المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 61 - ص 90) أمّا قيمته الأدبيّة: فإنّنا نتعرّف عليها ممّا نظم أو نثر، وسيأتي بحث ذلك عندما نتعرّض لنثره وشعره.


الصفحة 62

نتاجه العملي والأدبي

وفيه مؤلّفاته العلمية والأدبية:

أمّا عمله الأدبي، فإنّه ينحصر في هذه المؤلّفات، وهي تنقسم بشكل عام : إلى كتب تخلص للعلم، وأخرى تتمحّض للأدب.

أمّا ما كان علمياً خالصاً فهذه قائمته:

١ـ المواهب السنيّة في فقه الإمامية، وهو كتاب فقهي صنّفه في العراق.

٢ـ الشذرات في مباحث العقود والإيقاعات، وهو كتاب فقهي أيضاً.

٣ـ تقريرات أستاذه المرحوم الميرزا حسين الخليل في مباحث الإجارة والوصيّة والقضاء.

٤ـ حاشية على قوانين الأصول.

٥ـ أجوبة مسائل متنوّعة، منها: المسائل الرافعيّة الطرابلسيّة.

٦ـ رسالة سيماء الصلحاء في إقامة المآتم الحسينية، وهذا الكتاب، رغم أنّ مؤلّفه حاول أن يكون علميّاً إلاّ أنّه جاء فيه وعليه مسحة تاريخيّة وأدبيّة.

وأمّا ما كان أدبيّاً محضاً، فهذه قائمته:


الصفحة 63
أ) منظومة في مباحث الطهارة مع شرحها.

ب) منظومة يردّ بها على فتاوى مشايخ الوهابيين، تناهز الستمائة بيتاً.

ج) منظومة في الرّد على القسّ الحلبيّ صاحب كتاب (المشرع).

د) منظومة في المواريث، ولكن مع الأسف لم يبق منها إلاّ مقدار مائتين وثلاثين بيتاً في أربع عشرة صفحة، ويشير إلى تلف الباقي منها قولُه في آخر صفحة رقم ١٤ حيث يوجد في أسفلها، يشير إلى النظم بعدها بقوله: وجاء أيضاً.

هـ) ديوانه الشعري الذي يحتوي على الآلاف من شعره الخالد الساري في الآفاق، وقد طبع من ديوانه هذا جزءان: سقط المتاع، وعرف الولاء. وحسبنا من آثاره الأدبيّة ديوانه هذا للتدليل على مقامه ونتاجه الأدبيّين.

وكانت له (رحمه الله) يد في نظم التأريخ الأبجدي، ومن ذلك قوله وهو ممّا لم يثبت في ديوانه مؤرّخاً ولادة مولود لصديقه السيّد جعفر الحلّي، بأبيات لم يوجد منها سوى بيت التاريخ، وقد وجد هذا البيت في كتاب أدبيّ مخطوط عند الشيخ اليعقوبي سلّمه الله، وهو:


يا حافظ الذكر أرّخأرجوك حفظ محمد


الصفحة 64

أدبه

وفيه نثره وشعره

١ـ نثره:

ليس النثر إلاّ إرسال، أو سجع، أو مزاوجة، وما من قسم آخر يخرج عنها.

أمّا نثر الصادق، فقد لمسنا فيه الإرسال والسجع طابعاً غالباً، ولم نعثر على المزاوجة إلاّ بندور، وسيتّضح ذلك عندما نتعرّض لنقد كتابه >سيماء الصلحاء<.

وأمّا أسلوبه، فلم يكن فنياً، وليس فيه جديد مستحدث، إنّما هو نمط قديم، ماله في التجدّد من حظ، فهو لم يكن من الكتّاب الذين يعبّرون عن خلجات أنفسهم وأحاسيسهم بأرّق تعبير وأجمل لفظ بأسمى معنى.

وإذا لم يكن أسلوبه بمكان من الجمال، فهي ليست أوّل مؤاخذة نسجّلها عليه ؛ فإنّ ممّا أخذته عليه ذاتيّته في كثير من نقوده، ولستُ بقادر أن أقيّم كتبه واحداً واحداً ؛ إذ أنّها متعدّدة، وكبيرة ضخمة . وقد اخترت


الصفحة 65
منها >سيماء الصلحاء< مُقيّماً ذلك الكتاب حسب ما رأيت فيه خلال مطالعتي من رقيّ وانخفاض.

وسأحاول أعطاء صورة عن كتابه >سيماء الصلحاء< من وجوه ثلاثة، حسب التصنيف الآتي، وهو ما يلي:

أ) جودته.

ب) سجعه.

ج) نقده.

أمّا جودة الكتاب:

فينبئ الكتاب عن اطّلاع قيّم لمؤلّفه ؛ حيث استطاع أن يدلّل على ما أراده من تبنّي فكرة المآتم الحسينيّة ولزومها بأيام العرب وعاداتهم، وبما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من بكائه عند مقتل بعض أصحابه، وبخاصة عمّه حمزة أسد الله وأسد رسوله، وعقده مجلس النياحة، وكذلك بكائه على عمّه أبي طالب بيضة البلد، وبكائه على زوجته خديجة أمّ المؤمنين.

ودلّل أيضاً بأفعال الأئمة (عليهم السلام) وبكائهم، وبلّهم طعامهم وشرابهم بالدموع عند ذكر مصيبة الحسين (عليه السلام) ـ وبخاصة الإمام زين العابدين (عليه السلام) ـ وإقامتهم مآتم العزاء، وضرب الستور بين الرجال والنساء لسماع قراءة التعزية.


الصفحة 66
وقيام الشيعة بهذه الشعائر الحسينيّة منذ زمن الأئمة (عليهم السلام) ، واستمرارهم عليها بعد الأئمة في زمن الغيبة بمحضر من علماء السلف وصلحائه، ولم ينكروا ذلك، وهم من قد عرفنا في إنكارهم للمنكر وأمرهم بالمعروف.

وأمّا سجع الكتاب:

فقد جاء في كتابه سجع كثير، لا أدري ماذا حمله على ذلك، هل أنّه رأى أنّ بذلك تخويفاً وتهويلاً على خصمه؟

أم أنّه رغب بذلك ؛ لرواج الأدب المسجوع في أيامه التي عاشها؟

ومن سجعه قوله: >من فجائع الدهور وفظائع الأمور وقاصمات الظهور وموغرات الصدور<(1).

ويمكن الاعتذار عنه (رحمه الله)، بأنّه لَعَلَّ سوق الأدب المسجوع كان رائجاً في أيامه، ويشهد لهذا نظائره في ذلك العصر، أمثال >الدين والإسلام< للمرحوم الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.

وأمّا نقده العلمي:

فقد ذكرته في الفوائد المتقدّمة، في معرض البحث سابقاً عن المعركة الأمويّة والحسينية الآنفة الذكر، فلتراجع.

٢ـ شعره:

إنّ للصادق كثيراً من الشعر، قد أثار إعجاب معاصريه، فعدّوه من الرعيل الأوّل، بينما أنّ شعره في مستوى دون هذه المرتبة بكثير.

____________

1- سيماء الصلحاء (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ٤٧٩:٥.


الصفحة 67
ولَعَلَّ الباعث لإعجابهم، مقامه ومنزلته علميّاً واجتماعيّاً.

والذي يقرأ الكثير من قصائده يجد الحقيقة راهنة تتجلّى دونما حاجة إلى إمعان كثير.

ولا يعني ذلك أنّي ما قرأت الكثير من قصائده، فما كنت لأقول رأيي حتّى استوعبتها باباً، وقرأت أغلبها فتأكدت من صحة ما ذهبت إليه.

فهو نظم قد اصطبغ بطابع الشعر الكثير منه، وكلام موزون مقفّى، لم يبلغ جودة في صناعته، فروح العلم طاغية عليه، فهو يناقش المسألة، وكأنّه يريد أن يستوضح أصلاً من الأصول، أو يتعرّف على مسألة مبهمة . وسوف يبدو ذلك واضحاً من خلال عرض النماذج من شعره.

وهو عظيم في شاعريّته، يبدو ذلك في سرعة نظمه.

أمّا شعره، ففيه الضعف دونما قّوة، وفيه الانخفاض دونما رقيّ، وفرق بين شاعريّة الأديب، وما له من نظم.


الصفحة 68

نماذج شعره

وفيه أغراض الشعر وأنواعه

(١) أغراض الشعر:

أ) الدعاء:

ومن قوله، وفي البحر الوافر:


إلهي مَن لهذا العبد عونبيوم يجعل الولدان شيبا
سواك وهل تمسّ النار جسماًله قلب بحبّ الآل شيبا
فعفواً يا إلهي عن مسيءكساه وزره برداً قشيبا

وله شعر في بحور أخرى نظمه في الدعاء، فمنه ما جاء من البسيط قوله:


مولاي إنّ ذنوبي أوهنت كتفيوقصّرت خطوتي وَهناً وأعياءا
فمُنَّ في وضعها عنّي لاُكتب فيوفد المخفّين أثقالاً وأعباءا

ب) المديح:

من ذلك المدائح النبويّة، ومنها قصيدة البرق، وهي قصيدة طويلة، نظمها دون مجال لتصحيحها، حيث فاجأه الداء الذي توفّي فيه، فأثبت منها


الصفحة 69
ولَدُهُ في ديوانه ما استطاع أن يقرأ من أبياتها في المسوّدة، وهي من البحر الخفيف، وهذه بعض أبياتها:


ها هو البرق مرود من حديدبين جفنين من سما وصعيد
مرّ في محجري نهار وليلبين أهداب زين بيض وسود
سابقاً خفقها السريع اجتيازاًوبلوغاً إلى القصّي البعيد
خاطفاً في السماء مارد جانسارق السمع هارباً من وصيد
إن تكيّفه فهو مارج نارٍتتلظّى في غلفة من جليد
مُرجفٌ محرِقٌ معاً لامسيهبالأشدين صِرة ووقود
ذو لسانين عازفين ولكنذا بأمّ القفَا وهذا بجيد
ذا لهذا معير وسميعمنه فالمستفيد عين المفيد

والذي نأخذه عليها بالذات أنّه قطع في مقام الوصل، وهي خطأة سجّلت على المتنبّي، كما سجّلت على شاعر آخر في قوله:


ألا لا أرى اثنينٌ أحسنَ شيمةًعلى حَدَثَان الدّهر منّي ومن جُملِ(1)

فقد كرّر الصادق نفس الخطأة، إذ قال:


يتناجى الاثنان قاصٍ ودانٍفيه نجوى الملتف جيد بجيد

ولا يعني أنّ هذه هي المؤاخذة وحدها على ما في القصيدة من أبيات، فلسنا نقصد استقصاءها، ولم نحاول إحصاءها، إنّما نريد أن ننبّه على أنّ

____________

1- البيت لجميل بثينة، ُانظر ديوانه: ١٨٢.


الصفحة 70
هذه ممّا يؤخذ عليه بوصفه شاعراً. ولعلّنا نجد من العذر ما يبرّر هذه المؤاخذة، وهو أنّه كانت القصيدة لم يعن بتصحيحها حتّى يكون مؤاخذاً عليها.

وممّا قاله في النبيّ (صلى الله عليه وآله و سلم) أيضاً من البحر البسيط قصيدة جارى بها (بانت سعاد)، وهي قصيدة تبلغ أبياتها أكثر من مئة وعشرين بيتاً، وله غير هذا في باب المدح مقاطع وقصائد تناولَ فيه شخصيّات أهل البيت وغيرهم من كبار الصحابة بالثناء.

ج) الرثاء:

وله في الرثاء شعر كثير، ومنه قوله في رثاء الصدّيقة الزهراء، وهي قصيدة من بحر الطويل:


أنائحة مثلي على العرصة القفراتعالي أقاسمك به النوح والذكرى
حيث الجوى يا ورق يرويه كلّناعن العبرة الوطفاء والكبد الحرّا
كلانا كئيب يتبع النوح أنّةإذا ما وعاها الصخر صدعت الصخرا
خذي لك شطراً من رسيس مبرحولي منه يا ذات الجناح ذري شطراً
خلا أنّها تبكي وما فاض دَمعهاوأرسلتها من مقلتي أدمعاً حُمرا
فلا جمر أحشائي يُجفّف عبرتيولا عبرتي في صوبها تخمد الجمرا

وله في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) قوله، وهو من البحر البسيط:


سل كربلا والوغى والبيض والأسلامستحفياً عن أبي الضيم ما فعلا


الصفحة 71

أحلقت نفسه الكبرى بقادمتيآبائه أم على حكم العدا نزلا
غفرانك الله هل يرضى الدنيّة مَنلقاب قوسين أو أدنى رقى نزلا
يأبى له الشرف المعقود غاربهبذروة العرش عن كرسيه حولا
ساموه إمّا هواناً أو ورود ردىفساغ في فمه صاب الردى وحلا
خطا لمزدهم الهيجاء خطوتهالفسحاء لاوانياً عزماً ولا كسلا
يختال من جدّه طه ببرد بهاومن أبيه عليّ في بجاد عُلا
فالكاتبان له في لوح حومتهاذا ناظم مهجاً ذا ناثر قللا
يمحو بهذين من ألواحها صوراًأجل ويثبت في قرطاسها الأجلا
يحيك فيها على نولي بسالتهمن الحمام إلى أعدائه حُلَلا(1)

وله قصيدة يرثي بها أبا الفضل العباس (عليه السلام)، وهي من البحر الكامل، ومنها قوله:


بكر الردى فاجتاح في نكبائهنور الهدى ومحا سنا سيمائه
ودهى الرشاد بناسف لأشمّهوبخاسف لأتمّ بدر سمائه(2)

وله قصيدة رثاء في مسلم بن عقيل وأولاده وإخوانه الشهداء في طفّ كربلاء رضوان الله عليهم، منها قوله:


لمن أذيل عقيق الأدمع السجممن بعد آل عقيل معقل الكرم

____________

1- أعيان الشيعة ٧: ٤٣٦ من قصيدة في ٥٦ بيتاً.

2- أعيان الشيعة ٧: ٤٣٦ من قصيدة في ٢٥ بيتاً.


الصفحة 72

غاضوا بحوراً وغابوا أنجماً زهراوأقلعوا وهم أهمى من الديم
حَموا بأسيافهم آل النبيّ فمالآله بعدهم من ناصر وحمي

وله في رثاء علي بن الحسين شهيد كربلا قصيدة طويلة، منها قوله:


وعليّ قدر من ذؤابة هاشمعبقت شمائله بطيب المحتد
أفديه من ريحانة ريّانةجفت بحر ظما وحر مهند
بكر الذبول على نضارة غصنهإنّ الذبول لآفة الغصن الندي
ماء الصبا ودم الوريد تجاريافيه ولاهب قلبه لم يخمدِ

وله في رثاء القاسم بن الحسن قصيدة، منها قوله:


ما العرب إلاّ سماء للعلا وماأبناء عمرو العلى إلاّ دراريها
فللنبوّة تاج في مفارقهاوللإمامة عقد في تراقيها
حليان ليس سواء محتل بهماشتّان عاطل أبراد وحاليها

وله قصيدة في رثاء أنصار أبي عبد الله، الذين استشهدوا معه في طفّ كربلاء، منها قوله:


هاجوا وبيض الهند ملك يمينهميتصرّفون بحدّها وظباتها
ومذ استقلوا ورثوا مهج العدىشفراتها وأكفهم قبضاتها
صرعوا وبين بنانهم قصد القناوقوائم الأسياف في راحاتها
والسابغات السرد من نسج القناقد ضاعفت بجسومهم حلقاتها


الصفحة 73
وإذا ذكرنا شذرات من مراثيه، فلا يفوتنا أن نذكر ما نظمه في الأغراض الأخرى من الشعر، فمن ذلك قوله ـ وهو من البحر الخفيف ـ في وصف الباخرة(1):


رَوَت الفُلك في متون البحارنبأ البرق عن صحيح البخاري
وتلت سورة الدخان فغشَّتبلثام الظلام وجهَ النهار
كُلّما زجّها بجذب ودفعمارجٌ في فؤادها من نار
فتحت للخِضمِّ عيناً ومرّتبين أجفانها خيالاً ساري
تمخُرُ اليمَّ في جناجن صدرٍفترى الماء حولها كالسِّوار
كلّما أتلعت مناخيُر موجٍنحرتها بكلكل بتَّار
وإذا الريحُ جعّدت وفراتالغمر هبّت تغلي جعود(2) الغمار
تتخطّى مناكب اللُّجج الشُّمّعلى طُولها بأيد قصار
هي عجزا قطا وعُنقا نعاموجناحا قبج وصوتا قماري

____________

1- سقط المتاع: ٢٤٨.
وهي جزء من مطوّلة شعريّة عدد أبياتها ١٩٣ بيتاً، قالها تهنئة بعودة الحاج محمد عبد الله من الحجّ، وهو صهر الشاعر، وصفيّه الأوفى، وكبير عائلته، والزعيم المعروف في المنطقة وقد تضمّنت هذه المطولة وصفاً دقيقاً للباخرة وللقطار وللفرس وللبرق (التلغراف).

2- في الديوان: جعاد.


الصفحة 74

د) السياسية:

نذكر منها أبياتاً من قصيدة طويلة في البحر الكامل قوله(1):


ما أنتِ إلاّ بُردة الأفّاكفالمكر وجهك والنّفاق قفاك
نَولاك إغراءٌ وتمويه ولحمتكالتملّق والخداع سَداك
وطرازك اللمّاع قولٌ زخرفٌلا ينطلي إلاّ على الأنواك
لولاكِ لم يجدع قصيرٌ أنفهلينال أخذَ الثأر من زَبَّاك
لكِ حاكةٌ مَهَرت بصُنعك والرجيمأبو الأبالس أوّلُ الحيّاك
تخذتكِ لندرةٌ شعاراً ضافياًرحبَ البنائق واسع الأوراك
لو كُنتِ عِلماً كان أصلك زاكياًإذ كلّ علمٍ فرُع أصلٍ زاكي
لم يَدرِ كلّ مُهيمن نسابةمَن أمّهاتك مَن هم آباك
ما أنتِ إلاّ بنتُ شُبهة آنهامجحودة من كلّ مَن ولداك
ما أنتِ إلاّ قُنفذ مقلوبةٌتُغرين مُستَلِميك في ملساك
فإذا استقمت كما أمرت فلستِ ياخشناءُ غيرَ الآبر الشَّواك
تتلوّنين بأبيض يَقَقٍ وأصفرفاقع وبأسود محلاك(2)

____________

1- جزء من قصيدة مطوّلة تقع في ١٦٦ بيتاً بعنوان «الدنيا وأحوالها». اُنظر سقط المتاع: ٣١٦.

2- في الديوان، ورد بعد هذا البيت:


تحت البُروق من المطامع ما انطلتوتشكّلت بطلائها حرباك


الصفحة 75

تستقبلين الشمس طامعة بمصّلعابها أو بلعها بلهاك
تتمثّلين فريسة بَرَدت لمفترسبمصيدة من الأهلاك

هـ) الغزل:

من ذلك قوله ومن الرجز متغزّلاً(1):


ها أتلعت عُفر الظِّبا جيدهاقم فأرمها علَّك أن تصيدها
سانخة تبغم في مُغرِّدٍمن قُرطها الله يا غرّيدها
تمرح في البان وما البان سوىقدٍّ عليه أسدلت بُرودها
ترتع لكن في الحشى تلعبُ لكنفي الحجى تضربُ لكن عودها

ومن غزله قوله في البحر الكامل(2):


يا ملعب الظَّبي التَّليع بحاجرٍدَلَفَت عليك كتائبُ الأنواء
وهدا النسيم لِميْتِ روضك ديمةحتّى يعود بها من الأحباء
كم فيكَ نشوانَ المعاطِفِ مائساًمن قدّه بالصعدة السمراء(3)
مُتموّجَ الوجنات من ماء الصِّباكالرِّيح تعبث في غدير دماء

____________

1- سقط المتاع: ٣٦٩، من قصيدة بعنوان «عُفر الظباء»، تقع في ١٢٩ بيتاً.

2- سقط المتاع: ١٢٩ من قصيدة بعنوان «الديمة الوطفاء».

3- في الديوان ورد هذا البيت هكذا:


كم فيك نشوان المعاطف أحورايُدمي القلوب بمقلة نجلاء


الصفحة 76

و) الفخر:

وله في الفخر قصيدة طويلة، منها قوله:


أبني أباة الضيم من أيدي سباالأخوة الغرّ الذين استشأموا
لخم وغسان جذام عامللسوى ذؤابة يعرب لم ينتموا
نسب نقيّ البر لم يعلق بهمدر الأنام العجم والمستعجم

إلى أن يقول:


قسماً بكم ياعرب وهي ألية عظمى بها منكم عظيم يقسم
ليست براجعة لكم أوطانكم(حتّى يراق على جوانبها الدم)

ز) النسيب:

وله في النسيب نظم كثير، منه قوله (رحمه الله)(1):


ظعنوا فهذي عيسهم تَخِدُهل أنت بعد نواهُم جَلِدُ
هيهات بانت يومَ بينهممنكَ القوى وتفطَّر الكبد
هذه معالمُهُم بعقوتها من بعدهم قد عرَّس النكد
أقوَتْ مرابعها فلا طللٌبادٍ ولا آثارُها جُدُدُ
كانت مطالعَ أنجم زُهرٍواليومُ لا نجمٌ بها يَفِدُ

____________

1- سقط المتاع: ٧١ من قصيدة بعنوان «الدار البعيدة».


الصفحة 77

جَبَّت يدُ الآباد دوحتهاالله ماذا استأصل الأبَدُ

ح) التقريض والتأريخ:

وله في ذلك قصيدة في البحر الوافر، منها قوله(1):


لله من نظمٍ تشنَّفَمنهُ سَمُع الدَّهر دُرّا
متأرِّج النفحات ضــمّخ وفرة الأيامِ عطرا
فتخاله في لوحة الــساجي عقداً زانَ نحرا
قد صاغه حبرٌ أحاط بغامض الأسرار خُبرا
مهديُّ هذا العصر موسِعُ رحيه فضلاً وفخرا(2)
وهو النّكايُة للذينتأبطوا في الدَّهر شرَّا
ونظامه المعراج حلَّقفيه للعيُّوق قدرا
وسما به فوق الأثيروللمجرَّةِ جاز نهرا
وجرى وأهلَ الفضل فيقصبِ السباق فكان أجرى
ولقد حوى قد(3) أرّخوهلأفضل الأعمال أجرا

____________

1- سقط المتاع: ٥٧٦ من قصيدة بعنوان «أفضل الأعمال»، وهي تأريخ تهنئة.

2- في الديوان ورد بعد هذا البيت:

فهو الجدير بكلّ فضلوهو بالتصدير أحرى

3- في الديوان : مُذْ.


الصفحة 78
والمصنّف (رحمه الله) تَطَرقَ سائر أغراض الشعر، سواء كان ذلك فيما ذكرناه أو فيما لم نذكره من أغراض الشعر، ممّا كان بينه وبين آخرين من مراسلات، تتضمن تارة إظهار المودّة، وأخرى الدعوى للإخاء والتآلف، وثالثة تحفيز الهمم لخدمة الدين والمجتمع، والدعوة إلى ما فيه رشاد الأمة وخيرها وسعادتها.


الصفحة 79

(٢) أنواع الشعر

أ) الموشّح:

والمترجم له طرقَ سائر أنواع الشعر وفنونه، فأجاد فيها، وشهدت له الحلبات الأدبيّة الواسعة كثيراً من غرره وهو شاب لم يتجاوز العقد الثالث، وهذا بعض ما قاله في الموشّح:


عندليب البشر غنّى طرباًصادحاً يشدو بلحن مُؤنس
وحميّا اللهو شعّت حببامُذ سعى ساقي الهنا بالأكؤس(1)

***


جمدت لطفاً، وذابت كأسهافأرتنا جامداً في ذائب
وتبدّى، ثلجاً، مقباسهافَرَشَفْنا بارداً من لاهب(2)
وأرانا، غلساً، نبراسهاغُرةَ الشمس بليل واقب

____________

1- الحُمَيَّا: من معانيها سؤرة الخمر وشدتها، وتطلق مجازاً على الخمرة نفسها، الحبب: الفقاقيع التي تطفو على سطح الخمرة.

2- المقباس : شعلة من النار.


الصفحة 80

وأعاد المزجُ، فيها، العِنباأبيضاً في دمويِّ المغرس
فاحْتَسَيْنَاهُ جماناً رطباًلم يُشب جوهره بالدّنس(1)

***


ذاتُ خدر برزت من حانهاتتهادى في حليّ وحُلل(2)
عقدَ الحُسن على مرجانهامن حُباب تاج دُرّ لا يُحل(3)
هتكَ الكأسُ سَنا جثمانهافهو نورٌ قائمٌ لا بمحل
كلّما منها النّديم اقترباخرّ منها صعقاً للمعطس
مذ رأى الماءَ بها مُلتهباًولهيبَ النّارِ صردَ الملمس(4)

***


طال في راقودها إسرارُهاوبدت وهيَ عجوزٌ بعد حين(5)
فجلاها بيننا خَمَّارهابأباريق وكأسٍ من مَعين(6)
فشربناها فشبت نارهاتتلظى بعيون الشاربين
فانَّعَشْنا ومرحنا طرباًمُذ بنا دَبَّتْ دبيب النفس
وبصحن الخدّ صُبّت ذهباًولُجَيْناً فوق خدّ أملس

***

____________

1- الجمان واحدته الجمانة: اللؤلؤة.

2- الحانة والحان : محل شرب الخمرة.

3- المرجان : عروق حمر تطلع من البحر، ويطلق أيضاً على صغار اللؤلؤ.

4- الصرد : البارد.

5- الراقود: الدن الكبير، إسرار مصدر الفعل أسر الشيء: كتمه وستره، وأخفاه.

6- جلاها: أظهرها للعيان مجلو ة كالعروس.


الصفحة 81

كم على النُدمان من جلوتهاأزهرت شُهبٌ وشعَّت سُرج
ولَكَم أمست على جذوتهاتتهاوى كالفراش المُهج
ما على مَن هام في نشوتهافي قوانين السكارى، حرج
مذهبٌ للروم أمسى مذهباًولصيد العُرْبِ بالأندَلُسِ(1)
تخذته التُرك فرضاً وجباوبه دانت ملوكُ الفرس

***


شمسُ راحٍ زفّها بدر التمامتتهادى في نجوم من عقيق
فهو من ثغر، ومن لحظ، وجاملم يزل يرشفنا الصرف العتيق(2)
آه من عين له منها المداموثناياه التي فيها الرحيق
إنّ وجدي فيه يوماً ما أبىتلفَ النَّفس بحبّ الأنفس
وعذابي لم يزل مستعذباًوهيامي لذّة المستانس

***


ماج ماء الحسن فيه فسقىعنماً في وجنتيه وبهار(3)
وبه شبَّ السّنا فاحترقاعنبرُ الخال وريحانُ العِذار(4)
همَّ جِنُّ الصُدغ أن يسترقامن سماء الخدّ نورَ الجُلَّنار(5)

____________

1- صيد جمع أصيد : الملك..

2- الصرف : هو الخالص من كل شيء.

3- العنم: زهر أحمر، البهار: من معانيه : كلُ حسن منير.

4- احترقا، أصلها احترق بالفتح والألف حركة إشباع، العِذار: الشعر الذي يحاذي الأذن.

5- جن الصدغ: كناية عن الشعر الأسود المتدلي بين العين والأذن ولكونه معقف الطرف يستر الصدغ ويخفيه، نور الجلنار: زهر الرمان..


الصفحة 82

كلّما دبّت إليها عقربٌوجدتها مُلئت في حَرس
فانثنت تلوي عليها الذَنَبامُذ رمتها بشهابٍ قَبس

***


أحورُ العينين لمّاعُ السُفورأخرسُ الحِجلين غرّيد الشنف(1)
علَّم الظبيَ التفاتاَ ونفوروغصوَن البان لينا وهيف
أينَ من ظلمِ ثناياه الخُمورمُحتسىً عذباً ومَن ذاقَ عَرف
ما أحيلاه ويا ما أطيبامن ثناياه رحيقَ اللّعس! (2)
شُرُبُه المُحيي يُميت الوَصَباخسِرت صفقةُ مَن لم يحتس(3)

***


قمرٌ شعَّ بأنحاء الدُنىمُذ تبدّى مسفرَ الوجهِ الحَسن
قلت يا شادنُ ما هذا السّناقال هذا صِبغةُ الله وَمَن(4)
هزَّ منه الدّل عطفاً لدِنالو رآه راهبُ الدير افتتن(5)
وبه هام غراماً وصباوأبى النُسكَ ببيتِ المقدس
ولهُ قَدَّس لمّا حسبا أنّه اُقنومُ روحِ القُدس

***

____________

1- أحور العينين : شديد بياضهما، الشنف: حلي الأذن.

2- اللعس: سواد في الشفة مستحسن.

3- الوصب: المرض.

4- قوله و(من) تلميح للآية الكريمة {ومن أحسن من الله صِبغةً ونحن له عابدون} البقرة، الآية ١٣٨.

5- العطف من كل شيء: جانبه، ويقال لكل ما ينعطف من الجسم: عطف، لدن: طري، ناعم.


الصفحة 83

بكَ أقسمت يميناً يا رَشالم يكن قلبي إلاّك ألف
لك من قلبي، بمحنيّ الحَشىجمراتُ الوجد أطوي وألف
إي ولامٍ من عذاريك نشاوقوامٍ خطّه الحُسن ألِف
ما فتيتُ المسك، ما نشرُ الكباما الخُزامى، ما نديّ النرجس
مثلَ ريّاك، ولا ريحُ الصبّاسحراً، تحملُ طيبَ النّفس

***


كنتُ، من قبلُ صباحاً قد علاليلَ فرعي فتنة للظّبيات(1)
يتضمّخن بقُربي مندلاوبوصلي يترشّفن الحياة(2)
ما لها إلاّ اعتناقي من طِلافهي منه لم تزل مُحتسيات(3)
ومذُ البازي بفودي نشباصرتُ في عين المهى كالحندس(4)
وأبتْْ آرامُها كلَّ الإباأن أراها أو ترى في مجلسي(5)

***


شُعلةٌ منه بدت في المفرقينفمحت آيةَ ليلِ الوفرات
وبها صوَّح نبتُ العارضينفذوت نفسي عليه حسرات
لقطت منّي جمر الوجنتينورَمَت قلبي بتلك الجمرات

____________

1- الفرع: الشعر.

2- المندل: العود الطيب الرائحة.

3- الطلا: الخمرة.

4- البازي: من جوارح الطيور التي تصيد وهو أبيض اللون، الفود: الشعر الذي على جانب الرأس مما يلي الأذن، الحندس : الليل المظلم..

5- الآرام : الغزلان.


الصفحة 84

وبوجهي جفَّفت ماء الصِّباوحنت ظهري أسىً حنو القسي
وأمرَّت بلهاتي العذبامُذ رمتني بعذابٍ بئس

***


يا جزت عنّي الجوازي عيبهُفهو لا يخفى بحجبٍ واستتار
فإذا الشائبُ غطّى شيبهُبخضاب خلعَ الليلُ النهار
لا أعدُّ الريبَ إلاّ ريبهُفهو لي شينٌ وإن عُدّ وقار
من يكُن منه الوقار اكتسبافأنا أبتاعهُ البيع النَّسي(1)
لستُ بالأدهم أشري الأشهباراضياً تباً له من فَرس(2)

ب) التشطير:

وله في تشطير قصائد متعدّدة، منها قوله:


وجههُ كعبةُ حسنحولَهَا كم طافَ مُغرم
وجنتاه نارُ موسىوَلَماهُ ماءُ زمزم
خدّه والخالُ فيهعنبرٌ في كأسِ عندَم
هو لولا الحِجْرُ أمسىحَجَرَ الأسعَدِ يُلثم(3)

وله في التشطير قوله:


مرَ فحيّاني بها وردةًريّا حماها الصدَغ في عبقريه

____________

1- النسي أصلها النسيء: هو البيع المؤجل الدفع إلى حين، وقد لينه الشاعر بتسكين همزته ثم حذفها، لضرورة الروي.

2- سقط المتاع: ٨٥ ـ ٩٠، قصيدة بعنوان «ساقي الهنا»، نقلناها مع هامشها من المصدر.

3- سقط المتاع: ١٠٣.


الصفحة 85

فلم تكن قبل اقتطافي لهامقطوفة باللحظ من وجنتيه
عَطّرها عاطِر أنفاسهفهي لنا تروي شذى مبسميه
وأخضل من ماء الصبا أصلهافظلّتِ الوردة تثني عليه
ما رفتِ الوردة في خدّهإلاّ لطلّ المسك من وفرتيه
ولم يرفّ القرط في أذنهإلاّ وقلبي رفّ شوقاً إليه
يدير طرفاً حشوه أسهمٌمراشة بالهدب من مقلتيه
موارقٌ من كلّ قلب متىفوّقها للرشق من حاجبيه
يا خجة الروض إذا ما بدامفوّف الأزهار من روضتيه
تخال عكس الهدب في وجههمخصر نبت الروض من عارضيه

ج) التخميس:

وله في تخميس الشعر قصائد متعدّدة، منها قوله:


كلّما بالهوى إليك ارتقيتُصعقاً منك للجبين هويت
أنت سرّ الهوى عليك انطويتلك طرفي حمى وقلبي بيت
فيهما عهدك القديم خبيت


لك قلبي لما دنَا فتدلىّوعلى طور حسناك تجلّى
رحت نشوان مائسَ العطف دلاّومن السكر ما صحوت وكلاّ
كيف أصحو ومن هواك انتشيت


وقفت عنك طلقاً أو هاميوكبا في هواك طرف هيامي
لك عدوي وكم لقبض زماميبسط العاذلون فيك ملامي


الصفحة 86

وبساط القبول عنهم طويت

ها أنا في هواك في خير مغنىصرت فيه لفرط حبك رَهنا
أتراني أنوي مع الحي ظعناًكيف ينوي السلوّ عنك المعنى
يا منى النفس وهو في الحي ميت
بك أحلى من سلسل الشهد ضريوانكساري إليك أعظم جبري
فلقلبي المهنا بأني اهتديت
مذ بسامي هواك أوقفت ركبيسائقاً في مشاعر الوجد لبُي
رامياً جمرة الغرام بجنبيبك يا كعبة الوفا طاف قلبي
وبدا بارق الصفا فسعيت

وقال (قدّس سرّه) مخمّساً القصيدة العلوّية الخالدة، لوالده المرحوم الشيخ إبراهيم صادق، وقد كان قسم منها مكتوباً بالحرف الفضيّ على صفحتي الوجه والرأس على الضريح الشريف، وإليكم بعض القصيدة مع التخميس:


مثوى الوصيّ أخي النبيّ وصهرهسفط من الباري لمحكم ذكره
قُل إن تنل شرف الوصول لقبرههذا ثُرىً حُط الأثير لقدره
ولعزّه هام الثريا يخضع
غمد لسيف قطّ مُرهف حدهعنق الضلال وقد هيكل قده
وصفيح لحدٍ ما الصفيح بندهوضريح قدس دون غاية مجده
وجلاله حُفض الضراح الأرفع
شرفاً تجاوز كلّ سامٍ مُشرفوعليه فضلاً جر فاضل مطرف
في لحده السرّ الإلهي الخفيّأنّا يقاس به الضراح علاً وفي


الصفحة 87

مكنونه سرّ المكون مودَع

كم ذرّ منه للفضائل شارقولكم تألّق للمعاجز بارق
نزلٌ به نزل الكتاب الناطقجدث عليه من الجلال سرادق
ومن الرضا واللطف نور يلمع
حَصباؤه الدرّ التي ما جنّهاصدف ولا حجب الدجا مستّنها
مذ أبدع الباري المكون حسنهاودّت دراري السما لو أنّها
بالدرّ من حصبائه تترصّع

د) البند:

ومنه ما كتبه (رحمه الله) إلى صاحب >الحصون<، مقرّضاً به كتاب >النفحات العنبريّة< قوله:

النصّ الأوّل(1)

لعمري ما ثغور الغيد تفتر عن العذب، وعن مبسمها كالبرد الأشنب أو كالؤلؤ الرطب.

____________

1- هذا النص منشور في كتاب «البند في الأدب العربي» مرجع سابق، ص١١٩ ـ ١٢١، وهو منشور أيضاً في «شعراء الغري» مرجع سابق، ص٢١٣ ـ ٢١٥ تحت عنوان: نموذج من بنوده، أي: من بنود الشاعر، والنص تقريض كتاب «النفحات العنبرية» للعلامة الشيخ علي كاشف الغطاء صاحب «الحصون المنيعة في طبقات الشيعة»، تسعه مجلدات في مكتبة الأسرة ـ النجف ـ العراق، كما ورد هذا النص في المخطوطة، ص١٢١.


الصفحة 88
ولا أقداح صرف الراح لم يمزج بتكدير، حباب قد طغى فيه كزهرٍ أو أزاهير.

ولا روض رُبى نجد من الوسمي ريان، ولا غورية الشيحة تسقى الغيث هتان(1) .

ولا كُنّس ذات البان والرملة والضال، غدت تستشرف الورد بجيد أتلع طالي(2).

ولا العين التي غرّت بألحاظ كأسياف، وأعطاف وأرداف كأغصان وأحقاف.

ولا صافيةُ الشهد برود القطر مقرور، عليه مطرف الشَّمْألِ والأسحار مجرور(3).

ولا العقيان بالسمط، ولا الدر من القرط، دوين الفاحم السَّبْطِ(4) .

____________

1- غورية الشيحة: الشيحة النابتة في الغور، نبات طيب الرائحة، الغيث الهتَّان: الديمة المدرارة.

2- كنس، مفردها كانس: صفة الظبي الملازم كناسه، البان، واحدته بانة: شجر طويل يشبه به القوام، الرملة : الأرض ذات الرمل، الضال: نوع من الشجر ثمره يؤكل، الطالي، وزن فاعل من الطلاوة : الحسن والبهجة والسحر. (تاج العروس، الزبيدي، ج١٠، مكتبة الحياة، بيروت، مادة : طلوَ، ص٣٢٦).

3- الرود: المطر، القطر : المطر اللين الانهمار، الشمأَل : ريح الشمال الباردة.

4- العقيان: الذهب الخالص، السمط: الخيط ما دام اللؤلؤ وسواه منتظماً عقداً فيه، السبط: صفة الشعر المسترسل غير الجعد، سكَّن الشاعر وسطه لإقامة الوزن.


الصفحة 89
ولا النرجس والريحان والعنبر والورد، من اللّحظ، من الصُدغ، من الخال، من الخد.

ولا وصل بنات الحب غبّ الهجر أزمان أنّ ميَّ، وأنّ ريّا، وأنّ لمياء مذ كان.

بأشهى لا ولا أبهى ولا أجمل ألطاف، ولا أعرف أو أعرق أو أكمل أوصاف.

ولا أعذب أو أطيب أو أحسن مشروب، من هذا الذي في جبهة القرطاس مكتوب.

هو العنبر مبثوثاً على ألواح كافور، وقد شعّت معانيه غدا نوراً على نور.

إذا يتلى على الغيد، فريدٌ فيه مسطور، تخال الغيد عقد الجيد منبثاً ومنثور.

ما صوّبت أنظاري في مخضلّ أرجاء، وصعّدت بأفكاري في آفاق جوزاء.

إلاّ وتجلّت لي، من أندية الروض، ومن أخبية النجم، ذرارٍ تقذف الحاسد والشانئ بالرجم.

فلا الشمس بلأُلاءٍ محيّاها تحاكيها، ولا البدر وحاشاه، بمعناها يضاهيها.

فهل في الشمس من معنى سوى الإصلاء والحر، وهل في وجنة البدر إذا تم سوى العفر(1).

وفيها من نمير الحسن ما يغني عن الراح، وفي وجنتها خال بعرف المسك فياح.

____________

1- العَفْرُ والعَفَرُ : لون التراب.


الصفحة 90
وأيم الله لو يجري >جرير<(1) في مجاراته، لأمسى كابياً للوجه عجزاً دون مرقاته، ووهناً عن مباراته، أو إدراك غاياته.

وإن شاء أخو >كندة< إنشاء مبانيه لأضحى، فيه >ضلّيلاً<، ولا قائد يهديه(2).

ولو رام أبو >تمّام<(3) وهو العلم الفرد، والمصقع والمفلق والمخرس اللد(4)، بأن ينظم ما فيه، لأعيته قوافيه.

وأمسى وهو فأفاء وتمتام بإعياء.

ولو قد حاول >الصاحب< إسماعيل(5) معناه، لما أرشده الفكر إلى باحة مغناه، أو ساحة علياه.

وهل كيف وهيهات، يبارى وهو آيات.

____________

1- جرير: هو الشاعر الأموي (٦٥٣م ـ ٧٣٣م)، كنيته أبو حزرة، كوّن مع خصميه في مساجلات الهجاء: الأخطل والفرزدق، «المثلث الأموي».

2- أخو كندة: المقصود به الشاعر الأمير امرؤ القيس (٥٠٠م ـ ٥٤٥م) بن حجر الكندي، ملك بني أسد، لقب بالملك الضليل؛ لأنّه هام في البلاد طالباً المساعدة بالسلاح ليثار لأبيه أوّل شعراء المعلقّات، وله ديوان.

3- أبو تمام : هو الشاعر العباسي حبيب بن أوس الطائي (٧٨٨م ـ ٨٤٥م) مدح الخلفاء العباسيين ولاسيما المعتصم (الهوامش: ٢ و٣ و٤ مصدرها منجد الأعلام).

4- المصقع والمفلق: صفة المتكلم الفصيح، اللد : الشديد الخصومة والملاحاة.

5- إسماعيل: هو الصاحب بن عباد (٩٣٨م ـ ٩٩٥م) أديب ولغوي من كبار وزراء البويهيين.


الصفحة 91
الصفحة السابقةالصفحة التالية