المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 151 - ص 180) وقد كان من مشاهير الخطباء الذين قلّما تجود الطبيعة بأمثالهم من حيث القدرة والخبرة والجرأة، فصرخ بالناس وهاجهم ضدّ السيّد محسن الأمين.

وانقسم الناس إلى طائفتين على ما اصطلح عليه العوام: «علويين» و«أمويين»، وكان الأمويون هم أتباع السيّد محسن الأمين، وقد كانوا أقليّة لا يعتدّ بها، وأكثرهم كانوا متستّرين خوفاً من الأذى.

واتّخذها البعض حجّة لمهاجمة أعدائهم واتهامهم بالأمويّة، وكثر الاعتداء على الأشخاص، وأُهين عدد كبير من الناس، وضُرب البعض منهم ضرباً مبرحاً، وبلغت جرأة السيّد صالح أن تطاول على السيّد أبو الحسن وتناول السيّد محسن.

وبدافع إعجابي بالسيّد محسن وانطباعاتي عنه منذ الصغر وإيماني بصحّة دعوته، أصبحت «أُمويّاً» قحّاً في عرف الذين قسّموا الناس إلى «أمويين» و«علويين»، وكنت شاباً فائر الدم كثير الحرارة، فصببت حرارتي كلّها في مقالات هاجمت بها العلماء الذين خالفوا فتوى السيّد أبو الحسن والذين هاجموا السيّد محسن الأمين.

ولمّا كنت يومذاك موظّفاً، فقد نشرت مقالاتي في الجرائد بتواقيع مستعارة، وتبعني في عملي هذا عدد من «الأمويين». ثمّ ما لبثنا أن تعارفنا نحن «الأمويين»، وكان المرحوم الشيخ محسن شرارة في الطليعة، ولست أذكر ممّا مرّ، إلاّ أنّني أحسنت الدفاع عن السيّد محسن بقلمي ولساني حتّى هُدّدت بالقتل والاعتداء.


الصفحة 152
وكنت أجد في كثير من الأحيان رسالتين وأكثر قد أُلقي بها تحت الباب، تتضمّن إلى جانب التهديد بالقتل شتائم عجيبة غريبة، فكنت أسعى لالتقاطها قبل أن يعرف أحد عنها شيئاً، ذلك لأنّ لي أُمّاً ملتهبة العاطفة، أخشى أن يصل إليها خبر التهديد فتجنّ وتنغّص عليّ حياتي، وكان لي من حسن الحظّ من يدفع عنّي الشرّ رغم كونه من العلويين.

ومن الحقّ أن أُشير إلى المجتهد الكبير الشيخ عبد الكريم الجزائري، فقد كان ممّن ذبّ يوم ذاك - هو والزاهد التقي المرحوم الشيخ علي القمي، والعالم المعروف الشيخ جعفر البديري - عن السيّد محسن، ولكن التيّار كان جارفاً والقوّة كلّها في جانب العلويين، وكانوا يتفنّنون في التشهير بالذين سمّوهم بالأمويين!

ولا تسل عن عدد الذين شُتموا وضُربوا وأُهينوا بسبب تلك الضجّة، وكان السبب الأكبر في كلّ ذلك هم العامليون الذين كانوا يسكنون النجف طلباً للعلم، وكان معظمهم من مخالفي السيّد محسن.

وممّن دافع عن السيّد محسن خارج النجف كان المرحوم السيّد مهدي القزويني في البصرة، وكان السيّد هبة الدين الحسيني الشهرستاني في بغداد، الذي ساعدنا نحن الذين تولّينا الكتابة والدفاع عن السيّد كثيراً، على أنّ دفاع هؤلاء لم يكن مستغرباً يوم ذاك، كما كان دفاع المرحوم الشيخ علي القمي ودفاع المرحوم الشيخ جعفر البديري لبعدهما عن روح التجدّد، وقد أثار هذان الأخيران في ذبّهما عن السيّد محسن دهشة الأوساط.


الصفحة 153
وقد استطاع السيّد محسن أن يوجّه مساعيه توجيهاً عملياً، فيحول بين أرباب المآتم الحسينيّة والمواكب وبين القيام بأيّة حركة تتنافى والشريعة الإسلاميّة، حتّى الخطباء فقد استطاع أن يسيطر عليهم ويحصر خطبهم ضمن دوائر معينة من الموعظة والإرشاد وقراءة سيرة الحسين وتاريخ شهادته، بعد أن كانت الفوضى عملت عملها حتّى بلغ من تصرّف الخطباء أن يرووا على منابر الحسين أخباراً وروايات هي أقرب للكفر منها إلى الإسلام عند علماء الشيعة.

أمّا النجف وسائر المدن الأُخرى، فقد قابلت دعوة السيّد محسن بردّ فعل قويّ شديد، ظهر أثره في أوّل شهر محرّم جاء بعد الفتوى، فقد ازداد عدد الضاربين بالسيوف والسلاسل، وازداد استعمال الطبول والصنوج والأبواق، وكثرت الأهازيج والأناشيد التي تتضمّن النقمة والتحدّي لتلك الحركة الإصلاحية، وخاف «الأمويّون» على حدّ تعبير الناس، وانسحب الكثير منهم من الميدان.

وبلغ السيّد محسن خبر هذه الضجّة، كما بلغه خبر الذين ذبّوا عن رأيه ودافعوا عن حركته، وظهر لي من شكره لي وثنائه عليّ في أوّل التقائي إياه أنّه كان يعرف كلّ شيء عن الحركة.

وأصدرتُ جريدة الفجر الصادق، وكنت فيها جريئاً على قدر ما تستدعيه حرارة الشباب واندفاعه، وكانت لي مع السيّد صالح الحلّي مواقف مشهودة، استطعت أن أنتقم منه للإصلاح، ولم أُبال بالتهديد والوعيد.


الصفحة 154
وكان المرحوم الحاج عطية أبو كلل يؤيّدني في موقفي لعدّة أسباب، أهمها كونه من مقلّدي السيّد أبو الحسن، ثمّ ارتباط أسرته بأسرتي ارتباطاً قديماً.

هذا إضافة إلى اتفاقي والحاج عطية ببثّ الدعوة لحمل اتّجاه مواكب الأنصار إلى النجف في يوم وفاة النبيّ٠، تلك الحركة التي كان هو وحده بطلها، وقد نجحت، ومنذ ذلك اليوم والمواكب تقصد النجف في يوم وفاة النبيّ من كلّ سنة.

فكان كلّ هذا سبباً لوقوف جريدة الفجر الصادق في وجه السيّد صالح الحلّي، وقوف من لا يخشى شيئاً ولا يخاف أمراً.

ولكي تتمّ الحملة بالنجاح ويتمّ الانتقام لدعوة السيّد محسن الإصلاحية، قامت جريدة الفجر الصادق بالدعوة للخطيب الأستاذ الشيخ محمّد علي اليعقوبي، وكان يومذاك يسكن في الجعارة (الحيرة)، ولاقت الدعوة لليعقوبي إقبالاً شديداً ; بالنظر لما كان يتمتّع به من مواهب أدبية وملكات ممتازة، وكثر على مرور الزمن التلذّذ بمنبر اليعقوبي، وبان أثر الانكسار على السيّد صالح جلياً، وتشجّع أنصار الحركة الإصلاحية بالظهور، ولم يعد يتردّد اسم «الأمويين» كثيراً كما كان يتردّد من قبل.

وزرتُ دمشق مصطافاً لأوّل مرّة، وكان أوّل عمل عملته هو زيارة السيّد محسن، وكان يسكن بيتاً إلى جوار المدرسة المحسنية، وجاء ذكر الحركة


الصفحة 155
الإصلاحية، فأفاض كثيراً في وصف العلل والفوضى التي تعمّ الناس وقال: إنّ الأمر بحاجة إلى أيد فعالة تنشل هؤلاء الجهلاء من جهالتهم.

وأذكر فيما أذكر أنّه قال لي ما مضمونه: إنّ السيّد صالح الحلّي هو أحسن خطيب عرفته المنابر الحسينيّة، وأنا أودّ أن نعدّ الخطباء على غراره إذا ما أردنا أن ننبّه الناس ونوجّههم توجيهاً صحيحاً، أمّا موقفه ضدّ الحركة الإصلاحية وضدي أنا فله تفاسير أُخرى لا يجوز أن تصدّنا عن قول الحقيقة.

إلى أن قال الأستاذ الخليلي:

وجاءت الأخبار تُنبىء أنّ السيّد محسن قادم إلى العراق، فاختلف أنصاره في أمره، فمنهم من رجّح مجيئه، ومنهم من لم يرجّح ذلك ; لأنّ الفتنة لم تكن قد خمدت بعد تماماً، وأنّ ردّ الفعل وإن بدا أخفّ من السابق، ولكنّه كان لا يزال غير مستهان به.

وكتب البعض إلى السيّد محسن بتأجيل قدومه، ولكن السيّد محسن كان جريئاً وغير هيّاب، فتحرّك من دمشق، وتحرّكت الجماهير لاستقباله، ودعا السيّد أبو الحسن إلى تبجيله وتكريمه، فتضاعف الغرض، وإذا به استقبال لم تشهد النجف نظيراً له، اشترك فيه العلماء والفضلاء والتجّار ومختلف الأصناف، ودنا منه الشيخ «كلو الحبيب» وهو من وجوه الطبقات المسماة بالمشاهدة، وهي الطبقات التي تمثّل النجف بقوّة السلاح، دنا منه الشيخ «كلو الحبيب» وترامى على قدميه ثمّ أخذ يقبل يديه ويقول: لعن الله من غشّني، ها


الصفحة 156
هو ذا وجهك النوراني يشعّ بالإيمان، فاغفر لي سوء ظنّي، فإنّما الذنب ذنب أولئك المارقين المغرضين الذين قالوا عنك ما قالوا(1).

وكان وجه السيّد محسن يشعّ بالإيمان حقّاً، فقد كانت له جاذبيته وسحره، وكان ينمّ عن نفس وادعة بعيدة عن التعقيد، لا غموض فيها ولا إبهام، فلا يلبث أن يراه أحد حتّى يحبّه.

ونزل في النجف ضيفاً على السيّد أبو الحسن المرجع الديني الأكبر في النجف، ثمّ انتقل بعد ذلك إلى بيت الشيخ خليل مغنية.

وقد زرتُ سماحته هناك، وكان محلّه غاصاً بطبقة كبيرة ممّن كان قد تألبّ وألبّ الناس عليه، ولكنّه ما كاد يراه حتّى ذاب أمامه كما يذوب الثلج أمام صيف الشمس الحارة، وبالغ الحاضرون في استقبالي والعناية بي في مجلسه ستراً لمواقفهم النابية، وخوفاً من أن أشير - وأنا العارف بفعلتهم - إلى ما بذلوا من جهود ومساع للنيل من السيّد والحطّ من شأنه، وكان معظمهم من العامليين.

وبولغ في إكرام السيّد محسن والحفاوة به، وكثرت الولائم والدعوات التي أُقيمت له، وفرضت شخصيته المحترمة نفسها حتّى على خصومه، فبالغوا هم الآخرون في تكريمه وتبجيله، ولم يخرج من النجف حتّى سقط اسم «العلويين» و«الأمويين»، ولم يعد أحد يقسم الناس إلى قسمين».

____________

1- وكان الشيخ «كلو» في طليعة الأشخاص الذين نالوا من السيّد محسن (رحمه الله) بشتائمهم، متأثّراً بالدعاية التي شنّها يومذاك خصوم الحركة الإصلاحية، ولم يكن الشيخ «كلو» وحده الذي ترامى على قدميه تائباً إلى الله وإليه.


الصفحة 157
واستعرض الكاتب بعد ذلك مقدّمات جمع المعلومات لكتاب أعيان الشيعة، وذكر شيئاً عن تجوال السيّد بين العراق وإيران وعدد النواحي الإصلاحية الأخرى التي برز فيها السيّد قال:

«ولقد بلغ من اتّجاه السيّد محسن العاملي أنّه حمل عدداً ممّن عثر بهنّ الحظّ حتّى أبحن عفّتهن وتجرّدن من عصمتهن للرجوع إلى حظيرة العفة والتزام التوبة، ثمّ دفع بهنّ إلى من هيّأ لهنّ زواجاً، فعشن شريفات ورزقن بأولاد صالحين ببركة مساعيه».

ثمّ استعرض الكاتب بعض مزاياه التي تعرّف بها شخصياً إلى أن قال:

«وكان آخر رؤيتي له سنة ١٩٣٩م حينما تفضّل فشملني بألطافه بردّ الزيارة، ولم أدر أنّني ألقي عليه نظرة لن تتكرّر، وأنّني أفارق وجهاً لن أسعد برؤيته ورؤية أمثاله مدى العمر».


الصفحة 158

ارتفع إلى مصاف أكابر الرجال

بقلم الدكتور حكمت هاشم(1)

«رئيس جامعة دمشق»

«أعتذر من الاعتراف لكم سادتي، أن قد شاع في سرّي غرور عذب، ولكن أُمنية الطامع لم تبلغ بي - وأنا من هذا على أتمّ الوثوق - حدّ التشوّف إلى مقعد كان يتبوؤه قبلي إمام جهبذ ومجتهد فحل، مثل رصيفكم الراحل السيّد محسن الأمين رضي الله عنه وطيّب ثراه.

فلمّا شئتم، باقتراعكم المفضل، أن تحلوا الخلف محلّ السلف - على ما يبدو لديهما من فارق النزعة وتباين القدر - لم أتبيّن سائقاً يحدو بكم على ما صنعتم غير الاستمساك برمز أرجو ألا أكون مخطئاً في استخراج مغزاه:

____________

1- ألقاها في الجلسة التي عقدت لاستقباله في ٢٥ آذار ١٩٥٤م بعد انتخابه عضواً عاملاً في المجمع العلمي العربي.


الصفحة 159
وهو تكريم الأمانة للفكرة، وتمجيد الوفاء للعقيدة مذ تستهويان قلب من آمن بهما عن إخلاص ووعي وبصيرة، فلا يصرفه عن «التزامهما» صارف ولا يجد عن الصدق بهما محيداً.

وأحسب - سادتي - من نافلة القول أن أُقرّر لكم أنّ حبّ آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) هو - فيما يتّصل بتلك الحياة الغنية الخصبة الفياضة الصالحة التي قضاها زميلكم العظيم - نقطة البداية وغاية الغاية. فائذنوا لي ما دام عليّ أن أستثير أمامكم ذكراها، أن أقف أمامكم أجيل الطرف في بعض حناياها، واغفروا لي إن عشيت العين الكليلة عن إدراك السنى اللألاء الذي تشع به مزاياها.

يشاء القدر أن يولد زميلكم منذ نحو قرن بشقرا، من أعمال مرجعيون في جبل عامل، ذلك الذي يقال: إنّ المتشيّع الأوّل أبا ذر الغفاري اتّخذه ملجأً بعد أن أخرجه معاوية إلى القرى. ويشاء البخت السعيد أن يتصل نسبه بالحسين السبط الشهيد ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبضعته.

فكيف، والعرق دسّاس، لا يفعل الدم النبيل الذي تمور به شرايين نابغة كمثله في صوغ وجوده على النحو الذي صيغ فيه؟ ولم لا يهيب به هذا الدم إلى موالاة ما اتصل ولم يتراخ من سلسلة الشرف والمعرفة والرياسة؟


الصفحة 160
لقد سمع من ذويه، وهو في غضارة السن، أنّ ممّا منّ الله به على العشيرة عدم انقطاع العلماء والفضلاء منها في القديم والحديث.

أليس في ما رووا أنّه منحدر من صلب ذي الدمعة (المدفون بالمحلّة السيفية) الذي لم تجف عبرته من خشية الله؟

أوليس ذلك الزاهد التقي هو ابن زيد الشهيد؟

أوليس زيد هذا بولد الإمام زين العابدين، الذي بلغ من جلالته أنّ مسلم ابن عقبة، بعد وقعة الحرّة، نكص عن أخذ بيعته ليزيد إلاّ على أنّه «أخوه وابن عمّه»، على حين بايع فيها أهل المدينة على أنّهم «عبيد رقّ ليزيد»؟

أوليس هو الذي تهيّبه خمسة من خلفاء بني أمية، فلم يجسروا على التعرّض لمدرسته التي أقامها في داره، لتكون خلال خمس وثلاثين سنة ينبوع الحديث والعلم والرواية لأمثال الزهري ومقاتل والواقدي ومحمّد بن إسحاق وكثير من الصحابة والتابعين؟

ثمّ ألم يكن أجداد مُترجمنا الأقربون بعد نزوحهم من العراق موضع التقديم والتجلّة في قومهم، حتّى لكانوا أصحاب المنزلة الرفيعة عند أمراء بلاد بشارة الممتدة من الليطاني إلى تخم صفد، والمتراميّة بين شاطىء البحر الشامي إلى الأردن وطرف البقاع؟

هذا مسجد قريته الجامع يعيد عليه رسم بانيه جدّ جدّه الوجيه الفقيه المتقن السيّد موسى بن حيدر، المكنّى بأبي الحسن، فيؤخذ بمرآه وهو يؤمّ


الصفحة 161
الأمير الجليل ناصيف بن نصّار في صلاة الجمعة، ووراءه خلق لا يحصى من أهل الأصقاع المجاورة.

وهذا أبو جدّه الأدنى عمدة الرؤساء السيّد محمّد الأمين، يروى له عنه أنّ والي عكّا أحمد الجزار لم يجد أحداً سواه يفاوضه على عودة أهل البلاد الذين فرّوا من وجهه لمّا نهب مالهم واستصفى عقارهم وأحرق خزائن كتبهم.

لكأنّي بالصبّي وهو يستمع إلى خبر الشيخ الصافي النحيزة، الذي وضع ابنه رهينة على وعد قطعه، ومع ذلك لم يسلم من أذى الجزار، تغرورق عيناه بالدمع لغدر الطاغية بالذي ما نكث له بعهد، ولكنّه لا يلبث أن تشرق أساريره بشراً ويشمخ عرنينه فخراً مذ يعلم حسن تلطّف الفتى الطليق للوالي، ونجاحه في فكّ إسار والده الذي جزي بنفيه إلى دمشق جزاء سنمار.

إنّ هذا الفتى النبيه الجريء هو السيّد علي جدّ السيّد محسن، ولعلّ الحفيد الصغير كان يداخله زهو بالغ من سيرة الشاب الهمام المقدام.

ألم يتلمّح من ثنايا تلك السيرة وجه صاحبها الرائع، فيتعرّف فيما يطالعه منه ما ورثه من مخايل النجابة وبعد النظر والحزم؟

أو لا يراه - في دامس المحنة - يضرب بحديد بصره في حاشية الجزّار فيتخيّر لصداقته أميراً مصرياً يعقد به أواصر المودّة ويتساقى معه في مكتبه رحيق المعرفة، حتّى إذا دار بالجزّار وبخليفته سليمان الدهر ألفاه


الصفحة 162
- في شخص عبد الله باشا - مقتعداً سرير عكّا، فيفد عليه ويجد عنده الحظوة والرعاية؟

أمّا الحظوة، فأعظم بها بادرةً يوم أعلى الصديق كعب صديقه في الفقهاء، إذ كان له الفلج عليهم في إيجاد مخرج ليمين كادت تحرم على الأمير زوجة حبيبة!

وأمّا الرعاية، فناهيك بالصوّانة ضيعة وافرة الغلّة زهيدة الخراج يقطعها الصديق صديقه، وليس من ذنبه بعد ذلك إن جاء الحسّاد - على وغر في الصدر مكنون - يدسّون السمّ للمنع عليه في قهوة البن، وأكبادهم تتلظّى موجدة وكيداً!

في ذلك الجو المليء بالمآسي والمفاخر والمحامد ديناً ودنيا، تتفتح مخيّلة السيّد محسن ابن السيّد عبد الكريم: أنّى تلفت ذهن الغلام اليافع لم يبصر إلاّ مواكب ﴿الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا(1)! فيم إذن لا يجتذبه نداء مناديهم وقد قرع سمعه من أغوار التاريخ؟

وعلام لا يتخذ عدّته فيغذ السير للحاق بركبهم والوقوف في صفهم؟

____________

1- البقرة (٢): ٦٩.


الصفحة 163
إلاّ ليهرع إلى مدارس ناحيته فلينكب على كتاب الله وحديث رسوله، وليجهّز نفسه بعلوم الآلة التي قيل له: إنّها لهما بمثابة المفاتيح.

هذا هو يتأبّط ابن الناظم والرضي والجاربردي والملاّ جامي والدسوقي والدماميني والشيرواني، وأمثال تلك المتون والشروح الصارمة فيمضي فيها نظراً وتعليقاً واستخلاصاً(1).

وها هو ذا يجوّد الذكر الحكيم فيرتّل خاشعاً قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ويقف طويلاً عند قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.

ثمّ ها هو ذا يفتح تفسير الطبري، فينال من نفسه ما رواه من قول إمام الهدى في علي كرم الله وجهه: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم».

وينظر في مستدرك الحاكم فتهتزّ جوانحه لما خوطبت به فاطمة: «ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين، فداك أبي وأمي»؟

فإذا قرأ في خطبة الوداع: «إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، استبان له الدرب، ونذر حياته للسلوك فيه على هدى الكتاب العزيز وهو العترة الطاهرة:

____________

1- كتب في أثناء ذلك مؤلّفاً في النحو ومنظومة في الصرف وحاشية على المطول وأخرى على المعالم، وابتدأ في جمع كتابه معادن الجواهر في علوم الأوائل والأواخر على نحو الكشكول.


الصفحة 164

حبّي لآل المصطفىخالطَ لحمي ودمي
هذا لساني دائبفي نصرهم وقلمي
حتّى تُوارى في ضريحــي بعد موتي أعظمي

ولكن آفاق شقرا وتبنين وهونين ومجدل سلم أضيق من أن تتّسع لمطامح الشاب النابه، وهذه نسائم سرّ من رأى والكاظمية وكربلاء والنجف الغروي تمرّ رخاء بقلبه، فتهيج الشوق فيه وتبثه أمل ساكنيها الأبرار في حلوله بين ظهرانيهم.

ما بال الرجل الشخيص الأيد لا يهجم إذن على شدّ الرحال إليهم، ولو فتّ في عضده أب هرم أضرّ بعينيه الزمان، ما دام قد استخار الله بذات الرقاع، إليكم السيّد ينحدر إلى صيدا فبيروت، ويركب البحر منها إلى الإسكندرون، ليلوي على حلب، ويخرج عنها إلى البادية فالفرات فبغداد، ويلقي العصا أخيراً في النجف الأشرف.

لكأنّي به - وقد بلغ الحمى إذ ذاك - يستخفّه وجد شديد، وهو يصغي إلى هاتف يحمل إليه نشيد السيّد الحميري:


امرر على جدث الحسيــين فقل لأعظمه الزكية
أأعظماً لا زلت من وطفاء ساكبة روية
وإذا أنخت بقبرهفأطل به وقف المطية
وابكِ المطهّر للمطهّــر والمطهّرة التقية
كبكاء ثاكلة أتتيوماً لواحدها المنية


الصفحة 165
نعم، إنّه ليستجيب فيبكي طويلاً إذ يذكر فاجعة العطش، وينظم من المراثي المشجية في الحسين وأمّه وأبيه وبنيه ما يملأ ديواناً كاملاً.

ثمّ إنّه ليطيل وقف مطيّته عشر سنوات ونيفاً كي يكرع ويعبّ وينهل ويعل من سلاف المعرفة «موجهاً إلى تحصيل العلم - كما يقول - همّة أعلى من الضراح(1) وعزمة أمضى من بيض الصفاح»...!

في هذا الطور من حياة زميلكم تغنى بضاعته ما شاء الله أن تغنى، وتطول باعه في الدراية والنظر.

إنّه لا يكتفي أن يقرأ المنطق والفرائض والأصول سطحاً وخارجاً على أيدي مشيخة أعلام كالهمذاني والخراساني والأصفهاني ومحمّد طه نجف، وغيرهم من أئمّة العرب والعجم، بل هو يشرع في التأليف - على كثرة الهموم والعيال - فيحبر مجلّدات في الفقه والتوحيد والأخلاق، ويجمع كتباً في التاريخ والحديث والجدل، حتّى يطبق أساتذته على أنّه «ترقّى من حضيض التقليد إلى أوج الاجتهاد».

بيد أنّ لواعج الشوق إلى الديار تبرح بزميلكم قبل أن يهدف إلى الأربعين، فلا ضير عليهم وقد نال بغيته من دار هجرته، أن يرجع إلى الوطن حاملاً معه مشعل دعوته.

____________

1- في القاموس المحيط: الضراح، كغراب: البيت المعمور في السماء الرابعة (كذا ولعلّه تحريف «السابعة»).


الصفحة 166
ولأمر ما يعزم أن تكون عاصمة تلك الدعوة دمشق، مذ ذاك يتّخذها سكناً لا يبرحه، اللّهم إلاّ لحجّ أو منسك أو إقامة يسيرة في مسقط رأسه.

ومذ ذاك تستعدّ هذه المدينة السمحة لشهود نشاط شيعي منقطع النظير، فكأنّ الزمان شاء لبني هاشم - خلال خمسين سنة كاملة - أن يعيدوا مع بني عمّهم من ولد مروان حساب التقاصّ في دار أموية...!

لستُ أقوى سادتي على تناول هذا النشاط الهائل في تفصيله ولا مجمله، وبحسبكم لتصور الحرج الذي داخلني من هذا الشأن، أن تعلموا أن مجمعكم - زاده الله بسطةً في العلم - بعث إليَّ من أجل إعداد هذه الكلمة بسبعة وخمسين مؤلَّفاً من مؤلفات الشيخ، أذكر أنّه قد ورد يومئذ على البال موقف جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي المعاصر، إذ أحجم عن تلخيص مذهبه الوجودي لمجلّة لايف في مقال مقتضب طلبته إليه، ولكن هل من سبيل للإحجام عن تلبية طلبتكم؟

تسمحون لي إذن أيها السادة ألاّ أخوض في جزء كبير من ذلك التراث، وأن أكتفي فأقول فيه ما قيل في كتب حجّة الإسلام الغزالي، من أنّها لو وزّعت على أيام عمره، لأصاب كلّ يوم منها عدّة كراريس!

بيد أنّي إن اضطررت للمرور سريعاً بتلك المجاميع اللطيفة التي ضمّ فيها المؤلّف طرفاً إلى طرف بعض الأخبار المتّصلة بعلم مذكور أو حادثة شهيرة - مهما تحتمل تلك الأخبار من نقد - فما يليق بي أن أتجاوز عن كتب ثلاثة تعكس إلى حدّ كبير لمعة من طراز تفكيره.


الصفحة 167
وأحب أن أقدّم الكلام على آخر هذه الكتب عهداً في تاريخ حياته، أعني كتاب نقض الوشيعة، لما خاض موسى جار الله التركستاني في «نقد عقائد الشيعة»، برز له زميلكم ـ (رحمه الله) ـ يدرأ مطاعنه الجارحة. وكان لابدّ لدفع ما ألصق بالمذهب من تهم ووصمات، أن يجيء الكتاب على الأسلوب الجدلي.

وأنتم تعرفون ما ربما انطوى عليه هذا الأسلوب من منطق العواطف الذي يجعله الميزانيون مرادفاً لتمويهات الغرض والهوى، (أرجو أن تعفوا عن هذه الإشارة، فالتعبير لمناطقة بور رويال).

والحقّ أنّ ذلك الكتاب ـ على الرغم من هذا التحفّظ - ليروع قارئه بإيمان المجتهد الكبير وسعة إحاطته وقوّة حجته ودامغ برهانه، حتّى أنّه ربما قاده لإعادة النظر في مواقف كان في نفسه منها شيء، كأمر «التلاعن والتطاعن»، و«عصمة الإمام»، وما إلى ذلك.

وأشهد أنّ المرء، في كثير من المواضع التي يبدو عليها أنّ ظاهر الحقّ في جانب الخصم، لا يلبث أن يخرج ميّالاً إلى العكس بعد سماع الرد.

فأمّا الكتاب الثاني فهو كشف الارتياب في أشياع محمّد بن عبد الوهاب(1)، وهو كما يتجلّى من عنوانه مخصّص لمناقشة المسائل التي يقوم

____________

1- انتهى منه بشقرا سنة ١٣٤٦هـ، وقدّم له بتاريخ الوهابية نقلاً عن مصادر: بعضها غير حيادي كأحمد بن زيني دحلان خلاصة الكلام في أمراء الرحام، وبعضها معتدل - بشهادة السيّد المرحوم، (راجع ص٩) - كمحمود شكري الألوسي تاريخ نجد، واستمد كذلك من مصادر أخرى كرفاعة بك ناظر مدرسة الألسن (جغرافيته المترجمة عن ملطبرون) وتاريخ الجبرتي... «ح. هـ».


الصفحة 168
عليها مذهب السلفية الوهابية، كتحريم البدعة، وهدم القبور، وإنكار الشفاعة والاستغاثة والتوسّل والحلف بغير الله والنذر والتبرك والتدخين والاجتهاد، وغير ذلك من الأمور المشهورة.

ولقد يعجب الناظر في هذا الكتاب لكبرى البوائق يرمي بها السيّد خصومه مذ ينقل له عن مصادر - موثوقة أو غير موثوقة - مثل قول إمام مذهبهم:

«الربابة في بيت الخاطئة أقلّ إثماً ممّن ينادي بالصلاة على النبيّ في المنائر»!

ولقد يداخله الدهش لتشبيه الوهابيّين بالخوارج «من ثلاثة عشر وجهاً»(1)! ولكنّه لن يحتاج إلى عناء كبير في كشف السرّ، إن هو التفت إلى المقدّمة فطالعته بالمقطع التالي: «الحمد لله... وبعد، فلمّا ضعفت شوكة ملوك الإسلام، وكان من ذلك استيلاء الوهابيّين من أعراب نجد على... الحرمين الشريفين وهدم مزارات المسلمين ومنها قبة أهل البيت (عليهم السلام) وقباب مواليد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعل قبور عظماء المسلمين معرضة لدوس الأقدام،

____________

1- راجع المقدمة ص٢١٤.


الصفحة 169
ووقوع القذارات وروث الدواب والكلاب، فأحرقوا بذلك قلوب المؤمنين، جئت بهذه الرسالة».

وأمّا الكتاب الذي يعدّ واسطة العقد في تأليفه، والذي أعتقد أنّه من الأوابد الخوالد الشوارد في تراثنا الإسلام، فهو أعيان الشيعة.

لقد كان في مشيئة السيّد أن يجعل من معلمته تلك مرجعاً تاريخياً لفرق الشيعة في الدول الإسلاميّة، ولعقائدها في الأصول والفروع، غير أنّه آثر أن يجتزىء باستقصاء أخبار الإماميّة الاثني عشرية: علمائها، ومتكلميها، وأصولييها وفقهائها، ومؤرخيها، ونسابيها، وجغرافييها، ومنطقييها، ومنجميها، وأطبائها، ونحوييها، وصرفييها، وبيانييها، وشعرائها وعروضييها، وأدبائها، وكتّابها ومصنفيها في فنون الإسلام في كلّ عصر.

على أنّه لم ير أن يحشد بين أولئك من لم يجد في حقّه إلاّ عبارة مختصرة كقولهم:ثقة، أو عين، أو صدوق، أو له كتاب، أو لا بأس به، أو ضعيف، أو من رجال أحدهم(عليهم السلام)، أو عالم فاضل معاصر، أو عالم صالح، أو يروي عن فلان أو يروي فلان عنه، أو نحو ذلك.

ليس من المبالغة ها هنا أن يقال عن السيّد محسن (رضوان الله عليه): إنّه ارتفع بهذا المؤلّف إلى مصاف أكابر الرجاليين في تاريخنا كابن عبد البرّ، وابن حجر العسقلاني، وابن سعد، وأضرابهم من أمثال الخطيب البغدادي وابن عساكر وياقوت الحموي وابن خلكان والصفدي ومن إليهم.


الصفحة 170
ولئن كان فيه مستقصياً متتبّعاً محقّقاً إلى الغاية التي تنوء بالوسع، فإنّ أصالته وميّزته - على حسب ما أظن - في انتصاره الوفي لفضلاء أهل البيت، وإشارته المنصفة إلى ما نالهم من ظلم ونسبة باطلة، ثمّ في حملته الجرئية على من عرّض لهم بالوقيعة أو التحامل.

تراه إذا ذكر أنّ أبا العيناء ادّعى خطبة الزهراء بعد أن منعها الصدّيق فدكاً، أو أنّ نهج البلاغة هو للشريف الرضي، لم يحجم أن يحتجّ على النقيض ثمّ يقرر: «هذا باطل لا يلتفت إليه بعد رواية الثقات له وتصحيحهم إياه»(1).

وإذا جرى للرافعي في إعجاز القرآن لغو غير مهذّب في حقّ الرافضة، لامه السيّد لوماً عنيفاً على «اتقاد نار العداوة والعصبية في قلبه الذي أنطق لسانه بالفحش وأخرجه إلى سوء القول».

وكذلك فعل بالدكتور أحمد أمين وبالأستاذ محمّد ثابت المصري طوال مائة وثلاثين صفحة مرصوصة من كتابه.

ومن الطريف أنّه لمّا عتب على أستاذنا المغربي لأنّه لم يقرّظ كتبه غير المتصلة بالأدب والشعر، لم يجد بُدّاً من أن ينهي كلامه بالمنافحة الشديدة عن الشيعة والتعريض الساخر - على طريقة إياك أعني - بمذهب الحشوية قال: «ولم يدخلوا في معتقداتهم أنّ الله ينزل كلّ ليلة جمعة إلى

____________

1- راجع مواضع مختلفة من اعيان الشيعة: الجزء الأوّل.


الصفحة 171
سطوح المساجد، ولا أنّ النبيّ رآه في ليلة المعراج بعيني رأسه، ولا أنّ العبد مجبور على أفعاله ومثاب ومعاقب على ما أجبر عليه».

ولعلكم سادتي أغضبتم زميلكم ذات مرّة إغضاباً شديداً حتّى دفعتموه لأن يقول عن مجلتكم ما ليس من الأناقة في هذا المقام إعادة روايته بمسمع منكم، وحسبي في الاعتذار لسلفي أن أقول: لم يكن في حياته - غفر الله له - من دم مسفوح، ولكن في إهاب هذا الشيخ الجبّار ذي الهامة الهرقلية نفساً كنفوس أولئك التوّابين بعين الوردة، الذين استماتوا في صفوف سليمان بن صرد والمسيب الفزاري ثأراً لدم الحسين!

وبعد أيها السادة فإنّ أسفي شديد لأنّي لم أسعد بلقاء زميلكم والتعرّف عليه عن قرب، حتّى أجلو لكم خصائص خلقه وشخصيّته، ولكن أصدقاءه وتلامذته يرسمون له صورة تستهوي الأفئدة في بساطتها وسموّها على السواء.

لقد أشادوا بما عرفوا فيه من تواضع وزهد بالجاه، وعزوف عن المنزلة، واحتقار للمظاهر الباطلة الغرارة.

ذكروا أنّه ما بالى قط متاع الحياة، فاجتزأ بما يسدّ البلغة ويقوم بالأود، كان يسعى لشأنه بنفسه، ويباشر بيده تهيئة طعامه غير حافل برفاهية أو مشرب، ولا ملتفت إلى زينة في شارة أو كسوة... كذلك شأن العظماء ينكرون ما أسماه نيتشه «فلسفة الخيّاطين» فلا يؤمنون أنّ الثوب يخلق الراهب، ولا أنّ الزنار المفضض خير من الذكر الحسن.


الصفحة 172
ولقد صوّروا ما رأوا فيه من ورع وتقوى وعفّة يد ولسان، وشهدوا أنّ «الآلاف ذهباً كانت ترد عليه فما يمسّها ويحوّلها للحال إلى وجوه الخير»، بل ربما أنفق ماله على تأسيس المدارس ووقفها في عصر أذلّ فيه الحرص أعناق الرجال.

كذلك شأن الزاهدين الأصفياء أزكياء النفوس يحقّرون الاستكثار ويأنفون من التكالب على الرزق ; لأنّهم لا يقيسون الفضل بذلك المقياس العجيب الذي حدّثنا عنه يوماً أحد عمداء العلم وأسماه «مقياس عدد الأصفار»!

ثمّ هم أطبقوا على جودة رأيه، وشجاعة قلبه، وثبات جنانه، وتحرّره من العصبية والجمود، ونهوضه بما يعتقد أنّه حقّ.

كذلك شأن الروحانيين المخلصين، لا يدارون في فكرتهم ولا يداجون ولا يصانعون، ولا يتلمّسون مجداً رخيصاً قائماً على تملّق العامّة واسترضاء الدهماء، ذلك بأنّهم أدركوا سرّ تلك الحكمة العسجدية المنقوشة في صدر تريستان وايزولت، والتي تصلح شعاراً للمثاليين جميعاً من كلّ جلدة: «ما لا يقدر عليه السحرة، فباستطاعة القلب أن يأتي به بقوّة الحبّ والبطولة»!

رحم الله زميلكم، ما أروع سحر الانسجام في علمه وعمله! ألم يكن ذا قلب كبير يفيض بالبطولة وبالمحبّة؟


الصفحة 173

الالتزام في فكر الإمامين

الشيخ محمّد عبده والسيّد محسن الأمين

بقلم الدكتور محمّد سعيد الرحيل

قاد الشيخ محمّد عبده دعوة الإصلاح في الإسلام السنّي، وقادها السيّد محسن الأمين في الإسلام الشيعي، وفي هذه الدراسة مقارنة بين المصلحين الكبيرين:

هذا البحث، الالتزام في فكر كلّ من الإمامين الشيخ محمّد عبده والسيّد محسن الأمين، منطلق من أنّ الإنسان مفطور على فاعلية مميّزة له، تعلّل كونه مسؤولاً عن أعماله، وبالتالي تؤكّد أنّه مكلّف في حياته الدنيا ; لذلك فكلّ جهد إنساني يُقيّم على خليفة الالتزام أو يُقاس بمدى توفّر «مبدأ الالتزام» فيه: منطلقاً، منهجاً، غايةً وأثراً.

فعلى تلك الخلفية أو الأرضية ارتأيت مقياساً ; فيه واقعية ومعبّر عنها بالخطوات.


الصفحة 174

القيم التالية:

تحليل لواقع المجتمع العربي الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والربع الأوّل من القرن العشرين.

تحديد إشكاليات ذلك المجتمع في تلك المرحلة.

تحديد المؤثّرات التي كوّنت ذهنية كلّ من الشيخ والسيّد.

إبراز الهموم التي شغلت بال كلّ منهما.

تحديد المنهج أو الطريقة التي اتبعها كلّ منهما في معالجة تلك الإشكاليات.

ثمّ، النقطة الأخيرة (الخطوة الأخيرة)، التي هي المؤشّر على لائحة الدرجات (القيم)، أي الحكم أو معرفة مدى استجابة كلّ منهما لدواعي الإصلاح والتغيير.

وبعد البحث والتحليل وجدتُ أنّ واقع المجتمع العربي الإسلامي في المرحلة التي يدور عليها البحث، يتصف بالتالي:

التخلُّف الدالُّ عليه الفقرُ، تسلّط الحكّام، (ولاة... أمراء... إلخ...)، والاستتباع...

الاغترابيةُ الدالُّ عليها عدم سيطرة الإنسان العربي المسلم على مصيره وعلى موارد وطنه... واستلابُ إراداته...

وبالانتقال إلى سيرة حياة كلّ من الإمام والسيّد وجدتُ أنّ كلاًّ منهما ينتمي إلى بيت علم وجاه وفّر له تربية صالحة، وأمّن له متابعة الدراسة


الصفحة 175
والتحصيل... كلّ من بيئته (الأزهر في مصر بالنسبة للإمام... والنجف في العراق بالنسبة للسيّد)... ثمّ تخرّجا... وأخذ كلّ منهما يمارس حياته العامّة حسب قناعاته أو كما يرتئي. وهنا بدأت الفوارق تظهر فيما بين اهتماماتهما داخل المجتمع، وفيما بين اهتمامات كلّ منهما وحاجات أو ضرورات واقعه المجتمعي...

فالإمام المتعلّم، المثقّف والمتفقّه... يطمح إلى اعتلاء المناصب الإدارية... وحتّى السلطوية... داخل مجتمعه المهترىء... ولذلك وعى الإصلاح من داخل السلطة والمؤسسات عن طريق التوجيه والوعظ والتحريض، بالطبع بعد أن يكون قد كشف عن مكامن الخلل والفساد داخل المجتمع وحسب رؤيته... والسيّد كان زاهداً بأمور الدنيا إلى درجة أنّه لم يطمح لأن يشغل أي منصب في الدولة... بحيث قصر همّه على البحث والاجتهاد والتفقّه...

ثمّ وجدتهما يعودان فيما بعد ليلتقيا، بالطبع دون الاتّفاق عن طريق الاتصال فيما بينهما، في اعتماد منهج أو طريقة لمعالجة قضايا المجتمع بالأسلوب السلمي الهادىء، أي عن طريق الوعظ والإرشاد... أو حتّى التحريض...

وفي النقطة الأخيرة قمت بعرض مجهودات كلّ منهما على أرضية المقياس الذي وضعته في بداية البحث... فوجدتُ أنّ كلاًّ منهما يفعل تحت تأثير المسار التقليدي لبيته العائلي... وإذا خرج عن ذلك المسار،


الصفحة 176
(أعني الإمام...)، فلكي يعود إليه بطريقة أخرى... فهما إمامان من أئمّة العلم الشرعي وفقيهان من فقهاء الدين الإسلامي...

ومع ذلك لم يعيشا حياتهما داخل واقعهما المجتمعي المهترىء... بحيث يؤكدان التزامهما مبدأ فطرية التكليف... ولذلك لم يؤثرا على مجريات الأمور، (في مسارها اللاإنساني أو اللاإسلامي)، في زمانهما... أو فيما بعد من الأزمان... وهنا وجدتني أمثّل بشخصيات عربية إسلامية لها سيرة حياتها... وتاريخها...

كما أنّني وجدت طرح «إصلاح ديني» ليس واقعياً: الدين رسالة سماوية منطقها يؤكّد كليّتها وشمولها... وبالتالي ثباتها... أبد الدهر... لذلك فهذا طرح مدسوس، مهما كانت الغاية منه... ولذلك ارتأيت طرح «إصلاح الإنسان في وعيه» أو «التزام أو إلزام الإنسان بفطرته»...

يولد الإنسان مفطوراً على فاعليّة مميّزة له عن باقي المخلوقات، مُعبّراً عنها بمجموعة من القوى العقلية والنفسية والجسدية التي توضع ذاتها خلال سنيّ حياته، (يكفيه تمثيلاً لذلك تمتّعه بقوة الإرادة وبكامل الحرية)، وعليه يتّضح مفهوم كونه مسؤولاً عن أعماله، وبالتالي كونه مخلوقاً مكلّفاً في حياته.

من هنا فإنّ تقييم جهد أيّ إنسان إنّما يكون محصوراً في الكشف عن مدى توفّر مبدأ الالتزام فيه، (منطلقاً، منهجاً، غايةً وأثراً).


الصفحة 177
وعلى ذلك فقد ارتأيت أن يكون موضوع بحثي هذا تراث كلّ من المفكّرين العربيين الإسلاميين، الشيخ محمّد عبده والسيّد محسن الأمين، والذي سأفصّله في النقاط التالية:

١ - عرض وتحليل لواقع المجتمع العربي الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

٢ - تحديد إشكاليات ذلك المجتمع في تلك المرحلة.

٣ - معرفة المؤثّرات التي كوّنت ذهنية كلّ من الشيخ محمّد عبده والسيّد محسن الأمين.

٤ - إبراز الإشكاليات (الهموم)، التي شغلت بال كلّ منهما.

٥ - تحديد الطريقة أو الوسيلة التي اتّبعها كلّ منهما في معالجة تلك الإشكاليات.

٦ - معرفة مدى استجابة كلّ منهما لدواعي الإصلاح والتغيير.

كذلك فإنّني أرى ضرورة طرح الأسئلة التالية والتعليق عليها:

هل الحالة التي كان عليها المجتمع العربي الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هي مرحلة من مراحل نموه الطبيعي؟ أم هي ظرف فُرض عليه ولا يمتّ إلى أصالته بشيء؟


الصفحة 178
وهل إنتاجية من أنتج في تلك المرحلة تعبّر عن وعي صاحبها فقط؟ أم هي دالّة يُفهم بها أنّ إنسان المجتمع العربي الإسلامي في العصر الحديث بدأ يستيقظ استيقاظ المنهك وينهض نهوض العاجز المتعثّر؟

أم أنّ تلك الإنتاجية جاءت ردّة فعل ليس إلاّ على شعور صاحبها بحالته الاستلابية، وبالتالي كان تحرّكه تعبيراً عن ذاته، ولكن في إطار النزوع التغريبي وتحت وطأة تسلّط النهج التتريكي لسلاطين الإمبراطورية العثمانية؟

أم أنّ تلك الإنتاجية تعكس ذاتاً تخلّت، (طوعاً وتحت ضغط الشعور بعقدة الدونية)، عن أصالتها (طبيعتها)، متماهية بذات المستعمر الغالب المتسلّط؟

كذلك فإنّني أرى أنّ مادة الإجابة عن تلك الأسئلة قائمة في العرض والتحليل لوقائع تلك المرحلة ; إذ تشكّل في جانب منها المنطلق والمقدّمة أو المعرفة الأوّلية اليقينية المعتمدة مقياساً لتقييم إنتاجية مفكري تلك المرحلة التي تكوّن - أي الإنتاجية - الجانب الآخر من تلك الإجابة.

وإنّني أسارع إلى القول: إنّ تاريخ ذلك المجتمع في العصر الحديث هو عبارة عن حالة (أو نتيجة)، نتجت عن وقوعه، بشراً وحجراً، تحت وطأة استلاب تعود بداية إلى زمن نهاية دولة الإسلام أيام النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)...


الصفحة 179
وإذ كانت قد برزت بعض الالتماعات الأصيلة، خلال ذلك التاريخ الطويل، فإنّها قصيرة الأمد محدودة الأثر، وبالتالي لم تشكّل حلقات متتابعة في المسار الحضاري العربي الإسلامي الأصيل...

وإذا قدّر لإحدى تلك الالتماعات أن تثبت في وجه الإحباطات والتحدّيات المحيطة فما ذلك إلاّ لمدة قصيرة، سريعاً ما يزول تأثيرها بزوال صاحبها أو حامل لوائها...


الصفحة 180

واقع المجتمع: عرض وتحليل

لقد تعاقبت شعوب كثيرة بأطماعها وتصارعت أحقاد أباطرة عتاة على المسلمين، (خاصة العرب منهم)، عبر تاريخهم الطويل بغير القضاء على العرب كأصل وعلى الإسلام كرسالة مقدّسة، وحتّى على الأرض العربية كمهبط وحي سماوي ; فبطون كتب تاريخ الحضارات تختزن ذلك، إذ لا ضرورة لتكرار تلك النصوص المؤكّدة لهذا المنحى...

إنّ التاريخ الحضاري لإنسان المجتمع العربي الإسلامي هو شهادة حيّة على كون ذلك المجتمع، (بما يمثّل أو لما يرمز إليه...)، مستهدفاً باستمرار للهجوم الدائم أو للغزو الهدّام، ولكن بوسائل مختلفة وبأسماء متباينة وبتمويهات متعدّدة...

غير أنّها كلّها تصبّ في خانة العدوان أو تهدف إلى التدمير، (المعنوي والمادي معاً).


الصفحة 181
الصفحة السابقةالصفحة التالية