المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 391 - ص 420) والنحو)، وكيفيّة تطبيق ذلك في كلامهم، وطريقة الخطابة والإلقاء على المجتمع بما يناسبه، وحفظ الأحاديث الصحيحة، والأشعار المنسجمة، وكيفيّة فرز الأكاذيب والموضوعات وإلغائها من كلامهم(1).

وقد ابتدأ بخطّته التعليميّة هذه مع تلامذته المقرّبين، ومنهم علي الجمّال، خطيب مسجد المحلّ وقارئ التعزية فيه، وكان يختار في تعليمه الشباب المثقفين الذين يُجيدون لغةً أجنبيّة، (وكان هذا الأمر سبباً إلى نتاج عالمي متسع في هذا الباب)، كي ينشأ جيل جديد من الرواة، وبعد فترة يقومون مقام الرواة القُدامى(2).

وكان هدف محسن الأمين تأسيس مدرسة لترويج >الأساليب والمناهج< في سائر المناطق الشيعيّة(3)، وكان التلاميذ من بيروت وجبل عامل يقتدون بمدرسته، وقد بلغ المنهج الذي كان يرتأيه ويُقام عمليّاً على يد أحد الرواة [قرّاء التعزية وحاكي القصّة] إلى القاهرة أيضاً، حيث كان هذا الخطيب من أسرة المرتضى في دمشق، وممّن تربّى على يد محسن الأمين، وكان هذا الشخص قد سافر إلى القاهرة سنة ١٩٢٣، وشاهد المجتمع الشيعي وهم يُقيمون مجالس العزاء لإحياء ذكرى الحسين في هذه المدينة.

____________

1- رحلة السيّد محسن الأمين: ص ٦١.

2- مقالة محمّد علي مروان التي نُشرت في مجلّة العرفان، العدد٧، المجموعة XLII، نقلاً عن «سيرتنا» لحسن الأمين ص١١١.

3- المصدر نفسه.


الصفحة 392
ولكن الرواة لم يكونوا كفوئين ومقتدرين، ولم يعطوا للحضور والمشاهدين المصريّين والأجانب طابعاً صحيحاً ونظرة واقعيّة لشخصيّة أئمة الشيعة، وبعد سنوات قدّمت شيعة القاهرة له طلباً كي يأتي إليهم من دمشق ويُقيم لهم مجالس العزاء وذكرى عاشوراء(1).

وفي محلّة >الخراب< كانت المجالس تُقام على طريقة محسن الأمين في المدرسة التي أسّسها هذا المجتهد، واستكملت وتنقّحت المجالس على يديه، وهي إلى الآن تُقام بهذه الطريقة(2)، وأنّ هدف البكاء على قصة الحسين ـ قطعاً ـ هو بكاء جدّه النبيّ عليه(3)، ولكن لا يصل إلى حدّ اللطم والإفراط والمبالغة، فإنّ المجالس التي كانت تُقام في محلّة >الخراب< بمنتهى البساطة، ومن دون أيّ تخطيط وتنسيق.

____________

1- «الرحلة» ص٦١. لم يوضّح محسن الأمين كيّفية ارتباط شيعة القاهرة بالسيّد مرتضى، ولعلّه لم يحسبه غريباً عليهم، أو كانت تربطه علاقة بهم.

2- هذا الشيء الذي رأيته وشهدته أنا بنفسي [أنا الكاتبة] في مجالس العزاء النسوية التي كانت تقام في مدرسة اليوسفيّة سنة ١٩٩٤.

3- إنّ محسن الأمين ـ وخلافاً لما يُدّعى عليه ـ لم ينف القيمة المعنوية للبكاء، ولم ينكر ذلك، بل خصّص المجلس الخامس والعشرين من المجلّد الأول من كتابه «المجالس الثنيّة» [كذا، والصحيح: السنية. ح] لهذا الموضوع، ونذكّر أنّ هناك حديثاً معروفاً عند الشيعة بكثرة يؤكّد أنّ نبي الإسلام أوّل من بكى حينما حدّثته نفسه [بالوحي أو الإلهام] بخبر شهادة الحسين.


الصفحة 393
يذكر >رضا مرتضى< أنّه كانت >تُقام مؤتمرات على مستوى جيّد<... وفي يوم عاشوراء عند الظهيرة تلقى رواية استشهاد الحسين، وبعد ذلك يوّزع الطعام<(1).

وهو أيضاً ـ كما حدّث غيره من الأشخاص ـ يؤيّد أنّ شيعة محلّة >الخراب< لم يقتصروا عند مقبرة السيّدة زينب لإقامة ممارسات عاشوراء، وإنّما يلبثون في مناطقهم طبقاً لأوامر قائدهم الروحي [محسن الأمين]، وقد طوّر محسن الأمين مجالس العزاء خصوصاً في محرّم، وترّقت حسب المنهج الذي كان يرتأيه مثيله في الإصلاحات موسى شرارة، وكانت الممارسات تقام على طيلة أيام السنة في كلّ خميس [ليالي الجمعة].

وكان أحد الشخصيّات في محلّة الخراب ـ علي النّظام ـ يساهم في الدعم المالي لهذه الممارسات، ويتعاهد تنظيم ومصاريف الرواة [قرّاء التعزية والتشبيه]، ونثريات الشاي والسكر(2)، وتقام هذه الممارسات في صالة مُعدّة للعبادة، تقع بين منزل محسن الأمين والمدرسة العلويّة.

يقول رضا مرتضى: >كنت في عمر العاشرة، حيث كان جدّي السيّد عباس مدير حرم السيّدة زينب، يصطحبني معه إلى المجالس، فيُفتتح المجلس بتلاوة القرآن، ثمّ يخطب الشيخ علي الجمّال خطبةً من خطب

____________

1- لقاء للكاتب في دمشق بتاريخ ١٣/ ٩/ ١٩٩٤.

2- المصدر السابق، واللقاء مع نسيب مرتضى في بعلبك، ٣/ ٥/ ١٩٩٤.


الصفحة 394
الإمام علي، ويشرح نصّاً من النصوص الدينيّة، ويختم المجلس بإنشاد شعر يرتبط بالحسين، وكانت المجالس منظمة وفق منهج حسن، ويقدّم بعد ذلك الشاي أو التيزان [شربت نباتي] (1).

وهكذا تسنّى لمحسن الأمين أن يتّخذ من إقامة المجالس ذريعةً لتقوية عقائد عامّة الناس وشعورهم الديني، وتوجيههم، وتنمية الثقافة الدينيّة لديهم، وكان يسعى في نشر تشيّع واعٍ وسهل الوصول، كما أنّه استطاع عرض القيم الأخلاقية لهذا المذهب وتطويرها.

وكان هذا المجتهد مقتنعاً ومستأنساً بهذه الممارسات التي تقام بهذه المنهجيّة، بحيث لم يتوقّف عن استضافة الشخصيّات حتّى من سائر المذاهب الإسلاميّة؛ كي يحكي لهم عن الصورة الحقيقيّة لمذهب الشيعة.

وكانت المجالس والممارسات التي تُقام في محلّة الخراب تختلف عن المجالس التي تُقام في قبر الستّ [قبر السيّدة زينب]، من حيث الحماس والبكاء والإدماء؛ لأنّ مجالس [الحرم الزينبيّ] كانت تفتقد وتفتقر لكتب محسن الأمين [وتعاليمه وآرائه الإصلاحيّة] بل هي كذلك من ناحية القيام

____________

1- يقول محسن الأمين مرغّباً جعفر الخليلي لحضور هذه المجالس حينما زار دمشق: «إنّك تسمع في هذه المجالس مالم تسمعه أصلاً» وكان هذا المجتهد يظهر سروره لاستطاعته نقل صورة جيّدة ولائقة ـ لغير الشيعة ـ حول المذهب الشيعي. نُقل من «رسالة التنزيه لأعمال الشبيه» ص١٢ و ص٣.


الصفحة 395
بها في موضع مقدّس [في الحرم الزينبيّ] بينما الأخرى كانت تعدّ في موضع وحارة محكومة معنويّاً للنفوذ الدينيّ، والسيطرة التي كانت لدى محسن الأمين، وصارت هذه النقطة سبباً لاتخاذه موقفاً تجاهها.

من دمشق حتّى البصرة:

حسب ما يُنقل عن >رضا مرتضى< أنّ في إحدى السنين (يقتضي أن يكون في صيف عام ١٩٢٤) وقع نزاع وشجار وضرب بين السنّة والشيعة، وقد قُتل على أثر ذلك شخصان(1)، واستغلّ محسن الأمين هذا الحدث ليكون سبباً في منع الشبيه، وكان >علي جان< قد عُرض عليه مبلغ بمقدار سبع ليرات كي لا يُعدّ ويُنظم للتمثيليّات والمسرحيّات المرتبطة بهذه الممارسات بعد ذلك.

ومن ذلك الحين اُلغيت التمثيليّات الدراماتيكيّة لواقعة كربلاء في دمشق، ومنع المجتهد [محسن الأمين] عن ممارسات اللطم و[ضرب السلاسل والشجّ بالقامات] أيضاً، وأمر الشرطة بمراقبة الشيعة كي يلتزموا بهذا النهي ولا يرتكبوه(2).

____________

1- المصدر السابق، يصرّح رضا مرتضى: أنّ السنّة كانوا قد بدأوا بالنزاع والمناوشات هذه، ممّن كان حضر منهم في تلك التمثيليّات، وكان سكراناً.

2- المصدر السابق، واللقاء مع نسيب مرتضى في بعلبك ٣/ ٥/ ١٩٩٤.


الصفحة 396
وقد استطاع أن يوقف من شدّة المنازعات لمدّة مؤقّتة، ولكن بعد رحيله استعادت هذه الممارسات حيويّتها مرّة أخرى(1). فلم يكن إلغاء واستئصال هذه الممارسات [بواسطة محسن الأمين] من البقاع التي كانت تحت سيطرته أمراً كافياً.

وقد انتهز محسن الأمين فرصة الجهر بفتواه، فيما يرتبط بمنع وحرمة هذه الممارسات، وذلك من خلال نشر كتابه >المجالس<، وأعلن عن رأيه، وأسَمَع بهذه الطريقة عدّة من مخاطبيه، حيث عبّر عن ذلك وبشكل مختصر في مقدّمة هذا الكتاب، التي وصفها (بالمقدّمة المهمّة).

ولكنّه تحدّث فيها بقوّة واستحكام وإصرار، واتّهم ممارسات محرّم، ووجّه اللوم إليها بصراحة، وكذّب الرواة للموضوعات وناقلي الأكاذيب من [قرّاء التعزية والممثّلين في الشبيه]، ووصف عملهم هذا أنّه من (كبائر الذنوب).

ثمّ استمر في نقد [الضرب بالسلاسل، والشجّ بالقامات]، ونعته بأنّه من وساوس الشيطان لبعض مَن أراد التقرّب للحسين كي يتمّ البعد عنه، وأخيراً كان يعتقد اشتمال ممارسات عاشوراء على البدع (المحرّمات) وحسب رأي محسن الأمين أنّ اتّباع هذه الممارسات والقيام بها، وهي >حاوية على

____________

1- إنّ ممارسات اللطم تقام هذه الأيام بصورة جديّة تماماً في حرم السيّدة زينب، ولكنّها بشكل خفي.


الصفحة 397
البدع والتحريف والمحرّمات] لم تصلح أن تكون وسيلة لإحياء ذكرى الحسين، الذي قُتل لطلب الإصلاح في أمّة جدّه(1).

وقد وزع [كتاب] >المجالس< في خريف سنة ١٩٢٤، مُرفقاً بفتاوى محسن الأمين، ولم يكتفِ محسن الأمين بهذا فَحَسب، بل نَشرت إحدى الصحف في بيروت ـ بعد مدّة ـ مقالةً له، حيث أكّد موقفه فيها ووضّحه(2)

____________

1- المجالس الثنيّة [كذا، والصحيح: السنيّة. ح] المقدّمة المهمّة، المجلّد الأوّل، مطبعة النعمان، النجف، الطبعة الخامسة ص٣ ـ ٥.

2- من المؤسف أن ّمصدر هذا المطلب قد فُقد ولم يُشار إليه في أيّ موضع من المصادر التي نُشرت حول محسن الأمين، حتّى أنّ ولده حسن الأمين لم يصرّح باسم الصحيفة التي نشرت هذا المطلب، لكن يمكن فهمه من خلال جواب عبد الحسين صادق على هذه المقالة «سيماء الصلحاء» مجلّة العرفان، صيدا، ١٣٤٥ [١٩٢٦ ـ ١٩٢٧].
[وقد أشار إلى هذه الصحيفة الشيخ عبد الحسين صادق العاملي (ت١٣٦١هـ) في رسالته «سيماء الصلحاء»، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٤٧٩:٤، قائلاً: «ومن فجائع الدهور، وفظائع الأُمور، وقاصمات الظهور، وموغرات الصدور ما نقلته بعض جرائد بيروت في هذا العام، عمّن نحترم أشخاصهم من المعاصرين الوطنيّين، من تحبيذ ترك المواكب الحسينيّة والاجتماعات العزائية بصورها المجسّمة في النبطية وغيرها من القرى العامليّة».
وفي الطبعة الثانية لهذه الرسالة «سيماء الصلحاء» يوجد تعليق في الهامش على قول الشيخ عبد الحسين صادق: «ما نقلته بعض جرائد بيروت» هو: «يريد بها جريدة العهد الجديد، الذي كان مراسلها قد زار سماحة السيّد محسن الأمين ـ حسب نقل الأُستاذ إبراهيم فرّان عن المؤرّخ السيّد حسن الأمين نجل سماحة السيّد محسن الأمين ـ وسأله عن رأيه في اللطم على الصدور والضرب على الرؤوس، فأجابه بالتحريم، ممّا أثار حفيظة المرحوم سماحة الشيخ عبد الحسين صادق، فأصدر هذه الرسالة الموسومة بـ «سيماء الصلحاء» سنة ١٣٤٥ ـ ١٩٢٧ ـ مطبعة العرفان صيدا، ردّاً على التصريح المشار إليه. «عن حلقة دراسية حول عاشوراء ـ ١٩٧٤ رقم ٢٢٥ ص٢٧». ح].


الصفحة 398
مرّة أخرى. ولكن هل كان هذا نتاجاً للتمخّضات الحاصلة، أو خطّة قد أعدّ لها من قبل؟

وفي سنة ١٩٢٦ أفتى مجتهد آخر ـ وكان من سكنة البصرة يُدعى >مهدي بن صالح القزويني<(1) ـ بحرمة التمثيليّات والمسيرات والمواكب التي يخرج فيها التوّابون، وهم يضربون الصدور [مواكب اللطم]، وقد أعلن في مقالة نُشرت له في جريدة >الأوقات العراقيّة<(2) عن اعتبار بعض الممارسات التي تُقام في يوم عاشوراء بدعة، وأنّ ما يحدث من تصرّفات العنف والوحشية ناشىء عن الهمجيّة(3)، وقد أكّد موقفه في عدّة كتب(4).

____________

1- نشرت مجلّة «الموسم»، في عددها ١٥ ص: ٣٩٥ ـ ٣٩٩، مذكّرة تتعلّق بهذا العالم، الذي طلب منه أهل البصرة البقاء عندهم حينما صحبوه في سفر الحجّ.

2- لم أعثر على هذه الجريدة، ولكن قسمٌ منها موجود في المقالة التي هي محلّ البحث، «نصرة المظلوم» إعداد حسن المظفّر، المطبعة العلوية، النجف، نشرت سنة ١٣٤٥ (١٩٢٦ ـ ١٩٢٧) أضف إلى ذلك أنّ بعض ما وجّه من الهجاء وأشعار الذمّ والاختلاف والمناقشة لقضايا عاشوراء في العراق، نُشر على يد حسن الأمين الذي أتى بها إلى النجف ثم أهداها إلى مكتبة AUB، حتّى صارت في متناول الأيادي ومعرض المطالعة في هذه المكتبة.

3- «نصرة المظلوم» ص٢ ـ ٣.

4- مهدي القزويني «كشف الحقّ» بغداد ١٣٤٥ (١٩٢٦ ـ ١٩٢٧) ص٢٢٠، لم أعثر على هذا الكتاب. مجلّة العرفان، بعد نشر الكتاب شرع في تعريفه إجمالاً (ما رس، حزيران ١٩٢٨).


الصفحة 399
ويدّعي البعض أنّ هؤلاء [القائلين بحرمة بعض البدع الموجودة في ممارسات وإحياء ذكرى محرّم وعاشوراء كمهدي بن صالح القزويني]، كانوا >على الخطّ الأموي<، وكانوا أيضاً يُشركون معهم محسن الأمين القاطن بدمشق.

وفي الحقيقة: إنّ السيّدين >مهدي بن صالح القزويني< و>محسن الأمين<، حاربا بعض الممارسات (البدعيّة) وكانا يسعيان نحو إصلاح استدلالي متماثل، وكانت آراؤهما متّفقة في ما يتعلّق بالمرأة، وكيّفيّة إخراج شبيه الأسارى (السبايا) و[قراءة التعزية، ورواية القصّة الحاكية عن أسارى واقعة كربلاء]. فهما يران أنّ احتمال وقوع البصر على أجساد التوابين، وهم كالعراة، [في مواكب اللطم وضرب السلاسل]، محرّم شرعاً(1).

ولا ينبغي أن يُفهم رأي هذين المجتهدين خطأً، كما تلقّى مخالفوهم والمشينين عليهم، وخلطوا بين مقالات دمشق والبصرة، كي يوجّهوا نقداً واحداً إليهما معاً، ويصوّروهما كمتآمِرَينِ قد خطّطا لدسائسهم مُسبقاً.

____________

1- ابتدأت تسمية الشبيه للأسارى أو السبايا في البصرة سنة ١٩٢٢، ويظهر أنّ وقوع حادثة على نحو الصدفة أثارت مهدي القزويني وأغضبته، راجع «نصرة المظلوم» لحسن المظفرّ ص١٣ ـ ١٤ و١٩ ـ ٢١ و٢٤، للاطلاع على تصريحات مهدي القزويني حول المرأة.


الصفحة 400
فيجب على القرّاء ـ اليوم ـ أن يدقّقوا النظر في كلّ فرد منهما على سواء، ويقوموا بالبحث التفصيلي لرأي كلّ منهما على حِدَة.

قام عبد الحسين صادق بتأليف سلسلة تحت عنوان >سيماء الصلحاء<، ونقد فيها محسن الأمين ومهدي القزويني دفعة واحدة، بدون أن يذكر أسمهما، وقد صرّح في خاتمة كتابه: بأنّ العلماء الكبار لم يشكّوا في مشروعيّة وجواز ممارسات عاشوراء، ولا اختلفوا في ذلك، سوى عالم جبل عاملي، وآخر بصري(1).

وإنّي أرى أنّه دققّ في رأي هذين العالمين تباعاً، ووقف على براهينهما ونَقَدَهما فيما يتعلّق بعناصر مجالس التعزية، وعرض بحثين ونظريتين نقديّتين ومتفاوتتين بشكل ضمني:

الأولى: مسألة الإفراط في البكاء والصراخ، حيث عنونت هذه النظريّة وهذه المجالس >بمجالس اللهو المنوَّع، الذي يبعّد المؤمنين عن العبادة<، واُطلق على هذه المجالس بأنّها بدعيّة محرّمة، مُستورَدة وحديثة، لم يكن لها وجود من قبل، ونتيجة ذلك أنّ يوم عاشوراء ينبغي أن يكون يوم فرح وسرور؛ لأنّه اليوم الذي أدّى فيه الحسين واجبه وامتثل الأمر الإلهي المتوجَّه إليه(2)، ولا شكّ بأنّها نظريّة مهدي القزويني(3).

____________

1- «سيماء الصلحاء» ص٨٢.

2- المصدر السابق، ص١٥، ٢٣، ٢٥، ٢٧، ٥٧- ٥٨.

3- إنّ التقرير الذي أوردته مجلّة العرفان حول كتاب «كشف الحقّ» يؤيّد هذه النظرية التي نقرأ فيها: «إنّ هذا الكتاب يُبطل التبرّك بيوم عاشوراء». وقد اتخذ الكاتب هذا اليوم «محفلاً» «وسروراً» (مارس وحزيران ١٩٢٨)، ولو كانت هيئة التحرير لهذه المجلّة تدّبرت في المطلب الأخير لم تجد موافقة لرأي القزويني، وإنّما كان عكس ذلك، فقد اتّهم وأنكر ما يقوم به السنّة من عادات أمويّة فيتخذون هذا اليوم عيداً لهم. ر.ك: «هل نحزن أو نفرح في يوم عاشوراء؟» مجلّة العرفان (مارس ١٩١٠ و١٩٢١).
وفي زمن انتشار هذه المقالة، التي هي محلّ البحث، اتخذ المجلس في الحكومة اللبنانية أوّل يوم من محرّم يوم عيد، ممّا أدّى ذلك إلى إثارة الهيئة التحريرية لهذه المجلة وغضبها.


الصفحة 401
الثانية: ـ وكانت أرجح من الأولى ـ مضمونها: أنّ قصة استشهاد الحسين ينبغي أن تُروى في المجالس العامّة والخاصة بطريقة سهلة، ويبكي لها السامعون دون صراخ، كي لا يقعوا في الحرام، وبشرط أن لا يكون الراوي مُلحناً في العربية(1)، وهي نظرية محسن الأمين، كما يرى في هذا الكلام المنقول.

وفي المرحلة الأولى انعكست قضايا البصرة على جبل عامل بشدّة، وأثّرت فيها تأثيراً كبيراً، ممّا أدّى إلى حدوث انشقاق بين المجتهدين إلى معسكرين [موافق ومخالف]، فاستَّغل كلُّ مَن كانت له عداوة وبغضاً لمناوئيه، وأظهر آخر ولاءه لمن يوافقه من خلال هذه الأوضاع، واُبرزت المنافسات بين طبقات الروحانيين، فظهر التنافس بين >مهدي القزويني<

____________

1- عبد الحسين صادق «سيماء الصلحاء»، ص٤٣ و٤٦.


الصفحة 402
و>عبد المهدي المظفّر< المتوفّى ١٩٤٤(1)، وكان تنافساً وصراعاً حول المرجعيّة في الواقع.

وحسب ما يرى إسحاق النقّاش Yitzhak Nakash أنّ المعسكر الفارسي كان يتمثّل بحسين النائيني [الميرزا النائيني] وأبي الحسن الإصفهاني [السيّد أبو الحسن الإصفهاني]، والمعسكر العربي كان يتمثّل بأحمد كاشف الغطاء الذي كان زعيماً وقائداً للعرب(2) وينبغي هنا الإشارة إلى وجود منافسة شديدة وحادّة بين النائيني [الميرزا النائيني]، والإصفهاني [السيّد أبو الحسن الإصفهاني]، وكانت فتاوى كبار المجتهدين حلّاً لهذه الاختلافات، وبها تتعيّن [وظيفة المقلدين وتكاليفهم].

[ولابدّ أن نبيّن دون شكّ وترديد ونعترف بخلوّ ساحة المرجعيّة ونقاوة شخصيّاتها عن التنافس الدنيوي وحبّ الرئاسة، بل هروبهم ـ قدر الإمكان ـ عن هذه المناصب، ورفضهم لهذا النوع من المسؤوليات والمراتب. نعم هناك تنافس بين أبناء المراجع وحواشي البيوتات، يظهر بين آونة وأخرى، ممّا يؤدّي إلى تدنيس ساحة المرجعيّة، فكل ما يصل إليها من سوء إنّما كان بسبب ذلك. م.].

____________

1- Werner Ende, (The flagellations of Muharram and the Shiite ulema), p.٢٤ et p.٢٨.

2- Yitzhak Nakash (The shi(صلى الله عليه وآله و سلم) is of Iraq), p.٨٥ et p.١٥٤.


الصفحة 403
وبلا شكّ كان >أبو الحسن الإصفهاني< أوّل من أصدر فتوى في هذا الباب ـ ممارسات عاشوراء ـ وكانت هذه الفتاوى سبباً في إثارة البحث، ولكنّه لم يكن صريحاً في فتاواه هذه مع كثرتها، ولهذا اتخذها البعض ذريعةً تصبّ في منافعهم المرتبطة بمراسم عاشوراء(1). بينما اعتبرها البعض الآخر وسيلة لمنع هذه الممارسات كمحسن الأمين وجعفر الخليلي(2).

____________

1- ر.ك حسن المظفّر «نصرة المظلوم» ص٤٨ «أصدر أبو الحسن الإصفهاني فتوى متضمّنة لإمضاء جميع التذكارات الحسينيّة على الإجمال». [اُنظر نصرة المظلوم، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٤١١:٢. ح].
وكذلك. ر. ك. علي تقي اللاخنوي [كذا، والصحيح: علي نقي اللكهنوي. ح] «إقالة الأثير في إقامة الشعائر الحسينية» [كذا، والصحيح: إقالة العاثر في إقامة الشعائر. ح]، المطبعة الحيدريّة، النجف ١٣٤٧ (١٩٢٨ ـ ١٩٢٩)، ص٥٩: «فنسبة التصريح بالمنع إليه غير مطابقة للواقع، وقد نسب إليه بعض المؤلّفين القول بالجواز [استناداً إلى فتواه].
[انظر إقالة العاثر، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٤٢٠:٦. ح].

2- محسن الأمين «التنزيه» ص٢٣ و٢٧، ذكر جعفر الخليلي فتوى الإصفهاني، ولم أعثر عليها طبعاً، ولكن حسب ما ينقله الخليلي: إنّه حرّم استعمال السيوف والسلاسل والطبل والدفّ، وجميع الأساليب والأفعال التي تقام في المواكب العامّة يوم عاشوراء تحت عنوان مصائب الحسين وعزائه، فإنّها محرّمة وغير مجازة شرعاً، وكما تقتضيه القرائن والدلائل أنّ فتوى «أبو الحسن الأصفهاني» الأولى فيما يرتبط بقضايا البصرة، لم تكن صريحة لهذا الحدّ، وبعد ذلك نشرت هذه الفتوى ـ الثانية ـ على يد محسن الأمين.


الصفحة 404
وأدّى هذا الغموض في الفتاوى إلى حدوث تفاسير عديدة، وهذا واضح جدّاً من خلال الاستفتاء الذي وجّهه أهل البصرة لحسين كاشف الغطاء(1).

وقد أصدر هذا المرجع فتواه، وعدّ فيها هذه الممارسات بأنّها من أكبر الممارسات (الشعائر) الدينيّة والجعفريّة، وأضاف قائلاً: لو لم يثبت استحباب هذه الممارسات فهي على الأقلّ مشروعة(2).

ولم يتطرّق لبحث الآلات الموسيقيّة وتفاصيلها، ولكنّه كان يعتقد تحريم استعمالها؛ لما تنتج من انتقاد للشيعة(3)، ولم يكن هذا الجواب مُقنعاً لمن أراد الإجابة الحقيقيّة والوافية.

____________

1- وقد عُنونت هذه الفتوى بـ «الآيات البينات»، وجُمعت ونُشرت سنة ١٣٤٥ (١٩٢٦)، وطبعت ونشرت مؤخّراً ضمن سلسلة مؤلّفات محمد حسين كاشف الغطاء «الآيات البيّنات في قمع البدعة والضلالة [كذا، والصحيح: البدع والضلالات. ح] دار المرتضى، بيروت ١٩٩٢.
[انظر الآيات البيّات، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ١٢٥:٣. ح].

2- [نصّ كلامه في الآيات البيّنات، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ١٣٢:٣، هو «ولا ريب أنّ تلك المواكب المحزنة وتمثيل هاتيك الفاجعة المشجية، من أعظم شعائر الفرقة الجعفريّة شيّد الله أركانها. ونحن إذا لم نقل باستحبابها ورجحانها؛ لتوفّر الأدلّة من الأخبار والأحاديث المتظافرة المشعرة بمحبوبيّة تلك المظاهرات لأهل البيت(عليهم السلام)، فلا أقلّ من القول بالجواز والإباحة. ح].

3- محمّد حسين كاشف الغطاء «الآيات البينات في قمع البدعة والضلالة [كذا، والصحيح: في قمع البدع والضلالات. ح] ص ٩ ـ ١٠.


الصفحة 405
وقد أصدر فتواه الثانية في تأريخ ٢٧ آب سنة ١٩٢٦، وهي مفعمة بالغضب تجاه هذه المسائل والبحوث الدائرة بين المتديّنين، وقد تطرّق في هذه الفتوى إلى تفاصيل القضية وجزئياتها، وبيّن نقاط الاختلاف فيها، وأثبت مشروعيّة ممارسات عاشوراء، وكانت الثمرة المترتّبة نصيحتين قدمها إلى أهل البصرة: أوّلها: عدم التكلّف في هذه الممارسات والقيام بها ببساطة، والثانية: الاجتناب عن وقوع النزاع والخلاف الموجب لتضعيف المذهب(1).

ولكن أهل البصرة لم يقنعوا بهذه الأجوبة ويكتفوا بها، وكانوا يُعيدون استفتاءاتهم ويكرّرونها، ولذا طرح رجل الدين هذا [حسين كاشف الغطاء] فتواه الثالثة بشكل آخر؛ كي يصل إلى النتيجة المطلوبة والمتوّخاة لديه(2).

[ومع الأخذ بنظر الاعتبار الأسئلة الواردة عليه]، يمكن أن يُستشفّ الاضطراب والتخلخل الموجود في عقائد المتديّنين، وكان محمّد حسين كاشف الغطاء ـ بلا شكّ ـ يمتنع عن تحريم هذه الممارسات والنهي عنها، ومهما كان متّفقاً مع آراء العلماء الإصلاحيين ومؤيّداً لهم، ولكنّه [في ما

____________

1- محمّد حسين كاشف الغطاء «الآيات البيّنات في قمع البدعة والضلالة [كذا، والصحيح: في قمع البدع والضلالات. ح] ص ١١ - ١٥.
[اُنظر نصّ كلامه في الآيات البيّنات، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ١٣٩:٣ ح].

2- محمّد حسين كاشف الغطاء «الآيات البيّنات في قمع البدع والضلالة» [البدع والضلالات] ص١٦ ـ ٢٦.


الصفحة 406
يخصّ قضية عاشوراء وممارساتها] جابه ـ بكلّ ما لديه من قوّة ـ >أبو الحسن الإصفهاني<، ولكنّه غيّر رأيه بعد مدّة(1).

وممّا تجدر الإشارة إليه أنّه كان لمحمّد حسين كاشف الغطاء أخ يُسمّى أحمد، وهو أصغر منه، وقد تسلّم زمام القيادة الروحيّة أيضاً(2).

وكذلك حسين النائيني، الذي كان معتمداً عند أهل البصرة وله مكانة عندهم، حيث كان ـ بلا شكّ ـ يحتلّ موضعاً مرموقاً يؤّهله للمرجعيّة، وكان من المنافسين عليها، بل كان في موضع أرقى، يُلقي آراءه من مصدر القوّة والاقتدار، وكانت فتواه التي طرحها في تاريخ ١٣ أيلول سنة ١٩٢٦ مصدراً ونظريّة تأسيسيّة يُعتمد عليها وتُعتبر سنداً لحد الآن(3).

وقد تطرّق في هذه الفتوى إلى ممارسات عاشوراء، من قبيل مواكب العزاء وهيئات اللطم و[ضرب السلاسل والقامات] بحيث لا يؤدّي إلى

____________

1- حسب تصريحات حسن الأمين (في لقاء له مع الكاتبة، في تاريخ ٢٦/ ١/ ١٩٩٣ في بيروت): إنّ محمّد حسين كاشف الغطاء سحب كلامه بعد عشرين سنة وكذّبه؛ بحجّة أنّ ما صدر منه آنفاً إنّما كان لأسباب وظروف خاصة قد أحاطت بتلك البرهة الزمنيّة.

2- وكان شخص آخر من هذه الأسرة يُدعى «عبد الرضا كاشف الغطاء» قد كتب مدوّنة دافع فيها عن إقامة الممارسات والشعائر الحسينيّة «الأنوار الحسينيّة والشعائر الإسلاميّة»، طبع هذا الكتاب سنة ١٩٢٧ ـ ١٩٢٨، أو ١٩٢٨ ـ ١٩٢٩ في بمبيء، وكان هو المصدر الذي اعتمد عليه إسحاق النقاش في كتابه «الشيعة في العراق». ص١٤٥ و١٤٥ و١٥٥ و١٥٧.

3- ر. ك، مرتضى عياد «مقتل الإمام الحسين وفتاوى العلماء الأعلام في تشجيع الشعائر الحسينيّة»، دار الزهراء، بيروت ص١٢ ـ ١٤. اُقتبس هذا الموضوع من جريدة «العهد» ١٧ صفر ١٤٠٨، تحت عنوان «فتاوى العلماء الأعلام في تشجيع الشعائر الحسينيّة».


الصفحة 407
حصول (الضرر)، وكذا ممارسات التمثيل لواقعة عاشوراء [الشبيه والدائرة]، فإنّه أفتى بجواز ذلك، وصرّح أيضاً أنّ بعض البدع ـ مثل الغناء، واستعمال آلات الموسيقى، وإيجاد الخلاف بين المواكب في المحال المتعددة ـ لابدّ أن تُلغى من هذه الممارسات، وكان يعتقد أنّ اشتمال ذكرى عاشوراء على بعض المحرّمات والشعائر الممنوعة لا يؤدّي إلى وجود خدشة في شرعيّة هذه الممارسات، وليس سبباً في عدم حليّتها.

وتعقيباً على هذه الفتاوى الصادرة من كبار المجتهدين، قام بعض الكتّاب بتأليف ردود عنيفة على محسن الأمين ومهدي القزويني، في كتاب يُسمّى >كلمة حول التذكار الحسيني< لمحمّد جواد الحچامي(1)، وكتاب >نصرة المظلوم<(2) الذي دوّن في خريف سنة ١٩٢٦، ونُشر باسم حسن المظفّر، ولكن حسب اعتقاد كثير من الكتّاب المعاصرين أنّ هذا الكتاب كان بقلم عبد الحسين الحلي (١٨٨٢ أو ١٩٥٥) (3).

____________

1- لم يتمّ البحث في هذا الموضوع المذكور أعلاه بمباشرة الكاتب نفسه، ولكنّه نُشر في مجلّة العرفان (نيسان ١٩٢٧) كما قُرّر ذلك.

2- [لقد ترجمت الكاتبة اسم الكتاب بـ «نصر المظلوم»، ولكن ترجمته الدقيقة «نصرة المظلوم»، وهو نفس العنوان الذي أوردناه في المتن. «نصرة المظلوم» م.].

3- ذهب إلى هذا الرأي Werner ende:
Werner Ende, (The Flagellation of Muharram and the Shiite Ulema), p.٢٣.
وممّا يجدر ذكره حسب رأي حسن الأمين، أنّ هذا الكتاب يتعلّق بمحمّد حسن المظفّر عام (١٨٨٤ ـ ١٩٥٦)، ويبدو أنّ هذا الرأي أقرب.


الصفحة 408
ونشر في العراق في هذه الفترة كتاب آخر تحت عنوان >النظر الدامع< [كذا، والصحيح: نظرة دامعة حول مظاهرات عاشوراء. ح] بقلم مرتضى آل ياسين، من بني عمومة عبد الحسين شرف الدين، الذين كانوا في جبل عامل، وكتاب >سيماء الصالحين [كذا، والصحيح: الصلحاء. ح] الذي نشره عبد الحسين صادق.

تهذيب الممارسات >رسالة التنزيه<:

اتّخذ محسن الأمين من >شقراء< ـ مسقط رأسه ـ محلاً لسكونته(1)، واتسعت حملات النقد ضدّه، خصوصاً في جبل عامل.

ينقل جعفر الخليلي: أنّ عبد الحسين صادق في النبطيّة، وعبد الحسين شرف الدين في صور Tyr، كانا يجتهدان في مخالفة ادّعائه، ممّا أدّى ذلك إلى توتره وتأليفه رسالة تحت عنوان >رسالة التنزيه< يُجيب فيها على عبد الحسين صادق، ويبيّن فيها آراءه بدقّة، ويعلن تمسّكه وإصراره على

____________

1- حسب تصريحات «حسن الأمين» ابن «محسن الأمين» أنّ أباه خرج من دمشق سنة ١٩٢٥ حينما انتفض الدروز، واتخذ شقراء سكناً له سنة ١٩٢٨، وكان في بيروت حتّى إتمام كتاب «التنزيه».


الصفحة 409
مواقفه(1)، ويقول في رسالته هذه: >من أغضب فلم يغضب فهو حمار<(2).

وقد فرغ من هذا الكتاب في ٨ تموز ١٩٢٧، ولكن طبع ونُشر في أواخر سنة ١٩٢٨، ولعلّ في تأخير نشر هذا الكتاب أنّ محسن الأمين كان مردّداً في عرض وإثارة هذا الحدث الذي كان هو أو الناشر المنشأ في ذلك.

وكان عارف الزين يتهرّب ويتعلّل عن نشر الكتاب قبل ذلك بحجّة القلق الإعلامي، وقد أعلن رأيه عنه في مذكرة له في مجلّة العرفان، صرّح فيها بأنّ هذا الكتاب يشتمل على الأجوبة المبرهن عليها والمسندة والمعتمدة على القرآن والحديث والأدلة العقليّة.

وقد وقف هذا الكتاب بوجه البدع التي تطوّرت بسبب بعض علماء [مدن] >النبطيّة< و>الجيّة<، مما أدّت إلى سخريّة واستهزاء الشيعة، واستدل على ذلك الرأي بالبراهين والأدلّة(3).

____________

1- الاسم الكامل لكتاب محسن الأمين هذا «التنزيه لأعمال الشبيه»، وكما يصرّح الكاتب: أنّه قد تُرجم إلى اللغة الفارسيّة أيضاً: ر. ك. «المذكّرات» ص١٥١ سنة ١٩٧٣.
وفي سنة ١٩٩٦ جُدّد طبع هذا الكتاب تحت عنوان «ثورة التنزيه»، حينما أثير النقاش والجدال حول ممارسات عاشوراء بين المجتهدين الإيرانيين واللبنانيين، وقد استفدنا من الطبعة الأولى من هذا الكتاب، واعتمدناه في كتابنا كمصدر.

2- «التنزيه»، ص١٤، إنّما وجّه إليه اللائمون لومهم ونقدهم لكونه خشناً وفضّاً، ومثال ذلك ر.ك. عبد الحسين الحلّي، النقد النزيه لرسالة التنبيه، المطبعة الحيدرية، النجف ١٣٤٧ (١٩٢٨/ ١٩٢٩)، ص٥.

3- «العرفان» حزيران ١٩٢٩.


الصفحة 410
وقد ذكر محسن الأمين في >التنزيه< ـ بادئ الأمر ـ مصرّحاً وموضّحاً الأفعال الممنوعة (المحرّمات) المرتبطة بممارسات عاشوراء، وعدّها كما يلي:

ـ الكذب بذكر الأمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب.

ـ التلحين بالغناء.

ـ إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها بضرب الرؤوس وجرحها بالمدى.

ـ استعمال آلات اللهو كالطبل والزمر والصنوج.

ـ تشبيه الرجال بالنساء في وقت التمثيل.

ـ إركاب النساء الهوادج مكشّفات الوجوه، وتشبيههنّ ببنات رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم).

ـ صياح النساء بمسمع من الرجال الأجانب، وصوت المرأة عورة(1).

____________

1- أي أنّ صوت المرأة كالأعضاء التي ينبغي سترها، فلابدّ أن يُستر.
[إنّ الكاتب ترجم كلمة العورة حرفيّاً، فصارت مرادفة للعار، واستنتج من هذا أنّه يجب عدم إسماعه لكونه عاراً، ولكن المترجم لم يأخذها بهذا المعنى.
ولا يمكن الاستدلال بهذا المصطلح لإلحاق صوت المرأة بالأعضاء التي ينبغي سترها، والعار لا يلحق بنفس الأعضاء ـ بما هي أعضاء ـ بل بإبرازها وإظهارها وجعلها في معرض الآخرين، فتكون سبباً للعار والفضيحة في بعض الأحيان، وقد ورد في آيات القرآن خطاباً ينهى بعض النساء ـ من باب النصيحة؛ لحفظ كرامتهن ومقامهن العالي ـ عن إسماع أصواتهنّ ومخاطبتهن، كي لا يخضع الذي في قلبه مرض، فيوقعه في الوسوسة والميل لهن.
هذا في الأصوات التي تغلب فيها الأُنوثة على جهة الصوت البشري المتعارف.
إنّ الصوت والكلام وسائل للتكلّم بلا شكّ، فإنّ الرجل والمرأة يشتركان في هذه الحقيقة، أمّا إذا كان اللسان وسيلة للدلع، فلابدّ أن لا يخرج إلاّ في الأماكن المخصوصة له ـ كما في سائر آلات الدلع الأخرى ـ ويبقى محفوظاً فيها، وبلا شكّ فإنّ الاستفادة من وسائل التدلّع في محالها لا يُعدّ عاراً، وإنّما تكون كذلك لو صارت في معرض الآخرين، يستفيدون منها في موارد الخطأ، فتكون حينئذٍ سبباً للفضيحة. م].


الصفحة 411
ـ الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة.

ـ كلّ ما يوجب الهتك والشنعة.

وكان [محسن الأمين] يعتبر هذه الأمور بأنّها أدوات إبليس، ولما صرّح [محسن الأمين] برأيه انتقد تصرّفات عبد الحسين صادق في ممارسات عاشوراء، وكتب ردّاً على آرائه التي أوردها في كتاب >سيماء الصالحين< [كذا، والصحيح: الصلحاء. ح] ونقداً لما جاء فيه، ونبّه على وجود الأخطاء النحوية فيه(1).

وكان يرى أنّ ممارسات عاشوراء، التي كانت تقام في النبطيّة، سبباً للسخريّة والاستهزاء بأهل البيت وأتباعهم، فينبغي أن لا تُقام هذه الممارسات العزائية والمواكب والمجالس إلاّ إذا نُزّهت وهذّبت عن المحرّمات الإلهيّة(2).

____________

1- «التنزيه» ص٧ [اُنظر التنزيه، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ١٨:٥. ح].

2- نفس المصدر السابق «التنزيه» ص٨. [اُنظر التنزيه، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٢٦:٥. ح].


الصفحة 412
وبعد أن أورد الكاتب أدلّة المخالفين، ناقش فيها وردّها، ثمّ بيّن رأيه، وصرّح بالنقاط التي اعتقد بها، والأمور التي أضحت سبباً لقلقه ووقوعه في الفكر، وابتدأ في هذا الباب من مسألة نقل الأكاذيب والموضوعات.

وكما يعتقد عبد الحسين صادق، أنّه لا إشكال في نقل الأساطير في أحاديث العزاء ولسان الحال في ألفاظه بشكل مطلق، بشرط خلوّه من النتائج السلبيّة؛ لأنّ هذه الكلمات غير مسندة إلى الشرع، ولم تعدّ من معتمداته وأدلّته.

ولكن محسن الأمين لم يقبل التفكيك بين الحوادث التأريخيّة والعبارات المسندة إلى الشرع، بل يعتقد لزوم الدقّة الكاملة والتأمّل في نقل الحوادث التأريخيّة، ولا يُنقل منها إلاّ الثابت المُسند(1).

وأمّا من ناحية الألفاظ واللغات المستعملة في سرد هذه الحوادث التأريخيّة، فقد كان عبد الحسين صادق يوصي بإيكال هذه المسألة إلى المتديّنين من الخواص والعوام، كي يتحدّثوا في [الدائرة] بلهجتهم ولغتهم؛ لأنّ الشيعة لديهم لغات مختلفة ولهجات متفاوتة يتخاطبون بها، (ففيهم العرب والأتراك والفرس والهنود)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يمكن التخاطب مع عوام الناس بالعربيّة الفصحى(2).

____________

1- نفس المصدر ص١٠ ـ ١٣ [انظر التنزيه، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٣٢:٥. ح]، كان لمحسن الأمين نظريات دقيقة وواضحة تتعلّق بكتابة التاريخ، وقد طبّقها في كتاب «أعيان الشيعة».

2- سيماء الصالحين [كذا، والصحيح: الصلحاء. ح]. ٤٦ ـ ٤٨. [اُنظر سيماء الصلحاء، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٤٩١:٤. ح].


الصفحة 413
وقد هوجمت كلّ محاولات محسن الأمين تجاه اهتمامه باللغة العربيّة بشدّة، وأخيراً كان جوابه اجتناب اللحن في اللغة ومخاطبة العرب بلسان خال من الأغلاط، وضرب في نقده أمثالاً للأكاذيب والموضوعات، وفي آخر المطاف تطرّق إلى مسألة اللطم في ممارسات عاشوراء.

وقد قايس عبد الحسين صادق بين شجّ الرأس [التطبير] وبين الحجامة، واعتقد جواز ذلك(1).

وقد ردّ محسن الأمين هذا الاستدلال، وصرّح بأنّ مثل هذه الأعمال لا يمكن أن تكون وسيلة قرب إلى الله، بل عكس ذلك، إنّما هي أعمال توجب غضب الله ورسوله وآله، وحسب رأيه أنّ الأحكام والقوانين الإلهيّة قابلة للانطباق وسهلة التطبيق على كلّ حال، فلو أدّى حكم تكليفي إلى إيصال ضرر للمؤمن وجب عليه اجتنابه(2).

وكان يرفض نظريّة مخالفيه القائلة بأنّ الأنبياء والأئمة صاروا قدوة ورمزاً لأتباعهم ومواليهم، بسبب ما عانوا من مشقّة وصعوبة لا تُتحمل في رياضتهم وزهدهم وعبادتهم وتحمّلهم للمهامّ الثقيلة والأعباء التي يعجز عنها البشر.

____________

1- إنّ هذه الرؤية تشابه التفاسير القرآنية الحديثة، كالتفسير القائل بأنّ المراد من «الجنّ» في القرآن هو الميكروب والجرثومة، وهنا نشهد نقطة التقاء بين العقل العلمي الحديث والقواعد القطعيّة.

2- يقصد: الضرورات تقدّر بقدرها.


الصفحة 414
وكان لا يرى هذه التوجيهات المذكورة في الأمثلة السابقة كافيةً للاستدلال والبرهنة [على مشروعيّة هذه الأفعال] وأضاف إلى ذلك:

إنّ إيصال الإنسان الضرر إلى نفسه لا يُعدّ أمراً عقلائيّاً، ولذا فإنّ رجال الدين أنفسهم لا يريقون دماءهم [بالتطبير] ولكنّهم يوكلون أجره وثوابه إلى الناس، وحينما يلطمون إنّما يلطمون على صدورهم بهدوء، ولا يتجاوزون الحدّ بحيث تحمرّ صدورهم، وكان يعتقد أنّ هذه القضية مطابقة لفتوى محمّد حسن الشيرازي(1).

ويعتقد عبد الحسين صادق أنّ هذه الممارسات والطقوس جائزة؛ لأنّها لم تُمنع من قِبل المجتهدين الكبار سابقاً، وهذا بحدّ ذاته اتفاق ودليل ضمنيّ على الجواز (الإجماع السكوتي)، ولكن محسن الأمين حارب هذه النظريّة وصرّح بأنّه:

أوّلاً: إنّ المجتهدين العظام مثل محمّد حسن الشيرازي، أعلن مخالفته لبعض هذه الممارسات العاشورائيّة.

وثانياً: إنّ عدم إفتاء باقي العلماء بذلك، فإنّه راجع لعلمهم بعدم تلقّي عوام الناس وترتيب الأثر على فتواهم(2).

____________

1- «التنزيه» ص١٤ ـ ٢٣ [اُنظر التنزيه، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٨٥:٥. ح].

2- «التنزيه» ص٢٣ ـ ٢٤. [اُنظر التنزيه، المطبوعة ضمن هذه المجموعة٥ : ٨٥-٨٦. ح].


الصفحة 415
ثمّ قام بالبحث والتحقيق في تفاسير تصريحات عبد الحسين صادق لفتاوى جعفر كاشف الغطاء والميرزا القمّي والعلماء المعاصرين [لتلك البرهة الزمنيّة] لاسيّما فتاوى >أبو الحسن الإصفهاني<(1).

ثمّ فصّل [محسن الأمين] البحث فيما يتعلّق بالمجالس المعقودة تحت إشرافه في دمشق، والقضايا المتعلّقة بوقائع البصرة، وكان آخر كلامه هجوماً على مخالفيه ومخالفي مهدي القزويني، وقد ذكر بالاختصار: إنّ هذه الوقائع الأليمة والأحداث الموجعة قد حلّت بأجدادنا >فإنّ بكاء الثكلى ليس كبكاء المحترف الأجير<(2).

[فكان محسن الأمين بلحاظ كونه سيّداً يريد القول: إنّ أجدادنا عانوا من المحن والمصائب المؤلمة، وإنّما نحن السادة أولى من غيرنا بإقامة العزاء على جدّنا؛ لأنّ غيره من الصفّ المقابل والمخالف كان عاميّاً، ومع كونه عاميّاً إلاّ أنّه يعتقد بقضايا التطبير والشبيه والدائرة.

وكان يطلق عليهم المربّية الأرحم من الأم، يقصد المفرطين في ممارسات العزاء الحسيني].

____________

1- نفس المصدر، ص٢٦ ـ ٢٨ [اُنظر التنزيه، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٨٩:٥. ح].

2- ر. ك، ص٣١ ـ ٣٢، إنّ محسن الأمين كمهدي القزويني، كلاهما [سيّد] من سلاسة الحسين وذرّيته، بينما عبد الحسين صادق ليس كذلك [ ليس سيّداً من ذرية الحسين والرسول]. [اُنظر التنزيه، المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٩٨:٥ ليست الثكلاء كالمستأجرة. ح].


الصفحة 416

الفصل الرابع الفرقة والاختلاف (الفتنة) (1)

____________

1- «الفتنة الكبرى»: هي الحروب الدائرة بين الفرق الإسلاميّة التي ظهرت بعد هلاك الخليفة الثالث عثمان، ثمّ أطلقت هذه اللفظة نفياً على «كلّ انكسار وتخاذل حقيقي ـ فكريّاً كان أم عسكريّاً ـ ضد الحكم آنذاك».
ر. ك. برنارد لويس
Bernard Lewis. (Le langage politique de l. islam). Gallimard. Paris, ١٩٨٨, p.١٤٦.
وتستعمل «الفتنة» اليوم قبال «الوحدة» بين المسلمين، التي هي منشا للنظم والاستقامة والثبات، خصوصاً في البرهة الزمنيّة التي هي محل البحث، وقد أطلق جعفر الخليلي مصطلح «الفتنة» لبيان الخلافات التي أثارها محسن الأمين [حسب ما يرى] ثمّ استعمل وارنراند هذا المصطلح في مقالته التي كتبها في هذا الشأن.
Werner Ende. (The flagellations of Muharram and the shiite ulema). P.٢٣.
(وتحتوي هذه المقالة على ترتيب ودقة عالية، ولكنها تفتقر إلى المعلومات المفيدة؛ لأنّ المؤلّف لم يعثر على الأكاذيب المدوّنة لمحسن الأمين)، ومن قبله تطرّق ژاك برك إلى البحث في «الفتنة» في طريقه للبحث في شخصيّة جعفر الخليلي، في مدوّنة «النجف وكربلاء الأمس»:
Jacque Berque. (Hier a Najaf et karbala Arabica), ٩(١٩٦٢). P.٣٣٧ – ٣٣٨.
ولكن وارنراند أشار إلى وجود أخطاء في هذا الموضع من المقالة، فقد نقل لفظ «الأُموي» [بتشديد الميم] واعتبر أصل هذه اللفظة «الأمّة»، في حين أنّ «الأموي» [لم تشدّد الميم فيه] وأصله «بنو أمية». وأخيراً فقد خصّص إسحاق النقاش فصلاً من كتاب «الشيعة في العراق» ص١٥٤ ـ ١٥٧، بتداعيات محسن الأمين وردود الفعل عليها.


الصفحة 417
وقد ظهرت ردود الفعل بسرعة، ينقل محسن الأمين أنّ: >بعض الغضب والانفعال نزل على الأرض، وأنتج رعداً وبرقاً وأمواجاً، وأثار عوام أتباع المذهب وحرّك مشاعرهم<(1).

وبعد أشهر من نشر >التنزيه< في مطلع سنة ١٩٢٩، نُشرت في العراق عدّة رسائل ردّاً على آراء محسن الأمين، وقد قام عبد الحسين الحلّي

ـ الذي يُحتمل أنّه المؤلّف لكتاب >نصرة المظلوم< في الواقع، ولكنّه كتبه باسم مستعار طبعاً ـ بنشر كتاب تحت عنوان >النقد النزيه لرسالة التنزيه<، ردّ فيه الأدلّة التي استدلّ بها على المنع الصريح المذكور في رسالة >التنزيه<(2).

وقد كتب أحد رجال الدين ـ المدعوّ >علي نقي اللكهنوي< القادم من لكهنو الهند إلى النجف والساكن فيها لطلب العلم ـ رسالة مختصرة تحت عنوان >إقالة الأثير [كذا، والصحيح: العاثر. ح] في إقامة الشعائر الحسينيّة< (الاعتذار عن الأخطاء) (3).

____________

1- «المذكّرات» ص١٥١.

2- يذكر المؤلّف في آخر الكتاب أنّه قد أجاب على «التنزيه» إلى الصفحة التاسعة عشر منه، ثمّ وعد القرّاء بنشر الجزء الثاني من كتابه. ر. ك «النقد النزيه» ص١٦٣ ـ ١٦٤. [انظر النقد النزيه، المطبوع ضمن هذه المجموعة ٢٢٧:٦. ح].

3- طبع في المطبعة الحيدريّة في النجف، سنة ١٣٤٧ (١٩٢٨ ـ ١٩٢٩)، ونُشر في ٥٩ ص، مؤلّفه علي نقي النقوي، وهو من الأسر العلمائية الكبيرة في لكهنو. ولد سنة ١٩٠٧، ثمّ هاجر إلى النجف لطلب العلم، وبقي فيها إلى حدود سنة ١٩٣٥، ولديه كتب ومقالات في الصحف العراقية، وكذا في مجلّة العرفان.
ولما رحل أبوه أبو الحسن، عاد إلى لكهنو، وأكمل مسيرة أبيه كقائد وزعيم ديني، وتقلّد زمام أمور أتباع أبيه من بعده.
٣ـ عبد الله السبيطي [كذا، والصحيح: السبيتي. ح]، «رنة العصا [كذا، والصحيح: الأسى. ح]، نظر في رسالة التنزيه لأعمال الشبيه» مطبعة النجف، بغداد، ١٣٤٧ (١٩٢٩) في ٤٥ صفحة، ولد في قرية كفرا سنة ١٨٩٦. ولمزيد من الاطلاع حول أحوال المؤلّف راجع مذكّرات كتاب وارنر.
Wetner eunde. (the flagellations muharram of muharram and the Shiite ulema). P٢٣.


الصفحة 418
[والترجمة الأخيرة ترجمة مختصرة تلقّاها المؤلّف من عنوان الكتاب، ويمكن أن يفهم المعنى الكامل للكتاب من ترجمة العنوان بهذه الكيفيّة >الاعتذار من الأخطاء الحاصلة في إحياء الذكرى الحسينيّة< م.].

وقد ردّ في هذا الكتاب أفكار محسن الأمين، ولكن طبعاً بدون أن يدخل معه في بحث علمي ومناظرة دقيقة وعميقة، تصلح أن تكون أساساً للبحث العلمي بين العلماء، بل قد اكتفى علي نقي النقوي اللكهنوي ـ دفاعاً عن نظريته ـ واعتمد على آراء معاصريه من المجتهدين وفتاواهم الدالّة على مشروعيّة ممارسات عاشوراء.

وكتب رجل دين آخر، وكان شاباً قد قدم من جبل عامل وسكن النجف، يدعى >عبد الله السبيطي< [كذا، والصحيح: السبيتي. ح] كتاباً في نيسان ١٩٢٩ تحت عنوان >رنّة العصا< [كذا، والصحيح: الأسى. ح]، وهذا أيضاً ـ قبل أن يعتمد على فتاوى المجتهدين المعاصرين فيما يتعلّق بحوادث


الصفحة 419
البصرة ـ نقد آراء محسن الأمين واحدةً واحدة ثمّ ردّها، وكان غليظاً في خطابه.

وكان في بعض الأحيان يبتدء >السبيطي< [كذا، والصحيح: السبيتي. ح] نقده لمحسن الأمين ويوجّه إليه أصابع الاتهام، ويحذّر من خطر الماسونيّة والمسيحيّة [ وحركة التبشير المسيحي التي يقوم بها المبلّغون للمسيحيّة في المناطق غير المسيحيّة] مشيراً إلى أنّ خطر هذه الأمور أعظم من ممارسات عاشوراء.

ثمّ يتمّ رسالته بعبارة: إنّ محسن الأمين يعتقد عدم ترتيب أثر لمنع العلماء ونهيهم الناس، إذاً هو بنفسه يعترف بعدم قدرته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعجزه عن ذلك، وعليه فهو عاجز عن قيادة الناس دينيّاً وفاقد للشرائط(1).

ثمّ كتب رجلان من رجال الدين من أسرة المظفرّ ردّاً على كتاب >التنزيه<، وهما:

محمّد حسين [المظفر] في بغداد، حيث كتب كتاب >الشعائر الحسينيّة<(2).

____________

1- نفس المصدر ص٨ و٤٧.

2- محمّد حسين المظفّر، كتاب «الشعائر الحسينيّة»، مطبعة النجف، بغداد، ١٣٤٨ (١٩٢٩). ولم أرَ هذا الكتاب شخصيّاً [طبع ضمن هذه المجموعة ٣٩٩:٥ باسم الشعائر الحسينية. ح].


الصفحة 420
وعبد المهدي المظفر ـ الذي كان يسكن البصرة، وينافس مهدي القزويني فيها ـ في كتاب نشره تحت عنوان >إرشاد الأمّة للتمسّك بالإمامة<(1) [كذا، والصحيح: بالأئمة. ح].

وقد قامت هيئة التحرير في جريدة >العرفان< [بنقده والتحقيق فيه]، واعتقدت أنّه يشتمل على بحوث مهمّة قابلة للنقد والتحقيق؛ لأنّ فصلاً منه تطرّق لآراء المخالفين ومواقفهم ضدّ نظريات بعض علماء الإصلاح، وتوجيه أصابع الاتهام لهم، بأنّهم ذكروا قضايا لا ينبغي أن تُذكر(2).

وأخيراً قام عالمٌ آخر من شبيبة العلماء في جبل عامل ـ الذي كان في العراق مشغولاً بطلب العلم ـ وهو محمّد علي شرف الدين (١٩٠٠ ـ ١٩٥٣) بجمع وإعداد آراء محسن الأمين ونظرياته في المنع، في مجموعة تحت عنوان >رايات الحسين<(3)، حيث نشرته مجلّة >الهدى< في الاستدراكات(4).

____________

1- وقد نشر هذا الكتاب ـ كما يقتضي ـ في النجف سنة ١٣٤٨، وأخبر وارنر عن كتاب آخر ـ في هذا الباب ـ لهذا المؤلّف تحت عنوان «السياسة الدينيّة لدفع الشبهات على المظاهرات الحسينيّة» وقد طبع في النجف أيضاً.
Werner Ende. (The flagellations of Muharram and the Shiite ulema). P.٢٤.

2- إنّي لم أرَ هذا الكتاب.

3- [كذا، والصحيح: الراية الحسينية. الذريعة ١٠: ٨١. ح].

4- أشار لهذا الكتاب نور الدين شرف الدين في «المآتم الحسينيّة» (آذار ١٩٣١)، وكان مؤلّفه من تلاميذ العلماء والمجتهدين العظام في النجف سنة ١٩١٨.


الصفحة 421
الصفحة السابقةالصفحة التالية