحقّق من صحة وسقم هذه الوثائق.


الصفحة 374
وأوفياءها أن يقوموا بها كما يشاؤون ويطوّرونها كيف يريدون، حتّى أنّه كان يحضر شخصيّاً ويشارك فيها، ممّا أدى ذلك إلى سعتها وتكاملها، وتشجيع هواتها، وكان يساعد في ارتقائها.

وكان قباله الروحانيّون الآخرون الذين أعلنوا مخالفتهم لهذه الممارسات، ونحن نعلم أنّ >نجيب فضل الله< كان ينهى المؤمنين عن اللطم الموجب لاحمرار الصدور(1). هذا مضافاً إلى رفض حسن يوسف مكّي الذي ترك آثاراً أدّت إلى وقوع بعض المؤمنين في الشكّ والترديد لما استجدّ من هذه الممارسات، ومثال ذلك ما كان يراه >بليس< Bliss سنة ١٩١٢ حيث نجعله محلّ الاعتبار، يقول:

>إنّ الروحانيين في تلك المناطق كانوا يمنعون هذه الممارسات المشتملة على التعزية والشبيه والشرح والعرض التاريخ أهل البيت بطريقة تراجيديّة؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى هتك حرمة العترة النبويّة.

وكانوا يجيزون إقامة بعض المقاطع في القرى بأساليب خاصّة فقط، حيث كانت إقامة هذه الممارسات في القرى تُعدّ أمراً وواجباً مقدّساً، فتُقام في منازل أحد رؤساء القرى ثلاث مرّات يوميّاً، ويتمّ فيها تقديم القهوة

____________

1- ننقل هذا القول عن محسن الأمين، الذي يذكره عن نجيب فضل الله «ابن العم المحترم والمعتمّد»، ثمّ يُصّرح أنّ نجيب فضل الله اعتمد في هذا القول على فتوى محمّد حسن الشيرازي، في هذا الباب. ر. ك «التنزيه»: ص ٢٤.


الصفحة 375
والشاي والحلويات لذكرى الحسين والخبز الخاص [أقراص كبيرة من الخبر] لذكرى العباس.

وفي اليوم العاشر تُعطّل الدكاكين وتُقام الممارسات طيلة النهار، وينشغل فيها المعزّون بالعزاء والبكاء، ويصرخون >يا حسين! يا حسين!< وهم يلطمون، ثمّ يوزّع الطعام على الفقراء<(1).

ولم نرَ في هذه التقارير أثراً ودليلاً لوجود فرس النبطيّة، فإمّا أن يكون >بليس< قد أخفى ذلك وسكت عنه، أو لم تكن هذه الممارسات ـ التي تقام ـ لها علاقة بالإيرانيين.

ويحتمل قويّاً أنّ الاقتباس والوصل الآخر كان في سنة ١٩١٩، فقد أكمل >بهيج الميرزائي< دراسته الطبيّة وعاد إلى النبطيّة، وكان بنفسه أحد مؤسّسي هذه الممارسات الفارسيّة [الإيرانية] (2).

____________

1- Fredrick Jones Bliss, (The Religion of Modern Syria and Palestine), p.٢٩٩.

2- بلا شكّ، لهذا السبب كان التأريخ الشفوي مصدراً للبحوث الجامعيّة، حيث كان يعتقد بأنّ دور أبيه كان سبباً لإيجاد هذا الوصل والاتصال. راجع سليمان نجاح «ممارسات إحياء عاشوراء في النبطية لبنان» ص٣٧. وكذلك راجع التحقيقات المتأخرة المشتملة على الأخطاء أيضاً.
Frederic Maatouk, (La representation de la mort de I imam Hussein a Nabatie Liban – sud) publications du centre de recherches de I institut des sciences Sociales, univercite libanaise Beyrouth, ١٩٧٤.p.٤٢-٤٤.


الصفحة 376
على أيّ حال، فإنّ أهل جبل عامل لا ينسون ما وقع سنة ١٩١٩، فقد عالجوا ثمانين شخصاً من شيعة جبل عامل (ليسوا من الإيرانيين) لما أصابهم من جراحات [أثر هذه الممارسات] بعد ممارسات عاشوراء، حتّى أنّ طفلاً قد مات بسبب تلك الجروح التي أثخن بها، وذكرت مجلّة العرفان في سنة ١٩١٢ في افتتاحيتها:

إنّ الإيرانيين كانوا يضربون أجسادهم بالسكاكين والرماح [القامات]، كي يمثلوا جهاد كربلاء، ثمّ تبعهم في ذلك أهل جبل عامل وقلّدوهم، حتّى أعلن علماء النبطيّة وشخصياتها أنّ هذه الأعمال بدعة وأفعال مخالفة للقانون.

وكان أصحاب العزاء يحضرون في المواكب العامّة طيلة الأيام التسعة الأولى من محرّم، ويلطمون بأيديهم على صدورهم العارية، وفي اليوم العاشر يشجّون رؤوسهم بالقامات بعد أن حلقوها، ويدقّون على مواضع الجراح حتّى تسيل الدماء على رؤوسهم ووجوههم، وتكون تمثيليّات الحرب [حادثة كربلاء] خاتمة هذه الممارسات.

وفي سنة ١٩٢٠ كان يقام [مقطعان قصيران تراجيديان يمثل فيها شخصان أو ثلاثة]، وكان أشبه شيء بالسيرك ومحافل الرقص، من كونه مسرحاً تراجيديّاً.

ومنها مشاهد الفرسان الذين يهجمون بجمعهم على الخيام المحروقة، ونقل الأسارى على النياق، وكذلك الأدوار المرتبطة بالشخصيّات الأصليّة


الصفحة 377
للحادثة، كالحسين والشمر وزين العابدين(1)، فكان كلّ شخص يتخذّ له شخصيّةً كي يقوم بتمثيل دورها(2)، وكان لعبد الحسين صادق بعد ذلك

ـ وعلى طيلة السنة ـ دور فعّال وملحوظ في هذه الممارسات، فكان يحضر فيها ويساهم في ارتقائها بشكل مشهود، وقد نُقلت الشعارات والمستهلات التي كانت باللغة الفارسية القديمة إلى اللغة العربية(3).

وفي سنة ١٩٢٥ تقريباً بُنيت أوّل حسينيّة في جبل عامل لإقامة العزاء(4)، وكانت تتطوّر أساليب الإحزان وفنون التراجيديا يوماً بعد يوم في هذه الحسينيّة(5).

ثمّ بعد سنة ١٩٣٠ ـ أي بعد دعوى الإصلاح الذي قام به محسن الأمين ـ قام جمع من الشباب بصحبة >عبد الحسين صادق< بمسرحيّة حقيقيّة، ذات ديكورات ونمط خاص، وهم يقرأون متوناً مكتوبة توزّع على الحضور من

____________

1- كان الشمر أمير الجيش الأموي، بعثه يزيد بن معاوية، وهو الذي تولى قتل الحسين، وزين العابدين هو ابن الحسين الذي نجا من القتل في واقعة كربلاء، وهو الإمام الرابع من أئمة الشيعة.

2- sleiman Najh, (La celebration de la Ashura a Nabtyye), Liban p.٣٧-٤٠. Frederic Maatouk La representation de la mort de l imam Hussein a Nabatie (Liban-sud)) p.٤٤.

3- المصدر نفسه.

4- محسن الأمين «الخطّة»: ص ١٨١.

5- Frederic Maatouk, (La representation de la mort de I imam Hussein a Nabatie (Liban-sud)),p.٤٤-٤٥.


الصفحة 378
خلال كتب، قد عرّفوا فيه بشخصيات الممثلين، وما هو المقصود من استشهاد الحسين، وكأنّه ردّ على نظريات >محسن الأمين<(1).

وكانت هذه المسرحيّة جذّابة وحاكية عن واقعة عاشوراء، ولذا صار عدد مشاهديها يزداد يوماً بعد يوم، وكان المشاهدون لهذه الدراما (مسرحيّة الدائرة) يشتركون فيها بالفعل ويلعبون فيها أدواراً، يقول >دارشه< Darche في تقرير له:

>كان الناس يشاركون كي يظهروا دفاعهم عن العلويين وكانوا يسعون ـ واحداً تلو الآخر ومع الاشتياق والتلهّف ـ للمشاركة< (2).

وبعد انتهاء هذه الممارسات ينشغلوا بحمل الجرحى والمتضرّرين في هذه الحادثة. وأمّا النساء فكنّ يتخذن ذلك حجّة للخروج من بيوتهن، فيحضرن على طيلة هذه الممارسات قبل أي أحد، ويشرعن بالسبّ والشتم

____________

1- كان بعض القائمين على هذه الممارسات قد انتحلوا أدواراً أساسيّة في هذه المسرحيّة، فكان يوسف العجمي ـ صاحب المقهى في النبطيّة ـ يمثّل دور الشمر، وعبد الله كاهل ـ الموظف في قصر العدالة ما يقارب عشرين سنة ـ مثّل دور الحسين ر. ك سليمان نجاح «ممارسات الإحياء»، ص ٤٧ ـ ٤٨.

2- J.Darache, (Les chiites du Liban) Rapport du CHEAM, n ١٠٨, ١٩٣٧, p.t٧.


الصفحة 379
لمن يمثّل دور الشمر، ويرمينه بعض الأحيان بفردة الحذاء، فتصيب رأسه ووجهه(1).

وكانت النسوة مع بناتهن يأتين من القرى كي يحضرن هذه الممارسات، ويشاركن في العزاء والحداد، ويشاهدن مسيرة المواكب. وكان الرجال يظهرون صدورهم العارية [للطم]، ويبرزوا بذلك رجولتهم أمام الحضور [بالصدور الظاهرة وأحياناً الكثيفة الشعر].

وبعد انتهاء هذه الممارسات تتخذ العوائل والشباب فرصةً للقاء مع البعض الآخر والحديث معهم، وفي بعض الأحيان تتخذ هناك المواعيد للخطبة والزواج ويتّفق عليه هناك<(2).

وهكذا كانت هذه الممارسات تخرج عن طور الدين، وتتبدّل إلى إحدى التمثيليّات والظواهر الاجتماعية وإلى أسواق تجاريّة.

____________

1- Sleiman Najh, (La celebration de la Ashura a Nabtyye) Liban, p.٤١.

2- Frederic Maatok, (La representation de la mort de I,imam Hussein a Nabatie (Liban-Sud)), p. ٦٢.
بالنسبة للعراق انظر: إسحاق نقاش «الشيعة في العراق» ص ١٥١.
أمّا بالنّسبة لجنوب لبنان، فلا زالت إقامة المجالس في عاشوراء تعتبر فرصة مناسبة للاتصال بين العوائل والتزاوج فيما بينهم. ويقال بأنّ اللبنانيين العامليين المهاجرين إلى أفريقيا يشاركون في كلّ سنة في هذه المجالس الحسينيّة، وتقوم الأمهات بالبحث عن بنات جميلات في هذه المجالس من أجل خطبتها لأولادهن.


الصفحة 380
وينبغي حينئذٍ إحضار الطعام لآلاف الناس التي تجتمع في النبطيّة، ولم يكن هذا الاجتماع إلاّ للترويح والانشغال بالمأكولات الشهيّة، وصرف مقدار كثير من اللحم، وكلّ هذا يصبّ في منافع الكسبة وبائعي الأطعمة في تلك المدينة(1).

وكما يرى >إبراهيم الفرّان< بأنّ المنافع والفوائد التجاريّة كانت بالغة الأهمية آنذاك، بحيث لو صادف يوم >عاشوراء< الاثنين، وهو يوم التسوّق الأسبوعي في النبطيّة، أُجلّت الممارسات إلى يوم بعد ذلك، كي لا يضطرّ الباعة إلى ترك عملهم وكسبهم [وينتفعوا كذلك من سوق عاشوراء المخصوص] ويوم السوق العام كذلك [الذي كان يقام كلّ يوم اثنين بشكل مرتّب] (2).

وكانت تنتفع اقتصادياً كذلك قريتان من قرى جبل عامل وهما: >الجبّة<، و>الخيام<، حيث تشهدا إقامة ممارسات عاشوراء بنفس الطريقة، ولكن بشكل أقلّ وبحجم أصغر(3).

____________

1- sleiman Najh (La celebration de la Ashura a nabtyye), Liban p.٤١.

2- «رأيان مختلفان في كيفيّة إقامة عاشوراء» مؤتمر «عاشوراء»، مجلّة مدرسة التعليم العالي للآداب ص٤٣. (القسم العربي من المجلّة).

3- «مجلة العرفان» كانون الثاني ١٩٢٩، يقول فيها: لقد قاموا أخيراً بإقامة ممارسات عاشوراء في الجبّة أيضاً.


الصفحة 381

إقامة الممارسات في دمشق:

إنّ إقامة هذه الممارسات في عاصمة بني أميّة سابقاً [الشام، دمشق] مهمّة بالنسبة لنا، ومعتبرة لجهتين:

الأولى: وجود قلّة من الشيعة ـ آنذاك ـ في تلك المدينة بقيادة >محسن الأمين< روحيّاً.

الثانية: أنّ قبر زينب مجاور لهذه العاصمة في قرية >راوية< أو >قبر الستّ< [قبر السيّدة] (مقبرة الخانم)، التي هي زينب أخت الحسين، وقد اشتهرت وقدّست لشجاعتها واستقامتها في واقعة كربلاء، ثمّ أسرها وإدخالها قصر بني أميّة(1)، فيقصدها الزائرون، بالخصوص يوم عاشوراء بعد عجزهم عن زيارة كربلاء.

____________

1- قد تسمّى كثير من نساء أهل البيت «بزينب» ويمكن الحصول على (قائمة لهذه النسوة من خلال مجلة الموسم ـ المجلد الأوّل، العدد الرابع، سنة ١٩٨٩ صفحة ١١٤٥ ـ ١١٥٥).
فقد تسمّى بزينب ثلاثة من بنات علي بن أبي طالب ويمكن التشخيص بينهن (بالكبرى) و(الوسطى) و(الصغرى)، وأمّا زينب المدفونة في هذا المسجد والحرم فلم يتفق العلماء ـ منذ زمن طويل ـ عليها وقد تردّد محسن الأمين فيها أيضاً، وأخيراً فقد أدركوا أنّها زينب بطلة كربلاء، وهو المشهور في دمشق، وكانت منظّمة الأمن الفرنسي تخبر عن «الممارسات العاشورائية التي تقام في حرم زينب بنت علي وفاطمة».
MAE, fonds Beyrouth carton n ٢٣٧٣ Bulletin de renseignements n٥ service des renseignements, bureau de Damas rapport hebdomad Zaire du ٢/١٠/١٩٢٠.


الصفحة 382
ويصعب علينا التعرّف على أساليب إقامة هذه الممارسات بطريقة الإيرانيين في دمشق، وتفصيل تلك الوقائع التاريخية؛ لفقدان المصادر. ولكنّنا طبعاً نرى أنّ انتشار هذه الممارسات في دمشق كان متزامناً مع نشره في النبطيّة أواخر القرن الماضي [القرن التاسع عشر].

فقد كان من بين المجتمع الدمشقي الشيعي جماعة صغيرة من الإيرانيين(1)، وهم أوّل من قام بهذه الممارسات العزائية وفق الطريقة الإيرانية. وكما يصرّح المتولي الفعلي للحرم الزينبي رضا مرتضى بأنّ السفارة الإيرانية تعطي كلّ سنة أحد تابعيها المدعوّ >علي جان< سبع ليرات ذهبيّة كي يقوم بمقتضيات ممارسات التعزية (الدائرة)، التي كان أكثر ممثليها من الإيرانيين.

[وكان شخصان أو ثلاثة يمثّلون في هذه التمثيليّة القصيرة والتراجيديّة] في ثلاثهُ مقاطع: أحدهم يقوم بدور الحسين قطيع الرأس محمولاً على السدية، والآخر بدور الشمر، والثالث نسوة أهل بيت النبي(2).

____________

1- Thierry zarcone (La communaute iranienne d Istanbul a la fin du XIXe et au debut du xxe siècle), in La shi a nell Impero ottoman, p.٥٩.
وذكر الكاتب المذكور أنّ عدد الإيرانيين بلغ ٣٢٢ شخصاً في أواخر القرن التاسع عشر، واعتماداً على المصادر الموجودة لدينا فإنّ عدد الإيرانيين قد ازداد بشكل كبير، أمّا عدد الإيرانيين المقيمين في لبنان وسوريا سنة ١٩١٢ فقد بلغ ثمانية آلاف شخص.

2- لقاء مقرّر البحث في حرم السيّدة زينب بتاريخ ١٣/ ٩/ ١٩٩٤.


الصفحة 383
وفي تقرير قد كُتب في بدو تأريخ حكومة فرنسا على سورية، تتفتّح لنا مسألة ممارسات محرّم في دمشق، وقد خُتمت هذه المقالة بختم من القائد مالينجود Malinjoud الذي كان مديراً >لمدرسة الترجمة<، التي تأسسّت حديثاً في دمشق(1)، ويبدو أنّ مالينجود المذكور كان مراقباً وناظراً على هذه الممارسات.

ويقول في موضع آخر من هذه المقالة: إنّ متن هذه المقالة كان طبقاً >للأسانيد والوثائق الموجودة في المدرسة<(2). وفي هذه المقالة نرى جملة مطالب من >التقارير والإحصائيّات الميدانيّة< التي جاءت من قبل طلبة هذه المدرسة(3).

وقد اشتمل كتاب مالينجود على توضيحات دقيقة وجزئيات، حاصلها أنّها كانت مشهودة من قِبله مباشرةً، فقد قام ببحث دقيق ومتكامل. وتفيدنا هذه التقارير أيضاً من جهة أنّها ترتبط بممارسات عاشوراء في سنة ١٩٢٣،

____________

1- Commandant Malinjoud, (La fete de achoura chez les chiites de damas celebree dans la village de sit) RHR, ٩٩ (١٩٢٣), p.١٦٥-١٧٢.

2- (choses et autres sur la syrie paul Geuthner, paris, ١٩٢٤, p.٤٨.

3- Malinjoud (Texte en dialecte de Damas: I. La coutume chiite Du (Latem) au village de sitte (Damas)), JA, avril-juin ١٩٢٤, p.٢٥٩-٢٦٢.


الصفحة 384
أي الممارسات ما قبل الأخيرة، والتي كانت قبل المنع والنهي عن بعض الممارسات بواسطة محسن الأمين.

وكانت شيعة دمشق على طيلة أيام محرّم الأولى تجتمع في بيت >سيّد محسن الكبير<، أو بيت أحد الكبار والأشراف في محلّة (الخراب)، للحضور في مجالس العزاء. وفي ليلة التاسع من محرّم [تاسوعا] يجتمعون في >راوية<، وينشغلون طول الليل بالعزاء والندب في مسجد يقع بقرب السيّدة زينب. وفي الغد يجتمع ثلاثة أو أربعةآلاف شخص في حاشية المقبرة، ثمّ يرفع علم أسود على منائر الحرم وعلى شرف أبواب الحرم، ثمّ يتجدّد العزاء من جديد.

ثمّ يدخل ما يقارب خمسون شاباً حفاة، مشخّصين بعلامات مشهورة [وأعلام] مرفوعة، وكان أهل دمشق يسمّونهم بـ >حلاقة العجم<(1)، وكانوا على شكل دوائر وحلقات، يضربون بالطبول والصنج والبوق (البرزان) [وهو أحد الوسائل الموسيقية التي تستعمل بالنفخ فيها]، وهم رهن الإشارة، كي يضربوا بما صَحِبوا من السلاح كالمنجل والسكين والخنجر والمدى الحادة [القامة] على رؤوسهم، ثمّ يسير الموكب وهو ينادي بشعار >علي حيدر< ويَصَحبْ هذا الشعار صراخ النساء وأنينهن.

____________

1- Malinjoud, (Texte en dialecte de damas: I. La coutume chiite du (latem) au village de sitte (damas)), JA avril-juin ١٩٢٤ p.٢٦١.


الصفحة 385
ثمّ يأتي موكب آخر يشتمل على مئات الرجال، من بين زعيق وصياح المعزّين، وضجيج آلات الموسيقى، وقد رفعوا أيديهم في الهواء وهم يضربون صدورهم [ويلطمون]، وتتواصل ممارسات اللطم [وضرب السلاسل والشج بالقامات] مع وقفات قصيرة حتّى انتهاء هذه الممارسات >إلى أن يحضر السيّد محسن الكبير بينهم<(1).

ثمّ تقام التمثيليّة عن طريق ثلاث مجموعات تمثّل الشخصيات المرتبطة بجهاد كربلاء [بشكل مباشر]، بل تتعلّق [بقافلة الأسرى] الذين يدخلون دمشق [الشام]، وهم يلبسون السواد، مرّملين بالدماء، مرفوعين على المحامل، (وكان هذا الدور يقام بواسطة البنات الصغار)، وزين العابدين الإمام الشاب مقيّد بالغلّ والسلاسل، معتمّاً بعمامة خضراء علوية، وبيده القرآن وقد اُركب على الجمل.

ثمّ مشهد آخر فيه استلام يزيد جنازة الحسين، وقد جلس على صدره ثلاثة طيور ملّطخة بالدماء.

وكان إقامة الشبيه في دمشق يختلف عن المقاطع المسرحية إلى حدّ كبير، وكان أشبه شيء باللوحات المتحرّكة والحيّة التي تمثّل أهل البيت وأعداءهم.

____________

1- commandant Malinjoud, (La fete de Ashoura chez les chiites De damas celebree dans la village de sit), RHR, ٩٩ (١٩٢٣), p.١٧٢.


الصفحة 386
يصرّح >مالينجود< أنّ >السيّد الكبير< الذي كان يقود هذه الممارسات بشكل سرّي، يظهر فجاةً وسط جمع أهل العزاء، كي يعلن عن إكمال هذه المراسم وانتهائها، ولكن من هو؟ لابدّ أن يكون >محسن الأمين<.

ولكن هذا يتناقض مع ما عندي من المصادر والاستقراءات الشفويّة؛ لأنّها جميعاً وبالاتّفاق تُفيد أنّ هذا المجتهد لم يحضر ممارسات عاشوراء في حرم ومقبرة زينب.

وفي الواقع وحسب إفادات متولّي هذا الحرم وباقي شيعة دمشق، أنّ >محسن الأمين< وكبار أشراف محلّة >الخراب< قد حرّموا ممارسات الشبيه واللطم [وضرب السلاسل والقامات و...] ما قبل الشروع في الإصلاح والمنع، وكانوا يقتصرون على إقامة مجالس الندب والعزاء في مناطقهم، وقد صرّح بذلك محسن الأمين بنفسه في مذكراته، بأنّه لم يحضر في هذه الممارسات(1)، وعلى أي حال إنّ >المجتهد< قد منع عن هذه الممارسات بعد إقامتها في عاشوراء كما بيّن مالينجود.

____________

1- المذكّرات: ص ١٥١.


الصفحة 387

الفصل الثالث الإصلاحات التي قام بها محسن الأمين

في أوائل سنة ١٩١٠ كان محسن الأمين قلقاً لما أراده من إصلاحات وتهذيب لسيناريوهات ومجالس العزاء وإحياء ذكرى استشهاد الحسين، ولذا ألّف ثلاثة كتب، كي يستفاد منها في إقامة ممارسات شهر محرّم:

أوّلها: كتاب من قبيل المقتل، واسمه على الغلاف تحت عنوان >لواقيط [كذا، والصحيح: لواعج.ح] الأشجان في مقتل الإمام أبي عبد الله<، وقد طبع ونُشر هذا الكتاب في أواخر سنة ١٩١١، واستفاد منه المؤمنون والمتدينون في دمشق وجبل عامل مباشرة.

الكتاب الثاني كان يرتبط بنهضة تُدعى >حركة التوابين<، حيث تنبّه الشيعة أن خذلانهم للحسين يُعدّ ذنباً عظيماً، ولذا كانوا يجتمعون عند قبره ويستعدون حينئذٍ للانتقام من قتلتهِ، ولكنّهم ـ طبعاً ـ قُضي عليهم من قِبَل جنود بني أميّة، وعنوان هذا الكتاب على الغلاف >أصدق الأخبار في قصة الأخذ بالثار< (وهي قصة واقعية لمسألة الانتقام)، نشر سنة ١٩١٢.


الصفحة 388
والكتاب الثالث نشر أيضاً في سنة ١٩١٢، وهو مشتمل على مجموعة من المراثي والتعازي، تحت عنوان >الدّر النضيد في مراثي السبط الشهيد<، وكما يرى الناشر في مقدّمة الكتاب أنّه لا يمكن لأيّ شيعي الاستغناء عن هذا الكتاب.

وفي السنين الآتية في خريف ١٩٢٤، قام محسن الأمين بنشر مجموعة من الكتب أوّلها يرتبط بمجالس العزاء وهو عبارة عن خمسة مجالس تحت عنوان >المجالس الثنيّة<(1) [كذا، والصحيح السنيّة. ح].

وقبل أن ينشر المجلّد الخامس منه قام بنشر كتيّب صغير عنوانه على الغلاف >إقناع اللائم على إقامة المآتم< (وهو في حكوميّة المُقبّح والذام والمنتقد لممارسات العزاء)، وكان قد تعرّض في هذا الكتيّب إلى منافع إقامة مجالس العزاء وخصائصه، وحقّق النظر في الواقعة المؤلمة والتراجيدية لكربلاء، ثمّ بيّن النقاط التربويّة الموجودة في المجالس.

وكانت هذه الممارسات ـ حسب رأي محسن الأمين ـ مدرسة وثقافةً، يستطيع الكلّ وبأبسط ما يكون أن يستفيد منها، تأريخياً وأخلاقياً وقرآنياً، فناً وفصاحةً، شعراً وبلاغةً، مضافاً إلى كون هذه المجالس سبباً لإحياء الحقيقة وترغيباً للموالين أن يتخلقوا ويقتدوا بخصائص أهل البيت، وتبعث

____________

1- العنوان الكامل والموجود على الغلاف لهذا الكتاب هو «المجالس الثنية [كذا، والصحيح: السنيّة. ح] في مصائب ومناقب العترة النبوية»، نُشر المجلد الخامس منه في أواخر سنة ١٩٢٧.


الصفحة 389
فيهم روح الوقوف بوجه الظلم والجور والاستقامة، وتكون منشأ لاجتماع عشّاق الأئمّة على أمور مقدسة أو غير مقدّسة.

[المقصود من >غير المقدّسة< هنا: الأُمور والمواضيع التي لا تمتّ إلى الدين والتقدّس بصلة نهائيّاً، وبلا شكّ أنّه لا يريد المواضيع المخالفة للشرع والتقدّس، وإنّما أراد القضايا التي يُصطلح فيها عند الشرع بالمباحات]، وكان يرفض اجتماع الناس وقضاء وقت فراغهم بهذه الطريقة.

وقد دوّن كتاب >المجالس الثنيّة< [كذا، والصحيح: السنيّة. ح] كي تُقرأ في المجالس، فكان هدف محسن الأمين من نشر هذا الكتاب، تقديم آليّة من آليّات هذه الممارسات، لكي تكون بمتناول أيدي الشيعة والرواة [قراء التعزية ومقيمي الشبيه].

وكذلك أراد أن يجمع هؤلاء، ويُوحّد بينهم، وينظّم أساليب المجالس، ويوضّح ما تشتمل عليه، وكان قبل ذلك قد عمل بهذا التهذيب في كتابه المقتل، وسعى جاهداً تخليص واقعة استشهاد الحسين من الخرافات والأساطير والأخطاء التأريخيّة، التي كانت تذكرها كتب المقاتل السابقة، فأراد أن يصلحها ويهذّبها(1)، وكان حسب تعبيره يلتقط الحبّ الحسن من الغثاء.

____________

1- نذكر مثالاً مما تطرّق إليه محسن الأمين وهو «أنّ الطيور البيضاء التي لطّخت نفسها بدم الحسين ذهبت إلى المدينة وأخبرت فاطمة بنت الحسين باستشهاد أبيها» ر. ك «المذكّرات» ص٧٤.


الصفحة 390
وكان محسن الأمين في جبل عامل والعراق حين دراسته، مطّلعاً على جهل قرّاء التعزية، وقلّة معلوماتهم، وعدم إحاطتهم باللغة العربيّة، ونشرهم لقضايا خاطئة، ولذا كان يغتمّ لذلك كثيراً.

وذات مرّة كان قد حضر مجلس تعزية في الكاظميّة، فلم يُحسن (قارئ العزاء) حتّى كلمة واحدة، وكان يلحن ولا يلفظها صحيحة أبداً. يقول في مذكراته: بأنّي سألت أحد المعممّين: يشهد الله هل سمعته قال عبارة صحيحة ومطابقة للواقع في خطابه؟ فأجاب هذا المعمّم سلباً.

ثمّ قال محسن الأمين له: لماذا لم تمنعه عن ذلك ؟ فأجاب كما يلي: >لا نستطيع منعه<(1).

فلم يخضع محسن الأمين مقابل هذا العجز، وقام بتربية جيل جديد من الرواة [قرّاء التعزية والمقاتل والقصّاصين] يحيطون باللغة العربية، ومتسلّحين بالآليات التي يحتاجونها في عملهم هذا (وهي كُتبُه)، وقد نهى عن الروايات الموضوعة والمفتعلة، وبدأ في إصلاحاته.

يصرّح محسن الأمين بأنّه قبل كلّ شيء ينبغي تأسيس مدرسة لتعليم الخطابة، تجنّباً عن الأخطاء اللغويّة، فيعلّمونهن فيها قواعد (الصرف

____________

1- «المذكّرات» ص، ١٤٩، وبعد سنوات في منتصف العقد الثاني من سنة ١٩٣٠، كانت هنالك رغبات في طلب الإصلاح للمنابر الحسينّية، أي مجالس إحياء ذكرى الشهادة الحسينيّة، ممّا أدى إلى حدوث تكتلات في المجتمع الحوزوي والمذهب الشيعي. ر. ك إسحاق النقاش «الشيعة في العراق» ص١٦٠ ـ ١٦١.


الصفحة 391
الصفحة السابقةالصفحة التالية