المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 121 - ص 150)

الحركة الإصلاحية العالمية الكبرى

إذا كان الخطر الأبرز لدعوة السيّد محسن الأمين الإصلاحية، هو إصلاح طقوس المجالس الحسينيّة التي تقام في الأيام العشرة الأولى من المحرّم وتختم في اليوم العاشر ختامها الدامي، إذا كان الأمر كذلك، فإنّ الدعوة المحسنية الإصلاحية كانت تستهدف ما هو أبعد من المجالس الحسينيّة، كانت تبدأ من القاعدة مجتازة كلّ شيء، وصولاً إلى المجالس الحسينيّة

ويتحدّث المعمّرون الذين عاصروا وصول السيّد محسن الأمين إلى دمشق بنيّة الإقامة فيها سنة ١٣١٩هـ (١٩٠١م)، عن تطوّر دعوته من سنة وصوله إلى دمشق في أواخر شعبان من سنة ١٣١٩هـ، إلى سنة نشره رسالة التنزيه سنة ١٣٤٧هـ، فيقولون: لم يمض خمسة أشهر على وصوله إلى دمشق حتّى جاء شهر المحرّم سنة ١٣٢٠هـ، وجاء يوم العاشر منه، وكان قد عرف ما يجري هذا اليوم في مقام السيّدة زينب(عليها السلام) بضاحية دمشق من لطم الصدور وإدماء


الصفحة 122
الرؤوس، حيث يجتمع القادمون من جبل عامل والبقاع مع الحاضرين من دمشق فيقومون مجتمعين بما يقومون به من هذه الأعمال.

فأعلن مقاطعته حضور ذلك المجتمع والاكتفاء بإقامة حفل تُتلى فيه السيرة الحسينيّة بما فيها قصّة الاستشهاد، فكان أن شاركه المقاطعة جماعة من الدمشقيين وحضروا المجلس الذي أقامه في دمشق.

ولمّا جاءت السنة الهجرية التالية وفي رأسها شهر المحرّم، ازداد عدد المقاطعين، وقلّت مشاركة الدمشقيين في ما يجري في مقام السيّدة زينب وحضورهم هناك.

وفي السنة الثالثة - وكانت قد ثبتت قدمه في دمشق وقوي أمره فيها - عزم على منع الاحتفالات بصورتها المزرية الداميّة مستعيناً على ذلك بجمهور الدمشقيين الذين انطلقوا إلى مقام السيّدة زينب÷ قبل بضعة أيّام من حلول العاشر من المحرّم، يخبرون القادمين من الخارج أن لا احتفالات بعد اليوم على ما كانت تجري عليه، وأنّ عليهم العودة إلى بلدانهم، فكان الأفراد القادمون يمتثلون لذلك وهم يرون الشدّة في هذا الكلام والتصميم على تنفيذه بكلّ وسيلة.

وهكذا فلم يأت اليوم العاشر حتّى كان عدد الموجودين لا يحتمل إقامة أي احتفال، فضلاً عن وجود المصمّمين على المنع حتّى بقوة السواعد.

وهكذا بطلت تلك الاحتفالات، واقتصر الأمر على اجتماع الناس مصغين إلى ما يلقى عليهم من سيرة الحسين (عليه السلام) وفضائل أهل البيت منتهياً


الصفحة 123
بروعة الاستشهاد، وما في كلّ ذلك من العبر والمآثر التي ينبغي الاقتداء بها ثمّ يختتم المجلس بتلاوة زيارة الحسين (عليه السلام).

أمّا الخطوة الثانية التي خطاها السيّد محسن في دعوته الإصلاحية الحسينيّة، فكانت ما كتبه في مقدّمة كتابه المجالس السنيّة الذي صدرت طبعته الأولى سنة ١٩٢٣م فقد قال في تلك المقدّمة:

«ولكن كثيراً من الذاكرين لمصاب أهل البيت (عليهم السلام) قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها، لم يذكرها مؤرّخ ولا مؤلّف، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها ; لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحّة الأخبار وسقمها، حتّى حفظت على الألسن وأودعت في المجاميع واشتهرت بين الناس ولا رادع، وهي من الأكاذيب التي تغضبهم وتفتح باب القدح للقادح، فإنّهم لا يرضون بالكذب الذي لا يرضي الله ورسوله.

كما أنّ ما يفعله جملة من الناس من جرح أنفسهم بالسيوف أو اللطم المؤدّي إلى إيذاء البدن، هو من تسويلات الشيطان وتزيينه سوء الأعمال...» إلى آخر ما قال.

وقد كان هذا الكلام أوّل رأي علني عامّ للسيّد محسن الأمين يشجب فيه تلك الأقوال والأعمال، وأوّل فتوى خطية تصدر من قلمه باعتباره مرجعاً من أكبر مراجع الشيعة العالميين في عصره.

وقد كان أثرها في أوساط الخاصّة التي تقرأ الكتب، دون أن يصل هذا الأثر إلى أوساط العامّة التي كانت بعيدة عن المطالعة.


الصفحة 124
وقد انشطرت الخاصّة إلى شطرين غير متساويين، ونخصّ منها رجال الدين الذين نقم جمهورهم على هذه الفتوى وعلى صاحبها، ولكن هذه النقمة لم تتعدَّ حديث المجالس وتناجي الندوات.

وفي إحدى السنين كان السيّد محسن الأمين يمرّ ببيروت في طريقه من جبل عامل إلى دمشق، وكان ذلك قبيل حلول شهر المحرّم سنة ١٣٤٧هـ، فزاره أحد الصحفيين وسأله في ما يجري من الاحتفالات الحسينيّة الداميّة ومواكب اللطم وما إلى ذلك، فكان جوابه صريحاً بأنّ هذا ليس من الدين، بل إنّ فعله حرام ومخالف للدين، وإنّه هو نفسه قد منعه منعاً باتّاً حين كان يجري في مقام السيّدة زينب في ضاحية دمشق.

فرأى الداعون إلى تلك الاحتفالات ومؤيّدوها في هذا التصريح الصحفي - الذي سينتشر في كلّ الأوساط - ما يجب مقاومته بمثله من الكتابة العلنية الشعبية، فأصدر أحدهم كتيباً سمّاه سيماء الصلحاء، يردّ فيه على التصريح الصحفي للسيّد الأمين، ويفنّد ما قاله في مقدّمة المجالس السنية تفنيداً دينياً مدلِّلاً على أنّ ما يجري هو واجب شرعي ديني.

هنا قرّر السيّد محسن أن يبعثها صرخة مدوّية تبلغ أنحاء العالم الإسلامي كلّه، وأن يقودها ثورة إصلاحية شاملة لا تهادن ولا تداهن، وأن يتحمّل مسؤوليّة ذلك مهما كان الثمن.

لقد كان يعلم مدى تغلغل تلك الأساليب في عقول العامّة، واعتقادهم أنّها من صميم الدين الذي لا يجوز المساس به، ومدى استحكامها في أذهان من يسمّيهم الناس رجال الدين، ومدى ما يعنيهم من محاولة الانتقاص منها.


الصفحة 125
لقد كان يعلم كلّ ذلك، ويعلم صدى ما سينادي به، وما سيثيره عليه من غضب عارم تشعل ناره العمائم وتذكيه العامّة، ولكنّه صمَّم على إعلان الثورة الإصلاحية تصميماً لا رجوع عنه.

وما دام الكتيّب الذي صدر قد توسّل بالأدلّة الدينية والمبرّرات الفقهية، فليجعله موضوع المناقشة، وليتخذ منه وسيلة للخوض في بحث ديني فقهي ينتهي فيه إلى التحريم الديني المطلق لتلك الأعمال، فضلاً عمّا فيها من مآخذ اجتماعية، وفظائع دنيوية.

وهكذا كان، فصدرت رسالة التنزيه سنة ١٩٢٨م، وأُرسلت نسخ منها إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي.


الصفحة 126


الصفحة 127

رسالة التنزيه(1)

____________

1- أورد المؤلّف هنا النصّ الكامل لرسالة «التنزيه لأعمال الشبيه»، معتمداً على طبعتها الثانية المحرّفة التي حذف القائمون على طباعتها منها كلمات وأسطر بل صفحات، وهي طبعة دار الهداية للطباعة والنشر، والتي لم يشر إلى مكان وزمان طبعها، والظاهر من مقدّمة الناشر أنّها طبعت سنة ١٣٩٣هـ.
ونحن لم نورد هنا نصّ هذه الرسالة تجنباً للتكرار، إذ قمنا بطباعتها محقّقة ضمن هذه المجموعة.


الصفحة 128


الصفحة 129

مواقف من الرسالة


الصفحة 130


الصفحة 131

في صميم معركة الإصلاح

تجاوبت بثورة التنزيه أنحاء العالم الإسلامي، وعمّت دعوتها المسلمين في كلّ مكان، وترجمت إلى أكثر من لغة، ووجد فيها المخلصون فرصة ثمينة للتخلّص من الشوائب والأباطيل، فأرادوها نقطة انطلاق نحو نهضة إصلاحية شاملة.

كما وجد فيها الآخرون خطراً يهدّد بعضهم بما هم فيه من جمود ورجعية، وبعضهم بما لهم من مصالح ومآرب، وأصبحت البلاد الإسلاميّة تغلي غلياناً بها، فكثرت الردود عليها، وانهالت الهجمات على صاحبها، وصاحبها صامد كالطود مؤمن بانتصاره في النهاية.

ونذكر أنّ فريقاً من مُحبّيه المخلصين هالهم أن يتعرّض شخصه لمثل ما تعرّض له، فكتبوا إليه يرجونه بسحب الرسالة من المكتبات، وإخفائها عن العيون إلى أن تهدأ الضجّة وتخمد العاصفة، فكان جوابه أن ضاعف الكميّات المطروحة وزوّد المكتبات بأكثر ما يستطيع تزويدها من النسخ،


الصفحة 132
وقال لمن حوله: إذا كان لابدّ من التضحية فإنّي لمغتبط أن يكون شخصي هو الضحية.

وإنّنا - للتاريخ - لنورد هنا مثالاً ممّا كان يدلي به خصوم الدعوة وأنصارها على السواء من حجج وبيانات، مستشهدين بأقوال من حاولوا أن يناقشوا الموضوع ويردّوا على الرسالة دون أن يوغلوا في الشتائم والسباب، ودون أن يعتمدوا على البذاءة وحدها.

فكان ممّن أيّد الدعوة بحماسة في الهند الكاتب الهندي محمّد علي سالمين صاحب جريدة ديوائن ميسج التي تصدر في بومباي باللغة الإنكليزية، فكتب مقالاً نشر باللغة العربية قال فيه:

«وكتب العلاّمة المجتهد الأكبر آية الله السيّد محسن الأمين أيده الله كتاباً ردّ به على من يضربون الصدور، والكتاب بصورة رسالة جمع فيها من الشارد والوارد إلى ما شاء الله، على أنّ هذا العلم لم يأتنا من إمام أو وصي، بل هو بدعاية الجهلة بدعة ابتدعوها، وكما قال النبيّ الكريم: «كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار» فبأيّ حديث بعده يؤمنون؟

ظنّوا حبّ آل محمّد بهذه الأعمال، فهذا لعمري ليس حبّاً ; لأنّ من أحبّ شيئاً أعزّه واحترمه، وهل اللطم والضرب والتشبيهات في الشوارع أمام المجوس والوثنيين يدلّ على حبكم يا محبّي آل محمّد اليوم»؟

ولم ينم أعداء الدعوة، فتناوله منهم السيّد نور الدين شرف الدين، فردّ عليه بمقال قال فيه: «لم يكن في الحسبان أنّ الشعائر الحسينيّة، التي


الصفحة 133
اتّخذتها الشيعة سنّة من عهد آل بويه إلى يومنا هذا، تُجعل مسألة نظرية تتضارب فيها الأفكار وتختلف الأنظار، إذ لا شكّ في فوائدها التي تعود بالنفع العميم على هذه الطائفة، وليت من ناقش في ذلك أدلى بحجّة واضحة وبرهان قاطع لنتبعه، فإنّ الحقّ أحقّ أن يُتّبع».

وبعد أن يمضي الكاتب على هذا المنوال، يعدّد أسماء بعض المخاصمين لدعوة الإصلاح، ويعدّد أسماء كتبهم التي تخالف الدعوة وهم: عمّه السيّد عبد الحسين شرف الدين، وصهر عمّه الشيخ عبد الله سبيتي، ثمّ الشيخ عبد الحسين الحلّي، والشيخ محمّد حسين المظفّر، يذكر هؤلاء ليدعم قوله بهم، ثمّ يستشهد ببعض الأقوال إلى أن يصل إلى الردّ الصريح على خصمه فيقول:

«وممّا عجبت له جدّاً - بل أسفت - أنّ محمّد علي سالمين اقتفى أثر المهووسين، فغدا يضرب على ذلك الوتر الذي تغلق المسامع دون ألحانه ونغماته».

ثمّ يقول:

«والأستاذ أنكر على الشيعة تمام الإنكار ما يقومون به من لطم الصدور والتمثيل والنياحة على الحسين، وزعم أنّ ذلك محرّم بل بدعة وضلالة، إنّها حملات شديدة ولهجات غريبة ظهرت بمظهر الإصلاح».

ثمّ يقول مريداً أن يبرهن أن لا ضرر جسديّاً من الضرب: «نحن نلتمس من الأستاذ سالمين أن يلطم صدره لزمن ساعة أو ساعتين، فإن حصل له شيء من ذلك (أي الأذى) فأنا ضمين له كلّ ما يقترح»!!


الصفحة 134
ثمّ يختم كلامه بقوله: «لم أقصد بكلمتي هذه إلاّ الذود عن الحقيقة...».

كما أنّ أنصار الدعوة كانوا يقظين، فتناول نور الدين منهم كاتبان وقّع أحدهما مقاله بتوقيع «حبيب بن مظاهر»، ووقّعه الثاني بتوقيع «أبو فراس» وقد جاء في مقال الأوّل:

«نكتب هذه الكلمة الموجزة ليعلم أنّ الطائفة الإسلاميّة الشيعية قد ابتليت كغيرها من الطوائف بفئة خاصّة من الخلق، دأبها قلب الحقائق والمكابرة لدى الدليل حينما يؤوب إليها رشدها - أنّ تلك الأعمال قد اتّخذها أمراء الشيعة سنّة من عهد القرن الرابع إلى يومنا هذا.

فإذا قيل لها: إنّ عمل الأمراء وأتباعهم من الرعاع لا يصلح أن يكون حجّة شرعية، قامت وأعادت تمثيل تلك الرواية وزادت عليها قول: «واسنّة نبيّاه».

وإذا اعترضت عليها بأنّ الشيء لا يكون سنّة نبوية إلاّ إذا صحّت روايته عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ عمل غير واجب العصمة لمصلحة اقتضته لا تبرّر العمل المضر، جابهتك بالسباب والتفسيق والتكفير، فيخيّل إليك أنّها من بقايا رؤساء الكنيسة في القرون الوسطى.

ولا تحسبنّ أنّ هذه الفئة اكتفت بالقول السيىء، بل اجتهدت في إضرام نار الفتنة حتّى بين الأخ وأخيه والولد وأبيه، فكانت العائلة وهي في مسكن واحد منقسمة إلى قسمين، قسم يحبّذ تلك الأعمال البربرية وقسم ينكرها.


الصفحة 135
ثمّ بعد هذا كلّه إذا جاءها أحد المصلحين الغيورين، وأثبت لها بالحجّة الراهنة الدامغة حرمة الكذب في المأتم الحسيني، وحرمة إضرار النفس بضرب الزنجير وشجّ الرأس واللطم الدامي وإدخال الأقفال في الأبدان، وتشبّه الرجال بالنساء، إلى غير ذلك من الأعمال الهمجية، قامت عليه وأعادت تمثيل رواية القذف والسبّ».

إلى أن يقول: «هذا مُجمل ما أحدثته هذه الفئة، وقد طبعت في ذلك وريقات كلّها سباب وشتائم شأن صبيان الأزقّة».

وجاء في مقال الثاني:

«كنّا نحسب أنّ كلمة الداعية الإسلامي المفضال الأستاذ محمّد علي سالمين ستكون الأخيرة من نوعها في موضوع المأتم الحسيني، وأنّها سيكون منها مقنع لجماعة التهويش، فيفهمون أنّ الأُمّة قد اقتفت أثر مصلحيها، وأنّ هذا الذي يستندون إليه من الضوضاء والضجيج لا يُحسدون عليه.

ولكن كلمات جاءت بتوقيع نور الدين شرف الدين، جعلتنا نعلم أنّهم لا يزالون يحسبون أنّ التهويل يوصلهم إلى ما يأملون!

إنّني لا أُريد هنا أن آتي بأدلّة جديدة أُقدّمها بين يدي القارىء الكريم، ولكن الذي أريده هو أن أفهم صاحب تلك الكلمات ومن لفّ لفّه ونفخ في بوقه ومن حرّضه ودفعه، أنّنا بعد اليوم لن نعير كلّ ما يصدر من هذا القبيل أقلّ اهتمام، وأنّنا نضنّ بأوقاتنا وأوقات القرّاء أن تُشغل بهذه


الصفحة 136
الأُمور التي أصبح مفروغاً منها، فلينضحوا كلّ ما في نفوسهم، ويسوّدوا ما يشاؤون من الصحف، وسيرون أنّ هذه البذور الإصلاحية التي تعهّدها أفاضل الأُمّة وساداتها بالرعاية ستنمو وتأتي أُكلها في وقت قريب.

ولن يضير هؤلاء الكرام أن يقول عنهم نور الدين: إنّهم مهووسون».

وهاجم الدعوةَ وصاحبَها الشيخُ عبد المهدي المظفّر في البصرة، فأصدر رسالة سمّاها «إرشاد الأُمّة للتمسك بالأئمّة» قال فيها:

«وهذا السيّد - يعني مؤلّف رسالة التنزيه - قد كُنّا نسمع عنه أنّه من أهل المآثر الحسان، وذوي المكانة السامية في العلم.

ولكن لمّا اطّلعنا على هذه الرسالة وقعنا في حيرة الشكّ ; لما اشتملت عليه من التهجّمات على الشيعة، والتهويلات الفارغة على مظاهر الشريعة، والاستدلال على مقصوده بما لا يليق أن ينسب إلى مثله.

وليته اكتفى بذلك وكفّ عن قدس صاحب الشريعة وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) ، ولم ينسب إليهم عدم العصمة عن فعل المحرّمات جهلاً بمواقعها، أو سلب الاختيار منهم عند وقوعها، وهذا ممّا يخالف إجماع الإماميين ; لأنّهم عندنا معصومون عن المعاصي عمداً وخطأ، إذ لو وقعت منهم جهلاً بها أو لغلبة الطباع البشرية عليهم لم تكن أفعالهم حجّة، بل ولا أقوالهم، ولم يثبت بهم اللطف الكامل علينا، فإنّ من لا يملك نفسه عن فعل المعاصي لا يكون مقرّباً في كثير من الأحوال إلى الطاعات، بل مبعداً عنها.


الصفحة 137
وإنّي لا أريد الردّ عليه في مقاصده، وإثبات رجحان تلك المظاهر الشريفة أو وجوبها الكفائي ; لكفاية ما كتبه للردّ عليه جملة من إخواننا الأفاضل، ولكن أتعرّض لبعض ما كتبه استغراباً له وإن كان كلّ ما فيها غريباً.

فمن غرائبها: نفي العصمة عن حجج الله وهداة دينه كما سلف، ومنها نفي العصمة عن شبل أمير المؤمنين العبّاس (عليه السلام) مريداً به إثبات المعصية له في حال الوفود على ربّه، فالسيّد يثبت له المعصية والإلقاء بالنفس إلى التهلكة بلا وجه شرعي، والإمام (عليه السلام) يصفه بصلابة الإيمان. والسيّد ينقم عليه رمي الماء من يده، والإمام يمدحه بالمواساة.

ومنها: استدلاله على حرمة تلك الشعائر المحترمة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج(1) فإنّي لا أعرف كيف يكون الحكم لغير الإلزامي حرجاً وتكون الحرمة ليست بحرج.

ومنها: استدلاله على الحرمة بقوله: «لا يطاع الله من حيث يعصى»، فإنّه جعل محلّ النزاع مفروغاً عن حرمته حتّى صيّره من مصاديق الحديث.

فيا عجباً! أهذه المظاهر التي مضت عليها القرون الكثيرة، وهي شعار للشيعة، حتّى أنّ بعضها مضى عليه ألف سنة، تكون بنظر السيّد محرّمات مفروغاً من حرمتها، والشيعة بأجمعهم في جميع الأزمنة بين مرتكب للمحرّم، وبين تارك للنهي عن المنكر راض به؟!

____________

1- الحج (٢٢): ٧٨.


الصفحة 138
فيحقّ لنا أن نستسعد بدعائه ودعاء جماعة المصلحين بالغفران لإخواننا المؤمنين، ونستشفع بهم إلى الله في خلاص رقابهم من النار.

ومنها: جعله التذكار الحسيني بأطواره وشؤونه مجلبة للنقص والعار، ومحلاًّ للاستهزاء عند الأغيار.

بربك أيّها المنصف البصير، هل تصلح أمثال هذه التلفيقات دليلاً على حكم شرعي؟!

ومنها: إنكاره مجيء زين العابدين (عليه السلام) من الحبس لدفن أبيه (عليه السلام)، فإنّه ما أنكر إلاّ أمراً مسلّماً، وقد بلغني أنّ جماعة انتصروا للسيّد محسن وأيّدوه في إنكار دفن زين العابدين لأبيه بدعوى أنّه مخالف لمقدورات البشر، ولعمر الحقّ هذا هو الأمر الموجب للخروج عن الإسلام»(1)، (انتهى).

وتتابعت الرسائل في الهجوم على رسالة التنزيه، وقد عدد بعض أسماء أصحابها نور الدين فيما تقدّم من كلامه، وكلّ الرسائل لا تخرج عن هذا المنطق ومنطق نور الدين المتقدّم، وإن كان بعض الرسائل تعمّد البذاءة والإيغال في الشتائم وسيّىء القول، ومثل ذلك القصائد والمقاطيع الشعرية.

وقد اكتفى أنصار الدعوة بإخراج رسالة واحدة للرد على الجميع هي رسالة «كشف التمويه عن رسالة التنزيه» لمؤلّفها الشيخ محمّد الگنجي، ولكنّهم اتّخذوا من الصحافة الحرّة ميداناً رحيباً لأقلامهم المتوثبة، وكان ممّن أبدع في ذلك الشيخ محسن شرارة والأستاذ سلمان الصفواني وغيرهما.

____________

1- اُنظر هذه الرسالة المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٤٢٨:٦.


الصفحة 139
ومن أشرس من قاوم الدعوة في لبنان كان السيّد عبد الحسين شرف الدين، الذي كتب رسالة عنيفة أسفّ بها إلى سيّىء القول ونحلها صهره الشيخ عبد الله سبيتي، كما أوعز إلى ولده السيّد محمّد علي بأن يصدر رسالة، وإلى ابن شقيقه السيّد نور الدين بأن يوالي حملاته.

وقد استغل موت إحدى قريباته من آل الصدر في العراق، فأقام لها أربعيناً في صور، حشد له من استطاع حشدهم من الناس، وألقى هو بصوته الجهوري خطاباً هاجم فيه الدعوة وصاحبها، كما ألُقيت قصيدة هجوميّة لصاحب الكتيب المار ذكره.

وقال خير الدين الزركلي صاحب كتاب الأعلام عن السيّد عبد الحسين شرف الدين: «وكان يؤخذ عليه إباحته للعوام ضرب أجسامهم بالسيوف والسلاسل في ذكرى سيّد الشهداء الحسين»(1).

وقد كان موقفه هذا في سنة ١٩٢٨م نفس موقفه من دعوة السيّد هبة الدين الشهرستاني سنة ١٩١١م.

____________

1- الزركلي، الأعلام، المجلد الثالث، ط١٩٨٩، ص١٧٩.


الصفحة 140

الشعر في المعركة

كان للشعر دوره في معركة الإصلاح، فمن ذلك قول الشيخ مهدي الحجّار - أحد علماء النجف - مخاطباً السيّد محسن الأمين من قصيدة:


يا حرّ رأيك لا تحفل بمنتقدِإنّ الحقيقة لا تخفى على أحدِ
فهل على الشمس بأسّ حين لم ترهاعينٌ أُصيبت بداء الجهل لا الرمدِ
ومصلح فاه بالتنزيه ليس لهغير الحقيقة - أي والعدل - من صددِ
تأسَّ يا محسن فيما لقيت بمالاقاه جدّك من بغي ومن حسدِ

ومن الشعر الذي قيل، الأبيات التي جاءت ردّاً على ما كان ينشده لاطمو الصدور وضاربو الرؤوس وهم يجولون في شوارع النبطية، ممّا لقّنهم إياه مهاجمو الحركة الإصلاحية، وهو:


لعن الله أُناساًحرّموا ندب الحسين


الصفحة 141
فكان الردّ الشعري:


أبعدَ الله أناساًقولهم كذب ومين
ألصقوا بالدين ممّاقد أتوه كلّ شين
أظهروا للدين حبّاًوهو حبّ الدرهمين
قطّ ما سالت عليهمنهم دمعة عين
قد أعادوا عصر عمرويوم نصب الحكمين
ولكم سُبّ علي المرتضى في الخافقين
أسد الله ببدر وبأُحد وحُنين
بعلي لبنيهشبه في الحالتين
ولعثمان قميصلم يزل في الزمنين
أنا لا أطلب فيهمأثراً من بعد عين
كلّ عصر في الورىفيه يزيد والحسين


الصفحة 142


الصفحة 143

آراء في السيّد محسن الأمين


الصفحة 144


الصفحة 145

بعد سبع وستّين سنة

بعد سبع وستّين سنة من صدور رسالة التنزيه (١٩٢٨م) جرؤت السلطات في الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية على أن تتبنّى رأي السيّد محسن الأمين، فقد نشرت الصحف اللبنانية في أوّل شهر حزيران سنة ١٩٩٥م هذا الخبر:

«طهران - وص ف - دعت السلطات الإيرانية السكان إلى أن يمتنعوا عن إيذاء أنفسهم في الاحتفالات الخاصة بعاشوراء، التي تجري يومي الثامن والتاسع من حزيران.

وأعلن مجلس الأمن الداخلي برئاسة وزير الداخلية علي بشارتي أنّ قوى الأمن «ستتصدّى بحزم لأي كان» يتسبّب في إصابة نفسه بجروح في هذه الاحتفالات.

ودعا المجلس أمس أيضاً أئمّة المساجد في كلّ البلاد إلى «توعية» الناس وإقناعهم بعدم اللجوء إلى مثل هذه الممارسات في ذكرى عاشوراء.


الصفحة 146
وقد حظر مرشد الجمهورية الإسلاميّة آية الله علي خامنئي العام الماضي هذه الممارسات «التي تُظهر الشيعة كأنّهم يعيشون في الوهم ولا يعيرون العقل أيّ أهمّية».

كذلك دعت منظمة نشر الدعوة الإسلاميّة - التي أُنشئت بعد قيام الثورة في إيران - المؤمنين في العالم إلى التبرّع بدمائهم للمستشفيات بدل إهراقها بهذه الطريقة».


الصفحة 147

سيّد العلويين والأمويين

بقلم الأستاذ جعفر الخليلي

صاحب جريدة الهاتف العراقية

«المفروض أن يكون العالم الروحاني رجلاً جافّاً خشناً، تدلّ على ذلك مآكله وملابسه وأفكاره، وسواء أكان هذا المفروض حقّاً أم باطلاً، فقد وجد أنّ أكثر العلماء الروحانيين عاشوا على هذه الوتيرة، يتهيّبهم الناس لجفافهم وعدم فهم أفكارهم وترفّعهم عمّا يحوط الناس ويكتنفهم.

أمّا الذين انطبق عليهم تعريف المؤمن بأن يكون هشّاً بشّاً فقد كانوا قليلين، ومن هذا القليل كان السيّد محسن الأمين، فقد وعيت أوّل ما وعيت وأنا أسمع باسمه عالماً متجدّداً، ينزع إلى اللباب ويدعو للتبسيط.

فمالت نفسي له، وقرأت بعض عظاته وأفكاره، فدلّني المقروء على روحانية من صنف آخر غير ما ألفتُ أن أرى في النجف على الغالب،


الصفحة 148
فهفت نفسي إليه، وكلّما ازددت قراءة لأفكاره ازداد إيماني به كعالم أفهم ما يقول وأعرف ماذا يريد.

وكم كنت وأنا صبيّ أمرُّ على المسجد الهندي والمسجد الطوسي، وأخيراً الصحن الشريف في النجف، فأسمع العلماء يتدارسون ويتباحثون، فكان ذلك عندي كالرطينة، وإذا كان ذلك حقّاً باعتباره درساً من الفقه أو الأُصول، الذي هو فوق مستوى الرجال، فضلاً عن الأطفال، فأين الحقّ في هذا الكلام الذي يتداولون به في مجالسهم ويرسلونه تعبيراً عن أغراضهم؟!

إنّه لا يزال رطينة من الرطائن، لا يستطيع أن يتفهّمها كثير من الكبار وجميع الصغار على الإطلاق، ولكن بين هذه الرطائن التي ينطق بها العلماء، قد ينطق من أفواه بعضهم كلام مفهوم لجميع الكبار وكثير من الصغار، فترتاح إليه النفوس وينفذ إلى القلوب، ولم نعرف سبب هذا الاختلال حتّى قيل لنا: إنّ هذه اللغة المفهومة كلّها أو بعضها والروحية التي تدفع بها إنّما هي روحية المتجدّدين من العلماء، وكان السيّد محسن الأمين في طليعة دعاة التجدّد وعنواناً لروحيّتهم.

ومن الحقّ أيضاً أن نقول: إنّ هذا الذي سُمّي بالتجدّد لم يكن جديداً، وإنّما كان هو القديم، بل هو اللب والأساس من الدين، ومن العلوم الاجتماعية. ولكن الذي أخرج العلماء على قواعد الإيمان التي تتطلّب أن يكون العالم هشّاً بشّاً، هو الذي أخرجهم على مغزى التشريع وقواعد الدين،


الصفحة 149
وانتحى بهم ناحية هي وأُصول الدين الصحيح على طرفي نقيض، فإذا بنا لا نعرف منطوقهم ولا محمولهم ولا ما يهدفون إليه.

وما لنا وهذا الآن، وكلّما أُريد أن أقول بأنّ أوّل ما جذبني من السيّد محسن كان هذا الذي يقوله السيّد محسن فيفهمه الناس ويتحسّسون بخطره وقيمته، وازددتُ معرفةً به من أبي، فقد كان أبي زميله في الدرس مدّة طويلة وصديقه مدّة إقامة السيّد محسن في النجف طالباً للعلم.

ثمّ علمت أنّ للسيّد محسن أنداداً من العلماء، هم الآخرون كانوا ينفذون إلى النفوس بدعواتهم الإصلاحية وأحاديثهم الشهية.

والفرق بين السيّد محسن وغيره، هو أنّ السيّد محسن لم يكتف بالكتابة والوعظ والإرشاد، بل راح يعمل على قدر الطاقة لتنزيه الدين من الشوائب، والقضاء على كلّ تعقيد يوسّع الخرق، والعمل على تنشئة جيل صالح منذ أن ذهب إلى دمشق هادياً ومرشداً.

فتوجّه إلى تأليف كتب أدبية وأخلاقية مدرسيّة، وتأليف كتب خاصّة بتاريخ سيرة الحسين (عليه السلام)، وعرضها عرضاً مجرّداً من الشوائب والأكاذيب ; لاتّخاذها مصدراً لخطباء المنابر الحسينيّة.

ثمّ عمل لقيام المدرسة المحسنية في دمشق، وإلزام الخطباء بمراعاة خطّته في المآتم الحسينيّة.


الصفحة 150
وأوّل عمل قام به هو تحريم الضرب بالسيوف والسلاسل في يوم عاشوراء، ومقاومة الذين يستعملون الطبول والصنوج والأبواق وغيرها في تسيير مواكب العزاء بيوم عاشوراء.

فكان هذا أوّل عمل اتّخذ منه مخالفوه ذريعة لمهاجمته، وقد أيّدهم في نشاط الحملة كونها جاءت متفقة ورغبة العوام والسواد كلّ الاتفاق، واتسعت الحملة، وكان الشيخ عبد الحسين صادق في النبطية والسيّد عبد الحسين شرف الدين في صور ممّن خالف السيّد محسن الأمين، فبعثت هذه المخالفة في نفس السيّد محسن روحاً جديدة زادته حماسة وثورة في وجه القائلين بجواز الضرب بالسيف على الرؤوس في يوم عاشوراء، فأصدر رسالة التنزيه.

واتّجه الجميع إلى كبار العلماء يستفتونهم في أمر الضرب بالسيف كمظهر من مظاهر الحزن على أبي عبد الله الحسين، فأفتى المرحوم السيّد أبو الحسن الأصفهاني بحرمة الضرب بالسيف، وقال ما مضمونه: إنّ استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق، وما يجري اليوم أمثاله في مواكب العزاء بيوم عاشوراء، إنّما هو محرّم وهو غير شرعي.

وكان المرحوم السيّد أبو الحسن لم ينفرد بعد بالزعامة الروحية، بل كان في طريق انفراده بها، وكان له منافسون من العلماء، فكادت تجمع فتاوى منافسيه على خلافه، وتبعهم في ذلك كلّ الشيعة إلاّ القليل.

ودوّت هذه الفتوى المخالفة للسيّد أبو الحسن الذي أيدّ السيّد محسن في جميع الأندية والمجالس، وتبنّاها الخطيب الشهير السيّد صالح الحلّي،


الصفحة 151
الصفحة السابقةالصفحة التالية