المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 31 - ص 60)

فوائد وهنا فوائد أرى ذكرها مناسباً قبل نهاية المعركة، وهي تتعلّق بهذه المعركة


الصفحة 32


الصفحة 33

الفائدة الأولى في معنى الحسن والقبح الذاتيّين وأقسامهما

إنّ ممّا يرد على الصادق (رحمه الله)، خلطه بين أقسام الحسن والقبح العقليّين، حيث قال:

>الحسن والقبح للأشياء وإن كانا ذاتيّين لها، لا بالوجوه والاعتبار على الأقوى، بيد أنّ كونها كذلك، نريد به أنّ الأشياء من قبيل المقتضيات(1) للحسن والقبح، نظير النار للإحراق يؤثّران حيث لا مانع. أمّا مع وجوده فلا، كالصدق الذي فيه هلكة نبيّ، والكذب الذي فيه منجاته، فيبطل تأثيرهما كالرطوبة في الحطب المبطلة لإحراق النار له<(2).

____________

1- كذا في الأصل، وفي النسخة (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) المقتضيات لهما، لا العلل التامّة المستحيل انفكاكها عن المعلولات فالصدق والكذب ـ مثلاً ـ مقتضيات للحسن والقبح، نظير...

2- سيماء الصلحاء (المطبوعة ضمن هذه المجموعة: ٤٥٨:٥ .


الصفحة 34
ولم ندر ما وجه الأقوائيّة في كون حسن الأشياء وقبحها ذاتياً؟! وإذا كان ذاتياً لا يتغيّر، فكيف يكون الكذب المنجي للنبيّ حسناً والصدق المهلك له قبيحاً؟! إذا كان قبح الكذب وحسن الصدق ذاتيّاً.

فالظاهر أنّ المترجم (رحمه الله) غفل عن معاني الحسن والقبح العقلييّن، ولذا تراه خلط بين أقسامهما في كلامه ؛ لأنّ للحسن والقبح الذاتيّين ثلاثة معانٍ وإليكم هي:

١ـ ما هو علّة للحسن والقبح الذاتيّين، مثل العدل والظلم، والعلم والجهل ؛ فإنّ العدل ـ مثلاً ـ بما هو عدل لا يكون إلاّ حسناً أبداً، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلاّ قبيحاً أبداً.

٢ـ ما هو مقتضٍ لهما، ويُسمّى الحسن والقبح فيه بالفرضييّن، مثل تعظيم الصديق وتحقيره ؛ فإنّ تعظيم الصديق لو خلّي ونفسه فهو حسن، وتحقيره كذلك قبيح لو خلّى ونفسه، ولكن تعظيم الصديق يجوز أن يكون قبيحاً مع بقاء صدق عنوان العدل.

كذلك تحقير الصديق بعنوان أنّه تحقير له يجوز أن يكون حسناً ممدوحاً عليه، كما إذا كان سبباً لنجاته، ولكن يستحيل أن يكون الظلم حسناً مع بقاء صدق عنوان الظلم.

٣ـ ما لا عليّة له ولا اقتضاء فيه في نفسه للحسن والقبح أصلاً، وإنّما قد يتّصف بالحسن تارة إذا انطبق عليه عنوان حسن كالعدل، وقد يتّصف بالقبح أخرى إذا انطبق عليه عنوان قبيح كالظلم.


الصفحة 35
وقد لا ينطبق عليه عنوان أحدهما، فلا يكون حسناً ولا قبيحاً، كالضرب ـ مثلاً ـ فإنّه حسن للتأديب، وقبيح للتشفّي، ولا حسن ولا قبيح كضرب غير ذي الروح من النبات والجمادات.

فالمترجم (رحمه الله) لم يذكر ما تبنّاه من ضرب الرؤوس ولطم الوجوه ولدم الصدور والضرب بالسلاسل على الظهور، من أيّ الأقسام الثلاثة المتقدّمة للحسن والقبح الذاتيّين.

ثمّ إنّ تنظيره للحسن والقبح بالنار، قياس مع الفارق، إذ أنّ النار إنّما تكون محرقة إذا توفّرت شروط الإحراق فيها، حيث إنّ العلّة تتكوّن من ثلاثة شروط : شرط، ومقتضي، وعدم مانع. والرطوبة في المقام مانعة من الإحراق، ولا يعقل أن توجد العلّة التامّة ويتخلّف عنها معلولها.

وممّا يدلّل على أنّ المترجم (رحمه الله) لم يلتفت إلى أقسام الحسن والقبح الذاتيّين، قولهُ فيما تقدّم : >ولم ندر ما وجه الأقوائية في كون حسن الأشياء وقبحها ذاتيّاً، وإذا كان ذاتيّاً، وما بالذات لا يتغيّر، فكيف يكون الكذب المنجي للنبيّ حسناً والصدق المهلك له قبيحاً<.

قد عرفنا ممّا تقدّم أنّ الكذب لنجاة النبيّ والصدق الذي فيه هلاكه، هذا يدخل في القسم الثاني من معاني الحسن والقبح >وهو ما كان مقتضياً للحسن والقبح<.


الصفحة 36

الفائدة الثانية في بيان الحرج الشخصي والنوعي

ويرد عليه أيضاً حيث لم يفرّق بين الحرج الشخصي والنوعي في المقام، حيث قال: >لا يقال: إنّ السعادة والفوز غداً لا يترتّبان على عمل غير مجعول في دين الله.

لأنّا نقول: أوّلاً: الغير مشروع في الإسلام من الأمور الضرريّة هو ما خرج عن وسع المكلّف ونطاق طاقته، لقبح التكليف حينئذٍ بغير مقدور، أمّا ما كان مقدوراً فلم يقم برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله، وكونه شاقّاً ومؤذياً لا ينهض دليلاً على عدم جعله، إذ التكاليف كلّها مشتقّة من الكُلفة وهي المشقّة<(1).

يرد عليه (رحمه الله) في عبارته هذه أمور:

أوّلاً: إنّه لم يتعرّض للمراد من الضرر، ولم يذكر متى يكون الضرر مسقطاً للتكليف أو محرّماً له.

____________

1- سيماء الصلحاء (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ٥٦٠:٥.


الصفحة 37
فهل مراده من الضرر: الضرر الموجب للحرج الشخصي؟ أم مراده من الضرر : الضرر الموجب للحرج النوعي؟

وفرقٌ بين الحرجين ـ الشخصي والنوعي ـ كبيرٌ، حيث إنّ المرفوع من الضرر هو الحرج الشخصي(1) كما هو المشهور عند محقّقي الإماميّة؛ لأنّ الضرر الموجب للحرج الشخصي مرفوع، بدليل قوله (صلى الله عليه وآله و سلم): >لا ضرر ولا ضرار<(2).

وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(3) .

وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(4).

ومقتضى هذه الأدلّة، ارتفاع الحكم عمّن يكون في حقّه عسراً وحرجاً.

فالضرر الموجب للتحرّج الشخصيّ قد رفع الشارع حكمه عن المتحرّج، إذ رَفْعُ الحكم عن غير المتحرّج يكون خلاف المنّة ؛ لأنّ في التكاليف مصلحة للعباد، فتفويت المصلحة عمّن لم يتحرّج ـ بوجود شخص قد تحرّج ـ خلاف المنّة المفروضة في لسان الشارع.

____________

1- لأنّ ظاهر خطابات أدلة الحرج تعلّقها بكلّ مكلّف، لا بالمجموع كقوله تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))، ولأنّ رفع الحكم الحرجي للامتنان بلا شبهة، ولا يتناسب ذلك دفعه عمّن لا يكون الحكم في حقّه حرجياً «المؤلّف».

2- سنن الدارقطني ٣: ٦٤ حديث ٣٠٦٠ و ٤: ١٤٥ ـ ١٤٦ حديث ٤٤٩٣.

3- الحجّ (٢٢): ٧٨.

4- البقرة (٢): ١٨٥.


الصفحة 38
فلو قلنا: بأنّ المرفوع هو الحرج النوعي، لزم رفع الحكم حتّى عمّن لم يتحرّج، وهو خلاف الامتنان.

فلابدّ أن نقول : بأنّ المرفوع هو الحرج الشخصي، ليتناسب مع سياق الرفع الوارد في الحديث في مقام الامتنان.

ويرد عليه في عبارته الآنفة:

ثانياً: أنّه ذكر أوّلاً ولم يذكر ثانياً.

ثالثاً: أنّ الجعل من الشارع للأحكام لا للأعمال، وهذا واضح.

رابعاً: قوله : >الغير مشروع< فإنّه لا يجوز دخول ال على المضاف، إلاّ إذ أدخلت على المضاف إليه، كالجعد الشعر.

خامساً: قوله من الفقرة الآنفة: >أمّا ماكان مقدوراً فلم يقم برهان عقليّ ولا نقلي على منع جعله<.

فإنّه يُفهم من كلامه (رحمه الله) أنّه أراد : أنّه لم يقم برهان على منع أن يكلّف الله بما فيه ضرر.

إذن، فأين قول الفقهاء عن: رفع الضرر المظنون واجب؟!

وأين عن اكتفائهم باحتمال الضرر الموجب لصدق خوف الضرر في إسقاط التكليف من أداء الصوم والاجزاء عنه بقضائه، والاكتفاء عن الغسل والوضوء بالتيمّم؟! وأمثالها كثير من الأحكام المنتشرة في أبواب الفقه الإسلامي.

سادساً: قوله : >التكاليف مشتقّة من الكلفة<.


الصفحة 39
فإنّا نجيبه: بأنّ الكلفة إذا بلغت حدّ العسر والحرج أسقطت التكليف، وإذا بلغت حدّ الضرر أوجبت حرمة الفعل، >وأفضل الاعمال أحمزها<(1) إذا لم تصل إلى حدّ الضرر، وإلاّ حرمت، فضلاً عن أن تكون أفضل أو غير أفضل.

الفائدة الثالثة في أقسام الضر

ويرد على الصادق ثالثاً: أنّه لم يفصّل أقسام الضرر، مع أنّ المقام يقتضي التفصيل.

وما يقال: من أنّه لا بيان شرعيّ على حرمة هذه الأفعال، فيكون شكّاً في التكليف، والمرجع فيه إلى البراءة ـ من عدم حرمة الفعل ـ .

فإنّه يقال: يكفي في البيان حكم العقل (بوجوب دفع الضرر المحتمل) يعني أنّ الشكّ في الحرمة يلازمه الشكّ في الضرر، وبما أنّ العقل يستقلّ بلزوم دفع الضرر المحتمل، فيكون رافعاً لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، حيث يكون العقاب مع البيان، إذ يكفي احتمال الضرر.

____________

1- النهاية في غريب الحديث ١: ٤٤٠ «حمز»، وأحمزها، أي أقواها وأشدّها. وورد الحديث بألفاظ أخرى.
اُنظر : نهج البلاغة ٤: ٥٤، رقم ٤٣٩، الكافي ٤: ١٩٩ حديث٢، باب ابتلاء الخلق واختبارهم بالكعبة، معارج الأصول: ٢١٥، الفصل الثالث فيما ألحق بأدلّة الأصول وليس منها..


الصفحة 40
فنقول : الضرر على ثلاثة أنحاء:

١ـ أن يراد من الضرر: الضرر الدنيوي، كالنقص في الأنفس والأعراض.

٢ـ أن يراد من الضرر: الضرر الأخروي، كالعذاب والعقاب.

٣ـ أن يراد من الضرر: المصالح والمفاسد التي تبتني عليها ملاكات الأحكام من القرب والبعد.

فإن أريد من الضرر: الضرر الدنيوي، فإنّ العقل يحكم بوجوب دفع الضرر، وذلك لأنّه:

إمّا أن يدرك العقل المفسدة الواقعية، فيكون طريقاً للواقع وتحرّزاً عن الوقوع في الضرر الواقعي، فلا يترتب عليه غير ما يترتب على الواقع من المخالفة أو الموافقة.

وأمّا أن يكون تمام حكم العقل هو الإقدام على ما لا يأمن معه من الوقوع في الضرر الواقعي.

وعلى كلا التقديرين، فإنّ حكم العقل يلزم من حكم الشرع، إذ يكون حكم العقل علّة لحكم الشرع، وحكم الشرع معلولاً له.

وحينئذٍ، فتكون قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل رافعة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فلا تجري البراءة.

وإن أريد(1) من الضرر: الضرر الاُخروي ـ العقابي ـ فإنّ قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل تختصّ بأطراف العلم الإجمالي، وبالشبهة البدوية قبل

____________

1- هذا عطف على قوله قبل عدة أسطر: فإن أُريد من الضرر: الضرر الدنيوي.


الصفحة 41
الفحص، وأمّا بعد الفحص فلا؛ لعدم وصول التكليف، وحكم العقل هنا لا يكون إلاّ إرشاداً لحكم الشرع ومعلولاً له ـ وحكم الشرع علّة له ـ ولا تكون ملازمة بينهما.

وإن أريد(1) من الضرر: المصالح والمفاسد، فإنّ الشكّ في التكليف وإن كان يلازم الشكّ في المصلحة والمفسدة، إلاّ أنّ التحرّز عن احتمال المفسدة وفوات المصلحة ليس ممّا يستقلّ العقل بلزومه، بل إن إدرك العقل ذلك ولم يرَ مزاحماً، حكم بقبح تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، لا بمجرّد الاحتمال مع وجود المزاحم أيضاً ـ وهو قبح العقاب بلا بيان ـ .

نعم، إذا كانت المصلحة أو المفسدة لها أهميّة عند الشارع، يلزم التحرّز منها ؛ لئلا يقع المكلّف في مخالفتها.

لكن لو وجدت، لأوجب الشارع الاحتياط بها، كما أوجبه في غيرها كالدماء والفروج.

وعند الشكّ في وجوب الاحتياط، فالمرجع هو البراءة ؛ لانطباق حديث الرفع عليه، وقبح العقاب بلا بيان.

وعليه، فتكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان حاكمة على قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل، وتجري أصالة البراءة.

____________

1- هذا عطف على قوله قبل عدة أسطر: فإن أُريد من الضرر: الضرر الدنيوي.


الصفحة 42
ومن هنا تتّضح المناقشة مع شيخنا المترجم (رحمه الله)، وأنّه كان باستطاعته أن يذكر في كتابه الذي تبنّى فيه هذا الموضوع، ما تبنّاه من رأي فيه، وأنّ أيّ أقسام الضرر هذه تنطبق على ما يرومه منه.

الفائدة الرابعة في بيان التجرّي وأقسامه

يرد على الصادق (رحمه الله): أنّه ذكر هذه الأفعال، ونفى أن يكون فيها ضرر . أمّا لو فرض أنّها وقع فيها ضرر، فهذا مالم يذكر حكمه.

ونحن نقول ـ كما قال شيخنا الأنصاري ـ : إنّ التجرّي على أقسام ستّ، يجمعها عدم المبالاة بالمعصية، أو قلّتها، وأقسام التجرّي هي:

١ـ مجرّد القصد إلى المعصية.

٢ـ القصد مع الاشتغال بمقدماته.

٣ـ القصد مع التلبّس بما يعتقد كونه معصية.

٤ـ التلبّس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقّق المعصية.

٥ـ التلبّس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام.

٦ـ التلبّس برجاء أن لا يكون معصية وخوف كونها معصية.

فالأقسام الأربعة الأولى خارجة عن مقامنا؛ لعدم انطباقها على واحد من المتطبّرين، فالذي ينطبق على ما نحن فيه القسمان الأخيران، وهما: الخامس والسادس.


الصفحة 43
أمّا الخامس فينطبق على العوام غير العارفين بالأحكام الشرعيّة، فهؤلاء يُعاقبون عند مصادفتهم للحرام الواقعي؛ لأنّهم مقصّرون، لعدم مبالاتهم بتركهم الفحص عمّا يحتملونه محرّماً.

أمّا مع عدم مصادفتهم للحرام الواقعي فيعاقبون على نفس التجرّي، بناءً على القول بالعقاب عليه، وإلاّ فلا.

وأمّا السادس فهو ينطبق على العارفين بالأحكام من العوامّ ممّن يقوموا بهذا الفعل ـ أعني التطبير وأشباهه ـ فهؤلاء يعاقبون على مصادفتهم للحرام الواقعي، وإلاّ فلا يعاقبون؛ لأنّهم أقدموا وهم يرجون عدم الوقوع في المعصية.

وربما يقال بعقابهم حتّى ولو لم يصادفوا الحرام الواقعي؛ لأنّهم أقدموا على ما يحتملون فيه الحرام، وهو الوقوع في الضرر، ودفع الضرر المحتمل واجب.

وعلى كلّ، يشترط في صدق التجرّي في الأمرين الأخيرين عدم كون الجهل عذراً عقليّاً أو شرعيّاً، كما في الشبهة المحصورة (الوجوبيّة أو التحريميّة)، وإلاّ لم يتحقّق احتمال المعصية وإن تحقّق احتمال المخالفة للحكم الواقعي، كما في موارد أصالة البراءة واستصحابها.

ثمّ إنّ الأقسام الستة كلّها مشتركة في استحقاق الفاعل للمذمّة، من حيث خبث ذاته وجرأته وسوء سريرته، وإنّما الكلام في تحقّق العصيان بالفعل المتحقّق في ضمنه التجرّي.


الصفحة 44
وأمّا بناءً على رأي الشيخ الأنصاري، فالمتجرّي يُعاقب مع المصادفة فقط.

ويرد على السيّد الأمين: أنّ هذه الأضرار التي تقع بسبب المأتم الحسيني، ماذا يكون حكم المتطبّر فيما إذا صادف أقدم على التطبير وتضرّر منه، أو صادف أنّه أقدم على الضرر ولكنّه لم يتضرّر؟ فهذا ما لم يذكره السيّد، كما لم يذكره الشيخ رحمهما الله تعالى.

الفائدة الخامسة في بيان المصلحة والمفسدة وأيّهما يقدّم

بيان ذلك: هو أنّنا منهيون عن كلّ ما يؤدّي بنا إلى الضرر، والتطبير يؤدّي إلى الضرر، فهو منهيّ عنه، أي مأمورون بتركه.

وقد قررّ في مباحث الأصول: إنّ مقدّمة الواجب واجبة، وكذلك مقدّمة الحرام الموصلة إلى الحرام تكون محرّمة، قياساً على مقدّمة الواجب على رأي بعضهم.

وما نحن فيه من هذا القبيل، حيث إنّنا مأمورون بترك كلّ ما يؤدّي إلى الضرر، والتطبير يستلزم الضرر، فنكون منهيين عن فعله، من باب إذا حرم اللازم حرم الملزوم، وحرمة المقدّمة لحرمة ذيها.

إلاّ أن يقال: إنّ نفس القيام بالتطبير فيه تعظيم للشعائر، فيكون فيه مصلحة، كما أنّ فيه مفسدة، وهي الضرر بالأموال والأنفس، وهنا يدور الأمر بين جلب المصلحة ودفع المفسدة، فأيّهما يقدّم؟


الصفحة 45
قيل: إنّه يقدّم جانب المفسدة ؛ لأنّه فيه احتمال الحرمة، وفي جلب المصلحة فيه احتمال الوجوب، ودفع المفسدة أولى من جلب المصلحة.

وقيل:

أ) إنّ المنافع والمفاسد تختلف بحسب القلّة والكثرة، فربّ نفع يكون جلبه أولى من دفع المفسدة، وعلى فرض التساوي لم يقم دليل عقلائي على أنّ دفع المفسدة أولى.

ب) إنّ ما يدّعون من أنّه ليس في الواجبات إلاّ جلب المنافع، فلا يوجب تركها مفسدة سوى مجرّد فوت النفع، فهو ليس بصحيح، فلم لا يكون في ترك الواجب مفسدة كفعل الحرام؟

ج) لو سلّمنا بأنّ دفع المفسدة أولى مطلقاً، وأنّ ترك الواجب ليس فيه مفسدة، فهذا إنّما يكون في المنافع والمفاسد الراجعة إلى شخص الفاعل والمباشر.

ودعوى أنّها راجعة إلى شخص الفاعل، دون إثباتها خرط القتاد، إذ ربّما تكون راجعة إلى النوع بحسب ما يقتضيه النظام التام، إلاّ أن يقال: إنّ احتمال ذلك لا يكفي مع احتمال رجوعها إلى المباشر.

فبناءً على القول الأوّل، أي أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، فيكون التطبير محرّماً.


الصفحة 46
وبناءً على القول الثاني، فلا يكون دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، بل يحصل التساوي، فتقديم أحدهما على الآخر يحتاج إلى دليل.

أمّا تشخيص أيّها أهم ـ أي المصلحة والمفسدة ـ فيختلف باختلاف أنظار المجتهدين.

والذي يبدو لي أنّ التطبير فيه مصلحة نوعيّة، وهي تعظيم الشعائر أمام الملأ، وإحياء الذكرى الحسينيّة التي تستلزم إحياء الرسالة الإسلاميّة.

وفيه مفسدة شخصيّة، وهي وقوع الضرر ـ على تقديره ـ على نفس الأشخاص المتطبّرين ليس إلاّ، فتكون المصلحة النوعيّة أولى من تقديم المفسدة الشخصيّة، وعلى هذا فلا مانع من التطبير.

هذا إذا فرضنا وجوب التطبير ـ ولو كان فرضاً بعيداً ـ عند إحداثه مصلحة مهمّة تستدعي الوجوب، وأمّا إذا لم نقل بوجوبه، بل بإباحته أو استحبابه، فإنّ المكلّف غير ملزم.

فلو فرضنا أنّه أقدم على هذا، فهل يكون محرّماً أم لا؟

أقول: إنّ هذا لا يخلو: إمّا أن يحصل له ضرر، أولا، فإن حصل له الضرر، فيكون محرّماً ويعاقب عليه لآية التهلكة(1) ودليل العقل، وإن لم يحصل له ضرر فإنّه يدخل في باب التجرّي، وقد سبق بيانه.

____________

1- البقرة (٢): ١٩٥.


الصفحة 47
والذي يبدو لي أنّه يستحقّ العقاب عند مصادفة الضرر ؛ لأنّ التطبير غير واجب.

tit٦الفائدة السادسة في بيان خوف الضرر ومحتمله ومقطوعه

لقد مضى التقسيم الأوّل للضرر، وكان باعتبار ما يترتّب على الضرر من أضرار . وأمّا هذا التقسيم للضرر بلحاظ نفسه بالذّات، فلذا نقول: الضرر على أقسام ثلاثة:

١ـ أن يكون الضرر محتملاً.

٢ـ أن يكون الضرر مقطوعاً، والمراد بالقطع هنا : هو العلم الجازم بحصول الضرر.

٣ـ أن يخاف الضرر، وربّما اشتبه بعضهم فعبّر عن الخوف بظنّ الضرر، وتعبيره هذا غير تامّ ؛ إذ قد يحصل الخوف من الاحتمال الذي هو أقلّ مرتبة من الظنّ. إذاً فالمهم حصول خوف الضرر بمعنى توقِّع الضرر بنظر العقلاء، سواء حصل من الاحتمال أو من الظنّ.

أمّا القسم الأوّل، فذهب بعضهم إلى القول بعدم حرمة ارتكابه، والأمثلة عليه كثيرة، حيث إنّ الإنسان لا يقدم على عمل غالباً إلاّ ويحتمل فيه ضرراً، سواء كان في مأكله أو في مشربه أو سفره أو حضره... وهكذا.


الصفحة 48
وهذا الضرر المحتمل هو المعبّر عنه بلسان بعض أهل الفضل بالإيذاء والإيلام. فالأصل في مثل هذا الضرر الإباحة، إذ لم يقم دليل على حرمته.

وذهب السيّد الأمين إلى حرمته، حيث يحرم عنده كلّ ما يحتمل الضرر ؛ لأنّ الأصل عنده الحرمة عدا ما قام الدليل عليه، فيخرج عن الأصل من الحرمة إلى الإباحة، كالحجامة حيث إنّها محرّمة بالأصل الأوّلي، إلاّ أنّها تباح بالعنوان الثانوي.

وأمّا القسم الثاني، فلا إشكال بحرمته، وهذا لا نزاع فيه.

وأمّا القسم الثالث، وهو خوف الضرر، فالعقلاء يحرّمون الإقدام على ما يخاف منه الضرر، وهو عبارة عن الضرر العقلائي المتوقّع وقوعه وحصوله.

وخوف الضرر قضيّة كبرويّة مسلّمة، غير أنّه ربّما يناقش في بعض المصاديق، وانطباق هذه الكبرى عليها، وما نحن فيه من هذا القبيل، أعني (التطبير) وهو من المصاديق المتنازع في انطباق هذه الكبرى عليه.

اللهمّ إلاّ أن يلزم من العمل مخالفة للعلم، حيث إنّنا نعلم أنّ المتطبّرين جلّهم من القسم الخامس من أقسام التجرّي، أعني هم الذين لا يُبالون بالإقدام على الحرام، ثمّ يجعلون من عقلهم خادماً لرغباتهم، فيختلقون المبرّرات، وذلك مثل قولهم : >نحن لا نخاف الضرر بالتطبير<.

فما قيمة هذا القول الذي جاء منبعثاً من استخدام العقل لتبرير أفعالهم، كما يقول المفهوم السياسي الحديث من أنّ >الغاية تبرر الواسطة< وهذا النوع من السياسة الحاضرة قائمة على تغيير الوجهات الصحيحة للأشياء.


الصفحة 49
وقد أشار علم النفس التحليلي إلى هذه الظاهرة، من استخدام العقل للرغبات والأهواء النفسيّة، وكان ممّن ذهب إلى هذه النظرية فرويد صاحب نظرية الغريزة الجنسية.

ونحن نعلم أنّ الكثير منهم خارجون عن آداب الشرع وأحكامه، ومع علمنا هذا بشأنهم وتصرّفاتهم نتقبّل كلامهم هذا، ونطبّق القاعدة عليه، بأنّ هؤلاء أقدموا على ما لا يخافون من الضرر، فلا يحرم عليهم.

ثمّ إنّ التطبير ليس قضيّة تسبب خوف الضرر فقط، بل الضرر بالتطبير مشاهد بالعيان.

أضف إلى هذا كلّ العناوين الثانويّة الطارئة عليه من الهتك والسخرية، وتقهقر النهضة الحسينيّة والدعوة الإسلاميّة.

ثمّ إنّ الفقهاء الذين يفتون بجوازه وإباحته، ليتهم يقوموا بهذا الفعل ؛ لأنّ المفتين بإباحته وجوازه وبالمثوبة عليه، فهم أولى من مقلّديهم بفعله، وذلك لئلا ينطبق عليهم قوله تعالى : ﴿ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ(1) .

الفائدة السابعة محاولة للجمع بين رأي الأمين والصادق

ولعلّ الإصلاح بين رأييهما يكون بأحد وجوه أربعة:

الأوّل: أنّهما يتّفقان على حرمتها، ما إذا كان هناك عنوان ثانويّ طرأ عليها، كأن يقوم بها إنسان في مجتمع يحتوي على ثلّة ضئيلة من المسلمين،

____________

1- الشعراء (٢٦): ٢٢٦.


الصفحة 50
فتكون إقامتها أمراً يضعف نشاط الدعوة، ولا أحسب أنّ الصادق يرى حليّة إباحتها في هذا المقام.

أمّا الأمين فقد قال بحرمتها في العنوان الثانوي، ونستطيع أن نتبيّن ذلك من قوله: إنّه يستلزم الهتك، ويستلزم السخرية والاستهانة بأهل البيت، إلى غير ذلك من العبارات.

الثاني: هما يتّفقان على حرمتها عند ثبوت الضرر، ففي مثل هذا يمكن الإصلاح بينهما.

وينحصر الخلاف في نقطة واحدة، وهي ما إذا كان الحكم أوّلياً، فهل الأصل إباحتها أم حرمتها؟ فيرى الأمين أصالة الحرمة، ويرى الصادق أصالة الإباحة.

الثالث: نقلُ السيّد (رحمه الله) ناظرٌ في تحريمه إلى كبرى كليّة، وهي أنّ الضرر المحتمل يجب دفعه. فعمّمه إلى مثل هذه الحالات ؛ لأنّها أفعال تستوجب الضرر بالنفس والبدن والمال، وكلّ ضرر يجب دفعه، فهذا الضرر ـ الناتج عن الفعل الكذائي ـ يجب دفعه.

وبهذا وأمثاله من الأدلّة يكون السيّد قد استند في فتواه على تحريم هذه الأفعال.

ولَعَلَّ الشيخ (رحمه الله) ناظرٌ إلى صغرى قضيّة كليّة، وذلك بأن يشكّ في أنّ هذه الأفعال هل تستوجب ضرراً، يوجب الحرمة أم لا؟


الصفحة 51
وعند الشكّ في حرمتها وحليّتها فلا يمكننا أن نطبّق الكبرى الكليّة المسلّمة عليها، كما وأنّه عند الشكّ في الحرمة والحلّ يرجع إلى أصل البراءة، مضافاً إلى أنّه يكفي الاحتمال لبطلان الاستدلال.

فيعود النزاع بينهما صغرويّاً، وينحل النزاع فيما إذا استطاع المجتهد أن ينقّح الصغرى، وهي : إنّ هذا الفعل ـ مثلاً ـ محتمل الضرر، كان له عندئذ أن يطبّق كبراها عليها، وهي أنّ دفع الضرر المحتمل واجب.

وله بعد ذلك أن يستنتج النتيجة، وهي أنّ دفع هذا الفعل الضرري واجب، وتكون هذه القاعدة حاكمة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

وإذا لم يستطع المجتهد أن ينقّح الصغرى، ليطبّق كبراها عليها، كان له أن تجري عنده قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وتكون حاكمة على قاعدة دفع الضرر المحتمل.

الرابع: أنّ مراد السيّد (رحمه الله)، هو إقامة الشعائر الحسينيّة لنشر مبادئ هذه النهضة الخالدة، ويكفي فيها أن تكون درساً وعظةً وعبرة، كما كان يفعل الأئمة (عليهم السلام) ، وسيرتهم وأقوالهم تشهدان بذلك، ولا حاجة إلى ما زاد على ذلك.

بل ربّما أنّ هذه الزيادة قد توصم أهلها بالعار والوحشيّة، وتوقف الدعوة الإسلاميّة، وبالأحرى الحسينيّة، عن سيرها قدماً إلى الأمام.


الصفحة 52
والشيخ (رحمه الله) رأى أنّ ذلك فيه تعظيم للشعائر، وتأكيد على المبادئ ونشرها بين الناس، وغرسها في نفوس الناشئة الفتيّة، بما في هذه الشعائر من غثّ وسمين.

فيعود النزاع بينهما في الوسيلة، مع اتفاقهما في الغاية، وهي إحياء الذكرى الحسينيّة ونشر مبادئها.

وبذلك يتمّ الجمع بين رأي الصادق والأمين، ويكون لكلّ منهما وجهة نظر في الأمرين . هذا والله العالم والهادي إلى سبيل.

تنبيه

وفيه تتمّة ملحقة بالمعركة والفوائد

لا يخفى أنّه ليس كلّ ما يقوم به الإنسان، ممّا يترتّب منه مشقّة على النفس يلزم أن يكون محرّماً ؛ وذلك مثل جرح البدن جرحاً خفيفاً عبثاً، ومثل حرقه بالسيكارة، فلم يقم دليل على حرمة مثل هذا.

وهذا ما عناه الأستاذ الشيخ عبد الحسين الحلّي في تفرقته بين الإيذاء والضرر، والثاني هو الحرام دون الأوّل.

ويكفي ما قام الدليل على رجحانه مثل الحجامة، وفصد الأنف، والعمليّات الجراحيّة وأمثالها من الأفعال التي توجب ألماً في البدن وضرراً، إلاّ أنّه يعقبها منفعة أكبر من ضررها.


الصفحة 53
مضافاً إلى أنّه هناك أحكام ضرريّة في الشريعة المقدّسة بالنظر البدوي أو بالعنوان الأوّلي، غير أنّه ما يترتّب عليها من المصالح النوعيّة من حفظ النظام وبقاء النوع أعظم من أضرارها الشخصية.

وذلك كالجهاد ـ مثلاً ـ وما أدراك ما الجهاد، إنّه إلقاء للنفس في لهوات المنايا وساحات الوغى، إلاّ أنّ ما يترتّب عليه من حفظ بيضة الإسلام والمسلمين هو أعظم بكثير ممّا يلاقيه المسلمون المجاهدون من جرح الأبدان والمشقّة على الأنفس.

وكالصوم، إنّه منع للنفس عن الأكل والمشرب، وهو شاقّ على النفس.

وكالحجّ، فإنّه بذل للأموال الطائلة.

وغير ذلك من الأحكام البدنيّة والماليّة التي تبدوا أنها ضرريّة بالنظر البدوي والعنوان الأوّلي، إلاّ أنّ ما يلحقها بالعنوان الثانوي من المصالح أو المفاسد، فتغلب على عناوينها الأوليّة وتحلّ محلّها العناوين الثانويّة.

فربّما كانت هذه الأفعال التي تحصل يوم العاشر من المحرّم، وبقيّة وفايات الأئمة والنبيّ (عليهم السلام) من هذا القبيل، أي أنّه وإن كان يحصل منها ضرر، إلاّ أنّه ما يترتّب عليها من تركيز الدعوة الإسلاميّة وسيرها قدماً إلى الأمام بخطى واسعة ونقلات خاطفة .

وما تقوم به من الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، الذي فعلته بنو أُميّة مع أهل البيت، وبخاصة مع الإمام الحسين، وإعلان هذا المنكر والإجهار به، كي لا يغتر الغافلون بأنّ ما وقع على أهل البيت، ومن بينهم الإمام الحسين


الصفحة 54
من الأمويين، إنّما كان من أجل سلطان طلبه أهل البيت (عليهم السلام) وإن كانوا هم أهله والأحق والأولى به، بل إنّما كان صراعاً بين الحق والباطل، بين العّدالة والظلم، بين عليّ وأبنائه الكرام، مع خصومهم الأمويّين الذين لا يعرفون من الإسلام إلاّ اسمه ولا من القرآن إلاّ رسمه.

وممّا يترتّب عليها من تعظيم الشعائر الإسلاميّة، وبالأخصّ الحسينيّة، هو بكثير أعظم من أضرارها البدنيّة والماليّة.

وعلى هذا، تعود المسألة إلى باب الترتّب، أعني المزاحمة بين مهمّ

ـ وهو ترك هذه الأفعال ـ وبين أهمّ ـ وهو فعلها الذي يترتّب عليه ما ذكرناه آنفاًـ فيقدّم الأهم، ويتحمّل الضرر الخفيف للحصول على فائدة أهم ممّا يترتّب على هذا الضرر البسيط.

ولكنّ الكلام في الحقيقة في أنّ هذه الأفعال : هل هي من هذا القبيل، أي ممّا لم يقم دليل على حرمتها، وأنّها من الأضرار الخفيفة المتحملة عادة، وأن ما يترتّب عليها من منافع أهمّ من أضرارها، أو أنّها من الأضرار غير المتحملة وغير المعتادة، وأنّ أضرارها أكثر ممّا يترتّب عليها من منافع، وهذا ممّا قام الدليل على حرمتها.

فالكلام في تعيين ذلك، وأنّ هذه الأفعال من أيّ القسمين ؟ هل أنّها ممّا تكون مضارّها أكثر من منافعها، وهذا ممّا قام الدليل على حرمتها؟ أو أنّها ممّا تكون منافعها أكثر من مضارّها، وهذا ممّا لم يقم دليل على حرمتها، بل ربّما كانت راجحة كما فيما نحن فيه.


الصفحة 55
وتشخيص ذلك ـ أي الأهم من المهم ـ يختلف باختلاف أنظار المجتهدين، ولكلّ مجتهد أن يفتي بما ينتهي إليه رأيه.

والذي أودّ أن أقوله في الختام: هو أنّني لاحظت فيما قدّم الطرفان من بحوث نقداً، فيه كثير من التحيّف، وقد كان هذا اللون من الصادق وأشياعه أطغى من وجوده في بحوث الأمين.

وبانتهاء هذه المعركة ننهي الحديث عن مرحلة المترجم الثالثة.


الصفحة 56

منزلته العلميّة

كان مترجمنا (رحمه الله) شخصيّة قد احتلّت مكانها المرموق في مضمار العلم، وما أراني مبالغاً إذا قلت : إنّ المنزلة التي قد احتلّها كانت خطيرة، لا تعدلها منزلة أخرى، إنّها الاجتهاد، والاجتهاد المطلق، الذي يعني اجتاز الشخص عدّة خبرات بعد جهدٍ طويل، وتأهّله للحصول على ملكة الاستنباط.

أمّا كيف نتعرّف على هذه المنزلة؟ ومن أين؟ فهذا ما سنوضّحه في هذه النقاط:

١ ـ أجيز مترجمنا من أساطين النجف في حينه إجازات دلّت على مركزه الرفيع، ولولا مكانته العالية لما استطاع أن يحصل على إجازة واحدة من هذا النوع العالي.

٢ـ شهادة الأعلام فيه وأقوال الكتّاب ممّن لهم خبرة فيه، كصاحب الحصون، ونجله الحجّة الشيخ محمّد حسين، وغيرهما.

٣ـ مؤلّفاته العلميّة، فقهاً وأصولاً، في حدود ما عثرنا عليه منها، وعمله الأدبيّ شعراً ونثراً.


الصفحة 57

مكانته الاجتماعيّة

كانت لمترجمنا (رحمه الله) المكانة العالية والمقام الرفيع، وبخاصّة في العراق، وفي الأوساط العلميّة النجفيّة، وبين أسرها الكريمة، منظوراً بنظر التقدير والاحترام، فهو مهوى أفئدة الجميع ومحطّ آمالهم، والبارز على أقرانه من بينهم، يتمّتع بجاه وشهرة واسعين في علمه وأدبه، مضافاً إلى المجد الموروث له من آبائه هناك.

ويكفينا دلالة على ما نقول: ما كان بينه وبين أصحابه في النجف الأشرف، وهم أعلام الاُمّة وجهابذة الرجال من روابط الصلات الوثيقة، وتبادل الولاء الصميم، يلمسك طرفاً منه ممّا حفظ له من أجوبة لرسائلهم، وهي تعطيك مثالاً صحيحاً وأثراً وضّاءً على شخصيّته البارزة ومنزلته الرفيعة.

فمن مراسلة له إلى علاّمة عصره ذي الرياستين، السيّد حسين القزويني النجفي، جواباً على معاتبته يقول:


أتحفتني يا عادم الأشباهبخميلة ريَّا وروض زاهي
فجنيت من أزهارها أوفى الجنىواستفت عرف عرارها النكّاه


الصفحة 58
إلى أن يقول:


أمهجهجاً بي للعهود تخالنيعنها بطيء تزفُّر أو لاهي
مهلاً فقد حرّكت ليس بساكنٍقلباً وقد أيقضت غير الساه

إلى أن يقول:


حكم القضاء بأن يفارق ناظريوقّاد كوكبك المنير الزاهي
ويسوقني القدر المتاح مقوّضاًرحلي لعاملة على استكراه
فلقد خُفضت بعامل قدراً وإنساوى بها الشمّ الشوامخ جاهي
ما افترَّ ثغرُ الدهر عن مثلي بهايوماً ولا عمّن جماي يُضاهي
إنّي وسعت جبالها وهضابهافي سهل خُلق ليس بالمتناهي
لا تحذرن عليَّ سورة حُسدٍّأيُراع ليثٌ من قطيع شياه(1)

ومن مراسلة ثانية له ولأخيه الأكبر أبي المضر السيّد محمّد، وابني أخيهما العيلمين العلمين السيّد هادي والسيّد حسين، نوّر الله ضرائحهم:


غرامي غرام الظبّي مقتنص الخشفونوحي نوح الوُرق فاقدة الإلف
وملء محاني أضلعي بارقيّةٌمن الوجد تبدي من حنيني ما أُخفي

إلى أن يقول:


وكنتُ بمضمار العراق مُجلّياًبفضلي وسُبّاقُ الورى عدوها خلفي
فصرتُ بميدان الشآم أوّد أنأساوي ولو بالظُّلع العزم والعجف

____________

1- سقط المتاع: ١٥٠ ـ ١٥٢.


الصفحة 59

رضيت بتصريف الليالي وحكمهاوإن قَصَمْت ظهري وأوهت عرى كتفي(1)

ويراسل حميمه شيخ أدباء العراق أبو الرضا الشيخ جواد الشبيبي (رحمه الله)، مجيبه على أبيات يمازحه فيها، حيث إنّه في مراسلته للسيّد حسين، اتفق أنّه كان آخر من سلّم عليه من إخوانه النجفييّن، وجاءت الأبيات وقد استعمل الجناس اللفظي في قافيتها على نسق مقدمة الأبيات التالية في الجواب، يقول عليه الرحمة:


تركت في نسبتي للهجر منصغتيوأنت تعلم ما الهجران من صفتي
أعيذ فكرتك الوقّاد ثاقبهابأن ترى كسواها غير منصفتي
أنا وودّك من ساغت ومن عذبتلك المودّة في قلبي ومن صفت

إلى أن يقول:


وإنّ خاتمة الأعمال إن حسنتفذو الحجى لسواها غير ملتفت
اليد بيمين للجواد إذانعماؤه وكفت كلّ الورى كفت
وحلفة برياض من خلائقهندية بأزاهير مفوقة
لئن يفتني التفات العين نحوك منقرب فإنّ التفات القلب لم يفت
أمّا الحشى فعلى بيض مذلقةطويتها أو على سمر مثقفت
ولي فؤاد غريق بالجوى فإذارسا رست زافراتي أو طفا طفت

إلى غير ذلك من القصائد التي تبرهن عن قوّة عرى وثائق صلاته الاجتماعية بمختلف طبقات الرجال العلميّة الأدبيّة.

____________

1- سقط المتاع: ١٥٣ ـ ١٥٦.


الصفحة 60

مقامه الأدبي

إنّ الرجل الذي أخذنا على عاتقنا تناوله، لم يكن مقصوراً على حقلي الفقه والأصول، فهو يدرك حقّاً أنّ الأدب شرط أساسي في الفقه ؛ إذ لا تتأتى الفقاهة إلاّ بعد اجتيازه في الصرف والنحو والبلاغة والفقه، وغيرها من العلوم اللسانية، وبعض العلوم الفكريّة خبرة عالية، وهو الصلة الأدبيّة التي ترتبط بحقليه اللذين تهيأ للتعرف عليهما من أجل توفّر ملكة الاستنباط لديه.

فبحكم احتياجه للأدب مارسه شاعراً ناثراً، وساعده على ذلك ما لديه من ذوق سليم في هذا الميدان، وتبدو منزلته الأدبيّة جليّة:

١ـ من معرفتنا للأدباء العظام الذين كانوا يساجلونه ويراسلونه، مع أنّهم يترفّعون عن مساجلة شخصيّة لم تأخذ محلّها من الأدب.

٢ـ ومن هذا الديوان الذي جاء ضخماً يبلغ الآلاف، مضافًا إليه ما نظم من أراجيز كثيرة في الفقه وغيره.

٣ـ ومن جعله من قبل المترجمين في الطبقة الأولى من الشعراء.

إلى غير ذلك من النقاط التي نستوحي فيها مركزه في الأدب لا مستواه.


الصفحة 61
الصفحة السابقةالصفحة التالية