المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 91 - ص 120) به قد صدع الفذ >علي<(1) الشرف المحض، ومن قد طبق الأرض، برحب الطول والعرض، بمسنون من الجود يراه لازم الفرض.

يميناً يا بن أم المجد، والأفضال والحمد، ويا عيوق(2) برج السعد، والشامخ بالمجد.

لقد حليت سمع الكون في شنف وفي قرط، وقلّدت طلا(3) العصر بسمط أيما سمط.

وقد ضمّخت من صكك هذا مفرق الدهر، بنعمى المسك والعطر(4).

تردّى من معانيك الغوالي حلل الدر، وقد جرّ على الجوزاء ذيل العز والفخر.

ونيطت في عقاص الشهب منه عروة الزهو، كما عبّق رحب الأرض بالأنفاس والشذو فما أنت وذا إلاّ رضيعاً در أفضال، وخدنا مفخر طالي(5).

به انقاد لك المنظوم والنثر كما شئت، لذا في الآية الكبرى وفي المعجز قد جئت، به لو تدّعي الوحي على الناس تنبأت.

____________

1- علي الشرف المحض: هو صاحب كتاب «النفحات العنبرية»، العلامة الشيخ علي كاشف الغطاء.

2- العيوق: نجم أحمر مضيء يلي الثريا ولا يتقدمها.

3- الطلان مفرده طلية : العنق.

4- الصك : السند أو الوثيقة، وهنا بمعنى الكتاب.

5- عقاص، مفردها عقيصة: ضفائر الشعر.


الصفحة 92
فما الغيض وما الفيض من حكمة >لقمان<، ولا >قس< على ما فيه من فضل و>سحبان<(1).

يبارونك بالطول، ويحكونك في القول.

ولا في علمك الغمر الذي أصبح طوفان، وقد طاول >كيوان <(2) ولا في فكرك الصائب بالخطي والنبل وبالحكمة والفصل.

فيا لله ما أبرزت منه من نفيسات، كأمثال الحسان الرود بالتبر محلاة.

والمندل(3) كالمصباح تأريجاً وأنوارا، وكالروض الذي باكره الوطفي إزهار.

وقد أهديتها السّري مشكاة من العلم، ونبراس الذكا السافر بالنثر وبالنظم، ومن قد حاز في العلياء بدء الفخر والختم(4).

والمترجم له (رحمه الله) غنيّ عن التعريف بشاعريّته، فقد عُدّ في الرعيل الأوّل من شعراء عصره، وشعره يعرب عن بعض ما قيل في شاعريّته، وهو من شيوخ الأدب الذين لم ينضب معينهم الأدبي حتّى ساعة وفاته.

____________

1- لقمان : من أنبياء الله، عرف بالحكيم، وخصه القرآن بسورة سميت باسمه، قُسّ هو ابن ساعدة الأيادي، خطيب وحكيم جاهلي، توفي نحو ٦٠٠م، أسقف نجران، وكان يعظ العرب في سوق عكاظ، سحبان: خطيب فصيح من قبيلة وائل، توفي ٦٧٤، رمز الفصاحة الجاهلية.

2- كيوان : اسم كوكب زحل بالفارسية (المنجد اللغوي، مادة كون، ص٧٠٤).

3- المندل : عود البخور.

4- نقلنا النصّ الكامل لهذا البند مع هامشه من سقط المتاع: ٥٨١ ـ ٥٨٤.


الصفحة 93
وديوانه عامر كبير مليء بالخواطر والأحاسيس، وقد عرضنا نماذج من شعره للتدليل على ذلك . ويوجد في ديوانه الشعر الكثير ؛ فبعضه قيّم، له أسلوبه الأدبيّ الرائع، وبعض الآخر أقلّ منه شأواً بكثير.


الصفحة 94

وفاته

توفّي في النبطيّة ١٢ ذي الحجة ١٣٦١هـ، ودفن هناك في الحسينيّة التي أنشأها، ورثاه الشعراء بقصائد أعربت عن مقامه الرفيع، وأبّنته الصحافة العربيّة بشتّى أساليب الحزن والألم.

وكان سبب وفاته أنّه ابتلي بمرض الفالج النصفي، الذي أودي بحياته أخيراً (رحمه الله).

أشباله

خلّف ثلاثة أشبال: الشيخ حسن، والشيخ محمّد تقي، وهما من خير خلف لخير سلف، وهما يقومان بالوظائف الشرعيّة في لبنان.

والأستاذ عبد الرضا، وهو يقوم بمهنة التعليم الرسميّ في مدارس العراق الرسميّة، وهو أديب شاعر في الجملة.


الصفحة 95

آراء الناس فيه

أ) ذكره الحجّة الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في هامش ديوان السيّد جعفر الحلّي، ص٢٢ عند رثاء المترجم له فقال:

>هو ـ أيّده الله ـ أحد أعلام الشريعة اليوم وزعمائها في جبل عامل، والشعر دون مقامه، وهو أقلّ كمالاته على براعته الطائلة فيه، وكان يتعاطاه قليلاً أيام تحصيله في النجف الأشرف في موارد مخصوصة، كلّها بدافع التكرّم والفضل وتعظيم شعائر الدين وأعلام الشرع.

وله ديوان شعر كبير لم يطبع بعد، وعمره الكريم قد قارب الخمسين. وقد قرأت هذه القصيدة في مجلس عزاء صاحب الديوان (رحمه الله) في النجف، ولكن باسم مجهول، فما أتمّها القارئ حتّى عرفنا أنّ : (إنّ هذا الشذى الفيّاح من ذلك الوادي).<.

ب) وقال السيّد في التكملة : >عالم فاضل أديب كامل، أحد رؤساء بلاده في الدين، كان تحصيله للعلم في النجف الأشرف، وقد أجازه بعض علمائها،


الصفحة 96
ورجع إلى بلاده (النبطيّة)، وهو أحد المراجع فيها، وله شعر رائق يعدّ في المجيدين، ولا غرو فإنّه ابن أبيه، وهم بيت علم وأدب قديم<(1).

ج) وقال في الحصون: >وكان عالماً فاضلاً، وأديباً كاملاً، وشاعراً بارعاً، لم ينازع في فضله، وأديب ينتمي من الأدب إلى أهله، عريق أباً عن أب في العلم والشعر.

وكان أليفاً لعائلتنا، وله رابطة قويّة معنا كأبيه، له مطارحات معنا كأبيه، وتهنئة ورثاء فينا. يتوقّد ذكاءً وفطنة، ويتفجّر فضلاً، مع حسن أخلاق وطلاقة وجه ولسان.

وله شعر كثير في مدح الأئمة (عليهم السلام) ورثائهم، وشعره يعدُّ في الطبقة العالية...<. إلى آخر ما قاله.

د) وأطراه العلامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء، كما في مجموعته فقال:

>المتحلّي به جيد الزمان العاطل، والواقف دون شأوه سبق الأفاضل، شيخ أهل الكمال والفضل وهو كهل، وتارك المدرع بالخفا شلواً، فكره أمضى من النصل، المنزّه الذي ما وسمه العايب بجسيم عيب، والألمعي الذي يكاد أن يخرق ذكاؤه حجب الغيب، ذو النفس الذي تأبى من المكارم إلاّ النفيس، والهمّة التي تنهض بما لا ينهض به البزل القناعيس.

إلى أن قدم (رحمه الله) من نواحي الشام إلى الغري، واشتغل بتحصيل المعارف والعلوم، وظفر منها بما يروم، وأحسنها أحسن اتقان، وفاق مَنْ في قرنه من

____________

1- تكملة أمل الآمل: ٢٥٤، رقم ٢١٨.


الصفحة 97
الأقران، حتّى إذا كمل بدر علمه وتم، وأنار كوكب فضله وعمّ، ألَح عليه أهل بلدته ورؤساء أسرته بأن يسير إليهم، ويفد عليهم، ليكون لهم قدوة ومرجعاً وطريقاً إلى الهداية مهيعاً<.

هـ ) وجاء ذكره في مجلّة العرفان، في المجلّد الثاني ص١٧ من السنة الثالثة ما نصّه:

>انتهت إليه والرافعي زعامة الشعر وإمارة القوافي فهما هما:


كالفَرقدين إذا تأمَّلَ ناظرٌلم يعلُ موضعُ فرقدٍ عن فرقدِ(1)

أنيق اللفظ، بليغ المعنى، حسن الأداء، جميل الأسلوب، يتصرّف في فنون الشعر تصرفاً يدلّك على اقتدار في الصياغة، وسعة في الخيال.

تقرأ آيات بلاغته البينات، فيتخيّل إليك بادئ ذي بدء أنّك عدت إلى عصور الشعر الأولي، والآداب العربيّة في نضارة شبيبتها، ثمّ تعيد النظر إليه فتلقى دبيباً في النفس، ونشوة في الخاطر، وارتياحاً في القلب، يرفعك إلى عالم فوق متناول الحسّ.

وبالجملة، فهو الشاعر، والصائغ الماهر.

و) وذكره أمين الأمّة وسيّدها المفدّى في (أعيانه) ج٣٧ ص٩٥ فقال:

____________

1- البيت للبحتري أبي عبادة الوليد بن عبيد التنوخي الطائي (ت٢٨٣هـ) أحد أشهر شعراء العرب في العصر العباسي، والبيت الذي قبله:

واذا رأيت شمائل ابني صاعدأدّت إليكَ شمائلَ ابني مَخلد


الصفحة 98
>وهو من الطبقة الأولى في الشعراء<(1).

ز) وذكره صاحب >ماضي النجف وحاضرها< في ج٣، ص٥٥٣ قال:

>فهو من رجال العلم، وفرسان القريض، حلّق بقوادم الفضل، وسبق إلى مضمار الكمال، فهو شاعر ابن شاعر أبو شعراء . كان خفيف الروح، حسن الطلعة، نقي الثياب، التفّ حوله جماعة من أهل الفضل، وأخذوا من نمير فضله، وينبوع علمه، فكان مجمع محاسن ومجموعة مكارم<.

ح) وذكره صاحب شعراء الغري في الجزء ٥، ص٢١٠ وما بعدها، قال:

>من أشهر مشاهير أُدباء عصره، عالم كبير، وشاعر مبدع<.

إلى أن يقول: >والمترجم له علم معروف، وعالم متضلّع في سائر العلوم، وتخصّص في الفقه حتّى أصبح من الفقهاء المشتهرين . سمعت به منذ نشأتي، واختلفت على نجله العلامة الشيخ محمّد تقي، فكنت أسمع أخباره، وأقف على بعض شعره الذي لا يحصل عليه القارئ إلاّ عن طريق الرسائل آنذاك، حيث صدف عن نشره لتضخم مقامه وبروزه الديني . فكان يوحي لي أنّه لا زال في سن مبكرة من خفّة الطبع والمرح، وسعة الخيال والغزل الوجداني.

وكنت أسمع من بعض شيوخ الأدب في النجف مجموعة أقاصيص، تهدف إلى حدّة ذكائه وتمكّنه من امتلاك ناصية الأدب، وهيمنته على الارتجال المجهد.

____________

1- أعيان الشيعة ٧: ٤٣٦.


الصفحة 99
ومن عرف أنّه ينحدر من أسرة أنجبت الشعراء والعلماء... لا يستكثر عليه هذه المواهب العالية، ونثره الفنيّ يوقفك على قابليّات واسعة، قلَّ أن تجدها إلاّ عند القلائل من أئمة البيان<.

ط) وذكره أغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة في نقباء البشر، في القرن الرابع عشر، في القطعة المخطوطة عنده، قال:

>الشيخ العالم الفاضل، الأديب الجامع الكامل، الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ إبراهيم صادق الخيّامي، من قرى جبل عامل، من العلماء الأجلاّء، القائمين بالوظائف الشرعيّة هناك دامت بركاته<(1).

____________

1- طبقات أعلام الشيعة ١٥: ١٠٣٠.


الصفحة 100

خُلقه الكريم

الخلق الكريم أسمى فضيلة وأثمن موهبة، يتحلّى بها الإنسان في هذه الحياة، فهو جماع كلّ خير، ومصدر كلّ صلاح، وأنّ من تعرّى منه تعرّى من كلّ كمال نفسي، فهو مظهر الكمالات بأسرها، منطوية كلّها في كلّه.

وفقيدنا المترجم (رحمه الله) كان في سماحة خلقه، ورحابة صدره، وتحمّله للمكاره قليل النظير، لا تكاد تنحسر البسمة العذريّة عن ثغره، ووضاءة البشر عن محيّا وجهه، حتّى ليحسب المسيء عندما يقابله أنّه لم يتقدّم إليه بإساءة، بل بإحسان.

وقد أعطانا شعره الخالد صورة مجيدة عنه، فحكى شعره شعوره، التي تتمثّل هذه كلها في هذا العملاق الكبير ـ عملاق الأدب الرائع، وطوده البازخ، وجبله الأشم، وروضه الأنيق ـ فهو يقول من قصيدة(1):


خُلقُت رحيبَ الصدّر مهما تراكمتعليه صروف الدهر أنزلها صفرا
وملموم قلبي لا تلين حصاته(2)لخطب ولا يخشى لقارعة نقرا

____________

1- سقط المتاع: ٤٩٣، من قصيدة بعنوان «القدر الجاري»..

2- في الديوان : صفاته..


الصفحة 101
ويقول(1):


من سجاياي كتم لاعجة الوجدِوإن قطَّعَت نياطَ فِقاري
فتراني أفترُّ ثَغراً وقلبيعازبٌ عن تبسُّمِ واقتراري

ويقول(2):


خُلقتُ ومن فضل الإله ومنّهخُلقت وحُسن الصبر ملءُ حيازمي
تركتُ الجَفا والعمر في عنفوانهأأفعلهُ(3) بعد شيب اللَّمائم

وقال(4):


إنّي وسعتُ جبالها وهضابهافي سهلِ خُلقٍ ليس بالمتناهي

طالما كان يردّد هذا القول المأثور: >إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم<.

تأصّلت في نفسه ملكات شريفة، طوى فيها كلّ عناصر الفضيلة والمثل العليا، يحمل بين جوانحه قلباً كأنّه انتظم مع كلّ قلب في أفراحه وأتراحه، ويوجد المجانسة بين الحاجة والواجب، كأنّه ملهم بها، يستصلح بها الشرود، ويروض الشموس الاُرن، بعذوبة منطقه، ورّقة بيان وساطع برهان.

____________

1- سقط المتاع: ٢٦٠ من قصيدة طويلة بعنوان «العودة من الحجّ».

2- سقط المتاع: ١٠٨ من قصيدة بعنوان «بين الأسى والأسف».

3- في النسخة الخطية التي بخطّ المؤلّف «أأتركه »، وما أثبتناه فهو من المصدر.

4- سقط المتاع: ١٥٢ من قصيدة بعنوان « الوجه الثابت».


الصفحة 102
وكثيراً ما كان يتبرّم من حاضره، ويتشاءم بطلوع مستقبل أدهى منه وأمر، يعتقد أنّه سيكون خالياً من كلّ ضمانة دينيّة ونزعة عربية، يديم تلهّفه على هذا الصنف الديني، مطيلاً تحسره عليه، فيقول في أبيات(1):


آه عليه وحَسرةً وأناذاكَ الرمَّيم(2) بوهْدِ مُلتَحده
ستحَومُ روحي حولَهُ وهيالملتاعةُ الثَّكلى لمضطَهده

وكان (رحمه الله) على جانب عظيم من الوفاء، وبخاصّة مع الأدباء من أصدقائه، ومن ذلك اللوعة التي نجدها في رثائه لصديقه السيّد جعفر الحلّي، وهي مثبتة في مقدمة ديوان السيّد جعفر (رحمه الله)، منها قوله(3):


على مثلِ وخز السُّمرِ أو حَزَّةِ المُدىطويتُ ضُلوعي يومَ أودى بك الرَّدى

____________

1- سقط المتاع: ١١٥ من قصيدة بعنوان « الوالد الجاني».

2- في النسخة الخطية التي بخط المؤلّف «المقيم»، وما أثبتناه فهو من المصدر. .

3- سقط المتاع: ٤٧٩ من قصيدة بعنوان «القلب المبدّد».


الصفحة 103

أريحيته ومرحه

كان (رحمه الله) أليفاً لثلّة من الأشراف، وخليلاً للأعيان النبلاء، دارت بينهم كؤوس المنادمة، وانعقدت لهم نوادي المفاكهة.

فمن مفاكهاته الأدبيّة، ما جرى بينه وبين بعض الأدباء ـ حيث كان يجتمع في أندية يتبارى فيها الأدب مع الأدباء ـ وقد اجتمع مع العلامة السيّد حسين ابن الحجة السيّد مهدي القزويني، والأديب السيّد جعفر الحلّي، في دار السيّد حسين ابن السيّد راضي القزويني، فلمّا نصب سماور الشاي، أنشأ المترجم له فقال:


سماور بات يحكي درّ مرضعةمشبوبة القلب تنعى صبية هلكوا
ما خصّ أهل اللحى في درّه أبداًلكنّ أهل اللحى في درّه اشتركوا

فأجابه الأديب السيّد جعفر الحلي قائلاً:


كأنّما عقله من عقل صاحبهكلاهما إنْ تُفتش عنهما تنك

فأنشأ العلّامة السيّد حسين ابن العلّامة الحجة السيّد مهدي القزويني قائلاً:


سماور ضلّ يحكي درّ مرضعةمشبوبة القلب تنعى صبية هلكوا
كأنّما عقله من عقل صاحبهمن جوهر الفكر والأعراض منسبك
والعامليّ مع الحلّي عقلهماكلاهما إن تُفتّش عنهما (تنك)


الصفحة 104

خاتمة

وبعد هذا ما عنيت به، وما وفّقت إليه من الكتابة في هذه العجالة عن المترجم طاب ثراه، الذي ما انفكّ يتطلّع إلى شعره الكثير من الأوساط العربيّة

ـ وبخاصة الشيعة ـ بشغف شديد.

ولا غروى أن رأينا شيخاً من رجال الدين الذين تخصّصوا للتفقّه في تشريع الإسلام وأحكامه حتّى بلغ الذروة فيه، أن اتّجه إلى الأدب، فحلّق في سماء الشعر في جملة من شعره، حتّى أصبح يشار إليه بالبنان في شاعريته.

كما صادف أن كان مثله فقهاء، وبنفس الوقت أجادوا في نظم الشعر، وقد كتب لجملة من شعرهم الخلود، وربما تغلّبت على بعضهم الصبغة الأدبيّة أكثر من الفقهيّة.

وقد كان لنموّ الشاعريّة في شيخنا المترجم ـ ما أشرنا إليه سابقاً ـ أسبابٌ وعوامل:

منها: البيئة التي عاشها في جبل عامل، وفي النجف الأشرف.

ومن خصائص الذين يعيشون في جبل عامل الميل الآسر للشعر والأدب، ومعرفة أخبار العرب، والمفاضلة بين الشعراء، ونقل أخبارهم ومحاوراتهم، وتتبّع آثار الأدباء المعاصرين والقدامى.


الصفحة 105
وتعتبر مجالسهم، وأنديتهم، والمناسبات العامّة التي يجتمعون بها، مدارس يتلى فيها الشعر، وتروى أخباره وقصصه وآثاره.

ونجد في المحفوظ من سوانح العامليّين ـ المنقول لنا من إنتاجهم الأدبي ـ ظاهرة بينة، تكاد تقرأ القصيدة فيلفتك فيها قوّة الجرس وعذوبة النغم والإحكام بالبناء، حتّى يخال الإنسان نفسه أمام صرح مشيّد وقصر منيف رفيع الذرى، متين الدعائم.

ويبدو أنّ الكثير من مطارحاتهم ونفثاتهم، امتدّت إليه يد الإهمال والنسيان، ردّدت أصداءه تلعاتهم وروابيهم، وسمعته سفوحهم وجبالهم حيناً من الزمن، ثم فنى وتلاشى في الأفكار والنفوس ؛ لأنّ سبل النشر والطباعة لم تتهيّأ بعدُ لهم ؛ ولأنّهم ـ على ما يظهر ـ لم يجيدوا التنظيم والتدوين بعد أيضاً.

فلم يبق بين أيدينا ممّا تركوا مراجع ومصادر، تنجد الباحث وتعينه وتأخذ بيده، وإنّما هي لمع من سيرتهم ولمحات من إشعاع نفوسهم، وصلت إلينا دونما قصد.

وأمّا خصائص النجف الأشرف ـ جامعة أهل البيت ـ فهي خصائص جمّةٌ، تربوا على العدّ والإحصاء ؛ سواء أكان في أدبها، أم في ظرفها ومدحها، أم في علمها ـ المعقول منه والمنقول ـ أم في اجتماعيّاتها وندواتها، ومجالسها ـ المعقودة ليل نهار ـ أم في تفاوت مراتب طبقات أهل العلم والأدب، والميل المتزايد لاستفادة الطالب من أستاذه، والفرد الآخر ممّا هو أعلم منه بفنّه.


الصفحة 106
وغير ذلك من خصائص جامعة النجف الأشرف، التي تأخذ الشيعة العلم منها وعنها في كلّ مكان وزمان، وبخاصّة قبل العصر الحديث، حيث كان تثقيف الشيعة غالباً عن طريق رجال الدين.

إذاً فما عساني أقول بها، وليست هناك نسبة متساوية للمقارنة بينها وبين بلدان الشيعة الأخرى، كيف وهي ترتشف من معينها، وتنهل من نميرها العذب، فقصر الحديث عنها أولى، وتركه إلى موضوع مختصّ به أجدر.

وأرجو أن لا يُفهم من كلامي أنّ النجف الأشرف كاملة بكلّ ما فيها، بل هناك نقاط ينبغي إصلاحها، وأنا لم أتعرّض لنقدها اعتماداً على الموضوعات المختصّة بذلك، ذات البحوث المفصّلة، التي تتكفل البحث بكلّ جوانبه، شريطة أن يكون بحثاً موضوعيّاً حرّاً مجرّداً عن العاطفة والانفعال والأهواء والعصبيات .

فكان للبيئة التي عاش في وسطها في عاملة والنجف الأشرف، أثرٌ كبير في تكوين شاعريّته وانطباعاته النفسية، وفي إنتاجه الأدبي، تحدّد له مفاهيمه، وتضع بين يديه مواد جذوره، ينحت منها سوانح أخيلته، وما يدور في تفكيره، وحول تلك الدائرة المركزة ينسج صورة على قطرها.

ومنها: قابليّته واستعداده، وهو العامل المهم في صيرورته شاعراً ؛ لأنّ قابليّة المحلّ شرط في تأثير العلّة في الشيء.

ومنها: الوراثة التي جاءته عن آبائه الكرام، وهم سلسلة علماء وشعراء، وقد كان لمواهب أولئك الأفذاذ الأثر الكبير في شاعريّته، وقد كان شيخنا المترجم


الصفحة 107
من قممهم الشامخة، ويعتبر في طليعتهم ومن روادهم الأوائل في الأدب، وبخاصّة في نظم الشعر .

فلا عجب أن يكون مترجمنا قد برع في فنّه، كيف وقد ترعرع في بيت عريق بالشعر والأدب، فيأُثّر ذلك في ميوله وانطباعاته، ودفعه لإحياء تراثهم، وإضافة حلقة جديدة للسلسلة، زاهية زاهرة، مشرقة السنا، باهرة اللمعان، ولم يخرج عن طريقة الفحول من الشعراء المتقدّمين بخواطره التي أحسن صوغها وإخراجها، ففي جملة من شعره القالب الجزل المتين، والخيال الواسع الوثّاب.

والريشة الغنيّة المترعة ليست بعيدة عن متناول الشيخ، وإن وقفت المرجعيّة الدينيّة والمشاغل الكثيرة التي قام بها، بينه وبين فنّه، تسرف عليه وتلح، طالبة منه الهجر والصدود.

وهو عندما يترك نفسه على سجيتها، ولا يلتزم باحتذاء المتقدّمين، والسير في الطريق الذي سلكوه، ويرجع لطاقته الفنيّة ومواهبة، يأتي بالرائع المبدع من الشعر.

فالشيخ عبد الحسين صادق، شاعر فحل، وقد مات ولم يحك شعره شعوره، ولو واتته الظروف لإعمال مواهبه الأدبيّة، لكان أحد الأفذاذ الموجّهين في دنيا الشعر والأدب.

ولكن الذي أثّر على شعر شيخنا المترجم، هو التلفّت للماضي، والتطلّع لمن سبقه في جملة من شعره، في المثل التي يستهدفونها في الكثير من شعره.

يضاف إلى ذلك ـ ما أشرنا إليه سابقاً ـ ما يقتضيه مركزه الدينيّ، وما يفرضه عليه من قيود وواجبات .


الصفحة 108
ولو أُتيح له الجو الملائم، وسمح له منصبه بالحريّة والاسترسال، والاستزادة من الثقافة الأدبيّة الحديثة، والاطّلاع على المناهج الجديدة، لكان أحد الأفذاذ الموجّهين في دنيا الشعر والأدب.

والمدنيّة اليوم ومواهبها الفنيّة، تربأ بالأديب الموهوب أن يظلّ تحت رحمة التقليد ورهن مشيئته، ولا يتمشّى في ثقافته على صعيد التطوّر، ويستلهم من حياتنا الفكريّة مثال أدب خصب يمتّعنا، فهي بما يتحلّى به شعر البداوة من رواء، والحضارة الحديثة من روائع الفنّ والإبداع، ولا ينكمش على نفسه متأثّراً بالطابع المحلّي في صناعة الشعر، ولا يتجاوزه إلى آفاق أخرى قد تكون أبعد تغلغلاً في أعماق الخيال، وأكثر تسامياً إلى معاني الجمال.

وإنّ فنّ الأدب كغيره من الفنون، ليس هو نبت مناخات خاصّة، أو عصر خاصّ. نعم لا يتعدّى في أوزانه وأساليبه عن نشأة العروبة الأولى إلى أساليب الأعجمية وأوزانها، التي لا تطرب أنغامُها أذواقنا، ولا نتحسّس منها تلك المتعة والانتعاش، الذي نتحسسه من التراث الشعري العربي، الذي لا حياة لأدبنا إن فقدناه.

فالأديب اليوم لا يكون أديباً فذاً ـ يُشار إليه بالبنان، ورائداً من روّاده، وقائداً من قادته، وموجّهاً في دنيا الشعر والأدب ـ إذا لم يع الحضارة الحديثة فهمُه، ويتنبّه لها حسُّه، ولم ينفطم من لحن البداوة جَرسُه، ليبعث في اللغة العربيّة السليمة روحاً شعريّة جديدة، تكفل لها حياة التفوّق والخلود، ويجعلها تتّسع لما لم تكن تتّسع له من قبل من المعاني والصور والأخيلة، في كلّ ما قال من وصف، أو غيره من الألوان الشعريّة الفائضة بالحياة.


الصفحة 109
وقد عرضنا ملامح من شعر المترجم، نقلاً عن ديوانه الذي يوجد فيه الجواهر والحصى، والدرّة والصدف. ولا أحسب أنّ أحداً من قرّاء هذا الديوان يختلجه الريب فيما قلت، كيف وقد سبقه أن كان ناظمه شاعر القطرين بالأمس القريب، العراق ولبنان.

وقد أجاد أكثر ما أجاد في نظم الرثاء من شعره، وأحسن رثائه فيما أعلم ما قاله في علي الأكبر، أحد أشبال الإمام الحسين (عليه السلام) الذين استشهدوا معه على ساحة كربلاء المقدّسة، ساحة المجد والعزّ والشرف والخلود.

ساحة تصارع فيها الحق والباطل، فغلب الحق وظلّ منتصراً إلى قيام الساعة.

ساحة تنازع فيها العدل والظلم، فتشاطرا السيفَ، وسرعان ما أن غلبَ العدلُ وأهلوه على الظلم وأهليه، وظل عَلَمُهُما ـ أعني العدل وأهله ـ يرفرف خفاقاً ما بقي الجديدان، يبعثان في كلّ حرّ غيور أبيّ، الغيرَ والإباءَ والشممَ والمروءة، لمحاربة الظلم والظلمة وأن لا مهادنة لهما ما بقي الجديدان.

هذا ما وسعه الوقت للكتابة عن المترجم، فلعلّه كاف إن شاء الله تعالى.

جمادى الأولى ٢٠/ ١٣٨٢هـ

الموافق تشرين الأوّل ٢٠/ ١٩٦٢

أحمد زكي تفاحة الحسيني


الصفحة 110


الصفحة 111

(٢٩) ثورة التنزيه

رسالة «التنزيه» تليها مَواقف منها وآراء

في السيّد محسن الأمين

إعداد

محمّد القاسم الحسيني النجفي


الصفحة 112


الصفحة 113

بسم الله الرحمن الرحيم

لم تُدرس حتّى الآن الحركات الإصلاحية عند المسلمين الشيعة، ولم يتح لها من شيوع الذكر ما أتُيح لحركات الإصلاح عند غيرهم من المسلمين، ولذلك أسباب وعوامل كثيرة لا يتسع المجال هنا للإفاضة في ذكرها.

ونستطيع هنا أن نحدد تلك الحركات بثلاث: واحدة منها في القرون الماضية، هي حركة ابن إدريس الحلّي، التي تزامنت معها حركة أبي المكارم حمزة بن زهرة.

وحركتان في هذا القرن: أولاهما كانت حركة إقليمية، والذي أعطاها هذه الصفة الإقليمية هو موضوعها (الحدود المكان)، تلك هي حركة السيّد هبة الدين الشهرستاني، التي كان موضوعها نقل الجنائز في العراق.

أمّا الحركة الثانية، التي كانت حركة عالمية تجاوبت بصداها أنحاء العالم الإسلامي من غربه إلى شرقه، من سورية ولبنان حتّى أقاصي الهند،


الصفحة 114
والتي تعدّ بحقّ في صدر حركات الإصلاح الكبرى في كلّ زمان ومكان، فهي حركة السيّد محسن الأمين، وهي موضوع كتابنا هذا.

وقبل الدخول في تفاصيلها، لابدّ لنا من أن نُشير إلى الحركتين اللتين سبقتاها: حركة ابن إدريس وابن زهرة، وحركة السيّد هبة الدين الشهرستاني.


الصفحة 115

ابن إدريس وابن زهرة

كاد أن يسدّ باب الاجتهاد عند الشيعة بالخصوص في القرن الخامس الهجري، لولا عظم مكانة الشيخ الطوسي وقوّة شخصيّته التي صهرت تلاميذه في واقعها وأنستهم - أو كادت - شخصيتهم العلمية، فما كان أحد منهم ليجرؤ على التفكير في صحّة رأي لأستاذه الطوسي أو مناقشته.

وقد قيل: إنّ ما خلّفه الشيخ الطوسي من كتب الفقه والحديث كاد أن يستأثر بعقول الناس، فيسدّ عليها منافذ التفكير في نقدها ما يقارب القرن.

وقد كان لموقف ابن إدريس - وهو من أكابر العلماء - فضله الكبير في إعادة الثقة إلى النفوس، وفسح المجال أمامهم لتقييم هذه الكتب ونقدها والنظر في قواعدها.

ولولا موقفه المشرّف إذ ذاك، لكان الاجتهاد إذ ذاك ضحية من ضحايا التقديس والفناء في العظماء من الناس(1).

____________

1- محمود الشهابي، مقدّمة فوائد الأصول.


الصفحة 116
كان الشيخ الطوسي من ألمع فقهاء العالم الإسلامي في القرن الخامس الهجري، وكان صاحب أكبر مدرسة في بغداد، ثمّ انتقل إلى النجف بعد أن أحرق طغرل بك السلجوقي مكتبته، وانتقل معه الكثير من تلاميذه، فنشأت حركة علمية قوية في النجف على أثر هذا الانتقال.

وبعد موت الشيخ الطوسي اصطبغت اجتهاداته بصبغته، فوقف الفقهاء عند آرائه واجتهاداته، حتّى أدّى الأمر إلى أن يقول السيّد رضيّ الدين علي ابن طاووس الحلّي في كتابه المسمّى البهجة في ثمرة المهجة: «أخبرني جدّي الصالح ورّام بن أبي فراس أنّ سديد الدين الحمصي حدّثه أنّه لم يبق للشيعة مُفت على ما حفظ»(1).

ولمّا اتّخذ الأمير سيف الدولة المزيدي مدينة الحلّة مركز إمارته، هاجر إليها كثير من العلماء ; لما رأوا من تشجيع هذا الأمير للعلم والعلماء، فنمت فيها الروح العلمية ونبغ فيها العلماء.

وكان من أولئك العلماء محمّد بن أحمد بن إدريس الحلّى العجلي، الذي نبغ في أواخر القرن السادس الهجري، فعاش من سنة ٥٤٣هجرية إلى سنة ٥٩٨، ورأى الجمود الذي أصاب الفقه الإسلامي، فثار في وجه السائد بين فقهاء عصره من العمل بخبر الآحاد، وفتح باب النقاش في اجتهادات الشيخ الطوسي جدّه من قبل الأم(2).

____________

1- محمّد تقي الحكيم، دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعية.

2- يوسف كركوش، دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعية.


الصفحة 117
وعارض أقواله، وأبدى من الجرأة الفكرية تّجاه فقهاء عصره أمراً عجباً، فتعرّض بذلك لهام نقدهم، ولم يثنه كلّ ذلك عن عزمه.

وكان يقصد من تلك المناوأة تحريك الاجتهاد، فإنّه كاد يُقضى عليه ولم يبق منه إلاّ صبابة، فإنّ الفقهاء من بعد عصر الشيخ الطوسي كادت أن تتلاشى فيهم روح الاستنباط والاجتهاد والتفريع(1).

أمّا فقهاء عصر ابن إدريس ومن تأخّر عنهم، فقد أكثروا الطعن في أقواله وآرائه، قال سديد الدين الحمصي: «إنّه مخلط لا يعتمد على تصنيفه».

وممّن طعن فيه المحقّق جعفر بن سعيد، والعلاّمة الحسن بن يوسف ابن المطهّر الحلّي، ويعبّر عنه في بعض مصنّفاته بالشاب المترف.

وقد أدرك المتأخّرون وثبة ابن إدريس وما أعقبها من اطّراد سير الاجتهاد، قال صاحب أمل الآمل: «وقد أثنى على ابن إدريس المتأخّرون وعلى كتابه السرائر»(2).

وقال بعض المعاصرين: عندما نقارن بين كتاب السرائر لابن إدريس وكتاب المبسوط للطوسي، نرى ابن إدريس قد نقد آراء الطوسي فقهاً وأصولاً، وفنّد حججه في مورد النقد والتمحيص، فكان أوسع استدلالاً في

____________

1- يشكك بعضهم في هذه النسبة.

2- يوسف كركوش، دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعية.


الصفحة 118
الفقه من الطوسي، وعنوان استدلالاته النقد والتمحيص للآراء الفقهيّة والأصولية والتحرّر من التقليد في أفكاره وتحقيقاته(1).

وفي الوقت الذي كان ابن إدريس يوالي نهجه في العراق، كان معاصر له في بلاد الشام ينتهج نفس الخطّة في الدعوة إلى التحرّر من الالتزام بآراء الطوسي، ذاك هو أبو المكارم حمزة (٥١١ - ٥٨٥)، وهو من علماء بني زُهرة الحلبيّين، مؤلّف كتاب الغنية الذي ناقش آراء الطوسي في كتابه المذكور(2).

____________

1- المصدر نفسه.

2- حسن الأمين، دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعية.


الصفحة 119

حركة الشهرستاني سنة١٩١١م

كان من العادات التي تأصّلت عند المسلمين الشيعة في العراق، عادة نقل جنائز موتاهم لتدفن في النجف، وكانت وسائل النقل الوحيدة هي الدواب، فكانت الجنائز تنقل على الدواب من المسافات البعيدة، فيكون أمرها كما وصفها السيّد هبة الدين الشهرستاني:

«ينقلون كلّ ميّت وإن استلزم نقله تفسّخ أجزائه وتقطّع أوصاله وفساد جثته، وإضرار مسلمي البلاد من تلك الجنازة المارة بهم وهي منتنة الرائحة، تُحدث في أهويتهم البسيطة أنواع الأمراض والأوبئة وأصناف جراثيم العلل...» إلى آخر ما قال.

فنادى السيّد الشهرستاني سنة١٩١١م بتحريم نقل الجنائز، ودعا إلى ترك هذا التقليد لما فيه من المفاسد التي ذكرها، فقامت عليه قيامة الغوغائيين في العراق وثارت العامّة العمياء.


الصفحة 120
ومع أنّ الأمر يتعلّق أكثر ما يتعلّق بالعراقيين، ولم يكن هذا مألوفاً عند اللبنانيين ; لبعد المسافة بين لبنان والعراق، ممّا يتعذّر معه نقل الجنائز من لبنان إلى النجف.

مع ذلك فقد تحرّك في لبنان السيّد عبد الحسين شرف الدين وشنّ على السيّد الشهرستاني حملة شعواء، وقد حاول الشهرستاني أوّل الأمر أن يناقش الموضوع مناقشة علمية على صفحات المجلّة التي كان يصدرها في النجف باسم العلم، وعلى صفحات مجلّة العرفان التي كانت تصدر في صيدا.

ولكن الضجيج الغوغائي عليه في العراق ولبنان، وشدّة حملة أمثال السيّد عبد الحسين شرف الدين عليه، لاسيما في النجف، مثيرين العامّة بما لا يجدي معه النقاش العلمي والمناظرة الفقهية، كلّ ذلك أدّى إلى أن يسكت السيّد الشهرستاني ويتوارى.

وقد اعتبرت صيحة السيّد الشهرستاني هذه أوّل صيحة إصلاحية في الوسط الشيعي في هذا العصر.


الصفحة 121
الصفحة السابقةالصفحة التالية