المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 541 - ص 570) فأجابه: آه يا ولدي، أنت لهذه الساعة لم تدرِ شيئاً، هؤلاء هم المسلمون الذين قتلوا آبائي وأجدادي يوم عاشوراء ويوم الجمل ويوم صفين ويوم النهروان، أبعد هذا لك حديث؟

فصمت صديقنا الهندي لهذا الجواب الحقّ ؛ لأنّه قد صدّق أثناء إقامة لورانس أنّه من المسلمين السادة العلوييّن.

فأقول: لما استدرك رجل أجنبي سياسيّ داهية كلورنس، فجور بعض المسلمين الجهلة في الهند، أبقي شيء بعد هذا يا ترى؟

وقد شاهدنا في هذا العام (في المحرّم المنصرم) أنّ أحد الشيعة من أهالي بنجاب، قد استلَّ ليقتل أهل الطرب والطبلة ومن فيهم أجمعين، وحينئذٍ تشرّدوا كالجراد المنتشر في الأسواق، وبعد هذا قُبض على الرجل المذكور، وعلم أنّه كان في أشدّ الحماسة والغيرة على ناموس الإسلام وآل البيت(عليهم السلام(، ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ(1).

وأقول في الختام: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ(2). ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، واجعلنا من المسلمين كالسلف الصالح يا ربّ العالمين.

بمبئ ـ الهند

محمّد علي الحاج سالمين

صاحب جريدة ديوان ميسج الإنكليزية الإسلاميّة

____________

1- المرسلات (٧٧): ٥٠.

2- الرعد (١٣): ١١.


الصفحة 542

(٦) مقالة السيّد نور الدين شرف الدين في مجلّة العرفان اللبنانيّة

كتب السيّد نور الدين شرف الدين (ت١٣٩٦هـ) وهو ابن أخ السيّد عبد الحسين شرف الدين (ت١٣٧٧هـ) مقالة، ردّ فيها على المقالة السابقة للأستاذ محمّد علي الحاج سالمين، التي كانت بعنوان >المسلمون ومحبّتهم لأهل البيت<، وسمّى السيّد نور الدين مقالته هذه بـ >مأتم الحسين (عليه السلام)<، أو >نظرة في مقال: المسلمون ومحبّتهم لآل البيت<، نشرتها مجلّة >العرفان< اللبنانيّة في عددها الصادر في شهر شوال سنة ١٣٤٩هـ، الجزء الثالث، المجلّد الحادي والعشرين، الصفحة ٣٦٢ ـ ٣٦٨.

في بداية المقال، ذكر كاتبها تاريخ الشعائر الحسينيّة وأهمّيتها، وما يجنيه شيعة أهل البيت (عليهم السلام) منها، وأنّ بعض المستشرقين انتبهوا لهذا الأمر، الذي غفل عنه بعض المسلمين.

ثمّ بدأ بالردّ على ما ذكره سالمين من حُجج جعلها دليلاً لمنعه من اللطم والنياحة، وإقامة العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام).


الصفحة 543
وقبل إيراد هذه المقالة، نذكر ترجمةً للسيّد نور الدين شرف الدين، كتبها السيّد محمّد صادق الصدر(1)، والتي أثبتها السيّد عبد الله ابن السيّد عبد الحسين شرف الدين في تعليقاته على كتاب والده >بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين<، التي طُبعت بعنوان >تذييلات< مع أصل الكتاب، الصفحة ٣٥٦٣ :

>السيّد نور الدين شرف الدين (رحمه الله)، والده العلّامة الكبير المرحوم السيّد شريف، نجل الحجّة المرحوم السيّد يوسف شرف الدين.

وأمّه الوالدة البارّة المرحومة، كريمة الحاجّ عليّ الزين، والد المرحوم الشيخ عارف الزين، صاحب مجلّة العرفان ورجل الإخلاص والثبات.

والسيّد شريف شقيق المرحوم والدتي، وأمّهما كريمة المرحوم العلّامة الشيخ محمّد سليمان الزين، والد المرحوم الشيخ محمّد رضا الزين العالم الشاعر، والقاضي الأديب المعروف . ولد السيّد نور الدين (رحمه الله) في النجف الأشرف، في ٥ صفر سنة ١٣٢٧، حيث كان والده لا يزال في مهجره العلمي.

روّع السيّد نور الدين بفقد والده ولم يبلغ العاشرة من عمره، فاحتضنه عمّه الإمام وضمّه إليه، وقد حظي من عطفه ورعايته مالم يحظ به ولد من والده، وقد بقيت هذه الرعاية حتّى آخر لحظة من حياته.

____________

1- له ترجمة في طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) ١٤: ٨٦٩ .


الصفحة 544
نقله السيّد بعد وفاة والده من شحور إلى مدينة صور، فأدخله المدرسة، وقام بنفسه يعلّمه العربيّة مع إخوانه أبناء عمّه، ثمّ أرسله إلى العراق سنة ١٣٤٢، ومعه السيّد محمّد رضا (رحمه الله) والسيّد صدر الدين (رحمه الله) حيث كان يقيم أخوهم الأكبر المرحوم السيّد محمّد علي في الكاظميّة، موطن أخواله الأعلام من آل الصدر

وكان يومئذٍ على قيد الحياة عميد الأسرة والمرجع الديني الأعلى عمّنا المرحوم الإمام السيّد حسن الصدر ؛ لذلك كانت الكاظميّة في ذلك العهد مقصداً يتّجه إليها كثير من الطلاّب والأفاضل.

وكان أخوهم الأكبر السيّد محمّد علي (رحمه الله) في ذلك التأريخ، مشغولاً بدراسة الكفاية عند اُستاذنا المرحوم السيّد حيدر الصدر، الذي كان آيةً في الفقه، وحجّةً في الأصول.

وبعد أن فرغ السيّد محمّد عليّ من الكفاية وهضمها درساً وشرحاً، قصد النجف الأشرف، إذ كانت ـ ولا تزال ـ هي الهدف لطلاّب العلوم الدينية، في درس الخارج للدراسات العليا في الفقه والأصول.

وكان المرحوم السيّد محمّد علي، يشرف على إخوته في النجف الأشرف، ويختار لهم الأكفّاء من المدرّسين. وبقي الجميع في بيت واحد، يشار إليهم بالبنان من حيث الفضل والهدى والأدب والمجد والخلق الرفيع.

ولكن شاء الدهر الخؤون أن يفرّق هذا الاجتماع، فأصيب الأكبر السيّد محمّد علي بمرض عضال اضطرّه إلى الرجوع إلى جبل عامل، في وقت


الصفحة 545
كانت البلاد العامليّة تتهيّأ لاستقباله بعد أن أنهى دراسته، وأجيز من أساتذته الأعلام.

كما أنّ المرحومين السيّد محمّد رضا والسيّد صدر الدين اتّجها إلى الصحافة والوظيفة قبل أن ينهيا الشوط، وقبل أن يفرغا من دراستهما العلميّة.

وثبت السيّد نور الدين على سالف عهده، فنهل من العلم ما شاء حتّى ارتوى، وصبّ له في إنائه حتّى توسّط ساحة الفضلاء، وكان الماثل في علمه وهديه وخلقه وصلاحه.

وكان محبوباً مهاباً محترماً لدى القريب والبعيد، ولا يذكر في يوم من الأيّام إلاّ بالخير، ولا يشار إليه إلاّ بالإكبار.

عفّ اللسان، صادق اللهجة، لا يذكر إنساناً بسوء ولوم كان ظالماً له، ولا يدخل في نزاع أو فتنة، وشعاره قول جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) : >كن في الفتنة كابن اللبون<(1).

يتواضع ولكن برفعة نفس تواضع العلماء، وهو بهذه النفس الرفيعة المتواضعة في كلّ أدوار حياته، لا فرق في ذلك بين أيّام الشباب والكهولة والشيخوخة، وهو هو، أيّام الصحّة وأيّام المرض لا تفارقه البسمة.

كان يحبّ الاعتزال، ولا يشترك مع الناس في أمورهم إلاّ على قدر الواجب الذي يفرضه الشرع ويدعو إليه الاجتماع.

____________

1- نهج البلاغة: ٦٥١، ح١.


الصفحة 546
يحبّ أرحامه، ويصلهم إن قطعوه، وهو في كلّ أدواره همزة وصل، ولا يرضى لنفسه أن يكون همزة قطع في يوم من الأيّام، وهذا شأنه مع القريب والبعيد، وهذا من خلقه الطبيعي، بصرف النظر عن الواجب الشرعي، وهي خلّة كريمة، ومن الصفات النادرة التي لا تجدها اليوم إلاّ في قليل من الناس.

هادئ النفس، فلا تحرّكه العواصف إلاّ إذا غضب في سبيل حقّ، فإنّه يثور ثورة الأسد الهصور.

عاشرته طوال أيّام حياته (رحمه الله) فما لمست منه خطأً في قول أو عمل، وهو ميّال لأن يعمل ولا يقول، يحبّ الصمت، فهو لا يتكلّم إلاّ إذا دعته الحاجة إلى الكلام، وقد يظنّ من لا يعرفه أنّه عيّي اللسان، ولكنّه إذا تكلّم تحدّث بدون تكلّف متسلسلاً في فكره ومنطقه.

رجع السيّد نور الدين من النجف الأشرف إلى جبل عامل، بعد أن ارتوى من العلوم كما شاء، وقد استقبل استقبالاً فخماً، ورحّبت به القرى المجاورة لشحور، مظهرةً شعورها بالأهازيج الشعبيّة المعبّرة عن بالغ سرورهم.

وقد وجد عمّه الإمام (رحمه الله) به ما أقرّ عينيه وأثلج صدره ؛ إذ رآه صورةً طبق الأصل عن المرحوم أبيه، علماً وهدياً وخلقاً وخُلقاً.

وقد اشترك السيّد نور الدين في كثير من المناسبات العامّة، التي كان السيّد عمّه (رحمه الله) يدعو إليها، ولاسيّما مناسبات العيدين : المولد والغدير.


الصفحة 547
فقد كانت القرى العامليّة، تقصد السيّد مجتمعةً في نادي الإمام الصادق (عليه السلام) لاستماع ما يقول الأدباء والشعراء الذين كانوا يتسابقون إلى القول في هذه >الحلبة< من كلّ عام.

وكان السيّد ـ رضوان الله عليه ـ يكتفي في السنين الأخيرة، بما يقوله ابن أخيه المرحوم السيّد نور الدين، او ابنه المرحوم السيّد صدر الدين، اللذان كانا يمثّلان السيّد في مثل هذه المواقف أحسن تمثيل.

لقد كان المرحوم السيّد أحمد الحسيني(1) وزير العدليّة في لبنان من الرجال المخلصين الذين يحرصون على سمعة القضاء، وتحقيق العدالة، وهذا ما حدا به إلى تعيين السيّد نور الدين قاضياً للشرع في صيداء، وقد كان لهذا التعيين صداه الحسن في الأسرة القضائيّة، ممّا أطلق ألسنتها بشكر الوزير والثناء عليه.

لقد صادف تعيين السيّد نور الدين (رحمه الله) في صيداء كلّ الترحيب ؛ لأنّ أهلها يكبرون مقام عمّه الإمام شرف الدين، ويعرفون أيضاً منزلة أخواله آل الزين، وهم في صيداء في مقدّمة المحترمين ؛ لذلك رحّبوا بقاضيهم كلّ الترحيب، وأحلّوه المحلّ اللائق به، ونظروا إليه كعالم روحي يؤدّي وظيفته الشرعيّة.

____________

1- هو من الشخصيّات البارزة في لبنان، ومن طليعة أعيانه المرموقين، ولد سنة ١٢٩٩، وقد انتخب نائباً في المجلس النيابي في أغلب أدواره، كما شغل عدّة وزارات أظهر فيها كفاءته ومرونته وإخلاصه.


الصفحة 548
وكان السيّد نور الدين (رحمه الله) يقضي أوقاته بين حلّ القضايا والدعاوى في المحكمة الشرعيّة، وبين المطالعة في الكتب إذا رجع إلى البيت. وكان يولي عنايته في الكتب التي ترد لمجلّة العرفان، وكان المرحوم خاله الشيخ عارف الزين يقدّمها إليه ليبدي فيها رأيه.

وكانت العرفان تنشر رأيه من تقريظ أو نقد أو توجيه، ولو جمعت هذه التعليقات النافعة لكانت كتاباً قيّماً، ولاسيّما إذا أضيف إليها بعض المواضيع التي تدخل في باب الردود والنقود.

ولقد نقل من قضاء صيدا إلى بيروت لعضويّة محكمة الاستئناف الشرعيّة الجعفريّة العليا، وكان من ألمع أعضائها طوال السنين التي مرّت عليه في هذه المحكمة، ومركز الثقل فيها ومحلّ ثقة الناس واعتمادهم.

وكان السيّد نور الدين (رحمه الله) المرشّح الأوّل للرئاسة بعد إحالة العلّامة الفقيه(1) على التقاعد، ولكنّ السياسة القائمة يومئذٍ ـ وكانت مناوئة للإمام شرف الدين ـ حالت دون الوصول إلى حقّه.

وحيث كان (رحمه الله) أقدم الأعضاء وأعلاهم راتباً، فإنّه لا يجوز من الناحية القانونيّة تعيين سواه بالأصالة ؛ لذلك عيّن وزير العدل بالوكالة أحد أعضاء المحكمة بعيداً عن الطرفين.

____________

1- هو الشيخ يوسف الفقيه من أفضل علماء جبل عامل، وأجلائهم، ولد في حاريص سنة ١٣٩٧، وله عدّة مؤلّفات قيّمة في مواضيعها، كما كانت له مشاركة حسنة في الشعر والأدب، توفّي سنة ١٣٧٧.


الصفحة 549
وبقي (رحمه الله) مع الرئيس الجديد يسيران جنباً إلى جنب في تدقيق القضايا واستئنافها، وإبداء الرأي فيها طوال السنين، حتّى انتهت مدّتهما في القضاء، بإحالتهما على التقاعد في يوم واحد.

وهكذا كانت حياة أبي الشريف السيّد نور الدين في القضاء طوال أيّامه تشعّ نوراً، وتفيض شرفاً وديناً. دخل القضاء شريفاً، وخرج منه شريفاً كما دخل، وهو في كلّ أدواره شريف، وابن الشريف، وأبو الشريف، ومن آل الشرف، سيرة معطّرة، واسم كريم، وعمل صالح، يسيّره فقه ودين، فرحمه الله رحمةً واسعةً، وحشره في زمرة أجداده الأئمّة الطاهرين.

ونثره بليغ، ناصع(1) البيان، واضح الأسلوب، حسن الأداء، ليس في ألفاظه تعقيد، ولا في معانيه غموض، تقرأ في ألفاظه النقيّة قلبه الطاهر، وروحه الصافية.

لقد كان ميّالاً إلى تحرير المقالة، أكثر منه إلى كتابة البحوث وتأليف الكتب، وفي هذه المقالات، وفي رسائله إلى الأصدقاء، ما يستحقّ الإعجاب والتقدير.

وقد انصرف أخيراً إلى البحث، ولعلّ الدافع إلى ذلك هذا الفراغ الكبير، الذي حدث له بعد التقاعد، فسدّه بالانشغال في التأليف.

ونحن نشكر هذا الاعتزال الذي أتاح له الفرصة الثمينة، وهيّأ له هذا المجال.

____________

1- الناصع: الخالص الصافي، راجع المعجم الوسيط ٩٢٦، (ن، ص، ع).


الصفحة 550
وحسب هذا الفراغ أن أنتج لنا كتابه الجليل شرح الأزريّة ؛ فإنّ الأزريّة من الشعر الخالد الذي جادت به قريحة شاعر العربيّة الشيخ كاظم الأزري (رحمه الله)(1) وهي قصيدة غرّاء في مدح النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) والوصيّ والزهراء(عليها السلام) ولا نعرف لها نظيراً في اللغة العربيّة من حيث السبك والمتانة والجزالة، وفصاحة اللفظ، وسموّ المعنى، وقد حلق في هذه القصيدة فلا يسبقه سابق، ولا يلحقه لاحق، وهي تدلّ على اطّلاع واسع في التأريخ، وقوّة تستدعي الإعجاب والإكبار، مع قدرة فائقة على إدلاء الحجج الساطعة، تلك الحجج التي أضافت إلى قوّة اللفظ ثروةً علميّةً زادت في جلال شعره وجماله.

وحسب السيّد نور الدين (رحمه الله) أن نهض بشرح هذه اليتيمة الفريدة شرحاً ناصع البيان، غزير المادّة، مشرق الديباجة، واضح الأسلوب، وقيامه (رحمه الله) بهذه المهمّة خدمة جليلة أسداها إلى أمّة الضاد في عصر اليقظة، والمكتبة العربيّة اليوم بأمسّ الحاجة إلى شعر الأزري الخالد، الطافح بالأدب والحكمة، والفيّاض بالحبّ والولاء لأهل البيت أعدال الكتاب، وقادة الأمّة إلى الحقّ والصواب. هذا نثر السيّد نور الدين.

____________

1- كان السيّد بحر العلوم(رحمه الله) يعظّمه كثيراً ؛ لحسن مناظرته مع الخصوم، وكان الشيخ صاحب الجواهر يتمنّى أن يكتب في ديوان عمله القصيدة الاُزريّة، ويكتب الجواهر في ديوان الأزري مكان القصيدة، ولد سنة ١١٤٣ وتوفّي سنة ١٢١١ ببغداد. انتهى عن الذريعة [١٧: ١٣٥/ ٧٠٢] والكنى والألقاب [٢: ٢٣].


الصفحة 551
وأمّا شعره، فإنّه (رحمه الله) قد اهتمّ بالنظم في الدور الأوّل من شبابه، وكان يحاول أن يكون من فرسانه، ولكنّ الوزن كان لا يستقيم له، فيرجع راجلاً لا يستطيع السباق ولا الجري، ولم يؤثر عنه شعر في مهجره العلمي في النجف الأشرف، مع توفّر الدوافع التي تدفع بالأديب إلى ذلك. ولكنّني أرسلت إليه قصيدةً في ١٥/ ٧/ ١٩٤٦ يوم كان قاضياً في صيداء، حرّكت عواطفه ودفعته إلى الردّ بقصيدة على الرويّ نفسه والقافية، وهي من الشعر الجيّد، الذي يجعله في مصاف الشعراء، ولو لم تكن له إلاّ هذه القصيدة لكفى<.

ثمّ يذكر بعض أشعاره، ويختم ترجمته قائلاً: >توفّي ـ عليه الرحمة والرضوان ـ في ٨ جمادى الثانية سنة ١٣٩٦هـ، في أحد مستشفيات صيدا، ونُقل إلى صور بموكب حافل، حيث جرى له تشييع فخم من كافة الطبقات، ودفن إلى جنب والدته<.

وإليك ـ أيها القارئ ـ النصّ الكامل لهذه المقالة:


الصفحة 552

مأتم الحسين (عليه السلام) أو نظرة في مقال (المسلمون ومحبّتهم لآل البيت)

لم يكن في الحسبان أنّ الشعائر الحسينيّة التي اتّخذتها الشيعة سُنَّةً من عهد آل بويه إلى يومنا هذا، تُجعل مسألةً نظريّة تتضارب فيها الأفكار، وتختلف الأنظار ؛ إذ لا شكّ في فوائدها التي تعود بالنفع العميم على هذه الطائفة.

وليت من ناقش في ذلك أدلى بحجّة واضحة، وبرهان قاطع لنتّبعه، فإنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع.

ولا يخفى على ذوي الأنظار الثاقبة، وأولي البصائر، أهمّية >المآتم الحسينيّة<، فإنّها أعظم درس يبيّن للملأ عظمة الإمام الشهيد، وخطر جهوداته التي كابدها لإحياء الدين الإسلاميّ، إذ يُتلى فيها تاريخ حياة الحسين (عليه السلام)، ويبيّن فيها بطريق فلسفي واقعة الطفّ، وأسرار شهادة الإمام (عليه السلام).


الصفحة 553
وناهيك أنّها أعظم مُبشّر إلى الدين الحنيف ؛ لما يبيّن فيها من محاسن الدين الإسلاميّ، ومناقب الرسول الأعظم وآله الكرام، ممّا يُثبّت قلوب العامّة على الإيمان، ويزيدهم بصيرة في نبيّهم الكريم (صلى الله عليه وآله و سلم)، والعاملين من آله وصحبه، فيضاعف حبّهم وإكبارهم، وترسّخ عقائدهم، ويتسرّى إعظامهم إلى كلّ عامل دينيّ يبثّ في قومه حبّ الفضيلة، ويحبّب إليهم العادات الحسنة، والأخلاق الفاضلة، وبعبارة وجيزة: يشرب في قلوبهم حبّ نبيّهم، ومن اتّبع سنّته وتمشّى مع منهاجه.

ولا نُطيل الكلام في هذا الموضوع، فقد ألّفت فيه رسائل عديدة، تكشف وجه الستار، وتميط حجب الشكوك التي تتعاور هذه المآتم المقدّسة، فمن يُريد الوقوف على فائدة هذه المآتم تفصيلاً، ويرغب في الاطّلاع على أهميّتها فليرجع إلى >المجالس الفاخرة<(1) و>النظرة الدامعة<(2) و>النقد النزيه<(3) و>وتحت راية الحسين<(4) و>رنّة الأسى<(5) و>الشعائر الحسينيّ<(6) (7)، وغيرها.

____________

1- للعلّامة المجاهد حجّة الإسلام السيّد عبد الحسين شرف الدين «نور الدين شرف الدين».

2- للعلّامة الكبير البحاثة والكاتب القدير الشيخ مرتضى آل يس الكاظمي.

3- للعلّامة المفضال المتتبع الشيخ عبد الحسين الحلّي.

4- للعلّامة المفضال السيّد محمّد علي شرف الدين، وقد نشرت منها «الهدى» فصولاً ضافية.

5- للعلّامة المفضال الشيخ عبد الله السبيتي.

6- للعلّامة المفضال الشيخ محمّد حسين مظفر.

7- وقد طُبعت هذه الرسائل ـ عدا الرابعة ـ في هذه المجموعة.


الصفحة 554
كلّ هذه الرسائل جليلة الشأن في بابها تبيّن فوائد المآتم، وتدفع الشبهات، وتزيل الشكوك، ففيها بغية الطالب، وهداية المرشد، وقمع حجج المانعين.

وممّا نأسف منه جدَّ الأسف، أنّ بعض الجهابذة من الغربيّين، التفتوا إلى فوائد هذه المآتم الشريفة، وأكبروها غاية الإكبار، والمسلمون أنفسهم خفيت عليهم تلك الفوائد الجليلة، ولنذكر بعض كلمات الغربيّين، لتدحض حجّة من يدّعي أن >المآتم< تجلب سخرية الأجانب.

قال الدكتور >جوزف< الفرنساوي(1): >لم تكن هذه الفرقة ـ يعني الشيعة ـ ظاهرةً في القرون الأولى الإسلاميّة كأختها، ويمكن أن تُنسب قلّتهم إلى سببين:

أحدهما: أنّ الرئاسة والحكومة ـ التي هي سبب ازدياد تابعي المذهب ـ كانت بيد الفرقة الأخرى.

والسبب الآخر: هو القتل والغارات التي كانت تتوالى عليهم.

____________

1- المجالس الفاخرة، قال مؤلّفها دام ظلّه قبل نقل كلمة الدكتور : «نبّهك إلى بعضها ـ يعني بعض الأسرار ـ حكيما الغربيّين وفيلسوفا المستشرقين الدكتور «جوزف» الفرنساويّ في كتابه « الإسلام والمسلمون»، والمسيو «ماربين» الألمانيّ في كتابه « السياسة الإسلاميّة». وقد ترجمت جريدة «الحبل المتين» الفارسيّة في عدد ٨٣ من أعداد سنة ١٧ فصلين من ذينك الكتابين النفيسين ـ إلى أن قال ـ : فنشرت مجلّة «العلم» أحد الفصلين، ومجلّة «العرفان» نشرت الآخر».
حبذا لو تُعيد نشر الفصلين بتمامهما (العرفان) الزاهرة «نور الدين شرف الدين».


الصفحة 555
ونظراً لحفظ نفوس الشيعة، حكمَ أحدُ أئمتهم ـ في أوائل القرن الثاني ـ عليهم بالتقيّة، فزادت في قوّتهم ؛ لعدم تمكّن العدوّ القويّ الشكيمة من قتلهم والإغارة عليهم، بعد أن لم يكونوا ظاهرين، وصاروا يعقدون المجالس سرّاً، ويبكون على مصائب الحسين.

واستحكمت هذه العاطفة في قلوبهم، على وجه لم يمض زمن قليل إلاّ وارتقوا، حتّى صار منهم الخلفاء والسلاطين والوزراء، وهؤلاء بين من أخفى مذهبه وتشيّعه، وبين من أظهره.

وبعد أميرتيمور، حيث رجعت السلطة في إيران إلى الصفويّة، وصارت إيران مركز فرقة الشيعة، وبمقتضى تخمين بعض سوّاح فرنسا أنّ الشيعة فعلاً سُدس المسلمين أو سبعهم.

ونظراً إلى هذا الترقّي الذي حازته فرقة الشيعة في زمان قليل من دون جبر وإكراه، يمكن أن يقال: إنّهم سيفوقون سائر فرق الإسلام بعد قرن أو قرنين، والسبب في ذلك هو إقامة عزاء الحسين، الذي قد جعله كلّ واحد منهم داعياً إلى مذهبه<.

ولا يوجد اليوم مكان فيه الواحد والاثنان من الشيعة إلاّ ويقيمان فيه عزاء الحسين، ويبذلان في هذا السبيل الأموال الكثيرة، فقد رأيتُ في نزل (مارسل) شيعياً غريباً من أهالي البحرين، يقيم مأتم الحسين وهو منفرد، ويرقى المنبر ويقرأ في كتاب ويبكي، ثمّ يقسّم ما أحضره من الطعام على الفقراء.


الصفحة 556
هذه الطائفة تبذل الأموال في هذا السبيل على وجهين :

فبعضهم يبذلها في خالص أمواله في كلّ سنة بقدر استطاعته، وصرفيات هذا القسم تزيد على ملايين فرنك.

وبعضهم يعين أوقافاً لهذا المشروع، لخصوص هذه الطائفة، وهذا القسم أضعاف الأوّل.

ويمكن أن يقال: إنّ جميع فرق الإسلام ـ من حيث المجموع ـ لا يبذلون في سبيل تأييد مذهبهم بمقدار ما تبذله هذه الفرقة في سبيل ترقيات مذهبها، وموقوفات هذه الفرقة، ضعفا أوقاف سائر المسلمين أو ثلاثة أضعافها، كلّ واحد من هذه الفرقة هو في الحقيقة داعٍ إلى مذهبه من حيث يخفى على سائر المسلمين<.

إلى أن قال: >من المعلوم أنّ مذهباً دعاته خمسون أو ستون مليوناً، لابدّ وأن يرتقي أربابه على وجه التدريج إلى ما يليق بشأنهم، حتّى أنّ الرؤساء الروحانيّين من هذه الفرقة وسلاطينها ووزرائها، لم يخرجوا عن صفة كونهم دعاة.

وسعي الفقراء والضعفاء في محافظة إقامة عزاء الحسين من حيث انتفاعهم من هذا الباب أكثر من الأعيان والأكابر ؛ لأنّهم يرون في ذلك خير الدنيا والآخرة<.


الصفحة 557
إلى أن قال: >وهم يُكابدون المشاقّ في تحرّي العبارات الرائعة، والجمل الواضحة، عند إلقاء فضائل رؤساء دينهم، ومصائب أهل البيت على ا لمنابر في المجالس العموميّة<.

إلى أن قال: >بل إنّ آحاد وأفراد هذه الطائفة دعاة، وما دخلوا بين أمّة إلاّ وسرى هذا الأثر في قلوبهم، وليس العدد الذي نراه اليوم في الهند من الشيعة إلاّ هو أثر إقامة هذه المآتم<.

إلى أن قال: >ومن جملة الأمور السياسيّة التي أظهرها أكابر فرقة الشيعة بصيغة مذهبية منذ قرون، وأوجبت جلب قلب البعيد والقريب، هو قاعدة التمثيل باسم الشبيه في مآتم الحسين.

وقد قرّر حكماء الهند التمثيل لأغراض ليس هذا موضع ذكرها، وجعلوه من أجزاء عباداتهم، فأخذته أوروبا وأخرجته بمقتضى السياسة بصورة التفرّج، وصارت تمثّل الأمور المهمّة السياسيّة في دور التمثيل للخاصّة والعامّة، وجلبت القلوب بسببه، وأصابت بسهم غرضين: تفريح النفوس، وجلب القلوب في الاُمور السياسية.

والشيعة قد استفادت من ذلك فوائد كاملة، وأظهرته بصبغة دينيّة، ويمكن القول بأنّ الشيعة قد أخذت ذلك من الهنود.

وكيف كان، فالأثر الذي ينبغي أن يعود من التمثيل إلى قلوب الخواصّ والعوامّ، قد عاد، ومن المعلوم أنّ تواتر إقامة المآتم وذكر المصائب الواردة على أكابر دينهم، والمظالم التي وردت على الحسين، مع


الصفحة 558
تلك الأخبار الواردة في فضل البكاء على مصائب آل محمّد، إذا انضمت إلى تمثيل تلك المصائب، تكون شديدة الأثر، وتوجب رسوخ عقائد خواصّ هذه الفرقة وعوامّها فوق ما يتصور.

وهذا هو السبب الذي لم يُسمع من ابتداء ترقّي مذهب الشيعة إلى الآن، أن ترك بعضهم دين الإسلام، أو دخل في سائر الفرق الإسلاميّة<.

نكتفي بهذا المقدار من هذه الكلمة البليغة، وإن كنّا نودّ نقلها برمّتها ؛ لما فيها من الحقائق الراهنة والأسرار الشريفة، فليعتبر أولئك المهوّسون، وليغمد سيفه مَن يجرّد سيف نقمته على هذه المآتم المقدّسة، بدعوى أنّها توجب الهزء والسخرية من الأجانب.

وقال المسيو >ماربين< الألماني:

>إنّ عدم معرفة بعض مؤرّخينا بحقيقة الحال، أوجب أن ينسبوا في كتبهم طريقة إقامة الشيعة لعزاء الحسين إلى الجنون، ولكن جهلوا مقدار تغيير هذه المسألة وتبديلها في الإسلام، فإنّا لم نرَ في سائر الأقوام ما نراه في شيعة الحسين، من الحسنات السياسيّة، والثورات المذهبيّة، بسبب إقامة عزاء الحسين.

وكلّ من أمعن النظر في رقيّ شيعة عليّ، الذين جعلوا إقامة عزاء الحسين شعارهم في مدّة مائة سنة، يذعن أنّهم فازوا بأعظم الرقيّ<.

إلى أن قال: >فعلى مؤرّخينا أن يعرفوا حقيقة رسوم الأغيار وعاداتهم، ولا ينسبوها إلى الجنون<، إلى آخرها.


الصفحة 559
وجميع الكلمة على هذا الطراز، ونكتفي بهذا الأنموذج منها، فالإنصاف والأمانة قضيا على هذين الفيلسوفين أن يبرزا هذه الحقيقة ناصعة الأديم، غير مشوّهة بالعصبيّة والافتراء.

ونودّ من صميم القلب، أن تكون هذه المسألة، موضع البحث والتمحيص، بشرط أن لا تشوّه بشكل غير مألوف لأغراض هناك، بل بشكلها التي هي عليه من الوجهة الدينيّة والاجتماعيّة، ويدلي كلّ من المبيحين والمحرّمين بحجّته ؛ لتتضح هذه المسألة، التي صوّرت بأشكال مختلفة، والتي عملت فيها يد المدنيّة الجديدة الخلابة.

وممّا عجبت منه جدّاً، بل أسفت، أنّ محمّد عليّ الحاج سالمين ـ الذي يحدّثنا العرفان الزاهر بنبوغه، وأنّه داعية إلى الدين الإسلامي ـ اقتفى أثر أولئك المهوّسين، فغدا يضرب على ذلك الوتر، الذي تغلق المسامع ألحانه ونغماته.

رأيت له مقالاً منشوراً في >العرفان< الأغرّ، الجزء الأوّل من المجلّد ٢١ تحت عنوان: >المسلمون ومحبّتهم لآل البيت<، فأخذ العنوان من نفسي غاية الاستحسان، لكن عندما تصفّحت المقال، رأيت أنّ الكاتب قد شطَّ به قلمه عن الموضوع، ولم تكن كتابة المقال بأسلوب حسن وعبارات جيّدة، الأمر الذي أوقفني في حيرة وارتباك، فإنّ قلم الصحافي ممتاز، وأسلوبه في الكتابة ساحر، على الأخص إن كان مؤلّفاً كسماحة >سالمين< كما يظهر في مقاله.


الصفحة 560
وقد تعرّض في غضون المقال إلى المآتم الحسينيّة، ولم يكن ذلك التعرّض له ربط في موضوعه، ولكن من باب الشيء بالشيء يُذكر.

والأستاذ أنكر على الشيعة تمام الإنكار، ما يقومون به من لطم الصدر، والتمثيل، والنياحة على الحسين (عليه السلام)، وزعم أنّ ذلك محرّم، بل بدعة وضلالة.

إنّها حملات شديدة ولهجات غريبة، ظهرت بمظهر الإصلاح، ولم يعلم >سالمين< أنّه ضرب على وتر اهتزّت له فرحاً قلوب أولئك الرجال، الذين ينصبون الحبائل لهذه الطائفة، ويكيدون للإسلام كيدهم.

استدلّ سماحته على حرمة لطم الصدر بالآية الشريفة ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(1).

يجدر بنا أن نسأل سماحة الأستاذ: ما المراد من >التهلكة<؟ ولو تأمّلنا قليلاً لرأينا معناها الإقدام على ما يؤول إلى هلاك النفس، أو الإضرار بها إلى التلف.

إذن أين التهلكة من لطم الصدر باليدين؟! ونحن نلتمس من الأستاذ >سالمين< أن يلدم صدره زمن ساعة أو ساعتين، فإن حصل له شيء من ذلك، فأنا ضمين له كلّ ما يقترح.

____________

1- البقرة (٢): ١٩٥.


الصفحة 561
على أنّه لو تنزّلنا وسلّمنا حصول الضرر، فالضرر المحرّم وهو ما يعتقد الشخص بحصوله، ويرى أنّ في فعل ذلك الشيء ضرراً، ومع ذلك يقدم عليه.

ولكن لو اعتقد الغير بحصول الضرر ولم يعتقد الفاعل، فلا حرمة قطعاً، وإن اعتقد سماحة >سالمين< بحصول ضرر ينشأ عن لطم صدره، فلا ملزم له بذلك، ويحرم عليه اللطم عندئذ.

ولا شكّ أنّ لاطمي صدورهم لا يعتقدون بحصول أيّ ضرر، وآية ذلك إقدامهم على لطم صدورهم.

ثمّ أردف سماحته هذه الآية بآية ثانية وهي ﴿ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(1)، وقد خفي على الأستاذ أنّ المعصية إنّما تتحقّق بمخالفة أمر الشارع، وارتكاب ما نهى عنه.

وبأيّ كتاب، أم بأيّ سنّة ورد نهيٌ عن لطم الصدر، ليكون فاعله عاصياً، فيستحقّ لذلك أن يخلّد في نار جهنم؟!

نعوذ بالله، فما هذه التمويهات والمغالطات؟!

____________

1- النساء (٤): ١٤.


الصفحة 562
أمّا النياحة التي ادّعى الأستاذ حرمتها ؛ للأخبار الثلاثة التي أوردها(1) ـ ولا حاجة إلى نقلها ـ فيكفي في جوازها ما روي في الصحيح عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) فإنّه قال: >قال لي أبي: يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا وكذا، لنوادب يندبني عشر سنين أيام منى<(2).

ولتكن هذه الرواية حاكمة على تلك الأخبار.

ولو أريد في النياحة البكاء، فالأمر سهل جدّاً، فإنّ شواهد المقام كثيرة، لا تكاد تُحصى، فكم بكى النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) في موارد عديدة: بكى عمّه حمزة(3)، وولده إبراهيم(4)، وبكى جعفر ذا الجناحين(5).

____________

1- وهي: رواية المغيرة بن شعبة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) أنّه قال: «من ينح عليه فإنّه يُعذب بما ينح عليه يوم القيامة».
صحيح البخاري ١: ١٥٧، صحيح مسلم ١: ٣٥٩.
ورواية عبد الله بن مسعود عنه(صلى الله عليه وآله و سلم) أنّه قال: «ليس منّا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، ودعا بدعوة الجاهلية».
صحيح البخاري ٢: ٨٢ ـ ٨٣، صحيح مسلم ١: ٧٠.
ورواية أبي مالك الأشعري عنه(صلى الله عليه وآله و سلم) أنّه قال: «أربع في أمّتي من أمر الجاهليّة لا يتركوهنّ: الفخر في الأنساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة».
صحيح مسلم ٢: ٩٣٤.

2- رنّة الأسى: ٣٤ «نور الدين شرف الدين».
اُنظر: الكافي ٥: ١١٧، حديث، باب كسب النائحة، من لا يحضره الفقيه ١: ١٨٢، حديث ٥٤٧.

3- المعجم الكبير للطبراني ٣: ١٤٢، حديث٢٩٣٢.

4- صحيح البخاري ٢: ٨٤.

5- صحيح البخاري ٤: ٢١٨.


الصفحة 563
وقد صحّ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) حينما رجع من أحد جعلت نساء الأنصار يبكين قتلاهن، ولم تبك امرأة منهنّ حمزة، فعندئذ قال النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) : >ولكن حمزة لا بواكي له<(1).

ولا يخفى ما في هذه العبارة الوجيزة من الحثّ والبعث على البكاء، وكفى بها وحدها دليلاً على الجواز، بل على الرجحان.

لم يكف سماحة سالمين أن ادّعى حرمة هذه الأشياء، بل تدرّج في الترقّي، وزعم أنّها بدعة وضلالة، وكلّ ضلالة في النار، وأورد الحديث الشريف >كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار<(2).

يختلف المراد من البدعة، تارة يُراد بها التي لم يرد بها نصّ من نبيّ أو إمام، وهذه ليست على إطلاقها محرّمة، بل تكون محرّمة لورود نصّ بحرمتها، فشرب التتن والشاي لم يرد بحليتّهما نصّ، ولم يرد نصّ بتحريمهما أيضاً، فهما مباحان، كما هو مقرّر في أصول الفقه: إنّ الأصل الأوليّ الإباحة، لكن بعد الفحص وعند فقدان الدليل على التحريم.

____________

1- المجالس الفاخرة: ٥، وفيها من الشواهد على جواز البكاء ورجحانه، ما هو مقنع للمانع أو المشكّك، فمن أراد تحقيق المسألة فليرجع إليها من الصفحة الأولى إلى الصفحة الخامسة «نور الدين شرف الدين».
اُنظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٢: ٤٤ «من قتل من المسلمين يوم أحد»، من لا يحضره الفقيه ١: ١٨٣، حديث ٥٣٣.

2- سنن النسائي ٣: ١٨٨.


الصفحة 564
وثانية يراد بها التي تكون قولاً ثانياً، قبالة قول ا لنبيّ أو الإمام، وهذه هي الضلالة التي هي في النار.

والمآتم، لو سلّمنا أنّه يطلق عليها بدعة، فتكون من القسم الأوّل طبعاً، حيث لم يرد نصّ بتحريمها، ومع ذلك أقامتها الشيعة، هذا مع غضّ النظر عن العمومات التي تدلّ على رجحانها.

على أنّ النياحة والبكاء وما شاكل ذلك على الحسين الشهيد مستثناة، >على مثل الحسين فليبك الباكون ولتشقّ الجيوب<.

والأستاذ لم يأتنا بحديث من طرق الشيعة، وكان الأجدر به أن يأتي بأحاديث قد روتها الشيعة ؛ لتكون حجّة عليهم، كما تفعل الشيعة عندما تناقش غيرها، فإنّها تدلي بحججها من طرقهم.

إلى هنا نكتفي بالنظر في المقال، وبقي ملاحظات تركناها طلباً للاختصار.

لم أقصد بكلمتي هذه إلاّ الذود عن الحقيقة، وعسى أن يكون فيها مقنع للأستاذ، وأن لا تكون قد أحدثت في نفسه شيئاً، فإنّي أقدّر شخصيّة الأستاذ، وأكبر مجهوداته تجاه الدين الإسلامي .

وبالختام أحييّ الأستاذ تحيّة إخلاص ومودّة.

نزيل النجف الأشرف

نور الدين آل شرف الدين الموسوي


الصفحة 565

تعليق مجلّة العرفان:

>العرفان<: كنّا نودّ أن يسدّ هذا الباب، فإنّه قد استغرق زمناً طويلاً، اشتغل به الكثيرون في القيل والقال، وأنفقوا كثيراً من الوقت والمال في هذا السبيل، وكانت النتيجة أنّ كلّ فريق زاد تمسكاً بما يراه الصواب.

فجاءنا اليوم الأخ سالمين مذكياً لهذه الجذوة بغير مناسبة، وغالى كثيراً في استنكاره، حتّى خرج عن جادّة الصواب بين تبذير وبخل رتبة، وكلا هذين إن زاد قتل، وكان غلوّه هذا مسبباً لهذا الردّ. ونحن نحيل القرّاء أيضاً على رسالة >كشف التمويه< للشيخ محمّد الكنجي، التي ترسل مجاناً لراغبيها.


الصفحة 566

(٧) مقالة باسم >حبيب بن مظاهر< في مجلّة العرفان اللبنانيّة

مقالة كُتبت باسم مستعار هو >حبيب بن مظاهر<، تحت عنوان > كلمة حول مأتم الحسين (عليه السلام)<، ردّاً على مقالة السيّد نور الدين شرف الدين السابقة، التي جاءت كردّ على ما كتبه الأستاذ محمّد علي الحاج سالمين، دافع فيها كاتبها عن آراء السيّد محسن الأمين.

نشرتها مجلّة >العرفان< اللبنانيّة في عددها المزدوج في شهري ذي القعدة وذي الحجة سنة ١٣٤٩هـ، الجزء الرابع والخامس، المجلّد الحادي والعشرين، الصفحة ٥٨١ ـ ٥٨٤.

وقالت المستشرقة الفرنسيّة سابرينا مرون في رسالتها >وقوف رجال الدين الإصلاحيين في لبنان أمام تحريف واقعة عاشوراء< المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٤٢٧:٧ إنّ اسم حبيب بن مظاهر هو الاسم المستعار لحبيب ابن إبراهيم المهاجر.


الصفحة 567
والشيخ حبيب بن إبراهيم المهاجر (ت١٣٨٤هـ)، ذكره الشيخ الطهراني (ت١٣٨٩هـ) في كتابه >طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر في القرن الرابع عشر< ١٣: ٣٥١ ـ ٣٥٢، رقم ٧٠٧ قائلاً:

>هو الشيخ حبيب بن محمّد بن الحسن بن إبراهيم المهاجر العاملي، عالم كبير، وأديب جليل، ومصنّف مكثر.

ولد في حنوية (١٣٠٤هـ) ونشأ بها، فقرأ مبادئ العلوم، ثمّ هاجر إلى النجف، فحضر على علماء وقته كشيخ الشريعة الإصفهاني، والشيخ علي ابن باقر الجواهري، والميرزا محمّد حسين النائيني، والسيّد أبي الحسن الإصفهاني، وغيرهم، وأجازه سيّدنا الحسن الصدر وغيره.

ونزل العمارة والكوت مدّة للقيام بوظائف الشرع الشريف، وكيلاً من قبل مراجع النجف، وخرج من العراق في (١٣٥٠هـ) فهبط بعلبك، وقام بأعباء الهداية والإرشاد، واشتغل بالتصنيف والتأليف، ولم يزل إلى يومنا هذا مشغولاً بتأدية رسالته الدينية، ومواصلة السير والسعي الحثيث وراء تأييد المذهب وتوحيد الكلمة، فهو من المصلحين المجاهدين، ومن أعلام الفكر والعلم في تلك الديار، وهو اليوم مفتي الديار البعلبكية.

له آثار خيريّة ومآثر جليلة، وتصانيفه متنوعة، فيها ما هو في الردّ على الماديّين، وفيها في سائر أصول الدين وفروعه، وفي التأريخ والأدب والعلوم المتنوعة، منها (منهج الحقّ) و(محمّد الشفيع) و(الانتصار) في


الصفحة 568
جواب ثلاث عشرة مسألة، و(اليتيمة)، و(أنا مؤمن) للمبتدئين حوى مجمل العقائد وطريقة العبادة على المذهب الجعفري، وغير ذلك.

وهو لحدّ الآن لا يكلُّ ولا يملُّ من العمل، فقد أصدر كتاباً شهرياً باسم (الإسلام في معارفه وفنونه)، وهو مجدٌّ في الاستمرار على إصداره، وقد جدَّدنا به العهد في سفرته الأخيرة إلى العتبات في (١٣٧٢هـ) مدَّ الله في عمره ونفع به.

وذكره الشيخ محمّد هادي الأميني (ت١٤٢١هـ)، في كتابه >معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام< ٢: ٨٧٧ ـ ٨٧٨ قائلاً:

>حبيب بن محمّد بن الحسن بن إبراهيم المهاجر ١٣٠٤ ـ ١٣٨٤.

فقيه مجاهد، عالم فاضل، مجتهد جليل، متكلّم متتبع مؤلّف مكثر، محقّق كاتب مبدع، متضلّع في الفقه والأصول، والتأريخ والأدب.

بعد أن قرأ مبادئ العلوم، هاجر إلى النجف الأشرف، فحضر على شيخ الشريعة الإصفهاني، والشيخ علي بن باقر الجواهري، والميرزا محمّد حسين النائيني، والسيّد أبو الحسن الإصفهاني، وغيرهم.

ثمّ سافر إلى مدينة العمارة والكوت، كوكيل من قبل مراجع النجف، وأقام فيها مدّة، واشتغل بوظائف الشرع.

وفي سنة ١٣٥٠هـ عاد إلى بعلبك، وقام بأعباء الهداية والإرشاد، وتصدّى للتأليف والتصنيف، وجاهد بيراعه وبيانه ولسانه. فهو من الأعلام المصلحين المجاهدين، وذوي الفكر والدين والعلم . قام بمآثر خيّرة وآثار


الصفحة 569
جليلة، وهذّب نفوساً كريمة، ووجّه الجيل إلى الصراط المستقيم، وظلّ مجاهداً حتّى توفي ١٠ شوال ١٣٨٤هـ .

الآثار المطبوعة له: الإسلام في معارفه وفنونه، الانتصار، الجواب النفيس، الحقائق في الجوامع، الخطاب المنير في ذكرى عيد الغدير، ذكرى الحسين (عليه السلام)، سبيل المؤمنين في أصول الدين، الصراط المستقيم، فصول الكلام في تاريخ الإسلام، المحاضرات العماريّة، محمّد الشفيع، المطالب المهمة، منهج الحقّ، نهج التدريس الابتدائي<.


الصفحة 570

كلمة حول مأتم الحسين (عليه السلام)

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

نكتب هذه الكلمة الموجزة، ليعلم أنّ الطائفة الإسلاميّة الشيعيّة قد ابتليت ـ كغيرها من الطوائف ـ بفئة خاصّة من الخلق، دأبها قلب الحقائق، والمكابرة لدى الدليل الناصع، ودوس المصالح العامّة تجاه نفعها الماديّ.

فإذا ما قال لها المصلحون من علمائها الأعلام : إنّ الطبل والزمر والدف والصنوج، وغير ذلك من أنواع اللهو والطرب، لا يُسوّغ الشرع استعماله فيما تسمونه بالشعائر الحسينية، تقوم فتجبههم بالبهتان والزور، والصياح الذي يملأ الفضاء الرحب: واديناه واحسيناه.

عندئذٍ تستولي الدهشة على أولئك المصلحين، فيقفون ساكتين واجمين تجاه ذلك الرنين العالي ؛ لعلّهم يسمعون من بين تلك النبرات كلمة أو حرفاً، يستدل بمعناه على جواز استعمال أنواع اللهو والطرب.


الصفحة 571
الصفحة السابقةالصفحة التالية