المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 511 - ص 540) النهار، وأشهر من نار على علم، بفضل أعمال السلف وجهودهم الجمّة ومساعيهم الكثيرة.

إذن ما دام الحقّ أصبح ظاهراً وبارزاً لكلّ ذي عينين، فلم يبق ثمّة حاجة لتأليف المواكب الحسينيّة (الشبيه)، وخصوصاً أنّها قد أدخل عليها في هذه الآونة أمور محرّمة وأفعال صبيانيّة، إن شاهدها المسلم المهذّب تعوّذ منها، وقتل النفس حسرةً لما وقع المسلمون فيه ؛ لأنّك ترى الناس في تلك المواكب حفاة عراة، يلطمون صدورهم، ويضربون رؤوسهم بالقامات وأكتافهم بالسلاسل.

ومع كلّ هذه المظاهر المفزعة، تدقّ الطبول، وتضرب الدفوف، وتصدح الموسيقى، حتّى أنّه يخيّل للغريب أنّ المسلمين أصبحوا من وحوش أفريقيا، أو من زنوج أميركا.

والله إنّ هذه الحوادث التي تجري بمرأى ومسمع من علماء الدين، لمّما تشمئز منه النفوس وتقشعر الأبدان، بل ما هذه المظاهر إلاّ لطمة عارٍ سوادء في جبين الإسلام الوضّاح.

والأمرّ والأدهى من ذلك أنّك تجد السفلة من الناس والرعاع من البشر، يتشبّهون برجل الفضيلة وأمثولة الحقّ والعدل، وباقي صحبه وآله الكرام البررة، وقسم من هؤلاء يلبسون لباس النساء ويتمثّلون بنساء أهل البيت. فهل رأيتم وقاحة أعظم من هذه الوقاحة؟ وخزياً أعظم من هذا الخزي؟


الصفحة 512
والله إنّ هذه المسائل لممّا لا تقبله الإنسانيّة والوجدان، ولا ترضاه الأخوّة الإسلاميّة.

مَنْ منّا يقبل أن يتمثّل الجهّال من الناس بأقاربه ونسائه؟

فلهذه الأسباب المارّ ذكرها، تجد العالمين الفاضلين: السيّد محسن الأمين العامليّ بالشام، والسيّد محمّد مهدي الكاظميّ بالبصرة، قد شمّرا عن ساعد الجدّ والعمل، وتقدّما للشعب الإسلاميّ بكلّ مباهاة وافتخار برسالتيهما الإصلاحيتين، آمرين المسلمين بترك المواكب الحسينيّة (الشبيه)، وبعدم الإتيان بمثلها في المستقبل؛ لما تنطوي عليه من الوحشيّة والبذاءة، التي يحمرّ جبين المنصف خجلاً ويقطر حياءً حينما يشاهدها.

وكم كان العجب والتأوّه يأخذ منّي مأخذه، حينما أرى بعض المسلمين يعارضون ما جاء في رسالة العاملي، ويصفونه بمالم يوصف به الجهّال من الناس والأشقياء من البشر، فضلاً عن عالم نحرير ومجتهد ذائع الصيت كالسيّد محسن الأمين العاملي، الذي يجب أن يفتخر به المسلمون، ويحمدون الله على وجوده بين ظهرانيهم.

للسيّد محسن الأمين العاملي أياد بيضاء على الأمّة الإسلاميّة تُذكر فتشكر، وما رسالته الإصلاحيّة هذه إلاّ دليل قويّ على ما يجول في ضميره في الإخلاص والمودّة نحو الطائفة الشيعيّة، لكن قاتل الله الأغراض والمطامع التي حرّكت بعض الناس على الطعن في وطنيّة السيّد العامليّ وعلمه وورعه وتقاه.


الصفحة 513
ولو لا أنيّ لا أعلم مبدأ هؤلاء الرجال ونفسيّتهم ومقدار إخلاصهم للأمّة الإسلاميّة، لكنت أقرأ على الإسلام السلام، وأبكي على ما حلّ بالمسلمين من يد هؤلاء القوم، لكن هم معروفون بتلوّنهم كتلوّن الحرباء، وبانقلابهم حيثما يجدون الأصفر الرنّان والأبيض اللامع.

كم كنّا نعلّل النفس ونتمنى قيام العلماء بواجبهم وبالإصلاحات الدينيّة، المراد منهم الإتيان بها، ولقد كان أملنا قوّياً بأن سيظهر أولئك العلماء المصلحون لما نعرفه من سنّة التطوّر، ولما نجد من علوّ المرتبة التي بلغتها الحريّة الفكريّة، ومن رقيّ المجتمع البشري وسيره نحو الأمام بقدم ثابتة وجهود متواصلة.

وها إنّ أملنا قد تحقّق، حيث قام في الشام العامليّ، وفي البصرة الكاظميّ، ونشرا رسالتيهما الإصلاحيتين، غير خائفين ولا وجلين، محرّمين إقامة المواكب العزائيّة (الشبيه) وهذا ما نعدّه أداة خير وبركة ستعمّ المسلمين، وتكون فاتحة إصلاحات جمّة سيقوم بها العلماء في القريب العاجل.

وإنّي أبيّن لقرّاء العرفان بكلّ فرح وسرور، أنّ هاتين الرسالتين قد لاقتا كلّ الترحيب والتأييد من أكثر الطبقات المفكّرة، وكان لها وقع حسن في أندية النجف وبغداد والكاظميّة والبصرة.


الصفحة 514
أمّا المعارضة التي قام بها دعاة السوء وذوو الأغراض الذاتيّة والمنافع الشخصيّة، سيقضى عليها بالفشل والحبوط ؛ لما تنطوي عليه من المكر والخداع، ويأبى الله إلاّ أن يحيط المكر السيء بأهله(1).

أوضاعنا الاجتماعيّة والأدبيّة والدينيّة كلّها تفتقر إلى إصلاح وتحرير، لكن يا هل ترى من يقوم بهذه الإصلاحات؟ وهل يوجد ذلك الزعيم الذي يمكنه تنفيذ هذه الإصلاحات؟

نعم، يوجد زعماء كثيرون ورؤساء دين متعددون، لكن الجرأة تعوزهم، والخوف من العوام وتقولاتهم هي التي أخّرتهم عن الإتيان بها، وجعلتهم قابعين في دورهم، لا ينبسون ببنت شفة، ولا يحرّكون ساكناً.

وما الضجة القائمة في العراق، وخصوصاً النجف، حول رسالة التنزيه لأعمال الشبيه لمؤلّفها العاملي، إلاّ حجّة قاطعة لما ذهبنا إليه ولما قلناه، لكن هذه الضجّة سوف لا تلبث قليلاً إلاّ وتنطمس معالمها ويخفت صوتها ؛ لأنّ شأن الحقّ أن يعلو ولا يعلى عليه، وشأن الباطل أن ينطمس ويبقى أثراً بعد عين، والله لا مبدّل لكلماته(2).

وإنّما هذه المعارضة التي صادفتها رسالة العامليّ، معارضة طفيفة، قام بها بعض الناس الذين لا يعرفون كوعهم من بوعهم، ولا يميّزون الخبيث

____________

1- (( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )) فاطر (٣٥): ٤٣.

2- ((وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا )) الكهف (١٨): ٢٧.


الصفحة 515
من الطيب، يركضون وراء السراب ظناً منهم أنّه ماء، ولا بدّ أن يثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى طريق الحقّ ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(1)، بل الأحرى أن نقول: ولو كره أعداء العامليّ.

ولو أنّ هذه المعارضة حصلت من أناس مفكّرين ورجال منوّرين، لكنّا نندب حظّ المسلمين، ونودع الحياة بما فيها من بؤس وشقاء وسعادة وهناء. ولكن لعلمنا بأنّهم خدّام للأجانب وعبّاد للمال والجاه، هو الذي اضطرّنا لكتابة هذا الموضوع.

وما معارضتهم هذه إلاّ ممّا أوحاه لهم الشيطان، فلذلك تجدهم يزأرون ويُعربدون؛ حرصاً منهم على أن لا يذهب جاههم، وأن لا يفوتهم الأصفر الرنّان.

وما شأن الفضيلة إلاّ أن تدوم وتظهر للوجود ملازمة للسيّد محسن العامليّ، وما شأن الباطل إلاّ أن يزول وتُمحى آثاره، وهنالك ترفع أعلام الهدى، وتنطمس أعلام السوء، التي وقف المبطلون تحتها وجعلوها رايتهم.

فلندع مواكب العزاء، ونحوّل عنان قلمنا لجهة المآتم والتعزية التي تقام فيها، وهنالك نجعل القلم يجول ويكتب حسبما نريد أن نبيّن.

____________

1- التوبة (٩): ٣٢.


الصفحة 516
نقول كلمتنا هذه بخصوص المآتم ومجالس التعزية فيها، تعليقاً على ما أبداه العلّامة العامليّ حول قرّاء التعزية، وقراءتهم الأكاذيب الملفّقة والروايات الركيكة، ونحن لم نعرف الأسباب التي دعت القرّاء (الملالي) إلى قراءة الأخبار الكاذبة والروايات الملفّقة. والظاهر من مجرى الحوادث أنّهم يريدون بذلك تبكية الناس، وجعل الصريخ والصياح يعلو في مجالسهم.

لا يا سادتي القرّاء، ليس المراد من القارئ أن يبكي المستمعين، كلاّ وألف كلاّ، بل المراد منه والواجب عليه أن يبسط قضيّة الحسين (عليه السلام)، ويبيّن ما اشتملت عليه من الشيم والإباء، وما انطوت عليه من البسالة والجهاد في سبيل تشييد دعائم الدين على أسس ثابتة ؛ لأنّ الحسين لم يقم بهذا العمل إلاّ لكي يصير لنا درساً بليغاً نعتبره ونأتمر به، ووضّح لنا وأبان كيفيّة الجهاد في سبيل الوطن، والذب عن حياض الدين.

إذن فالواجب على القرّاء أن يذهبوا في قراءتهم لهذه الناحية، لا أن يقرأوا القصص الكاذبة، ويموهوا على المسلمين، وهم يعلمون بأنّ اللعنة نصيب الكاذبين حيث قال الله عزّ من قائل ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(1).

____________

1- هود (١١): ١٨.


الصفحة 517
ونحن إذا أردنا أن نؤاخذ أحداً على هذه الأمور التي يرتكبها القرّاء، فلا نؤاخذ إلاّ علماء الدين ؛ لأنّ العلماء أحاطوا خبراً بجميع الأدوار التي اجتازتها واقعة الطفّ وعلموا الأخبار الصحيحة من الكاذبة .

بينما القرّاء بضاعتهم قليلة، ولم يحيطوا علماً بكلّ الأخبار والروايات التي وردت بخصوص حادثة الحسين (عليه السلام).

فلهذا السبب يجب على العلماء أن يرتقوا المنابر، وينحّوا القرّاء العديمي الإلمام بالتعزية عن المنابر، أو يسلّموها للذين يستحقونها ويوفون حقّها. كما أنّه يراد منهم ـ ما داموا هم حفظة الدين وهداة البشر ـ أن يسعوا لتشكيل جامعة دينيّة كبرى يُلقى عبء التعليم فيها على عاتقهم، ويكون من اختصاصها تخريج علماء مجتهدين ومبشّرين ووعّاظ وقرّاء (ملالي) كلّ بحسب اختصاصه وميّزته.

هذا هو الواجب الذي يُراد من العلماء ؛ لأنّ الحمل الثقيل لا يقوم به إلاّ صاحبه، ومن هو أولى بالقيام بهذه الأعمال من علماء الدين الأعلام.

إنّه لمّما يحزننا ويؤلمنا جمود العلماء وسكوتهم في هذا العصر، عصر النور والحريّة، عصر الكهرباء والبرق، عصر بلغت فيه العقليّة البشرية حدّاً لم يكن له مثيل، حتّى أنّ الأمم المسيحيّة وغيرها تتقدّم يوماً بعد يوم إلى الأمام، وتركض بخطوات واسعة نحو الرقيّ والتقدّم، بينما نحن المسلمون لم تزل أمورنا الدينيّة والاجتماعيّة والأدبيّة على قِدمها، ولم ينلها من


الصفحة 518
التحرير والتبديل أدنى شيء، على الرغم من اعوجاجها، وعدم موافقتها لروح العصر الحاضر.

ومن هذه الجهة نجد علماء الدين مقصّرين بواجبهم وإن كان قد أتوا من الأعمال الجليّة والأفعال النافعة التي توجب شكر المسلمين لهم والامتنان منهم، وبتأييدهم فيما ذهبوا إليه، والاقتفاء بما خطّته أياديهم الكريمة من الحِكم والمواعظ، التي ستبقى لهم أثراً خالداً إلى الأبد.

نعم، كلّ هذه الأعمال المفيدة التي قام بها علماء الدين وإن كانت كثيرة، لكنّها لم تكن إلاّ جزءً من مئة ممّا يأمل منهم المسلمون أن يفعلوه. هذا ما أرجو من العلماء الأعلام، أن يُعطوه اهتمامهم، ويفكّرون فيه مليّاً، ويبذلون الجهود والمساعي لتلافيه قبل أن يشتدّ الخطر، وتعمّ الفوضى، وتفوت الفرصة، بينما النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) يأمرنا أن نغتنم الفرص ؛ لأنّ الفرص تمرّ مرّ السحاب.

وبهذه المناسبة لنا اقتراحات مهمّة، نودّ أن نبسطها عسى أن تلاقي الترحيب والتأييد من الطبقات المفكّرة، التي لا يهمنا سواها، وأن لا تذهب كصرخة في واد، أو كنفخة في رماد، وهي:

إنّا نرى بالعيان ونُشاهد بالحسّ، تطوّر الحوادث في العالم، وتغيّرها ساعة بعد أخرى، كما حدث في تركيا وفارس والأفغان من الانقلابات والتطوّرات، التي تناولت قشور مهام الأمّة وضرورياتها، اللهمّ إلاّ النزر القليل من لباب أمورها.


الصفحة 519
إذن فجدير بنا أن نتبع سنّة التطوّر والتغيير، ونجاري الطبيعة أنّى سارت وحسبما أرادت، فمن جهة المواكب الحسينيّة (الشبيه) يجب أن نذعن لفتاوى العلماء الأعلام ونتركها، وأن نعتاض عنها بتمثيل رواية فاجعة كربلاء، مع المحافظة على شرف نساء آل البيت وعدم تمثيلهم، أو إظهارهم بما لا يليق بهم.

والمراد من الشبّان المهذّبين والمتخلّقين بالأخلاق الدينيّة، أن يدرسوا واقعة الطفّ درساً وافياً ؛ لكي يحيطوا علماً بجميع الأدوار التي مرّت عليها، ويعرفوها من جميع نواحيها، ومن ثمّ تؤلّف رواية بالقضية تمثّل كلّ عاشوراء.

كما أنّه يجب أن نقيم حفلة تأبينيّة لشهيد الطفّ يوم العاشر من المحرّم تتبارى فيها قرائح الخطباء والشعراء، هذا ما يجب عمله في اليوم العاشر من المحرّم.

أمّا باقي أيام السنة، التي نودّ أن نقيم التعازي في أثنائها، فلا ضير علينا أن نجعل التعزية بعهدة القارئ (الملاّ) الذي يحكم المجتهد بأهليّته للقراءة (التعزية).

كما أنّه نرجوا من أدباء المسلمين وشعرائهم أن ينزعوا ثوب الخمول والكسل، وينبذوا الجمود، ويتحفوا مستمعي التعزية بالخطب والقصائد، التي يدبّجها يراعهم وتجود به قرائحهم، وعلى هذا النمط يجب أن نسير في


الصفحة 520
مجالس التعزية وبكلّ شؤوننا الداخلية، لا أن نجعل القديم على قدمه، والخطأ على خطائه.

وإن سيّرنا دفّة سفينتنا على هذه الصورة سيكون للمسلمين السمعة الحسنة والأحدوثة الطيّبة، سواء في الخارج أو الداخل.

هذا ما أدعو إخواني المسلمين إليه، أرجو أن يجيبوا دعوتي، ويحقّقوا ما سطرته في مقالي هذا، وبذلك سيكسبون الأجر والثواب، ويكون لهم الفوز في الدنيا والآخرة، وليس ذلك على هممهم وإرادتهم بأمر عسير.

وفي الختام أشكر السيّد محسن الأمين العامليّ والسيّد محمّد مهدي الكاظميّ شكراً جزيلاً، وأؤيدهما فيما ذهبا إليه، وأسأل الله عزّ وجلّ أن يُطيل عمرهما، لكي يتحفانا بثمرات آرائهما الصائبة وأفكارهما النيّرة، ويوفّقهما لما فيه الخير لهما وللأمة الإسلاميّة جمعاء، ورحم الله امرءً شهد الحقّ فتبعه ورأى الباطل فنبذه، والسلام.

البصرة (عراق)

عبد الجبار عبد الكريم


الصفحة 521

(٤) مقالة الشيخ محسن المظفّر في مجلّة المرشد العربيّ السوريّة

نشرت مجلّة >المرشد العربي< السوريّة، لصاحبها ورئيسها الشريف عبد الله آل علويّ الحسينيّ، في جزئها الرابع، الصادر في شهر صفر سنة ١٣٤٧ هـ، مقالةً بعنوان >أدب الشبيبة الروحانيّة<، دافعت فيها عن السيّد محسن الأمين ورسالته >التنزيه<، وادّعت أنّ السيّد الأمين يُسبّ في مدينة النجف الأشرف، قائلةً: >فهؤلاء علماء الإسلام وقادته يُسبّون بكرةً وعشيّاً...<.

فقام الشيخ محسن المظفّر (ت١٣٧٩هـ) وكتب مقالةً بعنوان >عدوان على علماء الإسلام<، وجّهها لرئيس تحرير هذه المجلّة، ينتقدها في نشر هذه المقالة، وينتقد فيها السيّد الأمين وآراءه ورسالته في كلمات لا تخلو من خشونة، تجدها ضمن مقالته هذه.

والشيخ محسن المظفّر ذكره الشيخ جعفر محبوبة (ت١٣٧٧هـ) في كتابه >ماضي النجف وحاضرها< ٣: ٣٦٨ قائلاً:

>الشيخ محسن ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ نعمة، ولد سنة١٣١٩هـ، وهو أصغر أنجال الشيخ إبراهيم عاش مع والده عيشة الأغنياء، ونشأ منشأ


الصفحة 522
أهل الثروة، شبّ تحت ظلّ والده الوارف وغذّاه بلبان الكمال والأدب، فنما نموّاً صالحاً، فدرس المبادئ على فضلاء أهل العلم، وتدرّج في معارفه.

وها هو اليوم شاعر كاتب، له قلم جريء في شتّى المواضيع، وقد نشر كثيراً منها في المجلاّت النجفيّة كالاعتدال والبيان وغيرهما، وله مقاطع من الشعر، وهو من المعاصرين<.

وذكره أيضاً الشيخ محمّد هادي الأمينيّ النجفيّ (ت١٤٢١هـ) في كتابه >معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام< ٣: ١٢١٥ قائلاً:

>مجتهد كامل، عالم بارع، كاتب قدير، شاعر نابغ عبقريّ، صريح القول، طيّب الضمير، متهوّر جريء، حادّ الطبع، منقطع عن الناس بصورة باتة، لا يختلف إلى أحدٍ، ولا أحد يختلف إليه.

كان يخرج من بيته لاقتناء حاجاته فقط، متقبّعاً بعبائه في جميع الفصول. شاهدته على هذه الحالة في النجف الأشرف سنين طويلة.

ولد ونشأ ودرس في النجف، وتخرّج على أساتذتها، وكان له يراع وأسلوب بارع. كتب في الصحف بحوثاً هامة، ونظم شعراً رصيناً، ومات سنة ١٣٧٩هـ .

له ديوان شعر، ومجموعة مقالات<.

وذكره أيضاً الأستاذ علي الخاقاني (ت١٣٩٩هـ) في كتابه (شعراء الغري) ٧: ٢٧٣.

ونصّ المقالة هو:


الصفحة 523

عدوانٌ على علماء الإسلام

حضرة الفاضل صاحب مجلّة >المرشد العربي< الزاهية السيّد الشريف عبد الله المحترم.

تحية وتبجيلاً،

إنّ العروبة حقّاً لتشكر ـ لمرشدها ـ إضاءة طريق التقدّم، بعيد تلبّد سُحب الضلال في سماء هاتيك السبيل المعبّدة منذ أربعة عشر قرناً، وأخذها بيد العربيّ، تجتاز به عقبات الدجالة المتكدّسة من أشلاء الحقائق ورفات المجد التالد، مبصرةً إياه من ورائها منبثقات الإسلام من مشكاة القانون المحمّدي (صلى الله عليه وآله و سلم)، والنظام الإلهيّ الكافل للخليقة وضوح الطريقة، ووميض سنا عزّ المسلمين السالف من زجاج التاريخ الناصح، المملي على الخلف دروس المدنيّة الحقّة.


الصفحة 524
نعم، فللمرشد شرف الهداية، وعليه تنعقد الآمال، وبه يحلّ الرجاء بانتشال متردّيات المعارف من مهاويها، ما برح يراع تحريرها تحرّكه أنملة العيلم المحقّق الشريف، ولسانها الذالق ينطق بما يُوحي إليه ضميره النزيه.

فها قد أديل للباطل من الحقّ وثؤر للظلم من العدل: الدين المدني والشريعة الاجتماعيّة، تتناهبهما أظفار التطرّف، وتنوشهما وحوش التزلّف، وليس في المحيط الصحفيّ من يشمّر فيحيطهما بحصن من تنمّره في ذات الله، أو خدمة للإنسانية المعذّبة.

ولربّما توهّم الناظر بالنظرة الأولى لبضع مواضيع ونشرات على صفحات النزر منها، أنّها من ذلك البحر وتلك القافية، فلا يعيدها ثانية إلاّ وتذهب ظنونه أدراج الرياح، حيث تتجلّى الخبيئة ويسفر الصبح لذي عينين، بلى وبذلك حكمت الخلاعة والفرنجة دعامتا سرادق مدينة >اللادينيّة< والشذوذ عن محجّة الحكمة والمنطق في عصر النور..

آه، ما أحوج الوضع الحاضر لمن يقوّم أوده، ويعدّل أمته؟!

ووالهفاه، حتّى متى يا دست العدل تكابد ألم الوحشية وتعاني مضض الفرقة؟!

ألم يأن أن تتسنّم ذروتك صحيفة استقت لبان الإنصاف من ثدي المرؤة؟!

هذه >المرشد العربي< مجلّة حسبنا بمطلعها طلوع ذيالك النجم الآفل منذ ثلاثة قرون أو أكثر، بيد أنّها لم تشأ إلاّ أن تلتحف ببردة الغفلة، وتهوم


الصفحة 525
في سبات البساطة، تينك الصفتين الوضيعتين اللتين تجلّ عنهما روح صاحبها الوثّابة وعينه اليقظة، ما أكثر الاختلاس وأوفر التدليس أيّها المرشد، فلو تبصّرتَ لأبصرتَ الشمسَ المحتجبة عن عينيك بالغربال.

فمن هو يا ترى >العالِم< الذي يُشتم في عاصمة الديانة وينبوع الحكمة والعرفان > النجف الأشرف<؟!

أهو صاحب >التنزيه لأعمال الشبيه<؟!

أم هو المفتري على أعلام المذهب بدعوى الموافقة لرأيه الكاسد؟!

أم المكذِّب لطائفة من صحاح الأخبار؟!

أم المتعرِّض لنفوذ البصيرة وصلابة الإيمان؟!

أم الحاطِّ من كرامة العصمة وقدس النبوّة بأكثر من موضع؟!

أم... أم...

ضمن كراسته التي كرّس قواه الماديّة والأدبيّة، وضحّى بملكتيه العلميّة والعمليّة في تسويد وجهها، حتّى ظهرت للملأ ببشاعة المنظر وشناعة المخبر، بما أورده فيها ممّا لم ينزل الله به من سلطان، على أثر احتراق محفظة كظم الغيظ منه، والتهاب النفس الأمّارة فيه، المتطاير شررها لبعض الجهات.

وهذه لعمر الحقّ >شرارة< من هاتيك الجذوة، وذلك حين قذف بطل الإصلاح وإنكار المنكر، نزيل دمشق، بمفرقعة من فوهة مزبره.


الصفحة 526
أيّها الكاتب الضليع والصحافي الجريء، دونك الجدار فأضرب بعرضه ما يرد عليك من مزيّفات ومموّهات، حرّرها الغرض الذاتي، وحبّرها مستودع الإيمان في ضمائر أشخاص لا قيمة لهم في سوق المجتمع، ولا يقام يوماً لهم وزن، فمن يالك الخير صاحب التوقيع؟

وما هي مكانته؟

وهل لك أن تسأله عن الكاتب المتستّر به والمنزوي خلف إمضائه، شأن بعض الشذّاذ مع رسالة اشترك بها ثلاثة، ولمّا أيقنوا بسوء المغبّة التمسوا العزّ فأدركوه.

رسالتي هذه إليك على اختصارها، خدمة للحقيقة، ومحافظة على مجلتنا >المرشد العربي< عن وصمة كهذه، وقياماً بواجبك؛ فإن تطوّلت بنشرها فتلك البغية، وإلّا فيجدي تنبيهك، والسلام.

النجف الأشرف

محسن المظفر

تعليق المرشد العربي على المقالة:

المرشد العربي: إنّ الجملة التي نُشرت في ج٤ ص٢٩٧ من المجلّة ضمن مقالة >أدب الشبيبة الروحانيّة<، فأوجبت تأثّر بعض الجهابذة الفضلاء، لم نفهم من مطالعتها ونقدها قبل طبعها ونشرها، ما يُشمّ منه رائحة الطعن والحطّ من كرامة بعض سادات الأمّة وعلمائها الأعلام، الذين نجلّهم ونحترمهم، وندافع عن كرامتهم بكلّ ما أوتينا من قوّة.


الصفحة 527
بل فهمنا عكس ذلك، أي محض المحمل والطعن على مناوىء العلماء وحجج الإسلام؛ لأنّ مَن يقرأ هذه الجملة: >فهؤلاء علماء الإسلام وقادته الأعاظم يسبّون بكرةً وعشياً...< ويرى إيضاحها تعليقاً عليها بذيل تلك الصفحة وهو قوله: >يشير إلى ما أظهره بعض الأجلاف ـ إلى قوله ـ : لمجابهة أولئك الرعاع< لا يفهم من هذا كلّه إلاّ الذبّ عن العلماء والانتصار لهم.

بيد أننّا لا نعلم وقوع خلف بين علماء النجف وجبل عامل أدّى إلى تلك الضجة.

وإنّ تعرّض الرعاع والجهلة من الناس للنيل من كرامة أهل العلم والفضل، هو أمر واقع في كلّ بلدة، ويؤيّد ذلك ما نشرناه في الجزء الثاني تحت عنوان >العلم والعلماء< للمجلّة، وفي الجزء الثالث أيضاً تحت عنوان >الأُمّة وعلماؤها< لفضيلة مفتي اللاذقية.

على أنّ ما جاء في كلا المقالين : >أدب الشبيبة الروحانيّة< وهذا الردّ عليها، هو مفوّض لكلا الكاتبين الفاضلين، لا رأي لنا فيه.


الصفحة 528

(٥) مقالة محمّد عليّ الحاج سالمين في جريدة >ديوان ميسج< الهنديّة

بعد أن طُبعت رسالة >التنزيه< للسيّد محسن الأمين (ت١٣٧١هـ) في مطبعة العرفان بصيدا سنة ١٣٤٧هـ، قام الأستاذ محمّد عليّ سالمين (ت١٣٧٥هـ) بكتابة مقالة مؤيّدة للسيّد الأمين وأفكاره، بعنوان >المسلمون ومحبّتهم لآل البيت<، ونشرها في جريدته >ديوان ميسج< التي كانت تصدر في بمبئ ـ الهند ـ باللغة الإنكليزيّة.

وقامت مجلّة >العرفان< اللبنانيّة بإعادة نشرها، مترجمةً إلى العربيّة، في عددها الصادر في شهر شعبان سنة ١٣٤٩هـ، الجزء الأوّل، المجلد الحادي والعشرين، الصفحة ٥٤ ـ ٥٧.

وكتب السيّد نور الدين شرف الدين (ت ١٣٩٦هـ ) مقالة بعنوان >مأتم الحسين (عليه السلام)< أو >نظرة في مقال: المسلمون ومحبّتهم لآل البيت<، ردّ فيها على ما ذكره سالمين في مقالته هذه، ونشرها في مجلّة >العرفان< أيضاً، في


الصفحة 529
عددها الصادر في شوال سنة ١٣٤٩هـ، الجزء الثالث، المجلّد الحادي والعشرين، الصفحة ٣٦٢ ـ ٣٦٨.

ولم ينته الأمر لهذا الحدّ، فكتب شخصان وباسمين مستعارين وهما: حبيب بن مظاهر وأبو فراس، مقالين تحت عنوان >كلمة حول الحسين (عليه السلام)<، ردّا فيه على السيّد نور الدين شرف الدين، وأيّدا ما ذكره سالمين في دفاعه عن السيّد الأمين.

وقامت مجلّة >العرفان< أيضاً بنشر هاتين المقالتين، في عددها المزدوج الصادر في ذي القعدة ـ ذي الحجّة سنة ١٣٤٩، الجزء الرابع والخامس، المجلّد الحادي والعشرين، الصفحة (٥٨١ ـ ٥٨٤) و(٥٩٩ ـ ٦٠٠).

والعجيب من الأستاذ سالمين أنّه يصف الذين يلطمون على الحسين بـ >الجهلة البررة< ثمّ يقول: >إنّ هذا العمل لم يأتنا من إمام أو وصيّ، بل هو بدعاية الجهلة، بدعة ابتدعوها<.

والأعجب من ذلك، أنّه استدلّ على حرمة لطم الصدر بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(1) فما هو المراد من التهلكة؟ وهل تحصل من لطم الصدور على الإمام الحسين (عليه السلام)؟

واستدلّ بحرمة النياحة بثلاث روايات عامّية، معارضةً بأصحّ منها وأكثر، إضافةً إلى أنّها ليست من طُرقنا، فلا حجّة فيها علينا، وهي:

____________

1- البقرة (٢): ١٩٥.


الصفحة 530
رواية المغيرة بن شعبة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) أنّه قال: >مَن ينح عليه فإنّه يُعذّب بما ينح عليه يوم القيامة<(1).

ورواية عبد الله بن مسعود عن النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) أنّه قال: >ليس منّا من ضرب الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية<(2).

ورواية أبي مالك الأشعري عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) أنّه قال: >أربع من أمّتي من أمر الجاهلية لا يتركوهنّ: الفخر في الأنساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة<(3).

وإليكم النصّ الكامل لهذه المقالة:

____________

1- صحيح البخاري ١: ١٥٧، صحيح مسلم ١: ٣٥٩.

2- صحيح البخاري ٢: ٨٢ ـ ٨٣، صحيح مسلم ١: ٧٠.

3- صحيح مسلم ٢: ٩٣٤.


الصفحة 531

المسلمون ومحبّتهم لآل البيت

يتعجّب القارئ حينما يقرأ على صفحات هذه المجلّة الكريمة مقالاً بهذا العنوان العجيب وهو > المسلمون ومحبّتهم لآل البيت (عليهم السلام) < نعم، كثرة الأسباب هي التي جعلتني أكتب هذا المقال رغم أنف كلّ عدوّ متكبّر، فأوّل سؤال نطرحه على العالم الإسلاميّ هو:

١ـ هل عرف المسلمون قدر آل بيت نبيّهم (صلى الله عليه وآله و سلم)؟

٢ـ هل يقدّرون ويتبعون آل بيته، كما نصّت عليه روايات آل البيت رضوان الله عليهم أجمعين من كلا الفريقين السنّة والشيعة؟

فأوّل سؤال في الحقيقة صعب على كلّ شخص أن يجيب عليه، ولكن لن يصعب على المجرّب والشاهد بعينيه والسامع بأذنيه.

المسلمون نسوا قدرهم في مشارق الأرض ومغاربها، فوالله لو عرفوا حقّ قدرهم لما أصبحوا أذلاّء، يصبّ عليهم سخط الخالق من كلّ صوب وحدب.


الصفحة 532
أمّا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فقد قال: >إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، فإن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً<(1).

وهذا هو نصّ الحديث المتّفق عليه من أحاديث أهل السنّة والشيعة، ولكن كما قلت أعلاه: استدلّ بعض منهم على أهميّة هذا الحديث لسياسات الممكة، وغير ذلك منها، فمن قائل: لم يقل النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) لفظ >العترة<، إنّما قال هكذا: >تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنّتي<(2).

ومن قال: إنّ هذا الحديث ـ أي >عترة< ـ ضعيف(3)، وهلمّ جرّا.

فإذا اعترض عليه مَن يحبّ آل النبي بكلّ قلبه وإيمانه، قالوا له: >أنت رافضي<، فهل الرفض مَن أحبَّ آل بيت الرسول يا ترى؟

رحماك أيها الإمام الشافعيّ حيث قال، لما أعترض عليه جماعة من الخوارج بقولهم له: >أأنت تحبّ آل البيت أكثر من الصحابة<؟

فأجابهم: >نعم<.

فقالوا له : >إذن أنت رافضيّ<.

____________

1- اُنظر: سنن الترمذي ٥: ٣٢٨، مسند أحمد بن حنبل ٣: ٥٩، مسند أبي يعلى ٢: ٣٧٦، المعجم الكبير للطبراني ٣: ٦٦، وغيرها عشرات المصادر السنيّة.
وانظر : كتاب سليم ٢: ٦١٣ حديث ٨، كتاب درست بن أبي منصور (ضمن الأصول الستّة عشر): ١٦٦، الإيضاح لابن شاذان: ٤٤٣، الكافي للشيخ الكليني ١: ٢٨٦ حديث١، وغيرها العشرات من المصادر الشيعيّة.

2- اُنظر: الموطأ لمالك بن أنس ٥: ٣٧١، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ١: ٣٠٦، السنن الكبرى للبيهقي ١٠: ١١٤.

3- منهم ابن الجوزي في كتابه «العلل المتناهيّة في الأحاديث الضعيفة» ١: ٣٦٨ حديث٤٣٢.


الصفحة 533
فردّ عليهم الإمام قائلاً:


إن كان رفضاً حبّ آل محمّدفليشهد الثقلان أنّي رافضيّ(1)

____________

1- للشافعي محمّد بن إدريس (ت٢٠٤هـ) أبيات عديدة في مدح أهل البيت(عليهم السلام)، منها:

يا راكباً قف بالمحصّب من منىواهتف بساكن خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منىفيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبّ آل محمّدفليشهد الثقلان أنّي رافضي

***


يا آل بيت رسول الله حبّكمفرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الذكر أنّكممن لم يصلّ عليكم لا صلاة له

***


قالوا ترفّضت قلت كلاّما الرفض دينيّ ولا اعتقادي
لكن تولّيت دون شكّخير إمام وخير هادي
إن كان حبّ الوصيّ رفضاًفإنّني أرفض العبّاد

***


ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهممذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجاوهم آل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهمكما قد أمرنا بالتمسك بالحبل
إذا افترقت في الدين سبعون فرقةونيّفاً كما قد صحّ في محكم النقل
ولم يك ناجٍ منهم غير فرقةفقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل
أفي فرق الهلاك آل محمّدأم الفرقة التي نجت منه قُل لي
فإنْ قلت في الناجين فالقول واحدوإن قلت في الهلاك حفت عن العدل
إذا كان مولى القوم منهم فإنّنيرضيت بهم ما زال في طلّهم طلي
فخلِّ علياً لي إماماً ونسلهوأنت من الباقين في سائر الحلّ

***


إذا في مجلس ذكروا علياًوسبطيه وفاطمة الزكيّة
فأجرى بعضهم ذكراً سواهمفأيقن إنّه لسلقلقية
إذا ذكروا علياً أو بنيهتشاغل بالروايات الدنيّة
وقال تجاوزوا يا قوم عنهفهذا من حديث الرافضيّة
برئت من المهيمن من أناسيرون الرفض حبّ الفاطميّة
على آل الرسول صلاة ربّيولعنته لتلك الجاهليّة


الصفحة 534
والآن نرجع إلى الحديث المذكور، فمن أين يقول الخارجي: إنّ الحديث الذي فيه لفظ (العترة) هو غير صحيح؟ هل عنده علم الغيب بما قاله النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)؟

ونرجع هذا السؤال بنفسه على محبّ آل البيت إذ يقول: لم يوجد لفظ >سنّتي<.

نعم، فالإنصاف يتقاضانا أن نقبل هذا الحديث وذاك الحديث على وجههما، بدون أيّ اعتراض كان، ونبذل جهدنا بآيات القرآن التي تدلّ على مناقب العترة الطاهرة المتّفق عليها من كلتا الطائفتين السنّة والشيعة، هداهما الله وجعلهما يتفقان ويتّحدان، فنجده قال: ﴿ لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1) والمودة في القربى، أي آل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله و سلم).

ثمّ الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(2).

____________

1- الشورى (٤٢): ٢٣.

2- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 535
وفي ختام الآية ﴿ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ (1) ما به كفاية.

وبعدئذٍ نوجّه أنظار بعض العلماء ونقول لهم: هل آل بيت النبيّ لم يكونوا على سنّة النبي يا ترى؟

فإن كانوا عليها فلمَ تعترضون بلفظ >العترة< يا معشر الناس؟

ألم يأتنا الحديث في البخاريّ حيث قال هنالك النبيّ: >مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق<(2)؟

ألم يكفنا هذا الحديث؟

وإن لم يكفنا فلنرجع إلى القرآن الكريم، قال الله جلّ جلاله: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (3). أمّا المفسّرون كلّهم فقد ثبت لديهم، من سنيّين وشيعيين ووهابيّين، أنّ الآية تجمع بين دفتيها (الإمام عليّ كرم الله وجهه، والسيدة فاطمة الزهراء، والحسن والحسين ابنيهما).

____________

1- النساء (٣): ٥٩.

2- أخرجه الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين ٢: ٣٤٣ قائلاً : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه.

3- آل عمران (٣): ٦١.


الصفحة 536
وبهذا اتّضح للقارئ عظمة آل بيت المصطفى، خصوصاً لما رواه البخاريّ عن سيّدة نساء العالم فاطمة الزهراء إذ قال النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم): >فاطمة قطعة مني، مَن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله<(1)، أعوذ بالله.

وهنا نرجع مرّة أخرى لبحثنا، وهو هل عرف المسلمون قدر آل بيت نبيّهم؟

فنجيب نحن: أمهلونا قليلاً، ثمّ نبحث ونطّلع على الحقيقة ونقول: ما عرف قدرهم إلاّ أناس قليلون. فلو أنّهم عرفوا قدرهم، لما نرى في يومنا هذا مَن لا يسيرون بسيرتهم.

فأوّلاً نرى أكثر الشيعة من كلّ الطوائف ـ وهم الجهلة البررة ـ يلطمون الوجه ويدقّون الصدور في مأتم سيّدنا ومولانا الشهيد الأكبر الإمام الحسين (عليه السلام).

فإذا رجعنا إلى القرآن الكريم حيث قال: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(2) ﴿ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(3) .

____________

1- اُنظر : صحيح البخاري ٤: ٢١ باب مناقب المهاجرين، و٦: ١٥٨ كتاب النكاح، صحيح مسلم ٧: ١٤١ باب مناقب فاطمة(عليها السلام)، مسند أحمد بن حنبل ٤: ٣٢٨.

2- البقرة (٢): ١٩٥.

3- النساء (٤): ١٤.


الصفحة 537
وهنا بعد هذا، نرجع إلى الأحاديث المعتبرة الصحيحة، وهذا قولهم عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم:

١ـ عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يقول: >من ينح عليه فإنّه يعذّب بما ينح عليه يوم القيامة<، رواه البخاري ومسلم(1).

٢ـ عن ابن مسعود(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): >ليس منّا من ضرب الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية<، رواه البخاري ومسلم(2).

٣ـ عن أبي مالك الأشعري(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): >أربع في أمّتي من أمر الجاهليّة، لا يتركوهنّ: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة<، رواه مسلم(3).

وكثير من الأحاديث من هذا القبيل.

ومن أكبر علماء الشيعة من بيّنوا ـ وأصابوا ـ للجمهور المغفّل قبح هذا العمل، الذي لم يجئ فيه الشرع ولا الإمام، وكتب العلّامة المجتهد الأكبر آية الله السيّد محسن الأمين الحسينيّ العامليّ أيّده الله كتاباً، ردّ به على من يضربون الصدور خصوصاً الشيعة العجم، والكتاب بصورة رسالة ألّفها قبل عام ونيف، وجمع فيها من الشارد والوارد إلى ما شاء الله.

____________

1- صحيح البخاري ١: ١٥٧، صحيح مسلم ١: ٣٥٩.

2- صحيح البخاري ٢: ٨٢ ـ ٨٣، صحيح مسلم ١: ٧٠.

3- صحيح مسلم ٢: ٩٣٤.


الصفحة 538
على أنّ هذا العمل لم يأتنا من إمام أو وصيّ، بل هو بدعاية الجهلة، بدعة ابتدعوها، وكما قال النبيّ الكريم: >كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار<(1) ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (2).

ظنّوا حبَّ آل محمّد (صلى الله عليه وآله و سلم) بهذه الأعمال، فهذا لعمري ليس حبّاً ؛ لأنّ من أحبّ شيئاً أعزّه واحترمه، وهل اللطم والضرب والتشبيهات في الشوارع أمام المجوس والوثنيين يدلّ على حبّكم يا محبيّ آل البيت اليوم؟ أفيدوا تؤجروا.

إنّ الحبّ يولّد الألفة التامة بين الناس، أو بالأحرى بين المحبّ والمحبوب، ويلزمكم أن تترجموا بكلّ لغات العالم واقعة كربلاء إن كنتم من المحبّين. وثبات الإمام وآل بيته، وكونه نجّى أمّة كادت تغرق عن بكرة أبيها في الجاهليّة، وقد نجّى أمّة جدّه الرسول (صلى الله عليه وآله و سلم)، بل الدين الإسلامي بدمه الشريف وبدم أهل بيته الأطهار وأصحابه الأمجاد سلام الله عليهم أجمعين.

وأن ينبغي لكلّ شيعي يمدّ يده للمساعدة لترجمة هذا الكتاب، وأن يكون مختصراً وصغير الحجم ؛ لكي يتداوله الجمهور ـ العامّة قبل الخاصّة ـ وأوّل ترجمة للكتاب ينبغي أن تكون في اللغة الإنكليزية ؛ لأنّك لا تجد

____________

1- سنن النسائي ٣: ١٨٨.

2- المرسلات (٧٧): ٥٠.


الصفحة 539
بقعة تحت الشمس إلاّ وسكانها يعلمون الإنكليزية، هذا عدا الإنكليز والأميركان وبعض سكان الفيليبين والهند.

وقد تنبهنا لهذه الحاجة الماسة وأخذنا بتأليف كتاب صغير الحجم والمادة بالإنكليزية تبيّن وتظهر فيه كارثة كربلاء بأسلوب حسن فلسفي لا يتململ منه القارئ حين قراءته، ولكن لم تساعدنا الظروف لتحمّل النفقات الباهظة للطبع والنشر، كما أنّ المسودّة لكتابنا (علي الخليفة) Ali the Caliph الذي ألّفناه قبل سنة بالإنكليزية نثراً ونظماً مطروحة عندنا(1)، هذا هو السبب الذي أقعدنا عن تأليف آخر، والله يوفّقنا ويوفّق المسلمين لنشر الكتب المفيدة للتبشير بما فيه الخير للمسلمين.

وهنا نرجع إلى الشطر الثاني ونبوح بكلمة إلى أبناء السنّة وحبّهم لآل محمّد (صلى الله عليه وآله و سلم) فنقول: هم ـ أي بعض جهاتهم ومعانديهم، ولا معاند إلاّ خارجي، خصوصاً منهم الأباضية وبعض جهلة الهنود ـ يلبسون الألبسة الفاخرة أيام المحرّم وخصوصاً يوم عاشوراء ـ يوم استشهد فيه نجل بضعة رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ـ كما نصّ عليه الحديث في الصحاح : >فاطمة بضعة مني...<(2).

____________

1- كتب إلينا أنّه تيسّر له المباشرة بطبع هذه الكتب، وكأنّ مقاله هذا مترجم بالحرف عن الإنكليزيّة (العرفان).

2- اُنظر : صحيح البخاري ٤: ٣١٠ باب مناقب المهاجرين، و٦: ١٥٨ كتاب النكاح، صحيح مسلم ٧: ١٤١ باب مناقب فاطمة(عليها السلام)، مسند أحمد بن حنبل ٤: ٣٢٨.


الصفحة 540
ومن هذه الجهة، ومن أعمال كهذه خلاف العقل والضمير، نطرح سؤالاً آخر، وهو: لماذا لا ينهى العلماء هؤلاء الفجرة الجهلة عن هذا العمل القبيح، الذي بلا ريب هو خلاف الإنسانية، خلاف الحق؟

والجواب: هو أنّ العلماء، ولا أسمّيهم علماء ؛ لأنهم لا ينهون عن المنكر ولا يرشدون الخلق، وأنّهم لمسؤولون أمام الله وأمام الخلق يوم لا تملك نفس شيئاً.

فأرجع إلى القول: إنّ هؤلاء القوم لا يهدون الناس ؛ لأنّهم يخافون العقاب منهم ؛ ولأنّ السواد الأعظم من الهنود هم جهلة، وأيّ جهلة، أعني من أهل السنّة والجماعة، فتراهم من أوّل يوم المحرّم إلى انتهاء العشرة يطبّلون ويزمّرون ويفرحون، وبعض الفجرة يشربون ما حرّم الله على المسلمين، فيا ويلنا ويا أسفاه على علماء زماننا وعلماء أمّتنا.

أيفرّق الإنسان الحرّ بين هؤلاء الذين يدعون أنّهم العلماء، وتلك الشرذمة التي كانت تحرّك الجيوش على سيّدنا الإمام الحسين عليه وعلى آله وآبائه أفضل الصلاة والسلام.

نعم ذكرتُ واقعة حدّثني بها صديق هندي في بمبئ، أنّه سمع لورانس في العام الماضي يشتم ويسبّ المسلمين الهنود، فقال له صديقي: يا سيّدنا (وهو أي كولونل لورانس كان حينذاك سمّى نفسه بكرم شاه، أي السيّد كرم) لماذا تسبّ المسلمين الهنود؟


الصفحة 541
الصفحة السابقةالصفحة التالية