المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 451 - ص 480) وأيضاً نصل إلى معرفة السبب في الخلل والتهافت الموجود في رؤى >علي الزين<، والإرباك الملحوظ في الاجتهاد والنقد الذي كان يأنّ منه.


الصفحة 452

الفصل الخامس عبد الحسين شرف الدين

في البرهة الزمنيّة التي دارت فيها المناقشات المرتبطة بمحلّ بحثنا، اتخذ ثلاثة من علماء جبل عامل القيادة الدينيّة على عواتقهم، وهم: >حسين مغنية<، و>محسن الأمين< و>عبد الحسين شرف الدين<.

وكان الأوّل [حسين مغنية] يتجنّب تدوين شيء ونشره، ويحاول عدم التورّط في هذا النزاع والنقاش والابتعاد عنه، واستمرت المنافسات حول المرجعيّة بين هذين المجتهدين الأخيرين [محسن الأمين وعبد الحسين شرف الدين].

[وفي الحقيقة ـ كما تقدّمت الإشارة إليه ـ إنّ ساحة العلماء الربّانيين كانت خالية من هذا النوع من التنافس وبعيدة عنه، والقارئ المحترم يعلم أنّ الاصطلاحات المذكورة آنفاً ذات رؤى عند المستشرقين ولهم توجيهات لها م].


الصفحة 453
ولو بحثنا وسلّطنا الضوء على المدوّنات المتبقيّة من ذلك الزمن، فيما يتعلّق بمخالفي الحركة الإصلاحية لمحسن الأمين، لم نجد أثراً لعبد الحسين شرف الدين في هذه البحوث والنقاشات، وفي الحقيقة أنّه لم يكن نازلاً ميدان البحث، ولم يلجه بشكل مباشر، ولا أمسك يراعاً في ذلك.

ولكن أحد شهود هذه القضية >جعفر الخليلي<، الذي كان عراقياً، وفي غاية البعد عن هذه الاختلافات والمنافسات الجبل عامليّة، وكان دوره دور المتفرّج الذي يرى المشهد من خارجه، فقد أخبر عن وجود موقف أصلي لعبد الحسين شرف الدين، ودور رئيسي في الهجوم والخطط المتخذة ضدَّ محسن الأمين، علاوة على أنّ كثيراً من مجابهي محسن الأمين كانوا من أتباع ومريدي عبد الحسين شرف الدين، وعليه فلا وجه لإنكار موقفه تجاه الإصلاح ولا مناص منه.

>فالمذكرات< >التي كانت ترغّب في ذكر أحوال المقدّسين وترجمتهم<، وكذلك [الاعترافات التي كانت تكتب كخاطرة] تعدّ مصداقاً من الحكاية >الحقيقيّة< التي تحكي هذه الخلافات. فلم يكن عبد الحسين شرف الدين متعرّضاً لمحسن الأمين، وإنّما اتخذ موقفاً محايداً. وبعبارة أخرى كان وسطاً بين الإفراط واللامبالاة لدى البعض، والتفريط والتعصّب الزائد عن اللزوم عند البعض الآخر(1).

____________

1- في الجواب الذي ورد على سؤالي من خلال «جعفر شرف الدين» في رسالته التي كتبها بتاريخ ١٧/ ٤/ ١٩٩٣ قال فيها: إنّ أباه لم يتعرّض لمحسن الأمين، وكلّ منهما كان في شأن، فيما يتعلّق بعبد الحسين شرف الدين في مسألة إحياء عاشوراء وتقاليده ومحاربة البدع.
ر. ك هادي فضل الله في «رائد الفكر الإصلاحي السيّد عبد الحسين شرف الدين» مؤسسة عزالدين سنة ١٩٨٧، ص ١٣٧ ـ ١٣٨.
وللمؤلف نفسه «الجوانب الإصلاحية عند السيّد عبد الحسين شرف الدين»، في «الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين مصلحاً ومفكراً وأديباً» المستشار الثقافي للجمهورية الإسلاميّة الإيرانية، بيروت ١٣٩٣، ص٢٥٥ ـ ٢٥٧.


الصفحة 454
ونُشيد بالذكر أنّ مدينة صور لم توجد فيها المسرحيّات التراجيدية الحاكية عن واقعة كربلاء، وكذا ليس فيها ممارسات وتقاليد اللطم الدموي (وبالخصوص شجّ الرأس والضرب عليه [التطبير]) ولم يكن عبد الحسين شرف الدين قلقاً لعدم وجود هذه الممارسات في المنطقة التي كانت تحت قيادته، مضافاً إلى إمكان تصوّرنا أنّه غيّر رأيه بعد ذلك فيما يتعلّق بهذه الإصلاحات التي طرحها منافسه [الفكري في هذه البحوث] كما فعل كذلك سائر المجتهدين.

وهناك بعض الدلائل التي تساعدنا في معرفة رؤى هذا المجتهد فيما يرتبط بتقاليد وعادات مدينة صور في محرّم، وتوضّح لنا موقفه في هذه المسألة(1).

____________

1- لم أعثر على شيء مما كتبه عبد الحسين شرف الدين «الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة» وهو عبارة عن ([أدلة حديثة وجديدة] لصالح ممارسات ذكرى إحياء الأموات عند الشيعة). وقد اعتمد على هذا المصدر أحمد القبيسي في «حياة الإمام شرف الدين في سطور» ص٦٩، ذكره بدون التحقّق والاعتماد على مصدر ومسند أساسي.


الصفحة 455
وفي المرحلة الأولى قام عبد الحسين شرف الدين بتدوين عدّة من المجالس تحت عنوان (المجالس الفاخرة)، وقامت مجلّة العرفان بطبعه ونشره في شباط ١٩١٤، ولكن لم يطبع ـ نتيجة ذلك ـ إلاّ المجلّد الأوّل منه، وكان يشتمل على مقدّمة مطوّلة والمجالس الخمس الأولى، وكان هذا المجلّد ينتهي ببيان توجّه الحسين إلى مكة(1).

ويمكن القول: بأنّ نشر المجلّدات الأخرى لهذا الكتاب توقّف في ظرف الحرب، ثمّ اُحرقت في سنة ١٩٢٠ ضمن الكتب التي اُتلفت بالحريق الذي حلّ بمكتبة عبد الحسين شرف الدين، وكذا كتبه الخطيّة.

وإنّما كان السبب في جمع وتدوين عبد الحسين شرف الدين للحوادث والنقليّات ـ بنفسه ـ فيما يتعلّق بمجالس [محرّم] والروايات فيها؛ لأنّه لم يقتنع بالكتب المتواجدة في جبل عامل، وكان يريد إدارة هذه المجالس حسب ما يراه وفق المنهجية التي يريدها، والإصلاح الذي يتبنّاه ويعتقده.

وقبل أن نبحث في مفهوم ورؤياه فيما يتعلّق بمكانة المجالس لإحياء ذكرى الحسين، نحقق النظر في كتابه الذي تتّضح من مقدّمته المطوّلة

____________

1- «مقدّمة المجالس الفاخرة» ص٨٢، يصرّح [الشيخ] أغا بزرگ «الطهراني» أنّ هذا الكتاب طبع في النجف في نفس السنة، ثمّ أعيدت طباعته.


الصفحة 456
أهدافه وغاياتُه المتوخاة من هذا الكتاب. فقد وقف عبد الحسين شرف الدين في [بداية مقدّمة كتابه] موقفاً دفاعيّاً، وأكّد في بدء بحوثه على مشروعيّة المجالس التي تقام لإحياء ذكرى استشهاد الحسين، واعتمد في ذلك على مشروعيّة الممارسات التي تقام فيه.

إنّه أسّس برهانه على محاور خمسة: جواز البكاء وصبّ الدمعة، جواز العزاء والرثاء على الأموات، جواز حكاية المصائب ومعاناة الأموات الأليمة، جواز الأنين والصياح والنياحة على الأموات، جواز بذل الخيرات والمبرّات لإدخال السرور على أرواح الأموات.

وكان قد استدلّ في البدء بالسنّة الثابتة والمنهج والطريقة المعهودة لديه، فقد استدلّ في البداية بأحاديث سنيّة، ثمّ بأحاديث شيعيّة(1)، ثمّ نقل الترجمة العربيّة لعبارات العالم الفرنسي >الدكتور جوزيف< في باب ممارسات إحياء ذكرى الحسين بالتفصيل، وحسب تعبيره أنّه استدلّ في آخر مراحل برهنته بمشهد رآه في الواقع الخارجي، فأثبت بذلك جواز هذه التقاليد الشيعيّة(2) . ويتضح لنا من خلال مطالعة هذا المتن، أنّ عبد الحسين شرف الدين أراد أن يقف أمام الهجوم الذي قام به رجال الدين من أهل السنّة ويردّ عليه(3).

____________

1- «مقدّمة المجالس» ص٢ ـ ٤٢.

2- «نفس المصدر» ص٣٢.

3- نفس المصدر ص٣١.


الصفحة 457
وهنا نتذكّر ـ لا إراديّاً ـ الإصلاحي الدمشقي >جمال الدين الكاظمي< المتوفّى في (نيسان ١٩١٤)، حيث كان ينتقد إحياء ذكرى الأموات عند الرَوافض، أي الشيعة(1).

وفي الواقع أنّ عبد الحسين شرف الدين كان يعتمد على عقائد الإماميّة بصورة عامّة، فيثبت بذلك مشروعيّة الممارسات الحسينيّة، وكان يبغي الدفاع عن الشيعة وممارساتهم بذلك، وقد بيّن دفاعه بهذا الكلام:

>لو أنّ أبا حنيفة وتلاميذه أثبتوا مشروعيّة إقامة المجالس، وحكموا بجواز بعضها، لسخّرتم جميع حياتكم في سبيل تخليد هذه الممارسات وإبقائها، والحال أنّكم تمنعون عن إقامة هذه المجالس مع تجويزها من قبل الأئمة<.

____________

1- ذكرت هذه المطالب في كتابه المعنون بـ «إصلاح المساجد من البدعة والعوائد»، الذي فرغ منه سنة ١٩١١، ولكنّه طبع بعد ذلك في سنة ١٩٢٢ وفي الوهلة الأولى كان جمال الدين القاسمي يتهجّم على الوعّاظ السنّة، الذين كانوا يذكرون في الجمعة الأولى من محرّم على منابرهم استشهاد الحسين فيوقعون المستمعين في البكاء، وكان يرى أنّ هذه الأمور ليست غير نافعة فحسب، وإنّما هي ممنوعة، ثمّ أضاف أنّ كلّ المشاكل مصدرها الروافض [الشيعة] الذين يُقيمون مجالس العزاء.
راجع «إصلاح المساجد» المطبعة السلفيّة، القاهرة ١٣٤١ (١٩٢٢)، ص١٨٣ ـ ١٨٥.
أضف إلى ذلك أنّ جمال الدين القاسمي كان وجهاً معروفاً عند العامليّين، وله معهم علاقات حسنة وقد طبعت له مجلة «العرفان» مقالات، ولكن علاقاته لم تمنع من وجود الاختلاف والنقاش فيما بينه وبين الشيعة.


الصفحة 458
ثمّ أخذ ببسط آرائه وتعميمها: >هل يوجد دليل على اختصاص الفتيا بأئمة الطرف الآخر الذي يقابلنا [ أئمة أهل السنّة] ؟ كلا، بل العكس صحيح<.

ثمّ يستمر مستدلاًّ بحديث الثقلين، الذي يتضمّن التمسّك بالقرآن وأهل بيت النبيّ، فلا ينبغي الاستناد على القرآن فقط(1).

وكان خطاب عبد الحسين شرف الدين ـ في حين أنّه يستدلّ به على مشروعيّة إقامة ذكرى الحسين ـ يحتمل وصوله إلى أسماع القرّاء من أهل السنّة، كما أنّه كان يوجّه كلامه إلى الشيعة ويعلّمهم كيفيّة إقامة هذه الممارسات ويوضّحها لهم، وكان يرى أنّ هذه الممارسات تعدّ سبباً لقوّة المجتمع الإسلامي وتجمّعه واتحاده وترابطه، وانسجامه وبعث روح الألفة في مجتمع الإمامية (رابطة الإماميّة).

وأنّ هذه الممارسات والمجالس تؤلّف بين قلوب المؤمنين والأوفياء، وتجمعهم حول محور حبّ أهل بيت النبيّ، ونتيجة ذلك يسعى الجميع في إحياء ذكراهم وتخليدها، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى تكون هذه المجالس فرصة تسمح للعلماء أن يلقوا نصائحهم وإرشاداتهم على المؤمنين، ويتمّ البحث حول قضايا المجتمع، سواء في العراق، أم في بلاد فارس [إيران]، أو في بيروت أو الهند وسائر

____________

1- عبد الحسين شرف الدين «مقدّمة المجالس» ص١٨ ـ ٢٦.


الصفحة 459
البلدان. فيمكن أن تكون هذه الممارسات مثمرة مفيدة تعطي النتائج الإيجابيّة.

وأشار [عبد الحسين شرف الدين] في حديث له قائلاً: >إنّ الشيعة كبناء يحتوي على قسم واحد، وكلّ هذا البناء يعتمد على أساس واحد مستحكم، فلو اشتكى منها عضو تداعت له سائر الأعضاء<.

مضافاً إلى أنّ هذه الممارسات نوع دعوةٍ إلى المذهب وتبليغ له، فهي >أعلى صوت إسلامي لإيقاظ النائمين والمتناومين من نوم الغفلة وإفاقةً لعيون الجهلة والكسالى الخاملين، وهكذا فإنّ الوعّاظ والمنبريّين الذين ينشغلون بالوعظ والخطابة في هذه المجالس ليسوا إلاّ >ميسيو نرهاي<(1) الإسلام.

وأخيراً فإنّ إقامة هذه الممارسات تعدّ مشجّعاً لنشر العلم والمعرفة في أبواب الحديث والفقه وسعة ذلك، وهي المدرسة الوحيدة التي تضمّ جميع الفئات(2).

ثمّ يختم عبد الحسين شرف الدين مقدّمة كتابه بشرح وتفصيل رأيه حول مفهوم استشهاد الحسين، ويستنتج ـ اعتماداً على ما ذكره مارتين هارتمن Martin Hartmann ـ أنّ الحسين لو لم يقدّم نفسه قرباناً في ساحة

____________

1- [يعني المبلغين للدين].

2- نفس المصدر، ص٣٣ ـ ٤٠.


الصفحة 460
الشهادة، ويوقف حياته لإحياء دين جدّه، لانمحى الإسلام من الوجود(1)، لأنّ الحسين كان يعلم بنتيجة عمله ورضي بالشهادة (ثمّ يذكر المؤلّف أحاديث يستدلّ بها على قوّة مراده، والأحاديث التي يذكرها تصرّح بأنّه كان [يعلم بما سيؤول إليه، وأنّ حاصله الشهادة]) (2).

وكان المجتهد في مدينة صور قد بنى آمالاً عالية وكبيرة تترتّب على إقامة ممارسات ذكرى الحسين، بالخصوص المجالس منها، ولكن إلى ما قبل سنة ١٩٤٠ لم يكن الخطباء وأئمة الجماعة والوعّاظ ذوي النفوذ والصلاحيات يديروا هذه الممارسات وفق ما يراه.

وكان المفروض أن يحضر هو في المجالس كخطيب فيها، ويسعى في إرشاد الناس وتثقيفهم بالخُلق الحسيني عوضاً عن الاجتهاد في إبكائهم.

وبعد ذلك دخل مدينة صور شخص باسم >محمّد نجيب الظاهر< سنة ١٩٤١، وكان عبد الحسين شرف الدين قد حسب لمجيئه حساباً، فإنّه يستطيع أن يعتمد عليه في ترقية وإعادة بناء مضامين المنبر الحسيني، ويضع بين يديه النصوص المعتمدة في هذا الباب، ولكنّه أخيراً اختار شباباً آخرين وانتهج معهم هذا المسلك [المنهجيّة التي ارتأها شرف الدين] وقام بتعليمهم كي يصبحوا خطباء وأئمة للصلاة(3).

____________

1- نفس المصدر، ص٤٢.

2- نفس المصدر، ص٤٨.

3- جعفر شرف الدين «من دفتر الذكريات الجنوبيّة» انتشارات المجالس الثقفي، المجلد الثاني، ص٦٤، هادي فضل الله «رائد الفكر الإصلاحي السيّد عبد الحسين شرف الدين».


الصفحة 461
ليس لدينا مزيداً من الوثائق التي تتعلّق بالممارسات والتقاليد التي كانت تقام في عاشوراء في مدينة صور، ومن حسن الحظ أنّنا عثرنا على وثيقتين في الأرشيف الفرنسي، الذي كان يعلوه التراب:

فالوثيقة الأولى تدلّ على أنّ عبد الحسين شرف الدين، مهما كان موافقاً لآراء محسن الأمين ولكنّه لم يمنع من الممارسات العنيفة في وقت الضرورة، ولم ينه عن التمثيل المسرحي التراجيدي والدراماتيكي لتلك الحادثة، ولكنّه كفرد قانوني كان يظهر تأثّره تجاه [ممارسات العُنف] حينما تسنح له الفرصة.

وهذه الوثيقة ترتبط بالحدث الحاصل حين إقامة هذه الممارسات في أيّار ١٩٣١ صدفة، فإنّ شخصاً يسمّى >شيخ ديب< كان يتجوّل في شوارع المدينة طيلة الليل، وخلفه نساء سافرات مكشّفات الرؤوس، حفاة، يقمن العزاء، مضافاً إلى النياح والصراخ.

وذات ليلة عوتب وانتقد بواسطة رجلين من الشيعة، وأوقفه للمساءلة قائلاً: لماذا اصطحبت معك هذه النسوة بهذا الوضع في الشوارع؟ فأتى >الشيخ< إلى >السيّد كبير مدينة صور< وشكا إليه ذلك، ولكنّ السيّد أيّد الرجلين، وأمر الشيخ أن يلغي هذه الممارسات؛ إذ لا صلاح في خروج النساء على هذه الحالة في الشوارع.


الصفحة 462
وبعد خروج الشيخ ديب من محضر عبد الحسين شرف الدين، وما كان من خطابه الذي ألقاه على هذا الجمع نادى: إنّها نهاية هذه الممارسات؛ لأنّ السيّد منعنا عن إقامة هذه الممارسات والتقاليد(1).

وفي الوثيقة الأخرى يوجد مزيد من المطالب المرتبطة بموقف عبد الحسين شرف الدين تجاه الممارسات والتقاليد العاشورائية، والنتاج السياسي المترتّب عليها، والتواجد الفرنسي في لبنان، وما يمكن أن يُقتبس منه.

وقد دُوّنت هذه الوثيقة بقلم >زينوى پيشكف< Zinovi Pechkoff، وأرخت بأيّار سنة ١٩٣٢، وقد فصّل الكاتب الكلام في كيفيّة إقامة ممارسات ليلة العاشر، التي كانت بدعوة من عبد الحسين شرف الدين وفي منزله.

يقول في الوثيقة: إنّ >السيّد الكبير< كان يدير المجلس بمحضر من سائر علماء جبل عامل، وفردين عراقيين من المتعلّقة بأقربائه، وأربعمائة شخص من مختلف طبقات تلك المدينة. فكان السيّد يقف عند أقدامهم، ويرحّب بهم بكلمات ملؤها المحبّة والاحترام.

____________

1- Archives MAE carton n ١٦٧٣ bulletins hebdomadaires dinformations, H.C, Beyrouth et postes, ١٩٢٩-١٩٣١. BIH n ١, du ١٠/٦ au ١٧/٦/١٩٣١, poste de Tyr.


الصفحة 463
وأضاف السيّد: إنّ الشيعة مسرورين بحياة حرّة وعادلة ومشتملة على المساواة تحت ظلّ هذه الدولة.

وأضاف إلى ذلك قضيّة اغتيال الرئيس الفرنسي >پل دومر< Paul Doumer، ثمّ دعا الحضور إلى البكاء وندب الشهداء، وكان يعيد ـ في هذا العزاء ـ اسم وذكر الشهيد دومر Doumer، وفي الختام أخذ بمدح القوّة العظمى والحكومة القيّمة على لبنان [الحكومة الفرنسيّة]، وطلب من مريديه أن يدعوا الله تعالى [للحاكم الفرنسي القائم على لبنان]، وأوعز إلى پيشكف إبلاغ تقدير الشيعة وشكرهم للحاكم(1).

وفي خاتمة هذه الممارسات >مدّ السيّد يد الدعاء إلى الله< للحكومة الفرنسيّة، ثمّ قام پيشكف< والحال أنّه لم يسؤه حضوره في هذه الممارسات لأوّل مرّة، وأنّ الشيعة يدعون الله للحكومة الفرنسية، وأنّهم يتطرّقون لأمر آخر ليس متعلقاً بأئمتهم.

يقول >پيشكف< حول الممارسات التي حضرها بنفسه: إنّ في حدود الساعة الحادية عشرة ليلاً سمع ضجّة وصياحاً، وصوت نوح وأنين، وأشعار حزينة تُلقى، وصار الصوت يقترب شيئاً فشيئاً، حتّى دخلت جماعة في

____________

1- لابدّ أن نذكر تفاصيل هذه الأحداث قبل أيام من هذه الحادثة، وفي يوم ٩ من أيّار سنة ١٩٣٢ ـ للتحقيق والبحث حول الأزمات السياسية والاقتصادية التي حصلت قبيل زمان الانتخابات لرئاسة الجمهورية ـ أصدر الحاكم الفرنسي الأوّل بياناً لتوقيف عمل المجلس [مجلس النواب]، فعزل الوزراء، ووعد بإيجاد إصلاحات أكثر، وقد أثار عمله هذا الشارع العام وأوجد اضطراباً في لبنان.


الصفحة 464
ثلاثين رجلاً تقريباً >عراة الظهور، وهم يلطمون على صدورهم المحمّرة الداميّة<، وكانوا يلطمون على طور اللطميّة التي تلقى عليهم، ويُظهرون >ألماً قاسته روح وعانت منه< [يلطمون ويقيمون العزاء].

وكان هؤلاء الرجال المُنهكين يجلسون مقابل منصّة أعدّت للضيوف، مع العلماء والمتميّزين والشخصيّات والضباط الفرنسيين. فيبدأ عبد الحسين شرف الدين خطابه، وشرح قضية قتل الشيعة على أيدي السنّة(1) و[حادثة عاشوراء، واستشهاد أهل البيت على أيدي الجيش الأموي اليزيدي].

____________

1- [لا شكّ أنّ عبد الحسين شرف الدين لم يتطرّق أصلاً إلى مسألة «قتل الشيعة على أيدي أهل السنة»]، لكنّه يذكر استشهاد أهل البيت على أيدي الجيش الأموي اليزيدي، ضمن بيان واقعة عاشوراء.
ولكنّ الناقل والمشاهد الغربي لم يُفرّق بين المطلبين، خصوصاً مع الأخذ بنظر الاعتبار المشاحنات الحاصلة بين الشيعة والسنّة والحداد الذي يلتزم به الشيعة في محرّم، والفرح والسرور الذي يقيمه بعض أهل السنّة في هذا الشهر، فلهذا أطلق على أحداث عاشوراء بأنّها جدال واختصام دائر بين الشيعة والسنّة.
هذا (بغضّ النظر عن المتشدّدين، والذين يعتبرون عاشوراء باعتبار مغاير للنظرة الشيعيّة، وينظرون إليه بخلاف واقعه).
فكان بعض أهل السنّة يحتفلون في العاشر من المحرّم، ويتخذونه يوم سرور، ولكنّهم لم يقصدوا بفعلهم هذا مخالفة الشيعة وإن كان عملهم هذا مخالفاً لعقائد الشيعة، ومناقضاً لإقامة العزاء، فإنّ سرورهم ليس له علاقة باستشهاد ومظلوميّة شهداء كربلاء، وإنّما يحتفلون في اليوم الأوّل من محرّم باعتباره بداية السنة الهجرية القمريّة الجديدة.
وكذلك سرورهم في يوم عاشوراء؛ لأنّه يوم صوم في صدر الإسلام، فكان المسلمون (واليهود سواءً) يتبرّكون بهذا اليوم قبل تحويل القبلة وفصلها عن قبلة اليهود ـ طبعاً ـ ونقلها من بيت المقدس إلى الكعبة، ثمّ تحوّلت فريضة الصوم إلى شهر رمضان م.].


الصفحة 465
ويُعدّ هذا الشرح منه سبباً لإبكاء ونوح الحضور، ولكن بإشارة واحدة منه يرجع كلّ شيء إلى حاله ويهدأ الحضور وتُختم الجلسة برفع شعار (تعيش فرنسا) (1).

وهذه الوثيقة المرتبطة بأحداث ليلة عاشوراء، تكشف عن رخصة الفقيه الذي هو في محلّ الكلام وسماح السيّد شرف الدين في إقامة العزاء، بحيث [يلطم] المعزّون على صدورهم حتّى إدمائها وكذلك يجيز لهم الغناء [وقراءة اللطميّات].

كما أنّه يُبرز لنا وجهاً آخر لهذا المجتهد ـ أي عبد الحسين شرف الدين ـ بأنّه كان يسعى ويجدّ لترقية المجتمع الشيعي، وأن يحظى بمكانة عالية ما بين سائر المذاهب [السياسيّة والطائفية] الموجودة في لبنان، وأن يكون للشيعة وزن في المعادلات السياسيّة الدوليّة، وكان يعتقد أنّ الحضور الفرنسي في لبنان عامل مساعد لتحقّق هذا الهدف وكان يجتهد أن يكون من التابعين [لفرنسا في لبنان].

____________

1- Archives MAE carton n ١١٦٦٤ bulletins
D, informations hebdomadairs poste de Tyr BIH n ٢٠, du١١/٥ au ١٨/٥/١٩٣٢, p.٧-٩.


الصفحة 466
وإن كانت ممارسات ذكرى عاشوراء ـ إلى حدّما ـ تعتبر آلية لمقارعة الأعداء ومعرفتهم، ولكن عبد الحسين شرف الدين اتخذ منها ـ في عصره ـ وسيلةً لكسب الأتباع، وإلزام الفرنسيين أن يُحسبوا على أصحاب الشيعة السياسيين، ومع هذا لم يرغب رجل الدين هذا من إبراز ثقته وإظهار مودّته ورضاه عن الفرنسيين في الملأ العام؛ لأنّ هذا التصرّف يؤدّي إلى استحقاره والحطّ من منزلته.

ولم يكن هدف عبد الحسين شرف الدين من توجّه الدعوة لحضور الضباط الفرنسيين في هذه الممارسات، إبراز دفاعه عن القيمومة الفرنسيّة فحسب، وإنّما إراءة قدرته ونفوذه والاعتراف به من قبل الفرنسيين، حيث كان دخول المعزّين إلى القاعة وجلوسهم عند رجل هذا المجتهد، دليلاً على شموخه.

وكان المعزّون يظهرون بهذه التصرّفات إطاعتهم وانقيادهم له، ويكتسبون منه التأييد ضمن ذلك. ولذا كانوا يسكتون ويهدأون بإشارة واحدة من صاحب المنزل. وكان عبد الحسين شرف الدين يُبرز من خلال دعوته لحضور >زينووي پيشكف< zinovi pechoff في هذه الممارسات، اقتداره أمام المتطوّعين والأتباع، وإظهار طاعتهم له، وكان من الواضح أنّ الهدف من ممارسات ذكرى عاشوراء، إبراز القوّة واستعراض العضلات.

ولم يكن عبد الحسين شرف الدين الشخص الوحيد من بين رجال الدين في اتخاذه هذا الهدف، وقطعاً كان جميع رجال الدين الشيعة على


الصفحة 467
هذه النيّة، وقد اتفقوا جميعاً على تذكّر القيم الأخلاقية والتضحيات التي قدّمها الحسين والاستفادة منها في هذه الممارسات.

ولكن ليس كلّ المجتهدين يستفيدون منها فوائد موحّدة، وإنّما كلٌّ حسب طريقته في الوعظ والإرشاد أو مكانته السياسيّة، وفهمه لشموخ الذات وارتقائها معنويّاً. فبعض يعمل في هذه الممارسات تبعاً لتجارب من سبقه، ويُفضّل أن يكون عمله بهذه الطريقة، والبعض الآخر هدفه سياسي ينصبّ على أتباعه والمتطوّعين لخدمته حسب ما يراه من استيعاب وتحمل فيهم(1).

وسنأتي بنموذج واحد فقط كشاهد على ما نقول، وهو ما لاحظناه من الازدواجية مؤخّراً في جنوب لبنان، فالمجتهد الكذائي كان يأمر أتباعه أن يضحّوا بدمائهم في الجهاد المقدّس ضدّ إسرائيل عوضاً عن إراقتها في مواكب العزاء [حين ضرب السلاسل والتطبير] لعشقهم الحسيني فإنّ ذلك هو الأفضل.

بينما المجتهد الآخر يوصي جماعته بإيجاد >مصرف للدم< كي يأتي

ـ الراغبون في إهداء دمائهم للحسين ـ هؤلاء إلى هذا المصرف ويستفاد من دمائهم لموارد الاحتياج].

____________

1- الجدير بالذكر: أنّ في هذا القرن حصلت عدّة بحوث حول مفهوم الشهادة والفداء الحسيني وهدف ذلك، وكانت هذه البحوث مرتّبة، طرحها العلماء وأصحاب المباني من الشيعة ورجال الدين والمتدينين واللائيكيين، ورجال الدين ممّن يفصل بين الدين والسياسة مثل علي شريعتي، الذي بحث وتفحّص في هذا المفهوم. وبتعبير آخر ممّن لا يرى اختلافاً بين طبقات رجال الدين، كما يعبّر عن مصطلح اللائيك في لسان الغربيين...م].


الصفحة 468
وهناك بحوث كثيرة وغنيّة ترتبط بقضيّة إصلاح ممارسات عاشوراء، وكذلك النتائج والمواقف المترتبة على هذه المسألة لدى العلماء التي أضحت كثيرة ومتنوّعة ومتفاوتة، وحتّى متغيّرة في بعض الأحيان، وتستحق هذه المسألة تفاصيل وتشعّبات وتفاسير وتوضيحات أخرى لابد أن يُقام بها(1).

وأمّا ما يتعلّق بهذه المسألة في خصوص العراق، فتحتاج في ذلك إلى دراسة دقيقة وعميقة، تبيّن لنا الوضع الاجتماعي هناك، حتّى تقوم الدراسة بنحو أعمق على النخب الدينيّة في تلك البرهة الزمنية، وقطعاً لا نتمكّن من التدقيق والبحث في العراق الآن، [للظروف الحاليّة التي بهذا البلد بالخصوص] (2).

____________

1- [يقول المؤلّف في هذا القسم الأخير من البحث: إنّ «في هذا الفصل موضوعاً، حقيق أن يُطبع ويُنشر في كتاب مستقل» طبعاً بعد الفراغ من الكتاب طُبع هذا الفصل أخيراً ككتاب مستقلّ، ولكن بلا شكّ هو بحث محدود بزمن ومكان معيّن، وهناك مساحة وفرصة لهذه البحوث التي كان هذا الكتاب بدايتها.
ونحن نرى أنّ التدقيق والبحث في هذا المجال مفيد جدّاً، وهو في نفس الوقت مهم وضروري، أو لم يكن السابق دليلاً يضيء سبيلَ اللاحق. م].

2- يوجد لديّ كتابان يرتبطان بتاريخ لبنان المعاصر، وقد استفدتُ منهما في هذا البحث، ويشتمل هذان الكتابان على مصادر وبحوث تشكّل بأجمعها لديّ مصدراً قويّاً ومسنداً مهماً قابلاً للاعتماد في هذا البحث، والكتابان هما:
Yitzhak Nakash (The shi is of Iraq) Pierre-Jean (La Formation de I Irak contemporain).


الصفحة 469
ونستطيع في هذه الصفحات أن نبيّن ـ على الأقل ـ الأحداث الحاصلة في جبل عامل، فهذا الموضوع ككّل أبسط وأسهل، وبغضّ النظر عن عبد الحسين صادق وأهدافه التي كان يرتئيها في سبيل الدفاع عن ممارسات عاشوراء، وقبل أن يقوم بأطروحته الدينيّة، ويجلب إليها في تلك البرهة السريعة مخاطبيه ومستمعيه، كان هناك شخصيّتان عظيمتان ضمن الطبقات الدينيّة في جبل عامل، وهما محسن الأمين، وعبد الحسين شرف الدين.

فكان كل منهما يسعى ـ من خلال تأليفاته وأعماله طيلة مدّة قيادته ـ أن يطوّر المجتمع الشيعي ويدفعه نحو التكامل، وفي نفس الوقت كانا يبغيان تجديد المذهب وتحديثه، وكان لكلّ منهما نظرة متفاوتة مع الآخر في مجتمعين متفاوتين ممّا يدور حوليهما.

وغالباً كان محسن الأمين في دمشق يبلّغ ويروّج لتشيّع منظّم، ولكن خفيّ؛ كي يقلّل من شدّة المدّ والجزر، وينزّهه من حالات >الفوضى والاختلال<.

وفي مدينة صور كان عبد الحسين شرف الدين يظهر نفسه أكثر سياسة وحناكةً وتأثيراً من غيره، والحال أنّ الهدف لديهما واحد، وهو ضمان مصير مجتمعهما [المجتمع الشيعي].


الصفحة 470

التراجم

محسن الأمين (١٨٦٧ ـ ١٩٥٣)

ولد في شقراء في أسرة علميّة، ومن العلماء بدأ دراسته في جبل عامل، وكان يسعى خلف الأساتيذ من مدينة إلى مدينة، كي يكسب علم النحو والدين. وأخيراً هاجر إلى النجف سنة ١٨٩١، فأكمل فيها دراسته على أيدي الأساتذة المرموقين، وحصل منهم على إجازة رواية واجتهاد.

وفي خريف سنة ١٩٠١ سكن في محلّة >الخراب< الشيعيّة، واستقرّ بها حتّى وفاته، وكان يذهب إلى شقراء في الصيف فقط، ثمّ افتتح بعد سنة مدرسة للذكور باسم >العلويّة<، التي أُطلق عليها بعد ذلك >المحسنيّة<، ولازالت هذه المدرسة في حال التطوّر والتقدّم، وبعد مضيّ عشرين سنة أسسّ مدرسة للبنات باسم >اليوسفيّة<.

وكان محسن الأمين مولعاً ومبادراً إلى تأسيس منظمات لإدارة هذه المدارس، وكان الفرد الأوّل الذي نهض لإصلاح الممارسات العزائيّة في عاشوراء، ولهذا أثار حفيظة الجميع.

وفي سنة ١٩٤٢ صار عضواً لأكاديمية العرب في دمشق، وكان يتجنّب التدخّل الكثير في القضايا السياسيّة وإن كان يتردّد على القوميين ويخالطهم


الصفحة 471
ويدافع عن عقائدهم، فالهدف لديه هو انجذاب المجتمع السوري وإدخال الشيعة في أوساطه، مع الحفاظ على خصائص ممارساتهم والتقاليد الخاصة بهم.

عاش هذا المجتهد حياة متواضعة طيلة عمره، وكان يجلس على الأرض مع كتاباته وكتبه، فيدوّن المطالب حال كونه قائداً دينيّاً ومرجعاً معروفاً.

أساتذته في جبل عامل: محمّد حسين الأمين، جواد مرتضى، نجيب الدين فضل الله.

وفي النجف: علي محمّد الأمين، أحمد الكربلائي، محمّد باقر النجم آبادي، ملا فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة، ملا كاظم الخراساني [الآخوند الخراساني]، آغا رضا الهمداني، محمّد طه نجف و...

مؤلفاته: عشرات من الكتب ومقالات عديدة، ومنها: دائرة المعارف لكبار أعيان الشيعة، تاريخ جبل عامل، البحر الزّخار في شرح أحاديث الأئمة الأطهار، الحاشية على العروة الوثقى، المجالس الثنيّة [كذا، والصحيح: السنيّة. ح] في مناقب العترة النبويّة، لواعج الأشجان.

يوسف الفقيه (١٨٧٠ ـ ١٩٥٧):

ولد في خريش في أسرة علميّة، وأخذ يكتسب العلوم في البدء عند أسرته، ثمّ ذهب إلى عيطة الزوت، ثمّ إلى عينطات للتحصيل.


الصفحة 472
وفي سنة ١٩٠٠ هاجر إلى النجف تاركاً جبل عامل، ثمّ ارتقى إلى رتبة عالية من العلم والاطلاع، وبعد سبع سنين نال درجة الاجتهاد، ثمّ عاد مع إجازة اجتهاده.

وبعد سيطرة العرب على دمشق، عقد يوسف الفقيه اتفاقاً ومعاهدة مع [الملك السعودي] فيصل، وبقي ملتزماً بعهده له، في حين أن سائر علماء جبل عامل ـ كزعيم كميل الأسعد ـ غيّر وجهة نظره تجاهه [الملك السعودي].

وكان يساهم في عدّة جلسات سياسيّة، حيث يحضرها الشخصيّات الدينيّة للبحث في مصير جبل عامل آنذاك.

وفي سنة ١٩٣٠ أصبح مستشاراً في المحكمة الجزائية الجعفريّة العليا، ثمّ اسُتخلف رئيساً عليها بعد منير عسيران.

أساتذته: حيدر وجواد مرتضى، نجيب فضل الله.

وفي النجف: كاظم اليزدي، محمّد طه نجف، ملا فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة، محمّد الذهاب، علي روفيس.

مؤلّفاته: مضافاً إلى كتاب حقائق الإمام، الذي هو أحد الكتب العقائديّة، لديه كثير من المؤلفات في أبواب الفقه، ومنها: مصابيح الفقه، وهو كتاب في الإرث، مع تقريظ مهم جداً للمرجع [المقلّد] السيّد >أبو الحسن الأصفهاني<، وقد قامت دار العرفان بنشر هذا الكتاب، وشروع الكتاب بهذه العبارة: >إنّ هذا الكتاب كرسالة عمليّة<.


الصفحة 473
وله كتاب الأحوال الشخصيّة، وقد نُشر أيضاً، وكُتب أخرى كنقل الأموات، ورسالة في نجاسة المشركين بالذات والصفّة وهي من آثاره الخطيّة.

علي الجمّال (١٨٩٥ ـ ١٩٨٤):

ولد في أسرة فقيرة في دمشق في محلّة الخراب، وبدأ دراسته في مدرستي العلوم القرآنية، واستمر فيها، ثمّ تتلمذ على يد الرهبان [رجال الدين المسيحيين] في العلوم الحديثة، ولكنّه لم يستطع الاستمرار في دراسته لأسباب ماديّة.

وعمل سكرتيراً عند أحد التجّار لسنوات عدّة، وفي نفس الوقت كان يواصل دراسته للنحو والفقه على يد محسن الأمين، الذي كان هو المشجّع له.

لم يحسب علي الجمّال من العلماء الكبار قطعاً، ولكنّه كان مطّلعاً على العلوم القرآنيّة وفنون التلاوة وجمال الألحان، وكان واقفاً على قواعد رصينة دينيّة.

درّس في المدرسة العلويّة، وساهم في إدارتها، وكان مديراً لها سنة ١٩٣٠. وقد درّس، وأدار بشكل عام هذه المدرسة ثلاثين سنة تقريباً، وكان يدرّس دروساً مسائيّة مضافاً إلى انشغاله بتدريس القرآن، وهو عضو فعّال في تأسيس المؤسسات الخيريّة.


الصفحة 474
تعلّم الخطابة على يد محسن الأمين؛ كي يدير المجالس والتعازي التي تقام لاستشهاد الحسين [ (عليه السلام)]، وتولّى الوعظ في مسجد القطيش ما يقارب خمسين سنة، وكان يأخذ على عهدته إمامة الجماعة حين غيبة محسن الأمين، وبعد رحيله كان هو الخليفة على المسجد والإمام فيه.

ومنذ البدء كان علي الجمال يطرح مواضيع دينيّة في الراديو السوري (الإذاعة الشرعيّة)، وبعد ذلك عبر الأثير ضمن مؤتمرات ومحاضرات.

اُستاذه: محسن الأمين.

مؤلّفاته: دفع التمويه عن رسالة التنزيه ١٣٤٧ (١٩٢٨ ـ ١٩٢٩).

أحمد رضا (٤حزيران ١٨٧٢ ـ ٧تموز ١٩٥٣):

كان من أسرة معروفة ومرموقة في النبطيّة، وقبل أن يدرس القواعد اللغوية والنحو والصرف كان يختلف إلى الكتّاب سنة كاملة، ثمّ عاد إلى أبيه في النبطيّة، وكان يتردّد بين المدرسة الحديثة [للعلوم الحديثة] التي أسسّها رضا الصلح سنة ١٨٨٤، وبين منزل أحد رجال الدين وهو محمّد نور الدين.

درس في [مدرسة العلوم الحديثة] الرياضيات والجغرافية، والنحو في بيت [رجل الدين محمّد نور الدين].

وفي سنة ١٨٨٦ لمّا عاد علي إبراهيم من النجف أخذ يتباحث معه في الأدب العربي، والفصاحة والبلاغة والمنطق والفيزياء والإلهيّات، وكان يستفيد من درس محمّد نور الدين، وتعمّق في الفقه بواسطته.


الصفحة 475
وأخيراً اتّجه إلى الفقه والأصول في المدرسة الحميديّة المرتبطة بحسن يوسف مكي آنذاك، ثمّ استمر في بحثه ودرسه للقواعد والمنطق وعلوم المعاني والبيان، وفي سنة ١٩٠٢ ترك المدرسة واشتغل بالتجارة، ثمّ كوّن أسرة بعد عشر سنين.

وكان أحمد رضا مدافعاً بجدّ عن نظريات الطهطاويّة، التي تدعو إلى القوميّة العربيّة، وساهم في تأسيس وبناء أوّل مؤسسة لنشر العلوم والمعارف ضمن جماعات سريّة في جبل عامل.

وفي سنة ١٩١٥ حُوكم في المحكمة العسكريّة في [مدينة] آلي Aley، ثم أعلن مخالفته للاحتلال الفرنسي، وكان يحضر في جميع الجلسات التي تُعقد لطلب الاتحاد [بين لبنان وسوريا]، ويدافع عن مبدأ الاتحاد هذا، ولكنّه قوبل بالخيبة [حيث أخذت لبنان استقلالها دوليّاً] فلذا أصابته الخيبة والنفور من السياسة، ولجأ إلى الكتابة والتحقيق في الجانب الفلسفي، وقام بتأليف قاموس لغوي؛ لأنّه طُلب منه ذلك من الأكاديميّة العربية السوريّة.

انتُخب في سنة ١٩٢٠ عضواً في هذه الأكاديمية.

أساتذته: محمّد نور الدين، محمّد علي إبراهيم.

مؤلّفاته: نشرت له عدّة مقالات في مجلّة: المقتطف، والمقتبس والعرفان، ومجلاّت المجمع.


الصفحة 476
وكان مؤلّفه >القاموس< يحظى بدرجة عالية من الاهتمام، وله مذكرات يوميّة، بعضها نُشر في [مجلّة] العرفان، حيث تعدّ مصدراً مهمّاً لمعرفة تأريخ جبل عامل.

ولهذا المؤلّف المُثابر كتب أخرى من قبيل: رسالة الخطّ، هداية المتعلّمين، ومن آثاره ـ طبعاً ـ كتب خطيّة أيضاً.

عبد الحسين صادق (١٨٦٢ ـ ١٩٤٢):

ولد في النجف، التي درس أبوه فيها، وقد فقدت هذه الأسرة كثيراً من أقربائها بعد العودة إلى جبل عامل [ويظهر أنّ السبب هو انتشار مرض معدي كالسلّ]، حيث كان عبد الحسين صادق رضيعاً، وقد تربّى بعد ذلك على يد جدّته.

بدأ دراسته في >مجد السليم< ثمّ هاجر إلى >عيطا< و>بنت جبيل<، ثمّ عاد إلى النجف في آيار سنة ١٨٨٢.

شرع في دراسة السطوح، ثمّ بحث الخارج، حتّى وصل إلى درجة الاجتهاد، وممّا أدّى إلى اشتهار عبد الحسين صادق ونبوغه بين سائر العلماء، الخصوصيّة الشاعريّة والذوق الأدبي الذي كان يتمتّع به، وكانت له مكاتبات ومقابلات مع حسين القزويني.

وفي أيلول سنة ١٩٩٨ ترك النجف إلى جبل عامل، وأقام في مدينة >الختام< التي كان ينتمي لها بالأصل. ثمّ أسس فيها مدرسة، يُدرّس فيها الأشخاص الآبقين من العسكريّة ـ على حدّ تعبير ولده حسن ـ وكان القسم


الصفحة 477
الآخر من تلاميذ هذه المدرسة عاجزين عن الاستمرار بالدراسة في النجف. وبنى عبد الحسين صادق في هذه المدينة مسجداً، وكذلك [مدارس ومساجد أخرى في القرى المجاورة].

وبعد رحيل حسن يوسف سنة ١٩٢٦ ذهب إلى النبطيّة وسكن فيها، وطوّر المسجد هناك، ثمّ بنى أوّل حسينيّة في جبل عامل، ودفن فيها.

أساتذته: محمّد طه نجف، محمّد حسين الكاظمي، رضا الهمداني، حسين الخليل، محمّد الشربياني، والمامقاني.

صرّح ولده أنّه نال إجازة من محمّد حسن الشيرازي.

مؤلّفاته: المواهب الشنيّة [كذا، والصحيح: السنيّة. ح] في فقه الإماميّة، قوانين الأصول، كتاب في الإرث، كتاب في تكذيب الوهابيّة والردّ عليهم، تنبيه الرافضين على فظائع الوهابيين، الشذرات في مباحث العقود والإيقاعات، مجموعة من الفتاوى >مخطوط<، سيماء الصلحاء كتاب في ما يتعلّق بممارسات عاشوراء، ديوان يقع في مجلّدين، الأوّل في وصف مناقب نبي الإسلام [ (صلى الله عليه وآله و سلم)] وأهل البيت (عليهم السلام) .

عبد الحسين شرف الدين (١٨٧٣ ـ ١٩٥٧):

ولد في الكاظمية في بيت جدّه لأمه السيّد هادي الصدر، حيث كان أبوه مشغولاً بالدراسة، سلك سبيل التحصيل في سنّ الثامنة من عمره فدرس النحو، ثمّ عاد إلى قرية شرف الدين شهور، فتتلمذ فيها على يد أبيه، ثمّ


الصفحة 478
هاجر ـ لإكمال دراسته ـ إلى المدن المقدسة، النجف [والعتبات] سنة ١٨٩٢ إلى سنة ١٩٠٤، على يد كبار المجتهدين.

وبعد عودته إلى جبل عامل سكن ثلاث سنوات في صور كي يقوم بأعماله الدينيّة، فتفرّغ لتأليف الكتب، ونشر كتبه، في مجلة (العرفان) في حين بدئها بالنشر سنة ١٩٠٩.

وفي أواخر سنة ١٩١١ إلى أيّار ١٩١٢ أقام بمصر بصحبة خاله محمّد حسين الصدر، واشتغل فيها بمخالطة العلماء، وكان يساهم في الجلسات الأزهريّة، وهكذا استطاع أن يجمع المعلومات ويعدّ العدّة لأشهر كتبه >المراجعات<.

عُرف عبد الحسين شرف الدين بأنّه وجه وشخصيّة كبيرة في الحياة السياسيّة في جبل عامل، واُنتخب ممثلاً (للملك) فيصل في مؤتمر >وادي الهجير< سنة ١٩٢٠.

وكان الجيش الفرنسي يراقبه؛ لكونه محرّكاً للانتفاضة في تلك المنطقة ممّا أجبره ذلك إلى التخفّي، وبعد سنوات أيّد أطروحة القيمومة الفرنسيّة وتأسيس بلد لبنان الكبرى، وبالطبع إنّ النظام الفقهي القضائي الشيعي لم يُعترف به في تلك البلاد.

وفي سنة ١٩٢٨ بدأ بتنظيم الممارسات الدينيّة والعباديّة في مدينة صور، وأسس فيها المدرسة (الجعفريّة)، ومنذ سنة ١٩٣٠ كان هذا المجتهد


الصفحة 479
يجدّ في إثبات الشيعة وعدّهم ضمن المجتمع السياسي في [لبنان والشرق الأوسط].

أساتذته: يوسف شرف الدين، محمّد طه نجف، محمّد كاظم الخراساني، أقا رضا الهمداني، عبد الله المازندراني (حيث اكتسب منه إجازات)، محمّد كاظم اليزدي، شيخ الشريعة، حسن الكربلائي.

مؤلّفاته: وهي أكثر من ثلاثين مجلّداً منها: المراجعات، الفصول المهمّة في تأليف الأمّة، أجوبة مسائل موسى جار الله، الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء، المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة، أبو هريرة، بغية الراغبين، فلسفة الميثاق والولاية، ثبت الإثبات في سلسلة الرواة، مسائل خلافية، رسالة كلاميّة، الاجتهاد مقابل النص، شرح التبصرة في الفقه على سبيل الاستدلال، سبيل المؤمنين في الإمامة، بغية الفائز في نقل الجنائز، الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة: يبتني على الأدلة العقلية والنقليّة.

محسن شرارة (١٩٠١ ـ ١٩٤٦):

ولد محسن شرارة بن عبد الكريم في مدينة بنت جبيل، وبعد هجرة أبيه إلى النجف التزم بتدريسه جدّه أمين، وفي سنة ١٩١٩ ـ ١٩٢٠ هاجر هو أيضاً [إلى النجف] لإكمال دراسته، فاستمر في طلب العلوم الدينيّة والفلسفة والإلهيات (الكلام) والرياضيات واللغة الإنكليزية.


الصفحة 480
وأصبح خلال فترة قصيرة من أعمدة المجتمع الثقافي في النجف، حيث كانت حلقة من رجال الدين الشباب تحضر عنده، فيتباحثوا معاً في القضايا السياسية.

ولم يكن محسن شرارة يتأهّب من انتقاد العقائد التقليديّة والدفاع عن العقائد المتطوّرة، بل كان ـ في رأس هذه الحلقة ـ مشجّعاً للأساليب الحديثة والأدبيات المتطوّرة، وناقداً للحواجز والموانع التقليديّة التي تحكم المجتمع آنذاك.

ثمّ اتّسعت رقعة الخلاف والمناقشة مع الرجعيين، حتّى نشر محسن شرارة ثلاث مقالات في صيف ١٩٢٨، وكانت نقداً للأساليب التعليميّة في العلوم الدينيّة، التي تدرّس في النجف، واقترح فيها عدّة اُمور بغية الإصلاح، فأثار بذلك حفيظة رجال الدين، وتصاعدت ضدّه حملة الخلاف حتّى شكّلت خطورة على حياته.

وبعد عدّة أشهر ـ وعلى رغم اعتراض الجميع عليه ـ أخذ يدافع عن عقائد محسن الأمين فيما يتعلّق بإصلاح الممارسات والتقاليد العزائيّة في عاشوراء.

ثمّ ذهب إلى جبل عامل في سنة ١٩٣٥، وكان يدير الأعمال الثقافية والسياسية فيها، وقد أسسّ مؤتمرات في الحسينية يتداول ـ هو والشباب الحاضر عنده ـ فيها القضايا الاجتماعية، وكان هؤلاء الشباب يهتمون به


الصفحة 481
الصفحة السابقةالصفحة التالية