المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 481 - ص 510) ويستفتونه، حيث كان محسن شرارة معهم في الثورة والانتفاضة التي قاموا بها في بنت جبيل سنة ١٩٣٦.

اُبتلي أبوه عبد الكريم وجدّه موسى [بمرض] السلّ، وسبّب ذلك وفاته في سنّ شبابه.

أساتذته: أبو الحسن الإصفهاني، محمّد حسين كاشف الغطاء، أقا جمال، وميرزا حسين النائيني.

مؤلّفاته: له عدّة مقالات نشرها في صحيفة الهدى والعرفان والفجر والصديق والهاتف، وله آثار خطيّة في أصول الفقه وكتاب في الأخلاق قيد التأليف، وترجمة كتاب دونالسون Donaldson (The Shiite Religion) >دين الشيعة< هذا بعض تأليفاته.

موسى شرارة (١٨٥١ ـ ١٨٨٦):

ولد في بيت جبيل في اُسرة علميّة، واشتغل فيها بالدراسة مدّة، وبعد سنة ١٨٧١ هاجر إلى النجف، واكتسب فيها أفضل دروس الفقه والأصول والفلسفة والكلام ـ في آن واحد ـ ولم يطل الأوان حتّى صار يدّرس هذه العلوم بنفسه، واختلف على علماء العراق وأنشأ معهم علاقة وصداقة حميمة، وترجم له حسن الصدر ممجّداً إيّاه في [شرح الرجال].

ومع انتشار مرض السلّ اضطرّ إلى ترك النجف سنة ١٨٨٠ قاصداً تلال جبل عامل، أسسّ مدرسة في قريته ـ بنت جبيل ـ ضمّ إليه فيها خيرة الأساتذة والتلاميذ، وكان يشجّع الأساتذة على شرح المتون بدقّة دون


الصفحة 482
تضييع الوقت بالتعرّض للحواشي والمواضيع الجانبيّة، وكان بنفسه يتابع التطوّر العلمي لدى الطلبة ويهتم به.

ومضافاً لمتابعته المؤسسة التعليميّة ونشر الثقافة الإسلامية، كان قد أسسّ حلقات أدبيّة ورابطات شعريّة، على نفس النهج الذي كان عليه في النجف، وأخذ يشجّع الجبل عامليين على ترقيّ الأساليب الأدبيّة والتنوّع فيها والبحث والنقد لها.

وقد أحيى الروح الدينيّة في تلك المنطقة من جديد، وبنى مسجداً في بنت جبيل، وكان يُقيم مجالس التعزية وذكرى الحسين على النحو والأسلوب العراقي، ويرتبها وينظّمها.

وكان أيضاً يسعى نحو التقريب بين المذاهب، ويعقد جلسات مع علماء أهل السنّة.

وبلا شكّ أنّ موسى شرارة كان رجل الدين الأوّل في جبل عامل الذي استوعبت نظرياته الإصلاحيّة كلّ أبعاد الحياة ومجالاتها الدينيّة والثقافية، لولا رحيله المبكر الذي حال بينه وبين إكمال مشاريعه ونيل أهدافه، ولكنه خلّف تلاميذ كثيرين قد تأثّروا بنهجه وعكسوا آراءه على تأريخ جبل عامل.

أساتذته في جبل عامل: جعفر بن علي مغنية، مهدي شمس الدين.

وفي النجف: علي الهمداني، عبد الحسين الطريحي، محمّد كاظم الخراساني، محمّد حسن الكاظمي، محمّد طه نجف.


الصفحة 483
مؤلّفاته: له أشعار في العلوم الدينيّة، ومنها >الدرّة< في باب الأصول.

أحمد عارف الزين (١٨٨٤ ـ ١٩٦٠):

قضى عارف بين مرحلة طفولته وبين مسقط رأسه ـ مدينة شخير ـ وصيدا، وبعد حضوره عند الكتّاب واصل دراسته الابتدائية في النبطيّة، ثمّ انتقل إلى مدرسة يوسف حسن مكي، ثمّ ذهب إلى صيدا لدراسة العلوم الدينيّة، وكان مشجّعه في درس أصول الفقه عبد الحسين شرف الدين، تعلّم اللغة الفرنسية وشيئاً من التركيّة.

وفي أواخر سنة ١٨٩٠ [في العشرة الأخيرة منها، أي سنة ١٩٠٠، وخمسة عشر وستّة عشر من عمره] شرع بكتابة المقالات في المجلات.

وفي سنة ١٩٠٩ جعل ـ مباشرة ـ من مجلة >العرفان< في صيدا ناطقاً وإذاعة للمجتمع الشيعي العربي، وبعد أقل من سنتين ـ حيث كان وقتها يطبع كتبه في بيروت ـ أسسّ مطبعة في صيدا وبادر فيها بطبع الموروث الثقافي الشيعي وسائر الكتب المعاصرة.

ونشر في كانون الأوّل ١٩١١ صحيفة أسبوعيّة تحت عنوان >جريدة جبل عامل<، خصّصها لقضايا جبل عامل، ولكنّه لم يوفّق للوقوف ضدّ المشاكل الماليّة والاقتصادية، ولا مجابهة الحكم والسلطة العثمانية ومحاربتها، لذا تمّ إيقاف هذه الصحيفة بعد سنة واحدة.

اُلقي القبض على أحمد عارف الزين وحُبس لتهمة تبعيّة النهضة العربية سنة ١٩١٣ بواسطة الأتراك، وفي سنة ١٩١٥ حُوكم لكونه شاهداً على ملفّ


الصفحة 484
القوميين في مدينة >آلي< حال كونه عضواً في منظمة الفتاة. وكان يناضل ضد الاحتلال الفرنسي [على لبنان] من بدوه حتّى مرحلة الاستقلال اللبناني، ولذا ابتلي بالسلطة والسجن في هذه المرحلة. [ الاحتلال والقيمومة الفرنسية على لبنان].

وكان أحمد عارف الزين من دعاة التعصب للقوميّة العربية، والإمبراطورية الإسلاميّة والقيادة الإسلاميّة الموحّدة لكلّ العالم، وكان يدافع عن اتحاد لبنان مع سوريا، وفي سنة ١٩٣٦ كان يحمي الانتفاضة الشبابيّة في بنت جبيل.

أساتذته: أحمد رضا، سليمان ظاهر، عبد الحسين شرف الدين، منير الدين عسيران.

مؤلّفاته: عدّة مقالات طبعت في مجلّة >العرفان<، الذي كان رئيساً للتحرير فيها، ولديه كتاب تحت عنوان >تاريخ صيدا< نشره عام ١٩١٣.


الصفحة 485

(٤٣) مقالات الصحف والمجلّات


الصفحة 486


الصفحة 487

بسم الله الرحمن الرحيم

أشرنا في الجزء الأوّل من هذه المجموعة، إلى أنّ الصحافة كان لها دور مهم في هذا الجدال العلميّ، حيث قام مجموعة من الكتّاب بنشر مقالاتهم في الجرائد والمجلّات، معبّرين عن آرائهم وحججهم في هذه المسألة العلميّة الاجتماعيّة المهمة، حتّى أنّ بعضهم كتب بأسماء مستعارة ؛ خوفاً من نقمة المخالفين له في الرأيّ، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على حساسيّة هذه الشعائر في نفوس المؤمنين.

وقد وقفت أثناء عملي في هذه المجموعة، على أسماء عدّة من الصحف والمجلاّت، كُتبت فيها عدّة مقالات آنذاك، تأييداً أو معارضة لإقامة بعض الشعائر الحسينيّة، منها: جريدة الأوقات العراقيّة الصادرة في البصرة، صحيفة العهد الجديد اللبنانيّة، صحيفة ديوان ميسج الهنديّة الصادرة باللغة الإنكليزيّة، وجريدة الحبل المتين الهنديّة الصادرة باللغة الفارسيّة، وكذلك جريدة الإبلاغ الهنديّة الصادرة باللغة الفارسيّة، وجريدة الأهرام المصريّة، ومجلّة المقتطف والمقطم أيضاً، وجريدة (جهرة نما)


الصفحة 488
المصريّة الصادرة باللغة الفارسيّة، ومجلّة العرفان اللبنانيّة، ومجلّة المرشد العربي السوريّة، وصحيفة الهاتف العراقيّة، وجريدة الفجر الصادق العراقيّة أيضاً.

وأثبت هنا ما عثرتُ عليه من هذه المقالات، مع ذكر ترجمة مختصرة لكاتبها.


الصفحة 489

(١) مقالة الشيخ عبد الرضا كاشف الغطاء ردّاً على ما ورد في جريدة الأهرام المصريّة

نشرت جريدة الأهرام المصريّة في عددها ١٠٤ الصادر يوم ٢٩ ربيع الآخر سنة ١٣٤٥هـ ـ مقالةً بعنوان >كأنّه لا ينقص الإسلام إلاّ هذه البدع< مشيرةً إلى الشعائر الحسينيّة، وفي ذيل هذه المقالة أوردت فتوى الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (ت١٣٧٣هـ)، الذي جوّز فيها إقامة الشعائر الحسينيّة.

عندئذٍ كتب الشيخ عبد الرضا كاشف الغطاء (ت ١٣٨٧ هـ) مقالةً في ردّ ما جاء في الأهرام، وبعثها إلى مجلّة المقتطف والمقطم لنشرها فيها.

علماً بأنّ الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء قد كتب عدّة رسائل ـ في محرّم وصفر سنة ١٣٤٥هـ ـ تتعلّق بالشعائر الحسينيّة، طُبع منها ثلاث رسائل فقط، موجّهة لأهل البصرة، الذين استفتوه في حكم هذه الشعائر، بعد أن صرّح السيّد محمّد مهدي الموسوي القزويني البصري (ت١٣٥٨هـ)، بحرمة بعضها، ونشر آراءه آنذاك في جريدة الأوقات العراقية، ورسالته >الصولة<.


الصفحة 490
وللشيخ عبد الحسين كاشف الغطاء كتاب باسم >الأنوار الحسينيّة والشعائر الإسلاميّة< طُبع ضمن هذه المجموعة، ردّ فيه على جريدتين فارسيّتين صدرتا في الهند سنة ١٣٤٦هـ هما: >الحبل المتين< و>الإبلاغ< منعتا من إقامة بعض الشعائر الحسينيّة، وقد تقدّمت منّا ترجمة مختصرة للشيخ عبد الحسين كاشف الغطاء عند حديثنا عن كتابه هذا.

والنصّ الكامل لهذه الرسالة هو:


الصفحة 491

رسالة الشيخ عبد الرضا كاشف الغطاء إلى مجلّه المقتطف والمقطم

بسم الله الرحمن الرحيم

من البصرة الفيحاء إلى مصر القاهرة، ٢٢ جمادى الأولى ١٣٤٥هـ .

لحضرة صاحب الفضيلة مدير مجلّة المقتطف والمقطم دامت معاليه.

تحيّة واحتراماً..

أبدي إليك .. بينما تخفق عليَّ أجنحة السفر وأنا في الفيحاء، قرأتُ في جريدة الأهرام المصريّة الصادرة.. عدد ١٠٤، المؤرّخة ٢٩ ربيع الثاني الموافق ١٣٤٥هـ، مديرها المسؤول أحمد توفيق، ينشر فيها تحت عنوان نصّه: >كأنّه لا ينقص الإسلام إلاّ هذه البدع<.

وفي ذيل العنوان قد درج فتوى حجّة الإسلام الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء >دام بقاؤه< في جواز إظهار المواكب الحسينيّة، وقد نسب هذه الفتوى بدعة.


الصفحة 492
الأمل الوطيد لورود هذه الألوكة(1) نشر هذه الرسالة على صفحات المقتطف والمقطم، ولكم منّا مزيد الشكر:

____________

1- في الصحاح ٤: ١٥٧٣ «ألك»: الأَلوكُ: الرسالة.


الصفحة 493

رسالة الشيخ عبد الرضا كاشف الغطاء إلى مدير جريدة الأهرام

الفاضل مدير جريدة الأهرام..

تحيّة وإكرام..

يكون معلوم الإحاطة.. قرأتُ ما نشرتم في الأهرام الصادرة بالعدد والتاريخ المرقّم أعلاه، تحت عنوان > كأنّه لا ينقص الإسلام إلاّ هذه البدع< وغير ذلك ممّا نشرت، وفي الذيل فتوى حجّة الإسلام كاشف الغطاء >دام بقاؤه<، نسبتم له هذه الفتوى بدعة منه.

فواعجباً من كمالك وأدبك! إنّك إلى الآن ما انتبهت من سِنة الغفلة وميزت إنّا لم نتفق معكم في الفروع، وأنّكم ترون كلّ ما نعمله بفتوى علمائنا بدع، مع أنّ عندكم مقابل هذا هودج أمّ المؤمنين الشاميّ والمصريّ(1)، وليس في حجّاج المسلمين من لم يُشاهد أبّهة ذلك الهودج الموقّر، حينما يسير بين الجماهير، محاطاً بالجند والسلاح، وقد تقدّم أمامه الموسيقى تعزف بألحانه المطربة،

____________

1- تقدّم الكلام مفصلاً في هذه المجموعة عن هذا الهودج.


الصفحة 494
حتّى لقد قتل الجند المصري في هذه السنة عند وادي منى ثلاثة من الوهابيين دفاعاً عن موسيقى الهودج، والذكر الذي يضربون فيه الدفوف والطبول والصياخ، الذي قال فيه محمّد أمين ابن أخت عبد الباقي العمري:


أقال اللهُ صفّق لي وغنّيوقُل كفراً وسمّ الكفر ذكرا(1)

ولا تنكره على ممثّلي المحمل والهودج، لماذا لاتنكره على الإفرنج وقد غصّت مدنهم بقاعاته وساحاته؟!

لماذا لاتنكره على النصارى في اتّخاذ الصلبان؟! وليست هي إلاّ تمثيلاً للخشبة التي صُلب عليها المسيح (عليه السلام)، هذا إن كنتَ من أهل السُنّة والجماعة، أو من أهل الملل الخارجية.

وأمّا إذا كنت جعفريّ المذهب، فدونك فتاوى العلماء المتقدّمين من زمن شيخنا المفيد في القرن الرابع، إلى زمان علمائنا في القرن الثاني عشر، منهم شيخنا الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ومن يليه كالميرزا القمّي صاحب (القوانين)، والخضر بن شلال، والشيخ زين العابدين الحائري، وجلّ علمائنا المتقدّمين والمتأخّرين والموجودين في قطب الإسلام.

____________

1- البيت للشاعر عبد الغفّار الأخرس الموصلّي البغدادي (ت١٢٩٠هـ)، له ديوان شعر باسم «الطراز الأنفس في شعر الأخرس»، والبيت الذي يليه:

فإن تكن السيادة باخضرارفإنّ السلق أشرف منك قدرا

وعجز البيت ورد بعدّة صور، منها: «وسمّ الرقص والتصفيق ذكرا» و«وقُل نُكراً وسمّ الرقص ذكرا» و«وقل هجراً وسمّ الهجر ذكرا»


الصفحة 495
وإذا حصل جاهل مركّب مدّعي للعلم والاجتهاد، وهو لا يعقل أيَّ طرفيه أطول، بين طَغَام(1) من السفلة(2) وأوباشها(3) القاطنين في البصرة، وأفتى لهم بحرمة ذلك(4)، لا يعتنى بقوله وفتواه، مع أنّ أجلّ علماء النجف وكربلاء والكاظميّة ألقموه حجراً بل أحجار سِجيليّة(5)..


فوا عجباً كم يدّعي الفضلَ ناقصٌووا أسفاً كم مدّعي النقص فاضل(6)

فإنّي أتأسف على كمالك وأدبك أن تعتدّون بهذا النشر من الطغام المتقدّم ذكرهم، والحال أنّك قاطن في بلدة قد احتوت على علم وكمال وأدب.

____________

1- الطَغَامُ: أوغاد الناس. الصحاح ٥: ١٩٧٥ (طغم).

2- السَفِلَةُ: السُقاطُ من الناس. الصحاح ٥: ١٧٣٠ (سفل).

3- الأوباش من الناس: الأخلاط. الصحاح ٣: ١٠٢٤ (وبش).

4- يقصد السيّد محمّد مهدي الموسوي القزويني البصري (ت١٣٥٨هـ) مؤلّف رسالة «صولة الحقّ على جولة الباطل» المطبوعة ضمن هذه المجموعة.

5- إشارة لقوله تعالى في سورة هود (١١): ٨ {حجارة من سجِّيل} : وهي حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب عليها أسماء القوم. الصحاح ٥: ١٧٢٥ (سجل).

6- من قصيدة لأبي العلاء المعرّي، أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي (ت٤٤٩هـ) بعنوان «مدح ذاتي»، مطلعها:


ألا في سبيل المجد ما أنا فاعلُعفافُ وإقدام وحزم ونائلُ

ومنها:

ولما رأيتُ الجهلَ في الناس فاشياًتجاهلتُ حتّى ظُنَّ أنّي جاهل
فوا عجباً كم يدّعي الفضلَ ناقصٌووا أسفاً كم يُظهر النقصَ فاضلُ
وكيفَ تنام الطير في وُكناتهاوقد نُصبت للفرقدين الحبائلُ


الصفحة 496
فرجائي فيك فيما يأتي بعد ذلك أن لا تحررّوا مقالة لغرض وسبب، الله الله في نفسك لا تسير بها سير عنف وخَبَب(1) ؛ لئلاّ تقع في مواقع العطب، فتأخذكم ألسنة أهل الكمال والأدب، فإنّ..

جراحات السّنان لها التئام ولا يلتئم ما جرح اللسان(2)

وإنّي سائلاً من المولى أن لا تعود لمثلها في النشر، ولكم منّا النصيحة التامّة.

عبد الرضا كاشف الغطاء النجفي

____________

1- الخَبَبُ: ضرب من العَدْوِ، تقول: خَبَّ الفرسُ يَخُبُّ ـ بالضمّ ـ خبّاً وخَبَباً وخَبِياً: إذا راوح بين يديه ورجليه. الصحاح ١ : ١٧٧ «خبب».

2- البيت للشاعر يعقوب بن أبي عاصية الأجدع السلميّ (ت٢٣٦هـ)، والبيت والذي قبله وبعده:

وقد يُرجى لجرح السيف بُرءولا برئ لما جرح اللسان
جراحات السّنان لها التئامولا يلتام ما جرح اللسان
وجرح السيف تدمله فيبرىويبقي الدهر ما جرح اللسان


الصفحة 497

(٢) مقالة الميرزا محمّد تقي الأصفهاني في الجريدة الفارسيّة المصريّة >جهره نما<

نشرت الجريدة الفارسيّة >جهره نما<(1) التي كانت تصدر في مصر، في عددها الصادر في الخامس عشر من شهر ذي القعدة سنة ١٣٤٧هـ، جواباً بعنوان >الشبيه< للميرزا محمّد تقي الأصفهاني (ت١٣٤٨هـ)، عن استفتاء جاءه من إيران يتعلّق بأعمال الشبيه الذي كان يقام في إيران آنذاك.

فحكم في جوابه بحرمة اللطم، وإدخال الأقفال والمسامير في البدن، وضرب الرؤوس بالقامات والسيوف، والأبدان بالسلاسل، ولبس الرجال لباس النساء أثناء تمثيل واقعة الطفّ.

وذكر الشيخ الطهراني في كتابه >طبقات أعلام الشيعة ـ نقباء البشر في القرن الرابع عشر< ١٣: ٢٠٨ ترجمة لهذا الرجل قائلاً:

____________

1- اُنظر: وقوف رجال الدين الإصلاحيين... (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ٤٢٤:٧.


الصفحة 498
>هو السيّد الميرزا محمّد تقي ابن الميرزا عبد الرزاق ابن الميرزا عبد الجواد الموسويّ الأحمد آباديّ الأصفهاني، عالم فاضل وخطيب بارع.

حدّثني أنّه ولد ليلة الجمعة (٥ ـ ج١ ـ ١٣٠١) وتلمذ على والده، وعلى العلّامة الميرزا بديع، والمولى محمّد الكاشاني، والمولى عبد الكريم الجزي، والسيّد أبي القاسم الدهكردي، وله الرواية عن الأخيرين.

وتوفّي ليلة٢٥ من شهر رمضان ١٣٤٨هـ، ودفن بمقبرة تخت فولاد عند والده الذي كان من العلماء أيضاً، كما ذكر ذلك الشيخ محمّد علي الحبيب آبادي المعروف بالمعلم.

كان المترجم من العلماء الأعلام، القائمين بالوظائف الشرعية وإمامة الجماعة والوعظ وغيرها، وله تصانيف منها: >نور الأبصار< في فضيلة الانتظار، و>كنز الغنائم< في فضل الدعاء للقائم، >سراج القبور< طبعت هذه الثلاثة في مجلّد ١٣٣٣هـ.

وله >وظيفة الأنام< في زمن غيبة الإمام، فارسيّ طبع أيضاً، كما طبع >تذكرة الطالبين< في ترجمة >آداب المتعلّمين< وهو نظم فارسي طبع ١٣١٧هـ، نظمه وهو ابن ست عشرة سنة، وطبع له في ١٣٦٩ كتابه الموسوم بـ >مكيال المكارم< في فوائد الدعاء للقائم عليه السلام<.

ونصّ الاستفتاء والجواب، الذي أعادت نشره ـ مترجماً إلى العربيّة ـ مجلّة العرفان في الجزء الخامس، المجلد الثامن عشر ص٥٧٧، سنة ١٣٤٧ هـ ، هو:


الصفحة 499

الشبيه

جواب استفتاء من أحد أعاظم علماء إصفهان

نشرته جريدة (جهره نما) الفارسيّة التي تصدر في مصر، في عددها الصادر في ١٥ ذي القعدة سنة ١٣٤٧، وهذه ترجمته:

استفتى حاج لطف علي أبكجي التبريزي من أحد العلماء المتبحّرين، فأجابه بما صورته:

من خصوص ما سألتم من الحقير ممّا يستنبط من الآيات والأحاديث، فأذكره لكم مفصلاً بذيله:

مقدّمة:

لابدّ من بيان أنّ مقام الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام) أعلا وأجلّ من أن يقدر الإنسان على شرحه، ومن أوّل العالم إلى اليوم لم يظهر أحد بهذه الدرجة، درجة المفاداة في سبيل الحقّ والحقيقة، التي ظهر بها الحسين بن عليّ(عليهما السلام)، وإلى اليوم لم يتحمّل أحد هذا المقدار من التضحية في مقابلة الزور والباطل غير الحسين بن عليّ(عليهما السلام).


الصفحة 500
الحسين بن عليّ وقف في مقابل يزيد السلطان الجائر الظالم، ولم يسلم بالباطل، ووجه نظره نحو أربعين ألف مقاتل، ولم يسلم لأعدائه، وحفظ دين الإسلام، ولم يبايع ليزيد الفاسق شارب الخمور.

أعمال حضرة مولانا الحسين (عليه السلام) هي دروس لجميع الشيعة، بأن لا يخضعوا للظلم والزور والباطل ولو أدّى ذلك إلى القتل، يقول (عليه السلام) : >القتل أولى من ركوب العار<(1) مُتْ كريماً ولا تعش ذليلاً(2).

أمّا ما يرجع إلى سؤالاتكم:

____________

1- المشهور قول الحسين(عليه السلام) :

القتل أولى من ركوب العاروالعار أهون من دخول النّار

وفي مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) لأبي مخنف: ١٩٧، واللهوف لابن طاووس: ٧٠: إنّه(عليه السلام) قال يوم عاشوراء:

القتل أولى من ركوب العاروالعار أولى من دخول النّار

2- قال المتنبيّ، أحمد بن الحسين الجعفي، أبو الطيّب الكنديّ الكوفيّ (ت٣٤٥هـ) في قصيدة مطلعها:

كمْ قتيلٍ كما قُتلتُ شَهيدلبياضِ الطُّلى وَوَرْدِ الخُدودِ

ثمّ قال:

عِشْ عزيزاً أو مُت وأنتَ كريمُبينَ طعنِ القَنا وخَفقِ البُنُودِ
فرؤوسُ الرماحِ أذهبُ للغيظِوأشفى الغلِّ صدرِ الحقُودِ
لا كما قد حَييتَ غيرَ حميدٍوإذا مُتَّ متَ غيرَ فقيدِ


الصفحة 501
١ـ من خصوص عمل الدستة واللطم، وإدخال الأقفال والمسامير في البدن، وضرب الرؤوس بالقامات والسيوف، والأبدان بالسلاسل، فهذه الحركات الوحشيّة بتمامها على خلاف شريعة الإسلام والقرآن والأحاديث والعرف.

الحسين بن علي(عليهما السلام) لأجل إحياء دين الإسلام لم يبايع يزيد بن معاوية، حتّى بلغ درجة الشهادة، فكيف يرضى بهذا النوع من الوحشيّة باسم إقامة العزاء؟! وإذا تصفحنا القرآن الكريم لم نجد ما يُجوّز لنا اللطم المؤذي، فضلاً عن ضرب الرؤوس وجرحها بالمدى والسيوف والسلاسل والأقفال وغيرها، يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(1).

وورد في الأخبار والأحاديث عدم جواز خمش الوجوه وشقّ الجيوب على القرابة وغيره(2).

وحضرة سيّد الشهداء (عليه السلام) في آخر ساعة ودّع فيها أهل بيته، أوصى أخته زينب(عليها السلام) قائلاً: >يا أختاه، اعلمي أنّ جميع أهل الأرض والسماء يموتون، ولا يبقى غير الله تعالى، فإذا أنا قُتلت فلا تخمشي عليّ وجهاً ولا تشقّي عليّ جيباً<(3).

____________

1- البقرة (٢): ١٩٥.

2- انظر وسائل الشيعة ٣: ٢٧٣، باب ٨٤ من أبواب الدفن، كراهة الصياح على الميّت وشقّ الثوب.

3- قال الإمام الحسين(عليه السلام) لأخته زينب(عليها السلام): «إنّ أهل الأرض يموتون، وأنّ أهل السماء لا يبقون، وأنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته... يا أخيّة إنّي أقسم عليك فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت».
اُنظر: تاريخ الطبري ٥: ٤٢٠، بحار الأنوار ٤٥: ٣.


الصفحة 502
فتأمّل بعد إعطاء هذا الدستور، كيف نبادر إلى هذه الأعمال الوحشيّة؟! هذا أمر الإمام (عليه السلام) لأخته زينب، فكلّ من خالفه يكون مخطئاً ومسؤولاً.

هذه الحركات التي يفعلها عوام الناس من باب الجهل، صدمة كبرى لدين الإسلام في أنظار الأجانب، وهذه الألاعيب يأخذها الأجانب بالصور الفوتوغرافيّة ويعرضونها في أوروبا في السينما، ويسخرون من دين الإسلام بسببها.

في الدرجة الأولى يجب على العلماء تحريم هذه الأعمال كتابة وفتوى على المنابر، وبعد ذلك على الدولة أن تشدّد في منعها.

ولكن من الحيف أنّ بعض علمائنا يميلون إلى إبقاء الناس على جهلهم، لمقاصد لهم.

عموم الصدمات الواردة على مذهب الإسلام، سببها تهاون العلماء بما يجب عليهم، حرامنا حرام إلى يوم القيامة وحلالنا حلال إلى يوم القيامة(1).

____________

1- روى الشيخ الكليني في الكافي ٢: ١٧ باب الشرائع، حديث٢، بسنده عن أبان بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «... فكلّ نبيّ جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه، حتّى جاء محمّد(صلى الله عليه وآله و سلم) ، فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه، فحلاله حلالٌ إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة».


الصفحة 503
فكيف يكون الرقص والصفق في غير أيام عاشوراء حراماً، وفي شهر محرّم حلالاً؟!

في هذا الشهر جمع عظيم من الناس يشقّون رؤوسهم وأنتم ساكتون، دين الإسلام مستقيم ليس فيه اعوجاج ولا ميل.

في سائر الممالك ألّفت جمعيات للرأفة بالحيوانات؛ لمنع أصحابها أن يحملوها زيادة عن طاقتها، أو يضربوها ضرباً شديداً، ولا نراكم في إيران تمنعون الحيوانات الناطقة من ضرب أبدانها بالسلاسل.

أين جاء في أحكام الإسلام الضرب بالسلاسل، والضرب بالسيوف والسكاكين، والضرب بالأقفال؟!

حيواناتنا الصامتة صارت كبني آدم، ونحن صرنا أجهل من الحيوانات الصامتة.

٢ـ من خصوص عمل الأربعين، وأخذ الدراهم من الناس قهراً، وإلباس الرجال لباس النساء، وغير ذلك من البدع، وتسميته إقامة للعزاء، فليس في الكتب الشرعيّة إجازة بشيء من هذه الأعمال.

قراءة التعزية محض احترام، وتذكّر وبيان فلسفة شهادة الحسين (عليه السلام) بإفهام الناس أنّه لا ينبغي الاستخذاء للزوار والظلم والباطل ؛ لأنّ كلّ قارئ لا علم عنده يأتي بألف أمر مزخرف من فوق المنابر، ويفسد أخلاق الجامعة ويروّج سوق البكاء بأيّ شيء كان.


الصفحة 504
من خصوص لبس الرجال لباس النساء وبالعكس فهو حرام، ولست أنسى ما يجري في مدينتنا أصفهان، يأتي نحو من أربعين شاباً جميلي الصورة في سنّ أربع عشرة أو خمس عشرة سنة، وكلّهم مرد لم ينبت الشعر في وجوههم، ولم تظهر عليهم سيماء الرجوليّة، لا بسين لباس النساء الممتاز، ووجوههم مصقولة بالبودرة، راكبين على الدرّاجات ويكوّنون جزءاً من الدستة، ولا يظهر صوت لأحد من العلماء أنّ هذا الفعل حرام.

أمّا الحركات الاُخر: من وضع السراج على الرأس والرقص به، وإشعال النفط وعمل التنور، وإتلاف الأموال بلا فائدة، فجميع ذلك حرام ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ(1).

٣ـ من خصوص بعض الكتب وقرّاء التعزية، رحم الله الذين مضوا قبلنا، فكانوا كلّما سمعوه أو رأوه في أيّ مكان أودعوه في كتبهم، والإنسان يتعجّب من بعض هذه الأخبار والأحاديث، والعقل السليم لا يمكنه التصديق بها، مثل كركرة بن جرجرة بن بربرة بن... (2) إلى ألف اسم.

____________

1- الإسراء (٧): ٢٧.

2- إشارة إلى حديث وضعه الغلاة ونسبوه لأمير المؤمنين(عليه السلام) ، أنّه تكلّم مع جُمجمة ملقاة، فكلّمته. ولعلّ أقدم مصدر ذكر هذا الحديث الموضوع هو ابن شهر آشوب (ت٥٨٨هـ) في مناقبه، وحكاه عنه السيّد هاشم البحراني (ت١١٩٧هـ) في مدينة المعاجز، والعلامة المجلسي (ت١١١١هـ) في بحار الأنوار، ونصّ الحديث هو:
وقالت الغلاة: نادى(عليه السلام) الجُمجمة، ثمّ قال: يا جلندي بن كركر أين الشريعة؟ فقال: هاهنا، فبنى هناك مسجداً وسمّي مسجد الجمجمة. وجلندي هذا ملك الحبشة صاحب الفيل الهادم للبيت أبرهة.
وقال أيضاً: إنّه(عليه السلام) نادى لسمكة: يا ميمونة أين الشريعة؟ فأطلعت رأسها من الفرات وقالت: مَن عرف اسمي في الماء لا تخفى عليه الشريعة.
اُنظر : مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) ٢: ١٦١، مدينة المعاجز ١: ٢٥٤ ـ ٢٥٥، بحار الأنوار ٤١: ٢١١، باب ١١٠ (استجابة دعواته صلوات الله عليه في إحياء الموتى وشفاء المرضى...) حديث٢٤.
وهناك حديث آخر منسوب لأمير المؤمنين(عليه السلام) ، بسند مرفوع إلى عمّار بن ياسر، أنّه(عليه السلام) نادى جلند بن كركر وسأله : أين المخاض؟ ـ أو أين العبور؟ ـ اُنظر نصّ الحديث في الروضة في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) لشاذان بن جبرئيل (ت حدود٦٠٠هـ): ١٣٦ ـ ١٣٧، والفضائل ـ له أيضاً ـ : ١٤٠، ومنهاج اليقين في أصول الدين للعلاّمة الحلّي (ت٧٢٦هـ): ٤٧١، وإثباة الهداة للحرّ العاملي (ت١١٠٤هـ) ٣: ٤٤٧، ومدينة المعاجز للسيّد هاشم البحراني (ت١١٠٧هـ) ١: ٢٥٢ ـ ٢٥٣، وبحار الأنوار للعلاّمة المجلسي (ت١١١١هـ) ٣٣: ٤٥، والأنوار النعمانيّة للسيّد نعمة الله الجزائري (ت١١١٢هـ) ١: ٢٧.


الصفحة 505
وفي حقّ هؤلاء الأشخاص والقرّاء نكتفي بنقل حديث حضرة مولانا الصاق (عليه السلام): >هؤلاء القوم أضرّ على شيعتنا من جيش يزيد بن معاوية<(1).

وفي الختام أظهر تأسّفي من أنّ كلّ انقلاب عالميّ يحصل لأهله فوائد شتى، ونحن لا نزال في جهلنا سادرين.

الأحقر خادم الشرع الأطهر

محمّد تقيّ الأصفهاني

غفر الله لهُ ذنوبه

____________

1- في التفسير المنسوب للإمام العسكري(عليه السلام) : ٣٠٢، في تفسير الآيتين ٧٨ و٧٩ من سورة البقرة، قال الإمام العسكري(عليه السلام) : «قال الله عزّ وجلّ: يا محمّد، ومن هؤلاء اليهود { أُمِّيُّونَ } لا يقرأون الكتاب ولا يكتبون، كالأمّيّ منسوب إلى أمّه، أي هو كما خرج من بطن أمّه لا يقرأ ولا يكتب» إلى أن قال: «وهم أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي وأصحابه، فإنّهم يسلبونهم الأرواح والأموال».


الصفحة 506

(٣) مقالة عبد الجبار عبد الكريم في مجلّة العرفان اللبنانيّة

نشرت مجلّة العرفان في عددها الصادر في ذي القعدة ١٣٤٧هـ، الجزء الرابع، المجلّد السابع عشر، مقالاً بعنوان >المواكب العزائيّة والفتاوى التي أصدرها العلماء المجتهدون بحقّها< لكاتبها عبد الجبار عبد الكريم، الذي أيَّد بقوة آراء السيّدين: محسن الأمين العامليّ، ومحمّد مهدي الموسويّ القزويني البصريّ، ورسالتيهما >التنزيه< و>الصولة<.

والعجب في هذه المقالة أنّ صاحبها لم يكتفِ بتأييده ومدحه لهاتين الرسالتين ومؤلّفيهما، بل أخذ يصدر الأحكام ويحرّم المواكب الحسينيّة قائلاً: >فلم يبق ثمّة حاجة لتأليف المواكب الحسينيّة<، ووصفها بأنّها >وصمة عار سوداء في جبين الإسلام الوضّاح<، و>ليس المراد من قارئ التعزية أن يبكي المستمعين<، كأنّه لم يطّلع على الكمّ الهائل من روايات أهل البيت (عليهم السلام) .


الصفحة 507
وتمادى ـ هذا الكاتب ـ ووصف المخالفين لآراء السيّد الأمين بصفات بعيدة عن الأخلاق والإنصاف الذي لابدّ أن يتحلّى به الكاتب والناقد، قائلاً عنهم: >وما معارضتهم هذه إلاّ ممّا أوحاه لهم الشيطان<.

>هم خدّام الأجانب وعبّاد المال والجاه<.

>هم معروفون بتلوّنهم كتلوّن الحرباء، وبانقلابهم حيثما يجدون الأصفر الرنّان والأبيض اللامع<.

>أمّا المعارضة التي قام بها دعاة السوء وذوو الأغراض الذاتيّة والمنافع الشخصيّة، سيقضى عليها بالفشل والحبوط؛ لما تنطوي عليه من المكر والخداع<.

>وإنّما هذه المعارضة التي صادفتها رسالة العاملي، معارضة طفيفة، قام بها بعض الناس الذين لا يعرفون كوعهم من بوعهم، ولا يميّزون الخبيث من الطيّب، يركضون وراء السراب ظنّاً منهم أنّه ماء<.

والأدهى من ذلك كلّه أنّ هذا الكاتب تعرّض لعلماء الأمّة بقوله: >نجد علماء الدين مقصّرين<.

و>أنّه لما يحزننا ويؤلمنا جمود العلماء وسكوتهم في هذا العصر<.

و>كم كنّا نعلّل النفس ونتمنّى قيام العلماء بواجبهم وبالإصلاحات الدينيّة<.

غفرانك اللهمّ من هذه الكلمات، إذا كان العلماء مقصّرين، ولم يقوموا بواجبهم الدينيّ، فمن يا ترى يقوم بواجبه ويرشد الأمّة؟! أتلكَ الفئة التي


الصفحة 508
تُطلق على نفسها مصطلح >المثقّفة<، التي طالعت عدّة كتب ثقافية، وحفظت بعض المصطلحات العصرية؟!

ونحن إنّما أوردنا هذه المقالة وغيرها هنا؛ التزاماً بالمنهج الذي اتّبعناه في جمع كلّ ما يتعلّق برسالة التنزيه تأييداً وردّاً، وإليك ـ أيّها القارئ ـ نصّ هذه المقالة.


الصفحة 509

المواكب العزائيّة والفتاوى التي أصدرها العلماء المجتهدون بحقّها

من اليوم الذي وقعت فيه حادثة الطفّ، تلك الحادثة التاريخية المشؤومة، التي يذكرها المسلمون وقلوبهم تتفطّر أسىً، ودموعهم تقطر دماً، والتي صارت وصمة عارٍ في جبين الدولة الأمويّة في الشام.

أجل، حين حدوث تلك الوقعة التي قُتل فيها الحسين (عليه السلام) وآله البررة وأصحابه الخيرة، أخذ الشيعة ـ أي مناصري أبيه علي (عليه السلام) ـ يقيمون التعازي، ويبكون على ما حلّ بتلك العصبة الطاهرة والفئة المجاهدة في سبيل الدين من المصائب والنكبات، التي قلّما أن يفعلها المتوحّشون من البشر، فضلاً عن دولة إسلاميّة فتيّة كدولة بني أميّة الباغية . ولم يسطّر التاريخ لنا وقعة حربيّة شبيه هذه الواقعة، اللهمّ إلاّ حادثة فخ المشهور أمرها عند المسلمين.

ولقد كانت التعزية في الزمن السابق تقتصر على حادثة كربلاء فقط، ولا تتعدّاها لغيرها من الحوادث والوقائع، بينما هي اليوم قد تطوّرت، حيث يتناول قارئ التعزية حوادث تاريخية ودينية وأدبية واجتماعية، علاوة على واقعة الطف. لذلك كان الأجدر بنا أن نسمّي هذه المآتم: مدارس سيّارة، تعلّم


الصفحة 510
المسلمين أمور دينهم وواجباتهم الاجتماعية والأدبية، وغيرها من المباحث والمسائل.

قد قلنا فيما مرَّ : إنّ التعزية سابقاً كانت تتناول فقط واقعة كربلاء، وبقيت تلك الحالة إلى زمن البويهيين، حيث زادوها أمراً آخر، وهو أنّهم قاموا يؤلّفون المواكب الحسينيّة (الشبيه)، وبقيت هذه العادة جارية إلى يومنا هذا، يتداولها الأبناء من الآباء والخلف من السلف.

ونحن لا نؤاخذ البويهييّن على عملهم هذا؛ لأنّ عصرهم غير هذا العصر الذي فيه ترقّت الأمم، وكثرت المخترعات والاكتشافات، وسخّر العقل البشري الجو والأرضين والبحار، وأصبح زمام الكون بيد الغرب وسيطر على العالم، وأصبحت مقدّرات المسلمين ومواردهم وثروتهم بيد الأمم المسيحيّة، يتصرّفون بها أنّى شاؤوا وكيف أرادوا، بعدما كان المسلمون قابضين على زمام الحكم، وكانت لهم السيطرة التامة على كلّ أنحاء البسيطة، والأمم تطأطئ الرؤوس أمام عظمة الإسلام والمسلمين.

إذن، فالمسلمون في ذلك العصر كانوا معذورين على تأليفهم المواكب الحسينيّة ؛ لأنّ البلاد بلاد إسلاميّة، وقلّما يوجد فيها نفر من الملل الأخرى. كما أنّه لم تكن لهم صلة بالعالم الغربي ؛ لقلّة وسائل النقل وفقدان طرق المواصلات، وكانت في سبيل ترويج الدعوة لقضية الحسين (عليه السلام)، ورفعاً لشأنه وإظهاراً لحقّه الواضح، الذي أصبح اليوم أوضح من الشمس في رائعة


الصفحة 511
الصفحة السابقةالصفحة التالية