المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 571 - ص 600) وعمدة ما عند هذه الفئة من الدليل ـ حينما يؤوب إليها رشدها بعد سكرة الاستغاثة ـ أنّ تلك الأعمال قد اتّخذها اُمراء الشيعة ـ أي الفرس ـ سنّة من عهد القرن الرابع إلى يومنا هذا.

فإذا قيل لها: إنّ عمل الأمراء وأتباعهم من الرعاع لا يصلح أن يكون حجّة شرعية، قامت وأعادت تمثيل تلك الرواية، وزادت فيها قول: واسنّة نبيّاه.

وإذا اعترضت عليها بأنّ الشيء لا يكون سنّة نبويّة، إلاّ إذا صحّت روايته عن النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم)، كما أنّ عمل غير واجب العصمة لمصلحة اقتضته، لا تُبّرر العمل المضرّ. جابهتك(1) بالسباب والتفسيق والتكفير، فيخيّل إليك أنّها من بقايا رؤساء الكنيسة في القرون الوسطى.

ولا تحسبن أنّ هذه الفئة اكتفت بالقول السيء، بل اجتهدت في إضرام نار الفتنة، حتّى بين الأخ وأخيه، والولد وأبيه. فكانت العائلة ـ وهي في مسكن واحد ـ منقسمة إلى قسمين: قسم يحبّذ تلك الأعمال البربريّة، وقسم ينكرها البتة، كلّ ذلك كان منها عملاً بالقول الإبليسيّ.

____________

1- صدر هذا منها سنة ١٣٤٧ يوم التفّ حولها الرعاع، ولكنّها اليوم أقصر باعاً من ذلك «حبيب ابن مظاهر».


الصفحة 572

وثلاثة عمر الوجود بهافتن وفتّان ومفتتن(1)

ثمّ بعد هذا كلّه إذا جاءها أحد المصلحين الغيورين، وأثبت لها بالحجّة الراهنة الدامغة، حرمة الكذب في المأتم الحسينيّ، وحرمة الغناء، وإضرار النفس بضرب الزنجير وشجّ الرأس واللطم الدامي وإدخال الأقفال في الأبدان، وتشبّه الرجال بالنساء، إلى غير ذلك من الأعمال الهمجيّة. قامت عليه، وأعادت تمثيل رواية القذف والسب مرّة ثالثة.

ولكنّها في هذه المرّة تتشبّث بأذيال روايات ضعيفة، بعضها موضوع، والآخر خارج عن الموضوع، فتجتهد بكلّ ما عندها من القوى في تطبيقها على ما ترومه من جواز تلك الأعمال المخترعة ؛ كلّ ذلك للتلبّيس على أولئك البسطاء المغرورين، حذراً من انقطاع مادّة النفع الماديّ الجاري من يد أولئك المساكين.

____________

1- البيت للشاعر الشيخ عبد الحسين صادق العاملي (ت١٣٦١هـ).
في أدب الطفّ ٩: ٢٣٠: ومن روائعه التي سارت مسير الأمثال قصيدته التي عنوانها «عمّ الفساد»، ومنها:

بدعٌ تشبّ فتلهبُ المحنُوهوىً يهبّ فتُطفأ السُنن
وثلاثةٌ غمر البسيط بهافتنٌ وفتّانٌ ومُفتتن


الصفحة 573
وكأنّ بعض أفراد هذه الفئة، شعر بخطر هذه الروايات التي تدحرج في هوتها العميقة غيره، فخطا هو عن حافّتها إلى التمحّل والتأويل من أدلّة المصلحين(1) المحرّمين لتلك الأعمال. وقد يعمد أحيانا إلى إنكار المحسوس والمشاهد حتّى عنده، فيقال له مثلاً: إنّ ضرر النفس، في غير الجهاد في سبيل الله والذبّ عن حوزة الإسلام، حرام؟

فيقول: نعم.

فيقال له: إنّ شجّ الرأس بالسيف ضرر؟

فيقول: لا.

فيقال له: إنّا نرى بعض الضاربين يُغمى عليه ويشوّه رأسه، ونرى آخر يموت.

فيقول: أنت ترى الإغماء ضرراً، وهو لا يراه كذلك، فكأنّ الحلّ والحُرمة دائرتان مدار رؤية صاحبه وعدمها.

ويعتذر عن الميّت بأنّه لم يعلم أنّ موته يكون مسبباً عن الضرب، فلا يحرم عليه.

فيقال له: أليس يظنّ على الأقلّ ضرر رئته، فضلاً عن الموت؟

____________

1- وهم من أكابر علماء الطائفة ومجتهديها كالشهيد الأوّل، والميرزا حسين النوري، والشيخ مرتضى الأنصاري، والميرزا حسن الشيرازي، والسيّد كاظم اليزدي، والميرزا محمّد تقي الشيرازي، والسيّد أبو الحسن الأصفهاني، والسيد محسن الأمين، والشيخ هادي كاشف الغطاء، وغيرهم، فجزاهم الله عن الإسلام خير جزاء المحسنين «حبيب بن مظاهر».


الصفحة 574
فيقول: نعم.

فيقال له: إنّ مظنون الضرر محرّم فعله ولو كان واجباً في الأصل، فكيف بالضرب الذي تزعم أنّه مستحب؟! فإنّه يحرم بالطريق الأولى.

فحينئذٍ يشتدّ غضبه وتأخذه الحماسة، فينكر ظنّ الضرر والموت معاً، بل يقول لك : ما رأينا منذ ولدنا للآن أحداً مات من ضرب الرأس بالسيف في يوم عاشوراء، بل لا يحصل ضرر من اللطم الدامي أصلاً.

يقول ذلك رغم مشاهدة الجماهير لمصرع صاحبه الضارب، ورغم حكم الأطباء الخبيرين بالضرر الذي ما فوقه ضرر، ذلك هو السلّ الناجم عن ضرب الصدر فوق الرئة.

ثمّ اذا يئست هذه الفئة من نجاحها في تلك الطرق، عمدت إلى التدجيل على السواد، وقلب الحقيقة ظهراً على عقب بقولها: إنّ العالم الفلاني حرّم البكاء على الحسين (عليه السلام) وقراءة التعزية وغير ذلك. فيأخذ السواد الجاهل بصبّ الشتائم على ذلك العالم المصلح، ورشّ اللعنات عليه وعلى أمثاله ومريديه.

ومن سوء حظّ هذه، أن يدخل بعض هذا السواد ـ الذي سمع قولها من على ظهر المنبر ـ سوق الكتب، فيرى مؤلّفات ذلك موجودة هناك، وإذا به يرى فيها الحثّ على بكاء الحسين (عليه السلام)، وإقناع اللائم في إقامة


الصفحة 575
المآتم(1)، بل يجد فيها مجالس تعزية سنية(2)، وحينئذٍ تنعكس النتيجة وتعود اللعنة على مسببيها.

هذا مجمل ما أحدثته هذه الفئة سنة ١٣٤٧هـ، وقد طبعت في ذلك وريقات كلّها سباب وشتائم، شأن صبيان الأزقة، ولا تكاد تتلمّس فيها دليلاً غير ممزوج بأخشن الألفاظ، وسرّ ذلك أنّ أكثر مؤلّفيها من المستأجرين وإن كان بعضها لنفس المستأجر الذي بذل جميع ما درّ عليه (صندوق يوم عاشوراء) في هذا السبيل، ولا شكّ أنّ المستأجرة ليست كالثكلى(3).

____________

1- في الذريعة ٢: ٢٧٥ رقم١١١٥: «إقناع اللائم على إقامة المآتم» للعلّامة السيّد محسن بن عبد الكريم الحسينيّ العامليّ... طبع في ذيل رابع أجزاء المجالس السنية له سنة ١٣٤٣هـ».

2- في الذريعة ١٩: ٣٦٠ رقم١٦١٠: «المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبويّة، في خمسة أجزاء: الجزء الأوّل في وقعة الطفّ، الثاني في قصص الأنبياء وغزوات النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) ، الثالث في حروب أمير المؤمنين(عليه السلام) ، الرابع في أخبار زياد ومعاوية والإمام الحسن وسائر الأئمة(عليهم السلام)، الخامس في جميع المعصومين وتواريخهم . طبع مكرّراً، وهو من مؤلّفات السيّد محسن الأمين العاملي (ت١٣٧١هـ)».

3- قال عمر بن ذر (ت١٥٣هـ) لأبيه: يا أبة! مالكَ إذا تكلّمت أبكيت الناسَ، وإذا تكلّم غيرك لم يبكهم؟ فقال: يا بُني، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.
اُنظر المجالسة وجواهر العلم للدينوري (ت٣٣٣هـ): ٧٣٦.
والنائحة الثكلى هي الباكية على فقيدها بمرارة وحسرة، والنائحة المستأجرة هي التي امتهنت النياحة للتكسّب . ويُضرب هذا المثل للتدليل على أنّ صاحب الحاجة يفوق تعبيره واهتمامه على أيّ شخص قد يأتي مستاجراً أو بديلاً عنه.


الصفحة 576
وقد انتهت فصول هذه الرواية في أوائل سنة ١٣٤٨هـ، وبعدها هدأت العاصفة وصفا الجو، وتعانق الأخ مع أخيه، وأظهر الاعتدال والترداد (لعند أبي الحسن) (1) البعضُ، واستمرت الأمور على هذا الحال، إلى أن دعت الغيرة الدينيّة الأستاذ سالمين إلى ذكر مولانا السيّد المحسن الأمين، وتقدير جهوده وخدماته، في أثناء الكلام عن محبيّ آل البيت الطاهر وأعمالهم المنافية لمحبتهم ولقولهم : >كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا<(2).

فأجّج ذكر السيّد المحسن نيران الحسد والحقد الكامنة في قلب رجل من تلك الفئة، فأخذ يجهد في إغراء هذا وذاك ؛ ليردّ على سالمين ويشفي غليله منه، إلى أن وقع في الشبك السيّد الشريف والشاب الفاضل، نور الدين شرف الدين الموسوي، بمساعدة البعض لذاك الرجل.

ولكن من نحس طالعه، أنّ السيّد الشريف لم يتسرّب إلى قلبه شيء من الحقد والحسد، ولذا لم يشف غليله من أحد. وهذا ممّا نشكر السيّد عليه ونقدّره حقّ قدره، ولكنّا في الوقت نفسه نمقت مغالطته ـ ولا نقول: مراوغته ـ

____________

1- هو السيّد أبو الحسن الأصفهاني (ت١٣٦٥هـ)، أحد مراجع الدين الكبار، الذي حصل الاختلاف في أمر الشعائر الحسينيّة في زمان زعامته الدينية.

2- في أمالي الشيخ الصدوق : ٣٢٧، حديث١٣، عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «معاشر الشيعة كونوا زيناً لنا ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حسناً، احفظوا ألسنتكم، وكفّوها عن الفضول وقبيح القول».


الصفحة 577
عن موضوع البحث ونقطة دائرته، استعمال آلات اللهو في الشبيه، وضرر النفس، وتشبّه الرجال بالنساء.

لا ما ذهب إليه من المآتم الشريفة الموقّرة، وجرى في التهويل والتهويش والتعزير على نسق غيره، حتّى سوّد عدّة صفحات من المجلّة الزاهرة، وحتّى لفت نظر مَن يريد الوقوف على فائدة المآتم إلى تلك الكتب الستّة.

ولو أنصف ونبذ النعرة الحزبيّة، لذكر في مقدّمة تلك الكتب كتاب (إقناع اللائم على إقامة المآتم)، على أنّه لو أشار إليه وحده لكفى في الإقناع، وذلك لحسن بيانه وعذوبة ألفاظه، وتجنّبه ما يخالف الدين والآدب والحشمة والوقار.

وبعد هذا فلنسأل السيّد نور الدين : من هو منّا الذي (شكّ في فوائد المأتم الحسينيّ، التي تعود بالنفع العميم على الطائفة)؟!

أسالمين، وجلّ كلامه بيان تلك الفوائد وترغيب فيها، أم غيره؟!

وإذا كان سالمين أخطأ في شدّة استنكاره تلك الأعمال، فقد أصاب في استدلاله وأحسن.

استدلّ سالمين بآية التهلكة(1)، وفسّرها نفس الرادّ بما يؤل إلى الهلاك أو الإضرار بها. وضرب الرأس بالسيف والصدر باليد على الرئة هو عين التهلكة، ولا ينكرها إلاّ مكابر.

____________

1- البقرة (٢): ١٩٥.


الصفحة 578
واستدلّ سالمين بآية ﴿وَمَن يَعْصِ اللّهَ(1)، واعترف له الرادّ أنّ المعصية ارتكاب ما نهى عنه الشارع، وقد نهى الشارع عن الإلقاء في التهلكة، ولطم الصدر وشجّ الرأس كلّ منهما تهلكة كما تقدّم.

واستدلّ سالمين على حرمة النياحة، والأخبار بحرمتها في كتب الشيعة كثيرة، لا تسع هذه العجالة استخراجها من الكتب، وهي بما علم من رداءة المطابع الفارسيّة.

والخبر الذي ذكره الرادّ عن الصادق (عليه السلام)، وارد في النوادب(2)، وهنّ غير النائحات، كما أنّ النياحة غير البكاء.

وادّعى سالمين (أنّ تلك الأعمال المنكرة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة)، وقد سلّم له الخصم بأنّ تلك الأعمال بدعة، ولكنّها غير محرّمة عنده ؛ لعدم ورود نصّ بتحريمها . وكأنّ تلك النواهي من الآيات وغيرها لا تصلح أن تكون نصّاً، وعلى الأقلّ ظاهرة في الحرمة.

هذا، ولولا حبّ الاختصار، لذكرنا للقارئ الكريم ما سطرّته تلك في

____________

1- النساء (٤): ١٤.

2- هي رواية الإمام الصادق(عليه السلام) ، قال: «قال لي أبي : يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا وكذا، لنوادب يندبنني عشر سنين أيام منى».
اُنظر: الكافي ٥: ١١٧، حديث١، باب كسب النائحة، من لا يحضره الفقيه ١: ١٨٢، حديث٥٤٧.


الصفحة 579
وريقاتها، وفندّناه كلمة كلمة، ولكنّا الآن نلفت نظره الصائب إلى مطالعة كتاب (كشف التمويه)(1) للعلّامة الگنجي، وهي ردّ على تلك الوريقات، فاطلبها من أيّ قطر شئت واقرأها جيّداً، فإنّك تجدها كعصى موسى (عليه السلام) ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ(2).

حبيب بن مظاهر

____________

1- كشف التمويه عن رسالة التنزيه، للشيخ محمّد الگنجي (ت حدود ١٣٦٠هـ)، (المطبوعة ضمن هذه المجموعة): ٢٢٩:٦.

2- الأعراف (٧): ١١٧.


الصفحة 580

(٨) مقالة باسم >أبي فراس< في مجلّة العرفان اللبنانيّة

مقالة مختصرة، كسابقتها كُتبت باسم مستعار، تحت عنوان >حول المأتم الحسينيّ<، ردّاً على مقالة السيّد نور الدين شرف الدين، الذي قام بردّ مقالٍ للأستاذ محمّد علي الحاج سالمين، انتصر فيه للسيّد محسن الأمين وأفكاره، طبعها في صحيفة >ديوان ميسج<، وأعادت مجلّة العرفان نشرها ثانية، وقد بيّنا هذا مفصلاً قبل صفحات، فراجعها.

وقالت المستشرقة الفرنسيّة سابرينا مرون في رسالتها >وقوف رجال الدين الإصلاحيين في لبنان أمام تحريف واقعة عاشوراء< المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٤٢٧:٧ إنّ اسم أبي فراس هو الاسم المستعار لمحمّد حسين الزين.

والشيخ محمّد حسين الزين (ت١٤٠٢هـ)، ذكره الشيخ الطهراني (ت١٣٨٩هـ) في كتابه >طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر في القرن الرابع عشر< ١٤: ٥٩٩، رقم ١٠٢٨ قائلاً:


الصفحة 581
هو الشيخ محمّد حسين ابن الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ حسين ـ المعروف بأبي خليل ـ بن سليمان بن علي بن زين بن خليل بن موسى بن يوسف الزين الأنصاري الخزرجي، عالم بارع.

كان والده من أعلام هذه الأسرة وأجلّائها في عصره، تلمذ على علماء النجف زمناً، وولده المترجم له من المعاصرين، هاجر إلى النجف فسكنها مدّة، لازم فيها حلقات دروس أعلام العصر حتّى ارتوى من نميرهم، وعاد إلى بلاده لإرشاد قومه ونفع المؤمنين، فحلّ (جبشيث) في مكان والده، وهو إلى اليوم بها مرجع للأمور وقائم بالوظائف الشرعية.

وله آثار منها (الشيعة في التأريخ)، كتاب قيّم وسفر بديع نافع، نشر بعض فصوله في (مجلّة العرفان) الزاهرة، وابنه الشيخ عبد الحليم في النجف مشغول بطلب العلم.

وذكره الشيخ محمّد هادي الأميني (ت١٤٢١هـ) في كتابه >معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام< ٢: ٦٤٩ قائلاً: >عالم بارع، مؤرّخ جليل، وشاعر وجداني رقيق، وشخصيّة علميّة وروحيّة وأدبيّة. من أفاضل هذا البيت الرفيع وأعلامه، ومشيّدي شرفه الوضّاح. تتلمذ على علماء النجف الأشرف، وأقام بها مدّة، لازم دروس أعلام عصره، حتّى ارتوى من نميرهم. ثمّ عاد إلى قومه لإرشادهم وتوجيههم، والقيام بالوظائف الشرعيّة<.

وختم الأميني ترجمته له بقوله: >توفي سنة ١٣٨٢هـ <.

إلاّ أنّ بعض المصادر جعلت وفاته سنة ١٤٠٢هـ .


الصفحة 582
وترجم له الأستاذ كامل سلمان الجبوري في كتابه >معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتّى سنة ٢٠٠٢هـ < ج٥ ص٢٤٩، وجعل وفاته سنة ١٤٠٢هـ، معتمداً على مجموعة من المصادر.


الصفحة 583

حول المأتم الحسينيّ

كنّا نحسب أنّ كلمة الداعية الإسلاميّ المفضال الأستاذ محمّد علي الحاج سالمين، ستكون الأخيرة من نوعها في موضوع المأتم الحسيني، وأنّها سيكون منها مقنع لجماعة التهويش، فيفهمون أنّ الأمّة قد اقتفت أثر مصلحيها، وأصبحت عالمة خيرها من شرّها، وأنّ هذا الذي يستندون إليه من الضوضاء والضجيج لا يحسدون عليه!

ولكن كلمات جاءت في عدد شوال من العرفان الأغرّ بتوقيع (نور الدين شرف الدين)، جعلتنا نعلم أنّهم لا يزالون يحسبون أنّ التهويل يوصلهم إلى ما ينالون!

إنّني لا أريد هنا أن آتي بأدلّة جديدة، أقدّمها بين يدي القارئ الكريم، بل أحيله في ذلك إلى ما صدر حتّى اليوم من الرسائل، التي يجد فيها من يريد الاقتناع ما يقنعه، والتي أصبحت مشهورة معروفة لا تحتاج للإشارة إليها.


الصفحة 584
ولكن الذي أريده، هو أن أفهم صاحب تلك الكلمات ومن لفّ لفّه، ونفخ في بوقه، ومن حرّضه ودفعه، أنّنا بعد اليوم لن نعير كلّ ما يصدر من هذا القبيل أقلَّ اهتمام، وأنّنا نضنّ بأوقاتنا وأوقات القرّاء، وصفحات العرفان الأغر، أن تشغل بهذه الأمور التي أصبح مفروغاً منها.

وأنّ لنا من الرمي إلى هدفنا السامي ـ سعادة الإسلام العامة ـ ما يشغلنا عن مجادلة قوم يلهون بالسفاسف والقشور، ويضيعون الوقت بما لا طائل تحته، فلينضحوا كلّ ما في نفوسهم، ويسوّدوا ما يشاؤون من الصحف، فلن نعيره أقلّ اهتمام، فالحق أبلج واضح لا يحتاج لتعريف.

وسيرون أنّ هذه البذور الإصلاحيّة التي تعهّدها أفاضل الأمّة وساداتها بالرعاية، ستنموا وتأتي أكلها في وقت قريب.

ولن يضير هؤلاء الكرام أن يقول عنهم (نور الدين) : إنّهم مهوّسون!! بل لن يضيرهم أن يرموا بكلّ فرية شنعاء، ما دامت نياتهم خالصة لله، وأعمالهم موقوفة على خدمة الإسلام، وما داموا يتّخذون من سلفهم الصالح وأئمتهم العظام خير مقتدى.

وإنّني لأرجو من رافع لواء التبشير الإسلامي في الهند، والواقف كلّ ما يملك من قوّة على خير المسلمين (محمّد علي حاج سالمين)، أن يمضي في طريقه القويم وصراطه المستقيم، غير مكترث لذاك الهذر، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

أبو فراس


الصفحة 585

تعليق مجلة العرفان:

العرفان: سددنا هذا الباب، فلا يتعب الرادّون أنفسهم وأقلامهم، والسلام.


الصفحة 586

(٩) مقالة باسم >ابن الشيعة< في صحيفة ظَفَر عراق البغداديّة

هذه المقالة ليس لها علاقة برسالتي >التنزيه< و>الصولة<، بل كُتبت قبلهما بتسع أو عشر سنوات تقريباً، لكن لأهميّتها قمنا بنشرها هنا، تعميماً للفائدة، وإلقاء بعض الأضواء على السياسة البريطانيّة آنذاك في استغلال الشعائر الحسينيّة المقدّسة من أجل التقرّب للمجتمع الشيعي والسيطرة عليه.

كاتب هذه المقالة لم يصرّح باسمه، بل وقّع مقالته باسم >ابن الشيعة<، ونشرها في صحيفة >ظَفَر عراق< الأسبوعية الصادرة في بغداد باللغة الفارسيّة، في عددها الثالث والستّين، يوم الأربعاء، ١٧ محرّم سنة ١٣٣٦هـ، المصادف الثالث والعشرين من شهر تشرين الأوّل سنة ١٩١٨م، وقد كُتب على الصفحة الأولى من هذه الصحيفة أنّها: سياسيّة اجتماعية تاريخيّة أدبيّة، تخدم الحريّة.

مدح الكاتب في هذه المقالة ـ التي تحت عنوان >عشرة عاشوراء ومواكب سيّد الشهداء< ـ الحكومة البريطانيّة، بأنّها منحت الحريّة الكاملة


الصفحة 587
للمسلمين عموماً في ممارسة شعائرهم الدينيّة، بل كانت تساعد أصحاب المواكب العزائيّة ماديّاً، وتعمل على تنظيم سير هذه المواكب من أجل عدم حصول نزاع وتصادم بينها.

وقارن الكاتب بين الحكومة البريطانيّة والحكومة العثمانية، التي قال عنها بأنّها لم تكن تساعد الهيئات والمواكب الحسينيّة، بل تعمل على منعها بعض الأوقات.

وإليكم ترجمة النصّ الكامل لهذه المقالة:


الصفحة 588

عشرة عاشوراء ومواكب سيّد الشهداء

إنّ أهل الوجدان والإنصاف، لابدَّ أن ينتبهوا إلى زيادة احترام العتبات المقدّسة والأماكن الشريفة، وإقامة عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) في العشرة الأولى من شهر محرّم، وذلك في السنتين الأخيرتين اللّتين أصبح العراق فيهما تابعاً للحكومة البريطانيّة، قياساً مع السنوات الماضية [أي عندما كان العراق تحت سيطرة الدولة العثمانية].

في هذه السنوات لم يحصل أيّ نزاع وخصومة بين أصحاب المواكب واللاطمين على الحسين (عليه السلام)، وسابقاً كان يحصل الفساد بسبب دخول النساء إلى الصحن المبارك ؛ لمشاهدة المواكب الحسينيّة.

ولكن في السنتين الأخيرتين لم يقع أيّ نزاع في مُدن الكاظمية وكربلاء المقدسة والنجف الأشرف، وقد منعت الحكومة المعظّمة من دخول النساء إلى الصحن الشريف ليلاً.

وأوعزت الحكومة المعظّمة إلى ضرورة تواجد رجال الشرطة العرب المسلمين في داخل الصحن؛ من أجلّ منع مظاهر الفساد، لذلك كانت


الصفحة 589
المواكب العزائيّة اللاطمة على الحسين (عليه السلام)، تمارس شعائرها بأكمل وجه وهدوء تامّ.

وأنّ الحكومة البريطانيّة المعظّمة، قد منحت إجازة للموظّفين المسلمين العاملين في دوائرها لمدة خمسة أيام أو عشرة أيام.

هل يتذكّر الناس أنّ الحكومة السابقة [ الدولة العثمانيّة] قد ساعدت المواكب الحسينيّة والهيئات والحسينيات بمقدار دينار واحد؟ لكن هذه الحكومة المعظّمة في السنة الماضية، مع عدم وجود النفط في البلاد، حتّى أنّ قيمة العلبة من النفط وصلت إلى خمس عشرة روبيّة، لكنّها وزّعت ألف صندوق من النفط مجاناً على الحسينيات والمواكب العزائية في الكاظميّة وكربلاء والنجف الأشرف.

وفي هذه السنة مثل السنة الماضية، تقوم الحكومة بتوزيع النفط مجاناً على الحسينيّات والمواكب العزائيّة، وأوعزت الحكومة أيضاً إلى معامل النفط أن تبيع النفط لهم بقيمة رخيصة جداً.

لابُدّ أن تتشكّر من هذه الدولة العادلة، والحمد لله بواسطة لطف وعطف ورأفة وعدالة هذه الدولة المعظّمة، استطاع المسلمون أن يمارسون شعائرهم الحسينيّة في حرّية كاملة، ويوم بعد يوم تزداد الاحترامات للمساجد والمراقد المشرّفة الإسلاميّة.

ابن الشيعة


الصفحة 590

(١٠) مقالة لمندوب جريدة الفجر الصادق العراقيّة

هذه المقالة عبارة عن رسالة وجّهها كاتبها ـ الذي لم يذكر اسمه، وهو مراسل لجريدة الفجر الصادق العراقيّة ـ إلى الخطيب البارع السيّد صالح الحلّي (ت١٣٩٥هـ)، ينتقده بل يتهجّم عليه بسبب مواقفه المعارضة للسيّد محسن الأمين ورسالته >التنزيه<، وهي تعكس الخلافات الواسعة التي سبّبتها آراء السيّد الأمين حول بعض الشعائر الحسينيّة، باعتبارها خطّاً أحمر لا يمكن التقرّب منها بأيّ شكل من الأشكال.

وكان لهذه الجريدة >الفجر الصادق< وأختها >الهاتف<، ولصاحبهما الأستاذ جعفر الخليلي (ت١٤٠٥هـ) دور بارز في الدفاع عن السيّد الأمين وآرائه في إصلاح الشعائر الحسينيّة، إذ كتب الخليلي عدّة مقالات فيهما وبأسماء مستعارة تارة بسبب كونه ـ آنذاك ـ موظفاً في الدولة(1)، متحمّلاً الكثير من الأذى الذي عبّر عنه بقوله:

____________

1- هكذا عرفتهم ١: ٢٠٩.


الصفحة 591
>وكنتُ أجد في كثير من الأحيان رسالة أو أكثر، وقد ألقي بها من تحت باب الدار، وهي تتضمّن ـ إلى جانب التهديد بالقتل ـ شتائم بذيئة تدلّ على خسّة وجبن<(1).

والسيّد صالح الحلّي، ذلك الشاعر الكبير والخطيب المفوّه، الذي مدحه وأثنى عليه وعلى مقدرته الخطابيّة محبّوه ومبغضوه(2)، ومع ذلك كلّه نراه يقف موقفاً معارضاً بل معادياً ومعانداً للسيّد الأمين، ويتعرّض له في مجالسه بالتصريح تارةً، وبالإشارة أخرى، ويصفه بصفات باطلة، وممّا قاله فيه:


يا راكباً أما مررت بـ (جلّق)(3)فابصق بوجه (أمينها) المتزندق(4)

ولم يكتف بذلك فقط، بل شنّ حملة شعواء على كلّ المؤيّدين والمناصرين للسيّد الأمين، فأخذ ينهال عليهم بالطعن والاتهامات الباطلة، حتّى وصل به الأمر إلى أن تجاسر على المرجع الديني الكبير السيّد أبي الحسن الإصفهاني ؛ لأنّه أيّد السيّد الأمين.

>فشنّ عليه غارة واسعة عنيفة بكلّ معنى العنف، ولم يترك لوناً من ألوان الزراية بالكناية والتصريح إلاّ وصبغ به السيّد أبا الحسن من فوق المنابر التي كان يرقاها، فكان يتصرّف من فوقها تصرّف المالك، ويميل بها

____________

1- هكذا عرفتهم ١: ٢٠٨.

2- البابليات ٤: ١٣٣، أدب الطفّ ٩: ٢٠٤.

3- جلّق: دمشق، معجم البلدان ٢: ١٥٤ «جلّق».

4- هكذا عرفتهم ١: ٢٠٨.


الصفحة 592
أنّى شاء، بما كان يملك من مقدرة وموهبة وجرأة رفعته إلى أعلى الدرجات في سماء الخطابة والبلاغة<(1).

فأصدر السيّد أبو الحسن الإصفهاني فتوى حرّم بها الاستماع لقراءة السيّد صالح الحلّي، فأرخ ذلك الشاعر الشيخ علي بازي قائلاً:


أبو حسنٍ أفتى بتفسيقِ (صالحٍ)قراءته أرّختها (غير صالح)(2)

وقال أيضاً يهجوه


مُذ تردّى الشقيّ بالغي جهلاًوإمام الزمان طُراً جفاه
قلتُ: يا من قد أرخوا (أحقيققد رمى الله صالحاً بشقاه)(3)

علماً بأنّ السيّد محسن الأمين أثنى على السيّد صالح الحلّي في رسالته >التنزيه< قائلاً:

>ولا ننكر أنّ فيهم ـ أي الخطباء ـ الفضلاء الكاملين الذين يفتخر بأمثالهم، وقليل ما هم، كالسيّد صالح الحلّي، خطيب الذاكرين ومفخرة القارئين وأمثاله<(4).

ويقول الأستاذ جعفر الخليلي نقلاً عن السيّد الأمين عند زيارته في دمشق: > وأذكر في ما أذكر أنّه قال لي ما مضمونه : إنّ السيّد صالح الحلّي

____________

1- هكذا عرفتهم ١: ١٠٨.

2- شعراء الغري ٦: ٣٦٩، هكذا عرفتهم ١: ١١١.

3- شعراء الغري ٦: ٣٦٩.

4- التنزيه لأعمال الشبيه (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ٣٥:٥.


الصفحة 593
هو أحسن خطيب عرفته المنابر الحسينيّة، وأنا أودّ أن نعدّ الخطباء على غراره إذا ما أردنا أن ننبّه الناس ونوجّههم توجيهاً صحيحاً، أمّا موقفه ضدّ الحركة الإصلاحية وضدّي أنا، فله تفاسير اُخرى لا يجوز أن تصدّنا عن قول الحقيقة<(1).

ونذكر هنا نصّ هذه المقالة، وهي:

____________

1- هكذا عرفتهم ١: ٢١٤ ـ ٢١٥.


الصفحة 594

رسالة إلى السيّد صالح الحلّي

(لا يدفع للمصلحين العمل غير الإحساس بالاحتياج، فإظهار العيوب وكشفها ضروريّ لتوليد هذا الإحساس) >جعفر الخليلي<.

اسمع يا سيّد صالح.. كلانا ممثّل: أنت على المنبر، وأنا على صفحات الجرائد.

أنت تُضحك الناس وتبكيهم، وأنا أضحكهم وأبكيهم.

أنت تقول ولا تعمل، وأنا كذلك أقول ولا أعمل.

إذن نحن متشابهان في كلّ شيء.

أنت تصيح وتحرق كبدك وتتحمّس فوق المنبر فتصفق يداً بيد، وأنا أكتب هادئاً صامتاً بدون أن أشعر بأيّ تعب ممّا تشعر به أنت.

أنت تخطب فتثير خطاباتك ـ كما يقولون، أمّا أنا فلا أعترف ـ في الناس حماساً، ولكنّه حماس وقتي يتضاءل بتضاؤل الصوت في تموّجهاته.

وأنا أثير الناس، فيبقى أثري مكتوباً على صفحة التاريخ، ويتجدّد كلّ ساعة، ويُقرأ في كلّ آن ولو بعد خمسة قرون.


الصفحة 595
أنت تشتم العلماء وتسبّهم، وقد سلف لك أن شننتَ الغارة على كلّ من آيات الله ونوابغ عصرهم: الملاّ كاظم الخراساني، والسيّد محمّد كاظم اليزدي، والشيخ الخالصي، والسيّد إسماعيل الصدر، والسيّد أبو الحسن الأصبهاني.

وأنا أقدّس العلماء، وأدافع عن كيانهم، وأذبّ عنهم . فقد تكذّبني فأقول لك : إنّه لم يحن وقت تجربتي بعد، أمّا أنت فقد اجتزت الامتحان ولله الحمد.

أنت ترتقي المنبر، وكلّ أحاديثك تحوم حول أغراض ـ لا أقول: دنيئة ـ فتعظّم من تريد، وتحطّم من تشاء، بحسب أهوائك، وفي كلّ يوم لك هوى . وتنزل من على المنبر، وقد مرّت عليك ساعة لم تصرف منها إلاّ دقيقتين في ذكر الحسين (عليه السلام)، و٥٨ دقيقة في ذكر مثالب وشرح عيوب بعيدة عن الحقّ بُعد السماء عن الأرض.

وأنا لا أصرف من وقتي في الأسبوع غير بضع دقائق، أحارب فيها انتشار الخمور، وأطارد القمار، وأدعو إلى إصلاح العيوب بوصفها.

شتّان بيني وبينك يا سيّد!

يدخل الرجل الغريب إلى مجلسك، فيسمع بأحاديثك ما أكتبه عنك أنا، فيزول ما علق بذهنه منك، ويعرف ممّا يطالع إنّك لا تمثّل أحداً، ولا تعبّر عن أفكار هؤلاء الناس.


الصفحة 596
فأنت تُسيء إلى سمعة النجف بتصرفاتك، وأنا اُعلّي من شأنها بالتعريض بك.

أنت تفتق يا سيّد صالح، وأنا أصلح يا مولاي.

ها إنّ جميع من حضر مجلسك فـي أيام مـحرّم من الموظّفين الأجانب ـ وقد حضرها كثيرون ـ كانوا يعتقدون أنّ تعريضك بالتاريخ ـ ذلك التعريض الذي يتم على فكرة إيقاد نار البغضاء والمشاحنة في نفوس طوائف المسلمين ـ كان صورة لمعترك النجف.

أمّا اليوم وقد صدرت الجريدة غير راضية عنك، جعلت هذا القسم من الحضّار يقنعون أنّ ما كنت تقوله لا يمثّل إلاّ نفسك، فضلاً عن أنّه لا يرضي جميع الناس.

أفيرضى الناس أن تقول عن النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) مثلاً: إنّه كان أصلع، ثمّ تُفّسر للناس هذا الصلع بهذه الكلمة : >يعني أكيرع<.

لا تلم ـ يا مولاي ـ صاحب المشاهدات إذا قال: >قلّة أدب<، أفهكذا يجب أن يُنعت النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) بـ >الأكيرع<؟!!

لا أعرف أن أشتم، ولكنّي أعرف أن أنتقد.

أمّا أنت فلا تستطيع أن تنتقد، بل أن تشتم، فالبون شاسع بيني وبينك.

أنت تريد أن تهاجم من لم يذكر إلاّ كلماتك، ولم يعلن غير ذنبك، فتعجز عن مهاجرته بالحجّة وتكبر قوته، فتنهال على صاحب هذه الجريدة


الصفحة 597
بالشتم. وإذا صدقت فوجّه بشتمك عليَّ وإليَّ، أنا لا أقابلك إلاّ بوصف مجلسك وذكر أحاديثك، جواباً لما تقذفني به.

وإلاّ فشنّك الغارة على مدير الجريدة ـ وأنت العليم بأنّه مهما بلغ أمرك ما بلغ، فإنّه لن ينزل إلى منازلتك ـ عار كبير وعيب عظيم . فتعال إليَّ إذا كنت قد (بعت وخلّصت) صحيحاً كما تقول، لأكتب تاريخك بقلم أتعهّد لك أن لا تشوبه بذاءة وقلّة احترام، فهل تجيء؟ أرجوك تعالَ... أنت بالمقوار وأنا بالدليل، لنرى من منّا أسطع برهاناً، فهل تجيء؟

أنتظر منك أحد أمرين:

إمّا أن تعلن الاستغفار وتتوب للمرّة الثالثة، وقد تبت مرّتين قبلاً على إثر شتمك حجّة الإسلام الأصبهاني ومروقك من واجبات الدين، فيعفو عنك الله والله توّاب كريم.

وإمّا أن تظلّ مستمراً على هذا الحال، من عدم احترامك للنبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) ومنبر الحسين (عليه السلام)، ولعلّ الله قد كتب الانتقام منك على يدي، ويدي طويلة في إظهار الحقّ، فأدعوك مرّة أخرى ومرّات : ستهاجم؟ أم تتوب؟

تعليق جريدة الفجر الصادق:

لا نعرف إذا كان هناك شيء يُسمّى بالشتم غير هذا، والمرجو من مندوبنا أن يغيّر لهجته في الأعداد القادمة، ولا يذكر غير أقوال السيّد صالح مجرّدة من الحواشي، فأقوال الرجل وأعماله عنوان شخصيّته.


الصفحة 598

(١١) رسالة السيّد محمّد الحسنيّ البغداديّ

عبارة عن جواب لرسالة، وجّهها بعض المؤمنين إلى السيّد محمّد الحسني البغدادي (ت ١٣٩٢ هـ )، الذي كان آنذاك أحد العلماء في النجف الأشرف، يسألونه فيها عن حكم بعض الشعائر الحسينيّة مثل: التطبير، واللطم، والضرب بالسلاسل، والشبيه بأنواعه، والضرب ببعض الأدوات الموسيقيّة، واقتحام النار، وخروج المواكب العزائيّة إلى الشوارع.

ومن الجواب يظهر أنّه أثيرت في ذلك الوقت وقبله، عدّة أسئلة عن شرعيّة بعض هذه الشعائر. فأجاب السيّد البغدادي سائليه بجواب واضح، يؤيّد فيه إقامة هذه الشعائر ويؤكّد على رجحانها واستحبابها مؤكداً، بل ربما وجب ذلك مع خوف الإهمال وخشية الاندراس.

واستشهد في رأيه هذا بقول العلّامة الشيخ عبد الله المامقاني (ت١٣٥١هـ): >لو أفتى فقيه متبحّر بوجوبها كفاية في مثل هذه الأزمنة، التي صمّم جمع على إطفاء نور أهل البيت (عليهم السلام)، لا يمكن تخطئته<.


الصفحة 599
وردّ ـ في جوابه هذا ـ على المشكّكين بشرعيّة هذه الشعائر بأنّهم من المنحرفين عن الدين، وأهل الفتن، الذين صمّموا على تشويه هذه الشعائر وتنفير الناس عنها.

علماً بأنّ تأريخ هذا السؤال وجوابه، كان في شهر محرّم سنة ١٣٨٥هـ، أي بعد الحركة العلميّة الثقافيّة المتعلّقة بالشعائر الحسينيّة بعدّة عقود، لكن يظهر من هذا الجواب وغيره من القرائن الاُخرى أنّ آثارها كانت باقية لذلك الوقت، لذلك قمنا بنشرها في هذه المجموعة، دون غيرها من الرسائل المتعلّقة بالشعائر الحسينيّة.

وقد اعتمدنا في نشر هذه الرسالة على مصوّرة المخطوطة التي عثرنا عليها مؤخّراً، وقد أثبتناها كما هي دون أيّ تغيير فيها.

والسيّد محمّد الحسنيّ البغداديّ، لم أعثر على ترجمته في المصادر المتوفّرة لدينا، التي بحثنا فيها على عجالة، ووجدت بعض المعلومات عنه في أحد المواقع الإلكترونية يقول فيه:

ولد السيّد محمّد الحسني البغدادي في النجف الأشرف في شهر رجب عام ١٩٢٨هـ، في بيت عرف منذ قرون متطاولة في التأريخ، بأنّه بيت علم وأدب وفقه وتقوى.

يرجع نسبه إلى موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .


الصفحة 600
درس عند مجموعة من الأعلام، منهم: والده السيّد صادق البغدادي، والآخوند الملّا كاظم الخراساني، وشيخ الشريعة الإصفهاني، والسيّد محمّد سعيد الحبوبي، والشيخ علي ابن الشيخ باقر ابن صاحب الجواهر، والميرزا النائيني، والشيخ أقا ضياء العراقي.

له عدّة مؤلّفات، منها: بغية الطلّاب ـ وهي اُرجوزة في النحو ـ واُرجوزة في الصوم والاعتكاف والخمس، واُرجوزة في نسبه الشريف، ووجوب النهضة، وحاشية وتعليق على كتاب العروة الوثقى، والتحصيل في أوقات التعطيل، ورسالة عمليّة لمقلّديه.

توفّي في النجف الأشرف سنة ١٣٩٢هـ، ودفن فيها.

والنصّ الكامل لهذا السؤال وجوابه، هو:


الصفحة 601
الصفحة السابقةالصفحة التالية