المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 586 - ص 615)

بسمه تعالى(1)

ما يقول سماحة الإمام المجاهد آية الله العظمى السيّد محمّد الحسنيّ البغداديّ النجفي، أيّد الله به الإسلام ومتّع المسلمين بطول بقائه، بمحمّد وآله(صلى الله عليه وآله و سلم) ، في التطبير بالسيوف والقامات، واللطم على الصدور، والضرب بالسلاسل على الأكتاف والظهور، والشبيه بأنواعه، والتشبيه بالنساء، والدمام والنقارة والطوسي ونحوها، واقتحام النار كما في بعض الأقطار، وجمع المواكب واستطراقها في الشوارع، وحمل المشاعل بينها؟ أفتونا مأجورين.

عن جماعة من المؤمنين

____________

1- في بداية السؤال وردت عبارة: «نصّ فتوى زعيم الطائفة الجعفريّة الإمام البغدادي، أدام الله ظلّه على رؤوس المسلمين، بتشجيع الشعائر الحسينيّة».


الصفحة 602

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

قامت ضرورة الإماميّة على مزيد اعتنائه تعالى وأنبيائه وملائكته بواقعة الطفّ قبل وقوعها، فلا ريب في جواز كلّ ما يصنع في عزاء الحسين (عليه السلام) ممّا فيه تهييج العبرة والبكاء والدمعة والصراخ والعويل، وما فيه الحزن والجزع؛ إظهاراً وتشديداً ونحوهما.

بل كلّ ما يوجب مزيد الاهتمام والاجتماع ولاسيّما في الشوارع العامّة.

بل كلّ ما يوجب تعظيم الشعائر الحسينيّة وتشجيعها، ولاسيّما ما يوجب زيادة التشنيع على أعدائهم، ومَن كان مِن أتباعهم، بل لا ريب في رجحان ذلك واستحبابه استحباباً مؤكّداً.

بل ربما وجب ذلك مع خوف الإهمال وخشية الاندراس، ولاسيّما في هذا الزمان الذي اتّسع فيه الجهل والشبهة وأنواع الضلال والفتنة.

هذا وقد شاهدنا العلماء مدّ ظلّهم جميعاً إمضاءً وإفتاءً على تشييد الشعائر الحسينيّة وتقويمها، بلا إنكار على مقارناتها من المنافيات في زعم


الصفحة 603
بعض المفتونين، كما أنّا شاهدناهم قبل سبعين سنة على مساعدة القائمين بها وليومهم هذا.

ولشيخنا الأعظم المامقاني (قدس سره) كلمة >لو أفتى فقيه متبحّر بوجوبها كفاية في مثل هذه الأزمنة، التي صمّم جمع على إطفاء نور أهل البيت، لا يمكن تخطئته<(1).

هذا، ولازال الأمر كذلك حتّى جاء هذا الزمان، وشاع بين أهله الجهل والافتنان، بادر بعض المفتونين إلى الشعائر والقضاء عليها؛ بدعوى تنزيهها عن المنافيات.

ونحن نتّهم مثل هذا بانحرافه عن الدين، واندراجه في المفتونين؛ والدليل على ذلك هو أنّه لو كان همّه الدين وإنكار المنكر، لأنكرَ المنكرات الشنيعة الشائعة في زماننا.

ألا ترى الأرضَ قد امتلأت منها؟! فما وجه الانصراف عنها مع وضوح شناعتها وشيوع ارتكابها، بل وثب هذا المفتون على الشعائر منتهزاً الفرصة للقضاء عليها.

هذا وقد صمّم أهل الفتنة تشويهاً وتنفيراً وتشنيعاً على ذلك، حتّى قال قائلهم: >إنّا أصبحنا في أنظار أعدائنا وأهل الضلال مسخرةً يهزأ بها<.

والجواب: إنّ كفّار قريش استخفّوا برسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) في دعوته للتوحيد، وصلاته في البيت. هذا مع أنّه لم يزل مستمرّاً على عمله، ولم يكن منصرفاً عمّا دعا إليه.

____________

1- المواكب الحسينيّة (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ١ : ٢٠١ .


الصفحة 604
هذا مع أنّ للشعائر أثراً في الدين، ولم يكن في غيرها، وهذا هو الوجه في انتقادها.

وأمّا اقتحام النار، فقد أفتى جماعة من علماء العصر بالجواز، والقواعد العلميّة تناصرهم. وهذا لم يكن في العراق، وإنّما كان في إفريقيا، واهتدى بذلك جمع كثير كما نقل هذا.

ولمَ لمْ يكن اقتحام النار معجزةً لسيّد الشهداء (عليه السلام)؟! كما كان الأمر لإبراهيم (عليه السلام)، وإنكار معاجزهم (عليهم السلام) كإنكار معاجز الأنبياء (عليهم السلام) ، فمن الغريب التشنيع على ذلك من بعضهم، والله الهادي لعباده والموفّق.

محمّد الحسنيّ البغدادي

بتأريخ ١١ محرّم ١٣٨٥ هجريّة


الصفحة 605

(١٢) رسالة وزير العدل السابق السيّد حسين الصافي إلى الرئيس العراقي السابق أحمد حسن البكر

هذه الرسالة وإن لم يكن لها ارتباط مباشر برسالة >التنزيه<، إلّا أنّها تؤرّخ لفترة زمنيّة صعبة، مرّ بها الشعب العراقي الكريم من أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، وهي الفترة التي سيطر فيها حزب البعث العربي الاشتراكي على الحكم في العراق، ابتداءً من السابع عشر من شهر تموز سنة ١٩٦٨م.

ففي الأيام الأولى لسيطرة هذا الحزب على مقدّرات العراق ـ ولاحتياجه لدعم كافّة طبقات الشعب، على اختلاف مذاهبهم وقوميّاتهم ـ قام بدعم الشعائر الحسينيّة، والحسينيّات، والمواكب العزائيّة والهيئات.

وأتذكر جيداً آنذاك ـ وأنا في بداية العقد الثاني من عمري ـ السيّد عبد الرزاق الحبوبي، قائمقام النجف الأشرف، يزور الحسينيّات والهيئات، ويقدّم لهم الدعم المادي كهدية من الرئيس العراقي أحمد حسن البكر.


الصفحة 606
لكن ما إن قويَ هذا الحزب، وتخلّص من بعض معارضيه السياسيّين، حتّى كشّر عن أنيابه، وأظهر أفكاره الإلحاديّة، فحارب الشعائر الحسينيّة، ومنع خروج المواكب، وضيّق على الخطباء وأصحاب الهيئات.

فعارضه أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، بوسائل مختلفة من المعارضة، وكانت انتفاضة صفر الخير سنة ١٩٧٧م، إحدى أشكال تلك المعارضة، إذ خرج الكثير من أهالي مدينة النجف الأشرف، بمواكب عزائيّة، متوجّهين إلى كربلاء المقدّسة مشياً على الأقدام، متّحدين السلطة البعثية التي منعت من الذهاب إلى كربلاء في العشرين من شهر صفر.

وقد واجه رجال الأمن والشرطة المدجّجين بالسلاح، المتظاهرين العزّل، وألقوا القبض على الكثير منهم في >خان النخيلة< القريب من مدينة كربلاء المقدّسة، وأودعوهم في سجون الأمن العام وسجن رقم واحد في معسكر الرشيد في بغداد، وحكموا على قسم منهم بالإعدام، وعلى آخرين بالسجن المؤبّد، وتمّ الإفراج عن الباقين.

وكان لنا شرف المشاركة في هذه الانتفاضة الحسينيّة المباركة، وتمّ اعتقالنا وتوقيفنا في معسكر الرشيد في سجن رقم واحد، ثمّ الإفراج عنّا.

وهذه الرسالة تشير إلى تلك الأعمال المخزية، وذلك المنهج العدائي من حزب البعث تجاه الشعائر الحسينيّة، كتبها أحد رجال حزب البعث آنذاك، السيّد حسين الصافي النجفي، الذي تسلّم عدّة مناصب في الدولة: كمحافظ الديوانية، ووزير العدل.


الصفحة 607
والرسالة موجّهة إلى الرئيس العراقي في تلك الفترة أحمد حسن البكر.

تحتوي هذه الرسالة على عتاب من كاتبها إلى المخاطب بها البكر، ويُستشعر منها أنّ الرئيس العراقي لم يكن مطّلعاً على منع الحكومة للشعائر الحسينيّة!!! وهذا الأمر عجيب من السيّد الصافي! علماً بأنّ الحكم بإعدام شباب انتفاضة صفر الخير سنة ١٩٧٧م كانت بإمضاء البكر، وكذلك باقي أحكام السجن.

وقد بعث إلينا هذه الرسالة مشكوراً، الأخ الفاضل المحقّق الشيخ أحمد الحلّي حفظه الله ورعاه، وهي موجودة في كتاب >الوافي في أحوال السيّد الصافي< لكاتبه السيّد محمود الصافي النجفي، الصفحة ٢٢٤ ـ ٢٢٧، الطبعة الأولى سنة ١٤٣٧هـ .

وكتب عبد الإله الصائغ، مقالاً في موقع >كتابات< بتأريخ ٢٤ تشرين الأوّل سنة ٢٠١٤م، ترجم فيه صديقه السيّد حسين الصافي، قائلاً:

>السيّد حسين ابن العالم المرحوم السيّد محمّد رضا الصافي.

يعدّ السيّد حسين من أعلام اُسرة الصافي، ورجال القانون والقضاء والسياسة والأدب في العراق.

أبصر النور في مدينة النجف عام ١٩٢٤، وقد حرص والده على تنشئته وتثقيفه، فدرس الابتدائية والمتوسطة، وبعد المتوسطة وجّهه أبوه نحو دراسة العلوم الدينيّة، جرياً على نهج بيت الصافي، ثمّ ألبسه العمّة في


الصفحة 608
احتفال دعا إليه العلماء والشعراء، وقد ألبسه العمّة الشيخ عبد الكريم الجزائري؛ تيمّناً بيده الكريمة.

فبدأ دراسته على العلّامة السيّد محمد أمين الصافي، ثمّ العلّامة الشيخ عبد الكريم الشرقي، ثمّ العلّامتين الشيخ حسين آل زاير دهام والشيخ محمّد الشيخ راضي، وكان مسك الدرس الدينيّ على العلّامة الأديب الشيخ سلمان الخاقاني، مفتي المحمّرة وقتذاك.

وفي سنة ١٩٤٢ توفّي والده فتحمّل عبئ العائلة، فاهتمّ برعاية أخويه السيّد فاتك الصافي والسيّد محمود الصافي، وقد كابد من ضيق ذات اليد ممّا حدا به إلى ترك الدراسة الدينيّة والتماس الدراسة النظامية، فأكمل الإعدادية طالباً خارجيّاً معتمّاً، ممّا أهّله للقبول في كليّة الحقوق، فترك زيّه الدينيّ وارتدى الزيّ الغربيّ (الأفندي)، وتخرّج في الحقوق ضمن كوكبة الأوائل عام ١٩٥٤ ـ ١٩٥٥ وقرّر العودة إلى النجف لفتح مكتب للمحاماة.

وكان ذا ميول قوميّة عروبيّة، وقد سجن وطورد في العهد الملكي، كما سُجن وطورد بعد ثورة ١٤ جولاي ١٩٥٨ وسقوط العهد الملكي، وبأمر من عبد السلام عارف ـ خلال ما يعرف بردّة تشرين ـ اعتقل السيّد حسين وأوقف في موقف العبخانة ببغداد.

ثمّ اُبعد إلى السليمانيّة، وفرضت عليه الإقامة الإجباريّة عدّة أشهر، بعدها اُطلق سراحه، وخلال عودته إلى بغداد اُلقي القبض عليه واعتقل في


الصفحة 609
المعتقل العسكري بمعسكر التاجي، ليمضي فيه ثمانية أشهر قبل إطلاق سراحه، وبعد انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ عُيّن متصرفاً للواء الديوانية.

وبعد انقلاب ١٧ تموز ١٩٦٨م، استلم عدّة مناصب، آخرها عيّن وزيراً للعدل سنة ١٩٧١م، واستقال من الوزارة سنة ١٩٧٣م، فترك العمل السياسيّ، وتفرّغ للعمل الحرّ، مات سنة ١٩٨٧م، إثر حادث تصادف<.


الصفحة 610

بسم الله الرحمن الرحيم

السيّد الرئيس أحمد حسن البكر المحترم...

لعلّ خير ما أستفتح به رسالتي إليك، هو الدعاء لك بأن يعمر الله قلبك بالإيمان، وأقول: إنّي وإن كنت خارج الحزب برغبتي، أجدني ملزماً بالذي أكتبه إليك، وكنتُ أتمنّى أن يكتب لك غيري في هذا الشأن؛ لأنّ الكتابة بهذا الأمر تُقطّع نياط قلبي، ولكن:


إنّي لأفتح عَيني حين أفتحُهاعلى كثيرٍ ولكن لا أجد أحداً(1)

حيث إنّي لا أدري أين أنت الآن من هذه الغمامة الكالحة(2)، التي أطلّت علينا كأنّها تُريد أن تقذف البلد بحجارة من سجيل(3)، الغمامة التي

____________

1- البيت للشاعر دعبل الخزاعي (ت ١٤٨ هـ )، والبيت الذي قبله هو:

ما أكثر الناس بل ما أقلّهموالله يعلم أنّي لم أقل فندا

2- أي الشديدة. انظر الصحاح ١ : ٣٩٩ «كلح».

3- {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} (هود/٨٢).
{فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} (الحجر/٧٤).
{تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} (الفيل/٤).
والسجّيل: حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، مكتوب عليها أسماء القوم. الصحاح ٥ : ١٧٢٥.


الصفحة 611
احتوت تضاعيفها فتنة الطائفيّة، وحملت بين طيّاتها الفرقة بين الشيعة والسُنّة؛ لتمزّقنا وتذهبنا كعصف مأكول(1).

وإلّا، أيّ حادث أو جديد في العراق: السُنّة أم الشيعة ؟! وهل أمر جديد أن يتعلّق الشيعة بمقدّساتهم، ويمارسوا شعائرهم، أو يعظّموها؟! حتّى يصار إلى كفّهم عنها، وإلى حبسهم وضربهم سبيلاً للإقلاع عنها.

إنّ تلك الإجراءات غير موفّقة، وتلك ظاهرة مشينة ومرفوضة.

الناس ـ يا سيادة الرئيس ـ بدأت تحرّك ألسنتها بالعتب عليك، ولا يرضيها أنَّ تجاوز ومصادرة الحرّيات الدينيّة والمذهبيّة تقع هنا وهناك، وهي في غيبة عن درايتك واطلاعك.

تباح للسُنّة خطبها، ويباح لها الذكر في بيوتها؟!

تجوز للموسويّة والمسيحيّة والصابئة كلّ خرافاتها؟!

حلال للمسيحين أن يرقصوا على كلّ الأرض في أعيادهم، وحرام على الشيعة أن يمشوا في الأرض وبوقار لزيارة الحسين (عليه السلام)؟!

____________

1- {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} (الفيل/٥).
كعصف مأكول: أي كزرعٍ قد اُكلَ حبّه وبقي تبنه. الصحاح ٤ : ١٤٠٤ «عصف».


الصفحة 612
وهذا هو الخارج: في الاتحاد السوفيتي ـ مهبط الإلحاد ـ عودة للروحيّات، اُذن بالسفر للحج، بناء مساجد وكنائس وإباحة للصلوات فيها؛ إدراكاً من قادته بأنّ العقيدة الروحيّة قدر لازم لكلّ إنسان.

وهذه الهند ـ بلد العراقة والحضارة ـ ما فتئت الأديان فيها والمذاهب متجاورة متحابّة، وما زالت البقرة عندهم ربّاً، والعالم عن حزبها الحاكم لا يعترض على سبيل عبادها من السجود لها.

وليقيني يقين بأنّ سبط الرسول الإمام الحسين (عليه السلام) أجلّ وأشرف ممّا يتعلّق به الآخرون.

إذن فما بالنا نحن في العراق، نُحمّل الأمور فوق طاقتها، ونقحم أنفسنا بما تأباه طبيعة الأشياء ونواميسها؟!

هذا غيض من فيض ممّا يطفوا على الشفاه، ويهمس به في الآذان سيادة الرئيس!

إنّ لدى الشيعة في العراق افتراض، أنّ حكم البعث لم يدنو من التفكير يوماً إلى التحرّش بما هم فيه يؤمنون، أو بما يشكّل لهم مطاعن في عقائدهم؛ ولأنّهم جزء عريض من مادّته وركن من قاعدته.

ولا أخال بأنّ بالك قد غرب عن أيام أكفؤا فيها عن حكمي العارفين(1)، وأوجعوهما قرعاً وتأنيباً في منتدياتهم واحتفالاتهم ومواكبهم العزائيّة التي مُنعت الآن؟! وما ذاك من الشيعة ساعتها غير طائفيّة ذينك الحكمين.

____________

1- أي: عبد السلام عارف، وعبد الرحمن عارف.


الصفحة 613
ثمّ أسئلة تبعث كالبراكين: أين الرئيس إذن عن هذا العجيب الغريب؟!

ووقائع الأحداث تجيب وبوضوح، إلى أنّ نفراً هو الذي يخطّط لمثل هذه الويلات، والسيّد الرئيس لا يعرف، لا ولم يطّلع على مظاهرات النجف قبل أيام، ولا عن الوجوم والاحتجاج بصمتٍ رهيب على ما يدور حول الشيعة في كلّ مدنهم وحواضرهم.

وإنّه لِما ريب فيه بأن ليس في العراق غير السُنّة، وما الشيعة في حسابه سوى فلول أعاجم وشراذم من شعوبيين تتقاذفهم الدروب. مَنْ هم وما عساهم فاعلون! أقسروهم ليصوموا، وأجبروهم ليفطروا، وأزجروهم لينتهوا عن زيارة الأربعين.

وبعد ما كان له ما أراد، نام ليستمرئ إغفاءة الضحى، وعنده كلّ شيء على ما يرام.

إنّ ذلك لشيء يؤلف من منطق هذا النفر، تجده حركة ناشطة ودؤبة، أأمل أن لا يكون أخطبوطاً قد اشتملها، أو ثُعباناً من ثعابين الاستعمار، قد ازدردها ليتقيأها أفكاراً حساناً تبهر السامعين، أو لينفثها سموماً تفوح منها رائحة العنبر، ثمّ لا تلبث هنيهة حتّى تُحيل البلد إلى رماد تذروه الرياح.

أأمل أن يكون ما كان نزوة عاطفة، أو مرده جهالة، إذ لربّ جهلٍ هنا أشرف من علم.

على أيّ حال يا سيادة الرئيس، أأمل أن تنصب لفتنة هذا النفر الجاهل عارضك القوي وقلبك المتين، نوّره بما استخلصته من التاريخ.


الصفحة 614
اروِ له بأنّ العراق بقدر ما هو بلد النهرين، فهو مستقرّ المذهبين.

ذكّره بأن ضريح الحسين (عليه السلام) قد حرث فيما غبر من سالف الدهر وأغرق بالأمواه(1)، لكنّه ما لبث أن عاد عالياً تغرورق في كلّ يوم جنباته بالدموع، وحسب علمي بأنّك من زوّاره، فقد زدتَ على ذلك بأن نقّبت عن ذراريه وفتّشت عن أولاده وأحفاده، حتّى رحت إلى قبر الحمزة(2)، فعمّرت قبره، عمّر الله قلبك بالإيمان.

____________

1- في الصحاح ٦ : ٢٢٥٠ «موه» : الماء : الذي يشرب، والهمزة فيه مُبدلة من الماء في موضع اللام، وأصله مَوَهٌ بالتحريك؛ لأنّه يجمع على أمواهٍ في القلّة ومياهٍ في الكثرة، مثل جملٍ وأجمالٍ وجمالٍ.
وقال ابن الأثير في تأريخه (الكامل في التأريخ) ٧ : ٥٥ في أحدات سنة ٢٣٦ هـ : «وفي هذه السنة أمر المتوكّل بهدم قبر الحسين بن علي(عليهما السلام)، وهدم ماحوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع قبره».

2- هو أبو يعلى الحمزة بن القاسم بن عليّ بن الحمزة بن الحسن بن عبيد الله بن أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (ت ٢٩٥ هـ ).
يقع مرقده الشريف في مدينة المدحتيّة جنوب الحلّة التي تبعد تقريباً مئة كيلومتر جنوب العاصمة العراقية بغداد.
والمشهور والشائع بين عموم الناس، أنّ الرئيس العراقي السابق أحمد حسن البكر كان مصاباً بمرض السرطان، وفي إحدى زياراته لمدينة بابل، مرّ على مرقد الحمزة، وسأل عنه، فأخبر بنسبه، وأنّ الناس يطلبون قضاء حوائجهم من الله في مرقده المبارك، فنذر البكر إن شافاه الله من مرضه هذا، فإنّه سوف يعمّر هذا المرقد، وفعلاً فقد استجاب الله دعاءه وشافاه ببركة هذا المولى الجليل، فقام البكر بعدّة زيارات لمرقده، وأمر بتوسعة بنائه، وتشييد منارة عالية.


الصفحة 615
ثمّ حذّرهم من مغبّة ذلك على الوطن، فو الله ما خالجني شكّ بأنّها لمصيبة هذه التي أخذت بالاقتراب منه والدنو إليه، ولتلك طامة فيما أحسب آتية، لتمشي فيه نتائجها الوخيمة مشي النار في الهشيم(1)، وساعتها ستتحوّل أجهزة الدولة إلى تجمّع متنافر، ترتجف كفّ ذراع كلّ واحدٍ فيه من حمل السلاح، ارتجاف أكفّ المتردّدين والمرتدين.

وليكن في حكمتك ونفاذ بصيرتك ما تمسح به الذي علق في أذهان الكثيرين، وأرى المدخل رجحاناً أن تأمر بفكّ المنع عن المواكب المعتادة قصد النجف في وفاة النبي(صلى الله عليه وآله و سلم) ، التي يومها الثامن والعشرين من صفر الجاري، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حسين الصافي

٢٤/٢/١٩٧٦

____________

1- الهشيم من النبات: اليابس المتكسِّر، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف شاء. الصحاح ٥ : ٢٠٥٨ «هشيم».


الصفحة 616
الصفحة السابقة