المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 421 - ص 450) وقد نُشرت عدّة مقالات ضدّ دعوة محسن الأمين إلى [الإصلاح] في المجلات العراقيّة، ولكنّي لم أعثر عليها، وكان من بين هذه المجموعة الكثيرة من المؤلّفات المنشورة، والمتّفقة بعضها مع بعض، والتي كانت تهدف إلى السخريّة والتقليل من شأن الرغبات الإصلاحيّة العاشورائيّة، كتاب >كشف التمويه في [كذا، والصحيح: عن. ح] رسالة التنزيه<(1) لشخص يُدعى >محمّد الگنچي النجفي< [وهو دفاع عن نظريات محسن الأمين وآرائه في الإصلاح].

وقد أطلقت عليه مجلّة العرفان عنوان >زاهد العراق<، وبعد البحث والتدقيق المتكرّر في عمق مواضيع هذا الكتاب، اتهمت صاحبه بالأخطاء(2).

وعلى أيّ حال، فقد كان محمّد الگنچي يتابع البحوث والحلقات العلميّة لعلماء العراق، وكان شرع البحث في كتابه هذا طبقاً لبحوث هبة الدين الشهرستاني في أوائل سنة ١٩١٠، وكان مدافعاً حقيقيّاً للإصلاحيين، ومُريداً واقعيّاً وقويّاً لمحسن الأمين.

____________

1- «كشف التمويه في [عن] رسالة التنزيه» محمّد الگنچي النجفي المطبعة العلويّة، النجف، ١٣٤٧ (١٩٢٩) ٧٤ص. لم أتمكن من الحصول على معلومات وترجمة لمؤلّف الكتاب، ولكني أتصوّر أنّه كان يحضر درس محمّد كاظم الخراساني، لأنّه كان يعبّر في كتابه ويسند القول إليه بـ «شيخنا».

2- تموز وآب ١٩٢٩.


الصفحة 422
وقد مَدَحَ ـ في عدّة مواضع ـ المتقدّمين من زمن النبيّ إلى زمن جمال الدين الأفغاني ومحمّد كاظم الخراساني، ممّن انتفض بوجه الصف المخالف في عصره. وقام بشرح الأعمال الصالحة لمحسن الأمين، ثمّ ترجمته ومؤلّفاته، وأخيراً ذكر مكانة هذا المجتهد ومدى سعة ونتائج أعماله الإصلاحيّة(1).

وكانت جميع تصريحاته ومواضيع بحثه في هذا الكتاب دلائل على الفتاوى المانعة لكبار المجتهدين قبل محسن الأمين، فيما يرتبط بكلّ مسألة من المسائل التي هي محلّ البحث، وكذا قام بجمع الفتاوى الصادرة ضدّ الإصلاح(2).

المؤلّف الثاني للدفاع عن محسن الأمين، ما قام بتأليفه ونشره أحد تلامذته في دمشق تحت عنوان >دفع التمويه عن رسالة التنزيه< لـ >علي الجمّال<، وقد نشرت مجلّة >العرفان< ـ بدون أيّ تعليق ـ خبر نشر هذا الكتاب وما قبله(3). ويمكن أن نفهم ـ مدى سريّة تأريخ نشر هذا الكتاب، أكثر من غيره من الكتب المخبر عن نشرها ـ من خلال نشره على يد فرد مجهول من أتباع هذا المجتهد الكبير.

____________

1- كشف التمويه ص٩ و٦٣ ـ ٧١.

2- كشف التمويه: ص ٢٠ ـ ٥٦.

3- «دفع التمويه عن رسالة التنزيه» لعلي الجمّال، مكتبة ابن زيدون، دمشق، ١٣٤٧، ٨٠ص، لم أتمكن ـ من خلال بحثي ومراجعتي للمكتبات، وفي وسط شيعة العراق ـ أن أعثر على هذا الكتاب [طبع ضمن هذه المجموعة١٠١:٥ ح].


الصفحة 423
ولو قسنا مؤلّفات محسن الأمين حول الإصلاح، وقمنا بالبحث فيها مفصّلاً، ولاحظنا نشر المقالات المتعلّقة بالمقام في المجلاّت العراقية، لشاهدنا أنّه كان مؤيّداً شيئاً مّا في [لبنان]، وقد اضطرّ أن يتعامل مع مجلّة >العرفان< كي تدعمه وتحميه.

الاضطراب والتناقض في مجلة >العرفان<:

كان >أحمد الزين< ـ رئيس تحرير مجلة >العرفان< ـ قد بيّن دوره وأوضح رأيه فيما يرتبط بممارسات عاشوراء، ولم يخف ميوله ورغبته في آراء محسن الأمين الإصلاحية(1).

ولكن مع كلّ هذا أراد أن يُعيد النظر في كلّ الآراء والاعتقادات المختلفة والمتفاوتة، ولذا حدث الاضطراب والتناقض ـ بعد ذلك ـ في مجلّة >العرفان<، كما حصل الاضطراب والتناقض الأهم سابقاً في النجف.

وقد نُشرت أوّل المدّونات المرتبطة بهذه القضيّة في البصرة، حيث لم ينته القياس بين الأفكار والآراء تماماً، فقام القاضي >جعفر النقدي< (١٨٨٥ ـ ١٩٥١) ـ المجتهد والكاتب المثابر ـ بنشر مقالة امتداداً لآراء محسن الأمين، وبغض النظر عن القياس ما بين الآراء والأسباب في ذلك.

____________

1- في الواقع إنّ أحمد الزين قد استعجل بالتصريح برأيه في هذا الباب، والحال أنّ محسن الأمين لم يكتب شيئاً بعدُ، ذكر [أحمد عارف الزين] في «الشيعة والمنار» الاستدراك رقم ١، المطبعة العشرين، بيروت ١٣٢٨/ ١٩١٠، ص٣٣ مطلباً يتعلّق بهذا الشأن.


الصفحة 424
وقد نُشرت هذه المقالة أوّلاً في بغداد في مجلّة >الهدى< تحت عنوان >المنابر الحسينيّة<، ثمّ في مجلّة >العرفان< في أواخر سنة ١٩٢٨. نقد فيها جهل الخطباء والوعّاظ، وسكوت العلماء وعدم اعتنائهم بذلك(1).

ثمّ أخذ يحقّق النظر مرّة أخرى في المجالس الحسينيّة من خلال مقالة له في البصرة، عرض فيها فتاوى العلماء والمفكّرين في هذا المجال(2).

وكذلك فعل >مهدي الحجّار< (١٩٠٤ ـ ١٩٣٩)، الذي كان أحد رجال الدين في النجف، وهو المبعوث من قِبَل السيّد >أبو الحسن الأصفهاني< إلى أطراف البصرة ونواحيها لإنشاد الشعر، حيث كان يثني على محسن الأمين ويمدح آراءه الإصلاحيّة في شعره(3).

ويمكن أن ننظر في فتوى أحد رجال الدين الإيرانيين ـ الواردة في تلك البرهة الزمنيّة، والتي ذكرتها سلسلة >العرفان< ـ وهو محمّد تقي الأصفهاني في أوائل نيسان ١٩٢٩، وقد طُبعت في إحدى المجلاّت الفارسية ونشرت في مصر(4).

____________

1- «العرفان» آذار ١٩٣١.

2- «العرفان» نيسان ١٩٢٩.

3- «العرفان» تشرين الأوّل ١٩٢٩.

4- أثبت وجود هذه المجلّة الفارسية المعنونة بـ «جهرنامه» ]كذا، والصحيح: جهره نما.ح[ في «المطبوعات الفارسية في مصر» [الإسكندرية] (في حزيران وتموز ١٩٠٧).


الصفحة 425
ولم يذكر المؤلّف في هذه المقالة اسماً لمحسن الأمين، ولا تعرّض للنقاش المرتبط بممارسات عاشوراء، ولكن ـ قطعاً ـ أنّ السؤال الذي وجّه لرجل الدين هذا كان نتيجة لهذه القضية، مضافاً إلى أنّ هذه الفتوى بكلّ جزئيّاتها كانت موافقة لآراء محسن الأمين ومطابقةً لها. فقد تناولت ممارسات اللطم [وضرب السلاسل والتطبير و...]، >التصرّفات الهمجيّة<، وكذا مسألة النهي عن تشبيه الرجال بالنساء في التمثيليّات [تزيّ الرجال بلباس النساء في الدائرة والشبيه]، ونقدت الأكاذيب الموضوعة في هذه المجالس و...

وعليه فلا عجب أن يرسل حسن الأمين ـ ابن محسن الأمين ـ هذه الفتوى إلى هيئة التحرير في مجلّة >العرفان< فور حصوله عليها، فتقوم بنشرها مباشرةً.

وكان السبب في النزاع والخلاف في قضيّة الإصلاح في بداية سنة ١٩٣١، مقالة لشخص هندي يُدعى >محمّد علي ساليمين< تحت عنوان >المسلمون ومحبتهم لأهل البيت<(1). وقد استنكر في مقالته هذه ممارسات اللطم [وضرب السلاسل والتطبير...]، ودافع عن آراء محسن الأمين، وأطلق على هذه الممارسات اسم البدعة.

____________

1- حسب تصريحات حسن الأمين، أنّ المؤلّف كان يدافع عن نهضة محسن الأمين في مجلّته الصادرة في بمبيء.


الصفحة 426
كان >محمّد علي ساليمين< يعتقد أنّ من الأفضل أن تُبرز الشيعة حبّها لأهل البيت من خلال ترجمة أحداث الطفّ بجميع اللغات، وأوّل تلك اللغات الإنكليزيّة [التي هي سائدة في الدول الغربية].

وفي نهاية مقالته يستنكر على أهل السنّة الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم فرح وسرور لاسيما في الهند(1).

وكان الحقّ ـ بلا شكّ ـ مع >حبيب بن مظاهر<، حينما صرّح أنّ >ساليمين< لم يقصد إثارة الفتنة والنزاع مرّة أخرى، وإنّما أثنى على جهود محسن الأمين تعصّباً للمذهب(2).

____________

1- إنّ حدّة الصراع بين الشيعة والسنّة كانت موجودة، لكنّها تصاعدت بعد ذلك، فحصل نزاع فيما يتعلّق بممارسات عاشوراء على طيلة السنين، ففي سنة ١٩٠٦ ثمّ في سنة ١٩٣٥ كانت كلّ طائفة تخرج بمظاهرة وتقوم بممارسات لإسقاط الطرف الآخر. لمزيد من الاطلاع راجع: تاريخ ممارسات ذكرى إحياء محرم في الهند والنزاعات والخلافات بين الفرق المتعددة.
Keith Hjortshoj (shi i ldentity and the significance of Muharram in Lucknow. India). P.٢٨٩ – ٣٠٩.
ينبغي التأكيد على أنّ نظريّة الإصلاح لازالت موجودة في الهند، وعليه قضية «إصلاح ممارسات محرّم وتعليم تأريخه» كانت ضمن أعمال اللجنة الإصلاحيّة المدعّوة Sadrussudur.
وكذا يقول David pinault: إنّ شيعة الهند حتّى «الطلاّب منهم» استنكروا الظواهر والأعمال الدمويّة التي تحصل في ممارسات الإحياء لهذه الذكرى، وكانوا يجتنبوها بحجّة التعاون القَبَلي والطائفي.
نقلاً عن:
(The Shiites. Ritual and popular in a Muslim community). Tauris. Londre. ١٩٩٢ p.١٠٨.

2- نيسان ـ آيار ١٩٣١.


الصفحة 427
وكانت مقالة هذا الشخص الهندي ـ في الواقع ـ سبباً في انتشار الرسالة الرّدية والتكذيبيّة لـ >نور الدين شرف الدين<، التي تناول فيها الدفاع عن ممارسات عاشوراء. وقد نشرت المجلّة هذه المقالة في عددها الآتي طالبةً من قرّائها الإنصاف عند مطالعة هذه البحوث، ومصرّحة رغبتها في سدّ باب النقاش والبحث في هذا الموضوع(1).

ولم يُجدِ هذا في ترك النقاش بين فردين من رجال الدين في جبل عامل، واستمرار الردود بين >حبيب بن مظاهر< وهو (الاسم المستعار لحبيب ابن إبراهيم المهاجر) و>محمّد حسين الزين< الذي كان يشتغل في النجف بالمذاكرة، وكتب مقالة [باسم مستعار وكنية] >أبو فارس< [كذا، والصحيح: أبو فراس. ح] (2).

وجاء في >كلمة حول مأتم الحسين<: إنّ حبيب بن مظاهر ـ ضمن ما صرّح به من إخلاص نور الدين شرف الدين ـ قال: إنّه لم يُدسّ من قِبل أحد حتّى يغضب ويتألم منه، ولم يكن حاقداً جرّاء هذه المسألة، وإنّما قد وجّه النقد لآرائه.

____________

1- «مأتم الحسين».

2- أيّد هذا الكلام حسن الأمين في لقائه معي، وذلك في بيروت بتاريخ ٢٦/ ١/ ١٣٩٣ (ولد محمّد حسين الزين بن عبد الكريم في النجف عام ١٩٨٩). وأقام فيها من عام ١٩١٩ حتّى ١٩٣٣، واشتغل بطلب العلم والمذاكرة، وكان يتباحث ـ خصوصاً ـ مع حسين كاشف الغطاء.


الصفحة 428
ثمّ يرجع مرّة أخرى ويؤكّد البحث حول مسألة اللطم و>إيصال الضرر< ويناقش في ذلك.

وكان أبو فارس [فراس] يريد أن يختم البحث في هذه المسألة من خلال مقالته هذه، ويقول الكلمة الفصل، ويصرّح بارتضائه، فقد أينعت ثمار >زرع بذور الإصلاح<، وعمّا قليل تُجنى، فإنّ زرعها صالح.

وكان أيضاً يشجّع محمّد علي ساليمين، ويطلب منه عدم الانفعال والتزام الهدوء فيما سمعَ من هذر ولغو الآخرين.

وهذه المرّة يتخذ محرّر >العرفان< موقفاً حكيماً وقطعيّاً، فيستنتج في نهاية المقالة ويختمها بهذه العبارة: >لا يتعب المكذّبون والمنكرون أنفسهم بلا جدوى<(1).

[وكان هذا التصريح القاطع تلويحاً في الإعلام عن سدّ هذه المناقشات وخاتمتها]، ولكنّه ليس مانعاً عن إعادة البحث مرّة أخرى في العدد القادم، فقط طُبعت مقالة تتناول الفكر الإصلاحي، ويُقطع أنّ كاتبها >أحمد عارف الزين<(2)، وبعد عدّة سنوات كان محرّر >العرفان< يُظهر رأيه تجاه هذه المسألة في كلّ فرصة يراها مناسبة ومرتبطة بالمقام(3).

____________

1- «حول مآتم الحسين» نفس المصدر ص٥٩٩ ـ ٦٠٠.

2- «فاجعة الطف» أيّار ١٩٣١.

3- وكذلك ـ كمثال ـ كرّر أحمد الزين انتقاداته على ممارسات اللطم [والتطبير وضرب السلاسل] في مقالة له تتعلّق بكربلاء، نُشرت في أيار ١٩٣٤، وسدّد اللوم والتعنيف فيها، واستنكر كذلك على السنّة الذين يحتفلون ويفرحون بشدة في اليوم الأوّل من محرّم، عوضاً عن مشاركتهم إخوانهم الشيعة في العزاء.


الصفحة 429

حرب الإثارة وحرب الشوارع:

بقي رفيقان ـ لا ينفصلان ـ >أحمد عارف الزين<، [يعني] >سليمان ظاهر<، و>أحمد رضا<، فهما يداً بيد وإن لم يكتبا شيئاً لعموم الناس، ولم يظهرا ذلك في مقالة، ولكن كلاهما مدافع عن آراء محسن الأمين الإصلاحية(1).

وهذا الموقف ـ [أي الدفاع عن إصلاحات محسن الأمين] ـ بلا شكّ لم يكن أمراً هيّناً يتلقّاه أبناء وسكان >النبطيّة<؛ لأنّهم كانوا ذوي صلة بأسر التجّار والبرجوازيّة نوعاً ما، حيث عاد هذا الأمر سبباً في انحدار الناس إلى هذه المنطقة لمشاهدة ممارسات عاشوراء، [والحاصل ترقّي الكسب والشغل الأهلي لدى هؤلاء].

ولا أتَرَدّد في أنّ قبول الآراء الإصلاحيّة لدى شيعة بيروت أمر في غاية السهولة(2)، ولذا كان رجال الدين، والطلاّب والشخصيّات والكسبة والتجّار

____________

1- لقاء مع حسن الأمين، في بيروت، ٢٦/ ١/ ١٩٩٣، نضيف إلى ذلك: أنّ أحمد رضا في مذكّرة له وجهها إلى «الخطّة» وأعدّها لكرد علي، وصف الممارسات العاشورائيّة التي يقيمها الإيرانيون في جبل عامل كـ (اللطم و[ضرب السلاسل والتطبير] والمسرحيّات) بأنّها بدع، وأضاف أنّ علماء الشيعة في كثير من البلدان حرّموا هذه الممارسات ونهو عنها، ولكن الناس لم يطيعوهم ويتّبعوهم. ر. ك «خطّة الشام، المجلد السادس ١٩٢٨ ص٢٥٥.

2- ومثاله «منير عسيران» الذي كان يسكن بيروت، كما نقلت لي بنته «أميرة» في لقاء أجريته معها في ٥/ ٦/ ١٩٩٣، أنّه كان في جملة المؤيّدين لمحسن الأمين، فكانت ممارسات عاشوراء تقام في ثانويات جبل عامل بالطريقة المهذّبة والمنسّقة، وبحضور الشخصيّات من أهل السنّة، وهكذا فقد تحدّث مؤسس الثانويات «رشيد بيون» في خطابه الصادر يوم عاشوراء ١٩٣٦ موجّهاً سؤاله إلى الحضور بأنّه: هل يشترط في أحياء ذكرى الحسين والمحافظة على خطّه: البكاء وشقّ الجيوب وضرب الصدور...؟ ثم أجاب قائلاً: «كلاّ إنّ الطريق الأوحد هو تطوّر العلم ونشره وكثرة المعرفة والاطلاع» ر. ك «الجمعيّة الخيرية العاملية في بيروت» مطبعة ابن زيدون، دمشق ١٣٥٥/ ١٩٣٦، ص١٠٨.


الصفحة 430
في النبطية يجتمعون حول المنافس الشديد لمحسن الأمين ـ أي عبد الحسين صادق ـ هذا مضافاً إلى الصلة والقرابة بينه وبين أسرتي >الأسعد< وشرف الدين.

وكان صف محسن الأمين محميّاً بيوسف الزين والمريدني، حيث اُمروا من قِبَل السلطة والدولة الحاكمة أن ينهوا عن الممارسات العنيفة ويمنعوها.

والصف المقابل كانت إداراته وحمايته بيد >فضل الفضل< و>نجيب(1) عسيران<، وكان يسير بعكس الصف الآخر تماماً، [ويسعى لتطوير هذه الممارسات]، وفي النتيجة قرّرت السلطة القائمة أن لا تتدخل في هذه المسائل.

____________

1- إبراهيم الفرّان في «رأيان مختلفان في كيفيّة إقامة عاشوراء» ص٤٢. وكما يصرّح سليمان نجاح (أنّه لا يتذكّر المصدر في ذلك): وكانت الحكومة القائمة في البدء ترغب في منع الضرب بالسلاسل، ولكن لمّا وفد رئيس الشرطة إلى النبطيّة، وشاهد أنّ هذه الممارسات لم تسبّب موت أحدٍ، وليس بين هؤلاء الأفراد مقتلة، أجاز ذلك، وأمضى الاستمرار فيه.
ر. ك «إحياء ممارسات عاشوراء في النبطيّة، لبنان»، المجلد الأوّل، ص٤٢.
ولم أرَ في الأرشيف الفرنسي أثراً يدلّ على الرغبة في منع هذه الممارسات، بل كلّ التقارير تشير إلى إقامة هذه الممارسات مع عدم حصول حادثة مّا.


الصفحة 431
ولم تتغير آراء الكثير من رجال الدين في جبل عامل، كما أنّهم لم يصرّحوا بمرادهم، أو ـ على الأقل ـ كانوا يسعون في عدم ترك أثرٍ لهم وبيان لمرادهم.

وقد حدثت بين أهالي النبطيّة نزاعات شديدة وعنيفة، بحيث كان بعض أتباع هذه الممارسات ـ ممّن كان آلةً بيد أصحاب النفوذ ـ يطوّر هذه الممارسات ويقيمها في شهر محرّم بنحو أشدّ، تعقيباً على نشر >رسالة التنزيه<، وهكذا حتّى يعربوا عن عدم اتّباعهم هذه الرؤى والآراء التي ذكرها صاحب هذا الكتاب(1).

مضافاً إلى أنّهم كانوا يشتمونه [مؤلّف رسالة التنزيه]، ويذكرونه بفحش في الملأ العام، وكما هو المعهود في الشعار >اللعنة على ظالميك يا أبا عبد الله<، كان الناس يردّدون هذا الشعار ـ وهو شعر لعبد الحسين صادق ـ :


لعنَ الله اُناساًحرّموا ندبَ الحسين<(2).

وفي الواقع لم يَعُد الخلاف والنزاع الفكري بين رجال الدين في النبطيّة ومحسن الأمين موقوفاً على الورق، ومكتوباً بنحو غليظ وشنيع، وإنّما تحوّل إلى تقابل أدبيّ، فتطوّر إلى الشعر والنياحة، ودخل فيهما غالباً.

وهكذا كتب عبد الحسين صادق هادفاً تعليم مخالفه وإرشاده قائلاً:

____________

1- إبراهيم الفرّان في «رأيان مختلفان في كيفيّة إقامة عاشوراء» ص٤٢.

2- سليمان نجاح في «إحياء ممارسات عاشورا» ص٤٦، أضيف إلى ذلك أنّ «أبا عبد الله » كنية الحسين.


الصفحة 432

ترى إقامة العزاء بدعةجديدة يأبى الهدى تجديدها
أما درت أنّ النّبيّ سنّهالعمِّه مُستحسناً مَزيدها
ألم ترد به صحاح جمّة لا يجهل ابنُ سنّة وُرودها(1)

وفي أبيات أخرى جابه عبد الحسين صادق، محسن الأمين بلهجة لاذعة ومنطق حادّ، وضاهى بين هجومه وحربه لتهذيب ممارسات العزاء الشيعي، وبين هدم قبور أهل البيت على أيدي الوهابيّين في المدينة قائلاً:


فما المعول النجدي أدهى مصيبةًمن القلم الجاري بمنع المأتم
كلا ذَيْن هدّام لما شادَ أحمدٌولكن يراعُ المنع أكبرُ هادم
حسامان مشحوذان سُمٌّ خديعةولا تنطلي إلاّ على غير فاهم(2)

____________

1- عبد الحسين صادق «عفر الذباء والشمس وبنو عبد الشمس» العرفان ص ١٤٥، المراد من العمّ هنا: حمزة. [وهذا من الموارد التي أخطأ في ترجمتها مترجم الرسالة إلى اللغة الفارسية، والصحيح «عفر الظباء»، وعفر، جمع أعفر وعفراء: وهي الظبيّة غير خالصة البياض. وقد أطلق الشيخ عبد الحسين صادق هذا الاسم ـ عفر الظباء ـ على قصيدة له تقع في ١٢٩ بيتاً، وله أيضاً قصيدة اُخرى سمّاها «الشمس وبنو عبد شمس»، وقد قام ولده الشيخ حسن بجمعهما وشرحهما وطبعهما في كتاب مستقلّ سمّاها «عفر الظباء والشمس وبنو عبد شمس» ح].

2- عبد الحسين صادق « سكت المتعة» المجلّد الأوّل، المطبعة العشرية، صيدا، ص٢٤١. [والصحيح هو: «سَقَط المتاع»، وهو اسم للديوان الشعري الثاني للشيخ عبد الحسين صادق، أمّا لماذا سمّي بهذا الاسم؟ يقول محقّق هذا الديوان حبيب صادق:
يتعيّن علينا أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا، ليس من باب مقاربة ما وراء التسمية من مضمون شرحاً وتحليلاً، بل من باب مقاربة الشكل توضيحاً ليس غير. والشكل يعني هنا العنوان اللغوي الذي حمله الجزء الثاني من الديوان، أي «سقط المتاع»، فلماذا هذه التسمية يا ترى على رغم ما تحفل به من عناصر اللاّتجانس بل التنافر مع معاني المضمون، أي جمالية الشعر وقيمه الفنية والإبداعية؟
لذلك قصة لا مندوحة لنا عن روايتها ليستقيم أمر التوضيح وإدراك المعنى، تبدأ القصة من تاريخ إصرار الشاعر، العلاّمة الشيخ عبد الحسين صادق، على حجب وجهه الشعري عن الناس حجباً كاملاً، وهذا التاريخ يعود إلى زمن التحاقه بجامعة النجف الدينية في العراق، اُسوة بآبائه وأجداده، وانقطاعه عقب العودة إلى الاضطلاع بمسؤولياته الدينية في مجتمعه العاملي.
وما كان إصراره إلاّ تجلّياً لحرصه الشديد على فرادة وجهه الديني ونقاوته، سيراً على تقاليد السّلف الصالح، فهو قبل كل شيء وبعده، عالم ديني له منزلة عالية بين أقرانه العلماء، وله مهابة وإجلال في أوساط الناس، عامة وخاصة. فليس من المستغرب في بيئته الاجتماعية، في ذلك الحين، أن أصرّ على حجب وجهه الشعري رافضاً نشر قصائده، سواء في كتب مستقلة أم في مجلاّت وصحف سيارة...
وحسبنا هنا أن نستشهد، على ذلك بما جاء في مجلة«النور» الصادرة في الإسكندرية سنة ١٩٠٨، فقد جاء فيها حرفيّاً أنَّ: «الشاعر، صاحب الفضيلة الشيخ عبد الحسين صادق، هو من نوابغ علماء وشعراء سوريا الأحياء، ونحن منذ سنتين نرغب في أن نزفّ إلى قرّائنا الكرام شيئاً من عرائس شعره، فلم نوفّق إلى ما رغبنا فيه... وذلك لأنّ الشاعر لا ينشر شيئاً من شعره مع ما هو عليه من سمو المكانة في تعابيره ومعانيه الشعرية...».
كما نستشهد على ذلك، أيضاً، بما جاء في «شعراء الغري» «أنّ الشيخ عبد الحسين صادق علم معروف، وعالم تضلّع في سائر العلوم... وأنّ شعره لا يحصل عليه القارئ إلاّ من طريق الرسائل، آنذاك، حيث صدف عن نشره لتضخّم مقامه وبروزه الديني».
وإذا توالت على الشاعر التمنيات، دون انقطاع، من قبل زملائه العلماء والشعراء والأدباء، ومن قبل أصدقائه المقرّبين وعارفي مقامه الشعري، سمح لأبنائه، أخيراً، أن يضطلعوا بمهمة نشر المحفوظ لديه من الشعر، وهو ليس مجموع شعره، شريطة تجري عملية النشر بعد وفاته وليس قبلها، وأن يطلق على ما ينشر منه تسمية «سقط المتاع» لا غير، «وهي تسمية تعبّر، تماماً، ـ بحسب قول العلاّمة السيّد كاظم علي إبراهيم ـ عن نظرة صاحبها وأمثاله من علماء الدين الزاهدين في متاع الدنيا وزخرفها، وهي نظرة تشير إلى أنّه ينبغي على العالم الديني أن لا يشتهر بها (بالشعرية) وإن كانت قصائده حبيبة إلى نفس صاحبها وتقدّم صورة لحياته الخاصة، لعواطفه كإنسان عادي يشترك مع بقية الناس في مشاعرهم وهمومهم، ولكنّها يجب أن تبقى بعيدة عن الأنظار، إنّها الجزء الجوّاني من حياة العالم» ح].


الصفحة 433


الصفحة 434

وكان غضب مجتهد النبطيّة ضد محسن الأمين يفعّل ويقوّي شاعرّيته، ويزيدها حرارةً، بحيث يقول:


رماك بكذب وافتراء فقل لهرُويداً تورّع عن مقالة آثم
رماك وما أدهى وأدهم ما بهرماك بتضليل الورى للدّراهم(1).

وكان عبد الحسين صادق واثقاً من مؤيّديه الذين يشاطرونه الغيظ والغضب، وهكذا استغلّ الفرصة، فلمّا زوّج ابنته محمّد جواد شرف الدين ابن عبد الحسين [شرف الدين]، أنشد شعراً بهذه المناسبة وهداه إلى صهره قائلاً فيه:


فارشف من شفتيه اللماوأحظى من تفاهة الوجنتين
تجدني إذن تاركاً مذهبيكمن سنّ تحريم ندب الحسين(2).

والشعر أكثر رسوخاً في الذهن من نثر العلماء، فإنّه يُختزن في الذاكرة.

____________

1- نفس المصدر ص٢٤٢، لملاحظة سائر الأشعار الواردة ضدّ محسن الأمين وإصلاحاته راجع هذا المصدر ص٢٤٣ ـ ٢٤٤.

2- ذكرت هذه الأبيات في خواطر «حبيب الإبراهيم». «حديث النعم». في «المهاجر العاملي» ص٨٨.


الصفحة 435
ونحن وإن لم نتمكّن كإبراهيم الفرّان، وحسب أسلوبه ومنهجه في سنة ١٩٧٠، من دعوى وجود النزاع والخلاف الفكري في قضية الإصلاحات لممارسات عاشوراء، والقول بأنّ تبعات تلك الهزّة لازالت مشهودة وملموسة(1).

ولكنّنا نعلم أنّ أبيات شعر عبد الحسين صادق لازالت دائرةً على ألسنة شيعة جبل عامل حتّى في عصرنا الحاضر، ممّا يدلّ على بقاء هذا الخلاف وعدم حذفه من الذاكرة.

يذكر جعفر الخليلي في إحدى خواطره: >بأنّ أسرة صادق وشرف الدين والأمين، كان لديهم أتباع من ذوي النفوذ في العراق...<. ولهذا انتقل النقاش والتنافس إلى النجف، كما أنّه طبعت ونشرت [في النجف] المؤلّفات والمقالات ضد حركة الإصلاح لمحسن الأمين، ولو حقّقنا النظر وحلّلناه بدقة ـ فيما يتعلّق بمؤلّفي هذه الكتب والمقالات ـ لوجدنا علاقات ومعاهدات وقرابة بينهم وبين المنافس الكبير لمحسن الأمين، أعني عبد الحسين شرف الدين.

وفي الواقع إنّ عبد الله السبيطي [كذا، والصحيح: السبيتي. ح] كان صهراً وتلميذاً له، وعلي اللكنهوي أخذ منه إجازةً في الرواية(2)، كما أنّ

____________

1- إبراهيم الفرّان «رأيان مختلفان في كيفيّة إقامة عاشوراء» ص٢٣.

2- [اُجيز للرواية أيضاً من قِبَل عبد الحسين شرف الدين، كما نقل «بوغيه» في المجلّد الثاني، ص٨٥، أحمد القبيسي في «هيئة الإمام شرف الدين في سطور» دار التوحيد الإسلامي، بيروت، ١٨٠، ص٤٢م[


الصفحة 436
محمّد حسين المظفر قد أجيز بالرواية مرّةً أخرى من قِبَل أغا بزرك الطهراني، وكان تلميذاً لعبد الحسين شرف الدين، وكان قد وجّه النقد لمحسن الأمين في مواضع عديدة في مؤلّفه المشهور في باب تراجم [الرجال]، وقد سبق أن ذكرنا العلائق الأسريّة بين أسرة شرف الدين والصدر وآل ياسين.

أمّا بالنسبة إلى محمّد علي ونور الدين شرف الدين، فجدير بالذكر أنّ كلاهما أولاد إخوة لعبد الحسين شرف الدين(1).

وبقي البحث في موقف عبد الحسين الحلّي، من حيث إنّنا لا نعلم سبب خلافه لدعوى [ الإصلاح] لمحسن الأمين(2)، وقد اعترف >علي الخاقاني< الذي كان صديقاً له: >أنّه لم يكن السبب في ذلك إلاّ الصراخ

____________

1- وكان كلاهما أولاد أخيه «شريف»، حول محمّد علي (١٩٠٠ ـ ١٩٥٣) ر. ك «بوغيه» راجع المجلد الثاني ص٣٤٥، وفيما يتعلّق بنور الدين (المولود في النجف ١٩٠٩)، والذي كان قاضياً في صيدا، أيضاً راجع نفس المصدر، ص٥٠.

2- [مع كلّ ما بذله المحققون والباحثون من جهد في التحقيق العلمي، فإنّ المطالب المذكورة آنفاً توحي إلى ذهن القارئ، أنّ السبب الوحيد في بروز الخلاف للحركة الإصلاحيّة هو العلائق الأسريّة والمنافع الشخصيّة. وأمّا الدليل العلمي والجانب الاستنباطي الفقهي والقضائي، فلم يُلحظ ولم يُنظر إليه باهتمام، كما قلتُ في «مقدمة هذا الكتاب» فإنّ مواقف رجال الدين والعلماء كانت متفاوتة تماماً لأسباب متعدّدة النيّة، لا يمكن غظّ النظر عموماً عن أسباب: المنافع الشخصيّة والعلاقات الطائفيّة، والحب والبغض القبائلي، ولكن ينبغي أن لا يُعتمد في البحث والتحقيق على مواقف سطحيّة لعدّة من ممثلي الواقعة التاريخية أو الفقهية. نعم لابدّ أن لا يغفل المحقّق من خلال بحثه وفي جميع فصول أثره، فيلتزم الدّقة والوسوسة العلمية الممدوحة، فيبحث في الأسباب والشرائط الخاصة والظروف الاجتماعية والسياسية م].


الصفحة 437
والاعتراضات التي أتت من جانب العوام< ممّا أدّت إلى إثارته وكتابته ضدّ هذه الإصلاحات، ولم يقف على سبب هذه التصرّفات.

وقد كان الطلبة والعلماء في جبل عامل ـ والذين سكنوا النجف ـ جرّوا هذا الخلاف إلى التفرقة في المرحلة الأولى، وكان أكثر علماء هذه المدينة المقدّسة مخالفين لـ >رسالة التنزيه<، وأمّا مَن كان موافقاً لآراء هذا الكتاب [وأفكاره الإصلاحيّة] فكان يلتزم السكوت، أو يتهرّب عن التصريح والإعراب عن موقفه؛ خشية هجوم المعارضين.

كان >محسن شرارة< أوّل من جاهر وكتب مقالات في المجلاّت العراقيّة، تناول فيها الدفاع عن محسن الأمين، فتلقّى على أثر ذلك تُهماً وسباباً من جهة أتباع عبد الحسين شرف الدين ـ غالباً ـ هذا من جهة.

ومن جهة أخرى كانت شجاعة هذا العالم الشاب [محسن شرارة] حديث الساعة، وكان هذا الأمر مثيراً لحفيظة الآخرين، وبعد مدّة ظهرت نغمات [الوفاق الإصلاحي]، وتصاعدت أصواته ممتزجة مع صوت شرارة، ثمّ التحق به ابن عمّه محمّد أيضاً، ثمّ علماء العراق وعلى رأسهم أبو الحسن الإصفهاني، وأحد المجتهدين المعروفين باسم عبد الكريم الجزائري، وأخوه محمّد جواد، وتلميذه مهدي الحجار(1)، وكذا جعفر البديري وعلي

____________

1- عبد الكريم الجزائري (١٨٧٢ ـ ١٩٦٣) اشتغل بالتدريس في النجف، وقام بتربية كثير من الطلبة ورجال الدين، وكان من أقرباء «أبو الحسن الإصفهاني»، ومن ناحية أخرى كان يدعو إلى القوميّة العربيّة، وقد شارك في ثورة ١٩٢٠، ولعب دوراً فعالاً في عهد الاحتلال الإنكليزي. وأخوه وتلميذه محمّد جواد (١٨٨٢ ـ ١٩٥٨) كان رجلاً سياسيّاً فعّالاً.
مهدي الحجّار (١٩٠٤ ـ ١٩٣٩) لم ينحدر من أسرة علميّة، وكان جدّه من الوهابيين، ثمّ استبصر بعد ذلك ولحق بالشيعة، كان أبوه نقّاشاً أميّاً، بعث الحجار بعد كسبه العلوم إلى البصرة من قِبَل «أبو الحسن الإصفهاني».


الصفحة 438
القمي(1) كانوا من المدافعين عنه.

وكان منهم أيضاً الأديب والعالم النجفي جعفر الخليلي، ثمّ أيّد هؤلاء من قِبَل هبة الدين الشهرستاني.

وفي الخطّ المقابل شُوهدت جرأة الكثير، كالخطيب المعروف >صالح الحلّي<، حيث كان له نفوذ ومكانة عند الناس كخطيب متمكّن، فقد ولج في هذه المسألة، وكان يتعرّض لأبي الحسن الإصفهاني ومحسن الأمين، ويهاجمهما بلا أيّ شكّ وترديد على منبره، وكان ينشد شعراً يقول فيه:


يا راكباً أما مررتَ بجلّقِفابصق بوجه أمينها المتزندق

ولا نبلغ عظمة هذا السباب حتّى نعرف أنّ >جلّق< منطقة واقعة في جنوب دمشق، حيث كان يزيد يرغب في الذهاب إليها، فقد شبّه محسن الأمين [بشعره هذا] بالخليفة الغاصب الذي أمر بقتل الحسين(2).

وكان [ السقاة] الذين يحملون الماء لإرواء الناس في الشارع، قد تركوا شعار: >اللهمّ العن حرملة< (وهو أحد جنود الجيش الأُموي الذي قتل رضيع الحسين بالسهم)، وأبدلوه بشعار: >اللهمّ العن الأمين!<.

____________

1- جعفر البديري (المتوفى ١٩٥٠) وعلي القمي (المتوفى ١٩٥٢).

2- حصل نزاع بين محسن الأمين وهذا الخطيب ضدّ أبي الحسن الإصفهاني، كما في «المذكّرات» ص١٥١. راجع إسحاق النقّاش، «الشيعة في العراق»، ص٨٥.


الصفحة 439
مضافاً إلى أنّهم كانوا يُطلقون لفظ >الأمويين< على أتباع الأمين، ويُطلقون على مخالفيهم وناقديهم لفظ >العلويين<. وكان أتباع محسن الأمين يتخفّون خشية السبّ والتحقير وحتّى الضرب، وكان جعفر الخليلي المدعوّ بـ (الأموي) يُهدّد بالقتل في قصاصات تُلقى في منزله(1).

وقد أضيفت هذه النزاعات والخلافات الفكريّة المستمرة إلى التناحر القائم بين العصابات الأهليّة المختلفة(2). وحينما أقبل شهر محرّم في صيف ١٩٢٩، بلغ الخلاف أوجَه، فكانت مواكب العزاء تصحب معها القامات والرماح وآلات الموسيقى، أكثر ممّا كانت عليه في السنين الماضية.

وكانت آراء محسن الأمين تُحرّف ـ بلا شكّ ـ إمّا عمداً أو إشاعةً، وقطعاً أنّ الجماعة التي كانت توجّه إليه أصابع الاتهام، لم تقرأ ما كتبه، ولكن [بعض] الأشخاص حاول أن يثير الضجيج بأنّه قد منع وحرّم إقامة ذكرى الحسين(3).

____________

1- Werner Ende (The Flagellations of Muharram and the Shiite ulema) p.٣٠.

2- بالذات بين عصابتي (الزگرت) و(الشمرت) الذين كانوا في نزاع وشجار دائم، [كالنزاع والخلاف بين بعض مواكب العزاء في إيران، أو بين قبيلتي الحيدري والنعمتي في إيران م]. اُنظر:
Luizard Pierre – jean. (La foemation de l Irak contemporain) CNRS paris, ١٩١. P.١٧٥ – ١٨٠.
وكان رئيس عصابة الزگرت في طرف العمارة أبو جلال [كذا، والصحيح: أبو گلل. ح]، حيث كان مؤيّداً لآراء «أبو الحسن الإصفهاني» ر. ك:
Werner Ende (The flagellations of Muharram and the Shiite ulema). P.٣٤.

3- محسن الأمين «المذكّرات» ص١٥١.


الصفحة 440
وكانت هذه النقطة بياناً لأدلة تعكس ردّ الفعل العنيف من جهة، والتغيير السريع والمفاجئ في سلوك أهالي النجف حينما زارها محسن الأمين سنة ١٩٣٣ من جهة أخرى. وفي الواقع مع أنّ أصحابه نصحوه في التأنّي في سفره، حتّى ترجع المياه إلى مجاريها وتهدأ الأجواء، ولكنّه صمّم أن يُسافر لجمع المعلومات والاطّلاع على ما يفيده في كتابه >أعيان الشيعة<، وقد جرّه هذا السفر التحقيقي إلى العراق وإيران، واستُقبل من قبل أهل النجف بحفاوةٍ وتكريم، وكانت وفود النجفيّين تتوارد عليه من كلّ طبقةٍ ومرتبة، حتّى أنّ خصمه اللدود زاره وشدّ على يده، مُنبهراً به مُعرباً: أنّه لم يرَ أمامه >أمويّاً<، بل وجهاً نورانيّاً لفردٍ مؤمن عقائدي.

بعض التحليلات:

لمّا كان مخالفو محسن الأمين يُلقون عليه لقب >الأموي<، فإنّما هو لجهتين:

الأولى: لأنّه كان من سكّان دمشق، فهي [كناية عن بني أميّة الذين كانوا يسكنون نفس المنطقة ويقطنون دمشق والشام]، فكان مقتدياً وموافقاً لأعداء الحسين، كما يتهموه بذلك.

والثانية: النقد الموجّه إليه بأنّه أفنى تشيّعه وقضى عليه من خلال تناوله قضايا التقريب لأهل السنّة، فلم يصف نفسه >بالمُجدّد< فحسب، وإنّما وُصف >بالمتسنّن<، أي الراغب في أن يكون سنيّاً، ويحل صفات وسلوك كسلوك السنّة، حيث لم تكن تلك الفترة مناسبة [لهذا النوع من التجدّد]؛ لأنّ الشيعة كانت مهددة بالخطر في أواخر سنة ١٩٢٠، حيث الحكومة


الصفحة 441
الجديدة والسلطة الحديثة في العراق، وقضية هدم قبور بعض أئمة الشيعة وأهل بيت النبيّ في مقبرة البقيع على يد الوهابيّة في كانون الأوّل ١٩٢٥، من ناحية أخرى، فكانت الشيعة حينئذٍ تعيش حالة الاضطراب والأذى ممّا فوجئت به(1).

كان كثير من مخالفي ومنافسي محسن الأمين يتّهموه بميوله إلى الوهابيّة، ولكنّه يجيب أنّه ألّف كتاباً ضخماً وضمّ إليه قصائد مطوّلة، كي يكشف خطط الوهابيّة ويستنكر تصرّفاتهم(2).

[واتّهمه مخالفوه ومناوؤه] أنّه كان يسير بسيرة الوهابيين، لكن تحت عنوان محاربة البدع والتحريفات كما كان علماء أهل السنّة(3)، فهو يريد أن يُدخل إصلاحاً وتغييراً في ممارسات إحياء ذكرى استشهاد الحسين، أي في الممارسات الخاصة بالشيعة، أو يريد أن يلغي بعضها، وفي الحقيقة كان أعداء محسن الأمين يجعلون مسألة ممارسات إحياء عاشوراء رأس الحربة.

____________

1- Werner Ende (The flagellations of Muharram and the Shiite ulema) p.٣٤. Yitzhak Nakash The shi is of Iraq, p.١٥٥.

2- ر. ك «التنزيه» ص٥، الكتاب المشار إليه «كشف الارتياب عن اتباع محمّد بن عبد الوهاب»، فرغ من تأليفه في آب ١٩٣٨.

3- ينبغي التنبيه إلى أنّ محسن الأمين هُوجم من قبل الشيعة لقضايا الإصلاح، ومن قبل السنّة لأنه يدافع عن [أصل] ممارسات محرم. وقد أجاب في «العرفان» على مقالة نشرت في مجلة «التقوى» العدد٨٧، «المحدثات وبدعة عاشوراء» (محرم ١٣٥٠/ كانون الثاني ١٩٣١)، ص١٤.


الصفحة 442
وكذلك كان يُستفاد من هذه الحربة سابقاً؛ كي يُعرف العدو ويكشف لدى الجميع، ويكون له حلف منبثق من هذه الكتلة الاجتماعية [الشيعة].

وكذا كانت تستخدم هذه الحربة [ إقامة ممارسات إحياء عاشوراء] كوسيلة للحشد السياسي والاجتماعي والقبلي المؤلَّف من الناس، ولذا كان >محمّد حسين كاشف الغطاء< يرى أنّ المجالس والمنابر هي حلقة الوصل الوحيدة التي تحافظ على الترابط الاجتماعي والقَبَلي، [لذا صرّح] بقوله: لو مُحيت ممارسات العزاء وحُذفت >لم يبق أثر للشيعة<(1)، إذ أن إحياء ممارسات العزاء وتخليدها وتطويرها ـ في الحقيقة ـ دفاع عن ماهيّة الشيعة ووجودها الواقع في معرض الخطر.

وكان كثير من المخالفين لهذه الإصلاحات قد اعتمدوا في كتاباتهم على فردين من العلماء الأوربيين، واتخذوا من بحوثهم مصادر لهم: أحدهم ألماني الأصل واسمه مارتن هارتمن Martin Hartmann (قدّم بحثاً باسم ماربين)، والآخر فرنسي يُدعى >دكتور جوزيف< Docteur Joseph، ولم أتمكّن من التعرّف على ترجمته (هويته).

قامت جريدة >الحبل المتين< بترجمة هذين البحثين إلى الفارسية، ثمّ نشرت فصلاً لكلّ منهما، وقد قام >محمّد رفيع الطباطبائي< في سنة ١٣٢٢

____________

1- محمّد حسين كاشف الغطاء «الآيات البيّنات» ص٢٣.


الصفحة 443
(١٩٠٤ ـ ١٩٠٥) باقتباس المطالب منهما في كتاب يتعلّق بالمجالس الحسينية، ثمّ نشره(1)، ثمّ ترجم >صدر الدين الصدر< ذلك إلى العربيّة، وقامت مجلتا >العلم< و>العرفان< كلّ منهما بنشر فصل منه(2).

وكانت هذه المدوّنات منتشرة بين الشيعة وفي متناول أيديهم، وتعدّ شاهداً يُعرض على محسن الأمين وجميع هواة الإصلاح لممارسات عاشوراء، يُستدل بها على كون هذه الممارسات ـ وخصوصاً المسرحيات و]الدائرة التي تقام في محرّم] ـ سبباً في بيان حقيقة الشيعة والتعرّف عليهم في أوربا.

وكانت هذه الممارسات تُعدّ إبرازاً لعضلات الشيعة، وإظهار قوّتهم، فيتحرّرون بسببها من الحصار والخناق الذي يُضَيّق عليهم في الدول العربيّة، ويُلفتون بها أنظار باقي أهل العالم حينما يشاهدون ذلك.

ومن ناحية أخرى كان بعض الكتّاب يستدل بممارسات الدائرة ومواكب التمثيليّات والمسرحيات المشابهة لـ >تمثيليّات عذاب المسيح< Lapassion Messie، التي يقيمها المسيحيّون، على مشروعيّة ومقبوليّة ما يقوم به المسيح؛ لوجود الشبه بينهما في أذهان الناس.

____________

1- Mayel Baktash (Ta ziyeh an dits philosophy) p.١١٦ et p.١١٩.

2- عبد الحسين شرف الدين «مقدّمة المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة» «العرفان»، صيدا ١٣٣٢ (١٩١٤) ص٣٢.


الصفحة 444
ولهذا كان [مخالفو إصلاح ممارسات العزاء والشبيه في محرّم] يذهبون نحو الأجانب وأهل الأديان المختلفة وأهل الكتاب، كي يكتسبوا منهم رخصة التشريع لهذه الأمور، حيث لم يستطيعوا أخذها من جيرانهم العرب والسنّة، [فيحصلوا عليها من أهل الكتاب والأجانب].

وكان مخالفو محسن الأمين يتخذون هذه الممارسات وسيلة لاستعراض الطقوس الدينية الخاصة [بالشيعة] بخصوصياتها، وكانت هذه طريقة لإبراز قوّة الشيعة وثقلهم في اللعبة السياسيّة بنحو مّا، حتّى يُعترف بهم في الشرق الأوسط.

وكان الشيعة في العراق قلقين خشية عدم حصولهم على موقعيّة في الحكومة الجديدة ـ على كثرتهم ـ ولذا أرادوا من خلال هذه الأساليب تعزيز وجودهم وجذب الأنظار نحوهم.

والشيعة في جبل عامل يعتبرون أنفسهم كُتلة عقائدية عظيمة في لبنان، يشار إليهم بالبنان، وكانوا يجهدون في إظهار هذه القضية مقابل السنّة، وكانت ممارسات عاشوراء بهذه الصفة فرصة مناسبة لذلك.

وكذلك على الصعيد الداخلي(1) كانت هذه الممارسات سبباً لتقوية النظم الاجتماعية، وإرساء القاعدة الشيعيّة، والمحافظة على القيادة السياسية والدينيّة واستمرارها.

____________

1- Werner Ende, (The Flagellations of Muharram and the shitte Ulema) p.٣٥-٣٦.


الصفحة 445
وكانت نشاطات محسن الأمين تتناول الإصلاح الديني المحض، أكثر من كونها مشهداً للعبة سياسيّة وتنافساً بينه وبين خصمائه. ولم يكن هدفه إبراز خصائص الشيعة وطقوسها وإنّما كان هدفه بيان مدى احترام الشيعة وتقديسهم لعقائدهم، واهتمامهم بتطهيرها وتنزيهها.

هذا خلافاً لسائر الذين لم يتعبوا أنفسهم لأجل التبليغ وإرتقاء مستوى المجتمع الشيعي في نظر الآخرين؛ لأنّه كان يقطن دمشق، حيث كانت الشيعة تشكّل أقليّة صغيرة تعيش في ذلك المجتمع، وتحكم عليها التقيّة في قرون متمادية.

وكان كلّ فرد من القادة الروحيين لهذه الآراء يتطرّق لممارسات عاشوراء، ويدافع عنها من جهة نظرة خاصة ولأسباب مختلفة، فموقف كلّ شخص منهم يرتبط بالشرائط والظروف المحيطة به، ولذا كان بعضهم يتبع التغيّرات الحاليّة والشرائط المتعلّقة بقوّة ونفوذ المنطقة التي هو فيها.

وعليه فلا جدوى من البحث في موقف ثابت ودائم بالنسبة إلى ممارسات عاشوراء، فلا يمكن البحث في صفّ >الإصلاحيين< من جهة، وصفّ >المتسنّنين< من جهة أخرى، وكذا لا يمكن الفصل بين جبهتي >المحتاطين< و>المنفتحين<.

وكان محمّد حسين كاشف الغطاء ومحمّد حسين النائيني من القائلين بمشروعيّة الممارسات التي مُنعت وحرّمت من قبل محسن الأمين، ويطلق عليهم >الإصلاحيون< و>المتطوّرون< (من قبل النشطين في تلك البرهة


الصفحة 446
الزمنية، وكذا في رؤى المحلّلين وأصحاب الرأي في هذا العصر) [وبالأخص مع الأخذ بنظر الاعتبار حركة المشروطة في إيران].

بينما كان عبد الكريم الجزائري ـ المدافع والمشجّع لمحسن الأمين من جانب جعفر الخليلي بالخصوص ـ معروفاً برجل الدين الكلاسيكي (القديم).

لم يعتبر محسن الأمين موقعيّته الخارجة عن مركز دمشق، ولم يفكّر في استراتيجية المنطقة التي هو فيها، والأولويات المهمّة في تفهيم وتنظيم العادات والتقاليد لدى الشيعة.

ومن ناحية أخرى، أنّ الرؤى التي عرضها محسن الأمين في قضيّة جواز بعض الممارسات والكيفيّات لإحياء عاشوراء، صارت منشأ في اتخاذ هذه الرؤى والأفكار وتطبيقها في منحى آخر.

ولمّا عرضنا ـ في فصل بيان مواقف بعض القادة المخالفين للإصلاحات ـ قضيّة [المرتبة والكميّة]، ومدى الوضوح والصراحة في بعض فتاوى المجتهدين، مثل محمّد حسين كاشف الغطاء، حيث كان مثالاً واضحاً ومهمّاً.

وكانت بعض الفتاوى ـ حين صدورها ـ صالحةً أن تُعدّ سنداً مكتوباً يعتمد عليه رجال الدين، وكذلك >يفسرها< عوام الناس المقلّدين العاديين من المُريدين، ومن هنا فتح باب البحث في >العلاقة بين المجتهد وأتباعه<


الصفحة 447
في مسألة >كيفيّة استنباط الحكم من خلال عمل الأصحاب< ممّا يمكن أن يحدث ذلك خدشة في مسألة الاجتهاد(1).

وبلحاظ التحقيق في هذه البحوث نصل إلى نتيجة مقتضاها: أنّ فتوى المجتهد الكذائي تعتمد في مشروعيّتها إلى مجتهد آخر، والحال أنّ نفس هذه الفتوى يعتمد عليها مجتهد آخر لإثبات خلاف ما يراه غيره.

وعليه نقطع بأن ننبّه على عدم طبع كثير من الفتاوى في أواخر سنة ١٩٢٠، وحتّى أنّها لم توزّع في الملأ العام، وباتت هذه النقطة سبباً في بقاء الفتوى كخطوة يحتفظ بها المجتهد الفلاني ويعتمد عليها حينئذٍ.

وعُدّ هذا الأمر من الموانع التي تمنع من الحصول على هذه المصادر، ووقوع الاضطراب فيها؛ لأنّها تفسّر تفسيراً شخصيّاً، وكان المجتهدون حقيقة يرون ما يبيحون عنه وما يوافق طبائعهم موجوداً عند أسلافهم.

وأحد الأمثلة في الموضوع الذي هو محلّ بحثنا: اعتماد مخالفي محسن الأمين وتأييدهم لمشروعيّة وتصحيح ممارسات إحياء عاشوراء، على فتوى >الفاضل القميّ< المشهورة، والحال أنّ هذه الفتوى كانت خاصة بالمسرحيّات التراجيدية التي كانت تقام لواقعة كربلاء، ولكنّهم اعتمدوا

____________

1- إنّما كانت هذه إشارات لبيان عموم البحث، وفتح باب النقد والتحقيق في هذا المجال، والبحوث الآتية تُرجعنا إلى الأبحاث الأخرى التي قام بها المحقّقون فيما يتعلّق بالمجتهدين الذين كانوا يعملون برأيهم ويجتهدون في المسائل، فهو أمر واضح وبيّن.


الصفحة 448
عليها في مشروعيّة ضرب السلاسل وسائر ممارسات اللطم [ والتطبير والسلاسل] (1).

وهناك عوامل أخرى تبيّن الغرض من صدور هذه الفتاوى من المجتهدين، ولم ينكر هؤلاء القادة تلك العوامل، لأنّهم كانوا ينظرون إلى قضايا الآداب والتقاليد وممارسات إحياء عاشوراء، بأنّها من القضايا >النظريّة< التي يستطيع كلّ مَن له قدرة على الاستنباط أن يعطي رأياً فيها؛ لأنّه >صاحب رأي<.

وفي الواقع أنّ كلّ المجتهدين كانوا يمتلكون آليات يُفسّرون من خلالها القوانين، وكلّهم كان يعتمد على مسند واحدٍ، وهو القرآن والسنّة، وجميعهم أهل منهج وطريقة واحدة يتمّ من خلالها الاستقراء، وهي >أصول الفقه<.

وفي واقع الأمر أنّ الكلّ متفق على أساس واحد، وهو مشروعيّة تقاليد عاشوراء، مالم تدخل فيها قضايا لم يشملها التشريع، فلابدّ حينئذٍ من تنزيهها.

____________

1- أشار السيّد محسن الأمين إلى هذه المسألة في رسالة التنزيه ص٢٦، والمتعلّق ببحثي في هذه المسألة، ونظراً لعدم ترجيحي لكاتب على كاتب آخر، لذلك أرجع القارئ إلى مقالة مايل بكتاش:
Mayel Baktash (Taziyeh an dits Philosophy) p.١٠٨ et ١٠٨
[اُنظر رسالة التنزيه المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٩٠:٥. ح].


الصفحة 449
ومن هذا المنطلق كان البحث العقيم يدور حول مفهوم [محرّمات هذه التقاليد] [وبتعبير آخر: إنّ واجب المجتهدين هو بيان >الحكم الكلّي< وقد اتفق الجميع ـ تقريباً ـ على ذلك، ولكن الاختلاف يقع في >القضايا الجزئيّة< الذي كان يتجدّد في شخصية المجتهد والمقلّد معاً، ولكن المقلّدين يسعون في الحصول على رأي وفتوى للمجتهد في القضايا الجزئيّة أيضاً كي يعتمدوا عليها، وبذلك أوقعوا المجتهدين في المشكلة كي يجدوا تأييداً ومشروعيّة لأعمالهم. م].

وفيما يتعلّق بقضايا التقاليد والعادات المختلفة في اللطم [ضرب السلاسل والقامات و...] فقد أطلقوا مفاهيم >الضرر< >الإيذاء< >التهلكة< >المشقّة< على معنى إيصال الضرر بلا موجب، وإلقاء النفس في معرض الخطر والمشقة، فإنّ قانون [الإسلام] لا يسمح بهذه الأعمال.

ولم يكن الاختلاف بين العلماء في تعريف هذه المفاهيم، لأنّها متّفقة الرؤية عند الجميع، وإنّما الخلاف في مصاديقها والأعمال المترتبة عليها والتصرّفات [الخارجيّة] الناشئة منه، كما يقام في المواكب وهيئات العزاء، فيشقّون رؤوسهم [يتطبّرون] ثمّ يضربون على رؤوسهم حتّى يسيل الدم، إلى أن يُتعبوا أنفسهم ويجهدون، فهل يُعدّ هذا من الضرر أم لا؟

فأتى جواب محسن الأمين مثبتاً [ واعتبر ذلك من مصاديق الضرر]، أمّا سائر العلماء فكان جوابهم النفي [لأنّ هذه الأمور لا يصدق عليها كونها ضرراً محرّماً] ثمّ يعقّبون على ذلك بأنّه: وإن كان قد حدث من ذلك ضرر


الصفحة 450
في السابق، فإنّ المجتهد يُفتي بملاحظة عموم القضية ولا عبرة بالمصاديق الجزئية فيها.

وحينئذٍ نستطيع أن نرى جيداً أنّ الحكم النهائي في القضية يعتمد على الرؤية السابقة لها، إذاً فلا مجال لوجود نيّة سوءٍ أصلاً.

ومن ناحية أخرى أنّ بعض المجتهدين سلكوا في فتواهم الاحتياطات الشديدة.

وبهذا حذّروا المؤمنين من هذه الممارسات والتقاليد التي تقام لإحياء الذكرى من اللطم [ وضرب السلاسل والتطبير] وأثبتوها في نفس الوقت، وحصيلة هذا العمل حدوث الشكّ والترديد في متابعة هذه الممارسات.

وأيضاً لا يمكن التعرّف على مواقف كلّ فرد من هؤلاء العلماء من خلال التحقيق في فتواهم الصادرة، بل لابدّ من ملاحظة عوامل وموجبات هذه الفتوى والشرائط الحاكمة والمسبقة التي سبّبت صدور هذه الفتاوى وحكّمت العاطفة على المنطق.

وإنّما كان محسن الأمين يحرّم ويمنع عن أساليب اللطم؛ لاعتباره (عنده) أمراً مشوّهاً لصورة معتقد الشيعة والتشيّع، وكان يسعى لإيجاد ضابطة تمنع من الانحراف الأخلاقي، الذي كان هو من أهله (أي من أهل الأخلاق).

ولمّا نقرأ المتون المكتوبة في إحدى المناقشات ـ كمحل البحث الذي نحن فيه ـ نرى مدى حريّة الرأي والتعبير لدى المجتهد في إصدار فتواه،


الصفحة 451
الصفحة السابقةالصفحة التالية