المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 181 - ص 210) وإذا كانت بعض حالات ذلك التاريخ دالّة على شيء من الاستقرار والرخاء، فإنّ ذلك إنّما يؤكّد تغرّب ذلك المجتمع بإنسانه ومقدّراته، وبالتالي يوضح أنّ دورانه ذلك هو خارج دائرة الأصالة.

وهنا لابدّ من التنبيه بالقول: حذار أن يغرب عن البال، (سواء عن حسن نية أو عن سوئها)، ما تمتاز به روح الإسلام من التسامح والتعاون والبناء...

في الوقت الذي يكون فيه الأغيار (الشعوب الأوروبية بخاصة والغرب بعامّة) دائماً، وعبر تاريخهم الطويل، هم الغازين المهاجمين والعدائيين في علاقاتهم مع إنسان المجتمع العربي الإسلامي، (على الرغم ممّا يدّعونه من إيمان بالرسالة المسيحية حيناً، ومن ادّعائهم حمل رسالة العلم والمدنية حيناً آخر، منطلقاً لهم في علاقاتهم مع العرب المسلمين بعامّة ومع الإسلام بخاصّة).

وانطلاقاً ممّا سبق أدخل في سياق العرض التحليلي لواقع المجتمع العربي الإسلامي في تلك المرحلة فأقول: إنّ وقائع تلك المرحلة تؤكّد أن الأتراك العثمانيين تحكّموا طيلة أربعة قرون ونيّف في أكثر بقاع المجتمع العربي الإسلامي، سواء في آسيا أو في أفريقيا، فجعلوا الناس يعيشون في إطار اجتماعي طبقي، حيث تتحكّم قلّة من أصحاب الحظوة وطالبي الوجاهة وأصحاب النزوات... بالكثرة الساحقة المسلوبة من كلّ شيء سوى من القدرة على الخدمة الإلزامية، والعمل بالسخرة لصالح أعضاء تلك القلّة وأعوانهم.


الصفحة 182
والملاحظ أنّ الطبقة المسيطرة كانت عبارة عن خليط مختلف عرقياً ومتناقض ثقافياً: من أتراك، وعرب، وهنود... وحتّى من أوروبيين... يجمعهم قاسم مشترك هو الاستنفاع وتحقيق المكاسب الذاتية الآنية.

والغريب في أمر ارتباط تلك الأقوام هو قولها: إنّها تقيم دولة الإسلام! والأغرب في ذلك هو أنّ سلطة اتّخاذ القرار، سلطة المنع والمنح هي بيد التركي المتسلّط المحتكر شرعية تمثيل المسلمين، وأحقية وراثة الخلافة الإسلاميّة.

كذلك فبنية تلك الطبقة تعكس الذهنية المسيطرة في تشكيل جماعات ذلك المجتمع على أساس عنصري وحتّى ملّي... وهكذا تتضح سمة التخلّف المتغلغلة في جذور بُنى ذلك المجتمع ; فالطائفية اعتُمدت أساساً لتكوين البنية الاجتماعية (السكانية)، فهناك سُنّة وشيعة ودروز، وعلوية وإسماعيلية وكاثوليك وأرثوذكس، وبروتستانت، وموارنة وسريان.

فهذه الملل كانت تقوم في مناطق جغرافية أشبه بالكانتونات، حيث إنّ العدائية كانت الطابع المميّز لعلاقاتها فيما بينها، (يجب أن لا يغيب عن بالنا أنّ الانقسام الطبقي هو الذي يتحكّم بأفراد أو ملّة من الداخل)، ولأنّ الأتراك الذين زرعوا هذا الأساس العلائقي، يغذّونه دائماً بالتحريض أو بالإغراء تطبيقاً للقاعدة: «فرّق تسد».


الصفحة 183
ومهما يكن أمر الاضطهاد (قمعاً وحرماناً)، كعنصر أساس في العلاقة بين طرفي البنية الاجتماعية، فالذي لابدّ منه هو نموّ وتخزّن دوافع الثأر (على الأقل)، أو كوامن النهوض والتغيير، إن لم يقل: تهيّؤ محرّضات الثورة.

وإذا لم تكن دوالّ الثورة لدى المضطهدين عليه واضحة ; فلأنّهم محكومون بظروف القمع والإهلاك ; وهذا ما يبرّر الاستنتاج بحتمية التعبئة، والاستعداد للتغيير بشتّى الوسائل المتاحة لدى الإنسان الحرّ الملتزم.

والجدير ذكره هنا، هو أنّ الانقسام الطبقي داخل المجتمع العربي الإسلامي قام في المرحلة التي تلت مرحلة قيام دولة الإسلام أيّام النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة ; إذ إنّ الخليفة عمر بن الخطّاب نظّم الديوان وحدّد مقدار الأعطيات وفقاً لقاعدة وضعها هو بنفسه: «ويتحدّد مقدار العطاء تبعاً للنسب النبوي والسابقة الإسلاميّة»(1).

فالتقسيم الطبقي كان أخطر من ذلك عندما انشطر المجتمع إلى مهاجرين وأنصار، وعرب وموال، ومن أمّة عربية أو غير عربية وغير ذلك.

فكانت النتيجة أن توزّع المسلمون في طبقات ; إذ أصبح بعضهم أهل سعة ورخاء يتمتّع بشرف المُلك ولا يحمل أوزاره، ومال إلى حياة الدعة

____________

1- زهير حطب، تطور بُنى الأسرة العربية والجذور التاريخية والاجتماعية لقضاياها المعاصرة، معهد الإنماء العربي، بيروت سنة ١٩٧٦م، ص١٠٩.


الصفحة 184
فبنى القصور وزيّن الحدائق واستكثر من الجواري، وبذلك نشأت طبقة الأرستقراطية في تاريخ الحضارة العربية الإسلاميّة. ثمّ تحوّلت تلك الأرستقراطية القائمة على النّسب تاريخياً، إلى أرستقراطية مالكة للأرض.

وقد استتبع ذلك تطبّع تلك الطبقة بطابع الحياة الحضرية، (برؤية محض دنيوية). وقد أوكل أفراد تلك الطبقة إدارة أملاكهم الواسعة إلى الوكلاء الذين سخّروا الفلاّح واستغلّوه. كذلك فقد سمحت دولة الخلافة باستثمار أراضي الخراج بالنيابة عنها لقاء ضرائب معينة، ثمّ إنّ الخلفاء أجازوا اقتطاع الأراضي التي كانت تقع في أيدي المسلمين وليس لها من يطالب بها.

وأمّا في العهد الأموي فقد اتّضحت معالم الانقسام الاجتماعي طبقياً، بقيام طبقات فئوية تسيطر فيها القبائل العربية (التي تُنسب إلى قريش)، وأحياناً أعاد الأمويون العرب إلى القبلية وفضلوا قبائل عربية على قبائل غير عربية، يليها الموالي من المسلمين غير العرب، ثمّ أهل الذمّة من غير المسلمين، ثمّ العبيد(1).

ومع الزمن، فقد حصل تحوّل عن قيم المساواة الأولى المستمدّة من حياة البادية العربية ; إذ ظهر ذلك من خلال الصراع بين الإمام علي (عليه السلام)

____________

1- عبد العزيز الدوري، مقدّمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت ١٩٦٩م، ص١٣٨ - ١٤٩.


الصفحة 185
والأسرة الأموية والمعركة الحاسمة سنة ٦٥٧م، وما تبعها من حكم بيروقراطي عسكري مركزي اهتمّ بإقامة المدن، وتوسّع في التجارة كأساس للدخل.

ثمّ إنّ سمات ذلك النظام الطبقي تداخلت مع الانتماءات الطائفية، كما يُستدلّ من الحركات الشيعية وحركات الخوارج والقرامطة وثورتها ضدّ الطبقة الحاكمة السنيّة... وقد تلاحم علماء الدين مع المُلاّك والحكّام والتجّار(1).

ويستمر المجتمع العربي الإسلامي على تلك الوضعية، في العصور الوسطى، وصولاً إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ يصحّ في ذلك النظام الاجتماعي الاقتصادي توصيف ماكس فيبر له بالنمط الآسيوي الوراثي الشخصاني الذي يتميّز بملكية الدولة المركزية للأرض وبسيطرة الزراعة على الصناعة، وبتحكّم الأفراد وبوجود مجتمعات قروية منعزلة، مع انعدام تنظيم الإنتاج وجمود التقاليد، وكون العائلة هي الوحدة الإنتاجية في الزراعة والصناعة اليدوية(2).

____________

1- حسن خلدون النقيب، دراسات أوّلية في التدرّج الطبقي الاجتماعي في بعض الأقطار العربية، حوليات كلية الآداب، جامعة الكويت، الحولية الأولى، الرسالة الخامسة، سنة ١٩٨٠م، ص٢١، ٣٥.

2- حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر ; وكذلك محمود عودة في كتابه الفلاحون والدولة، القاهرة، دار الثقافة، سنة ١٩٧٩م، الفصل الأوّل.


الصفحة 186
والملاحظ أنّ ملكية الدولة المباشرة للأرض قد ضعفت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، من خلال ظهور الالتزام الذي كانت تُقطع الأرض بموجبه ويعهد بها إلى ملتزم يدفع ضريبة عن الأراضي التي تُعهد إليه... إنّها طبيعة النظام الاجتماعي الاقتصادي التي تطبع المجتمع العربي الإسلامي عبر تاريخه، بدءاً من نهاية دولة الإسلام أيّام النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وصولاً إلى العصر الحديث.

واعتماداً على وقائع المرحلة الواقعة ما بين بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر ونهاية الحرب العالمية الأولى أقول: إنّ الإنسان داخل ذلك المجتمع ازداد في خضوعه لسلطة الإنسان في الريف والمدينة على السواء، كما أنّ سلطة القمع ووسيلته تركّزت في الجيش والشرطة وما يلحقهما من أدوات.

ثمّ إنّ رجال الدين الذين كانوا يستخدمون الدين مطيّة لتدعيم النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي القائم، مثالنا على ذلك نظام الأرض في الريف ; حيث كانت ملكيتها أصنافاً أربعة:

١ـ أراضي الدولة أو الأرض الأميرية، ومالكها الأعلى السلطان الذي يُعتبر الإقطاعي الأوّل والأكبر.

٢ـ أراضي الأوقاف، التي كانت وقفاً على المؤسّسات الدينية

- كالمساجد- يتبرّع بها كبار الإقطاعيين لدعم النظام الإقطاعي.


الصفحة 187
٣ - المُلكيات الاقطاعية الخاصة، التي كان يملكها الإقطاعيون وكبار الملاك، من متنفذي المدن وأعيانها وأشرافها ورجال الدين وزعماء العشائر والقبائل.

٤ - الأراضي المشاعية، وهذه تُقبر كملحق لنظام الاستغلال الإقطاعي... وهنا للتذكير أقول: إنّه في كلّ نظام إقطاعي تقوم طبقتان أساسيتان: - طبقة الإقطاعيين النبلاء والأرستقراطيين، وطبقة الفلاحين، وحتّى الفلاحون المرابعون - كانوا يعملون كالبهائم ولا يصيبهم إلاّ الجزء اليسير من إنتاجهم، وهؤلاء هم الذين كانوا يتعرّضون لتخدير رجال الدين بالقضاء والقدر والجبرية وأنّها مشيئة الله، إنّها محنة يبتلي الله بها محبّيه، إنّ الآخرة للصابرين - ومن كان يجرؤ منهم ويتحرّك رافضاً أو محاولاً كسر هذا الطوق أو رفع النير كان يُكبت ويُقسر ويُضطهد وحتّى يُفتك به(1).

وتقتضي الضرورة التركيز على وضعية رجال الدين في تلك الفترة، ولهذا أقول:

إنّه كان لرجال الدين وظيفة أسندها إليهم أولو الحول والطول، فقد كانت من الدعامات القوية للإقطاعية، ولذلك أعفتها الأرستقراطية الحاكمة

____________

1- منير مشابك موسى، الفكر العربي في العصر الحديث، دار الحقيقة، بيروت سنة ١٩٧٣م، الفصل الأوّل.


الصفحة 188
من الضرائب والخدمة العسكرية، كما خُصّت ببعض المراكز الروحية الهامّة في الدولة كنقابة الأشراف، والإفتاء والقضاء، والتعليم الديني، والخطبة في الجوامع.

والثابت هو أنّ المنحدرين منهم - فئة رجال الدين - من الأشراف أو المدّعين لهذا النسب كانوا يتميّزون على غيرهم خاصّة بتسلّم مركز نقابة الأشراف، ولهذا كثر أدعياء النسب إلى الأشراف، وفي هذا يقول محمّد كرد علي:

«كان القوم في العهد العثماني يتفانون في إثبات شرفهم في سجلات وحجج ويشهدون على أنّهم من السلالة الطاهرة، وزادهم استماتةً في هذا السبيل، كون هذا النسب يُنجيهم من الخدمة العسكرية خصوصاً إذا كانوا من طلبة العلم، (لأنّه إذا قيل الخدمة العسكرية وقتئذ فمعناها الموت)، ولذلك كثُرت العمائم التي كانت شعار الأشراف، وفيما بعد لم تكن العمائم شعار الأشراف وحدهم بل شعار رجال الدين من أشراف وغير أشراف وإنّما كان لبعض عمائم الأشراف لون معيّن في بعض القرون الوسطى»(1).

وأضيف إلى ذلك بالقول: إنّ مدن تلك المرحلة، وما سبقها من مراحل القرون الوسطى، كانت أشبه بالقرى الكبرى، أي كانت مراكز البورجوازية

____________

1- محمّد كرد علي، المذكرات...، الجزء الثاني، دمشق سنة ١٩٤٨م، ص٦٠٤.


الصفحة 189
التجارية; خاصّة المدن التجارية... حيث ظهرت في هذه المدن (القرى الكبرى)، الحركة الفكرية... كذلك كانت تلك المدن مراكز للإقطاعيين المحلّيين الذين كانوا يتّخذونها محلاًّ لسكناهم ومركزاً للولاة والموظفين الآخرين من الأرستقراطية أو البورجوازية التي كانت تمثّل الأرستقراطية الإقطاعية عامّة... وبذلك فقد كان كلّ ما في المدينة يدور تقريباً، حول هاتين الطبقتين; إذ كان لهما «زلمهما» و«زبائنهما» وخدمهما والتابعون لهما...(1).

وما يجب التذكير به كذلك، هو أنّه إذا كانت ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فئة من المتنوّرين، وبخاصة الأتراك، فلأنّهم كانوا ينحدرون من العائلات الإقطاعية أو الأرستقراطية التي كانت مراكز الدولة الهامّة (السياسية والإدارية)، بأيديهم.

ثمّ إنّ أغلب أفراد تلك الفئة (فئة المتنوّرين)، أي (المتعلّمين المثقّفين)، قد درس في مدارس فرنسية أُسّست في الأستانة، (مثل ثانوية غلاطة سراي)، أو في فرنسا بالذات. وقد كان من نتيجة ذلك الاحتكاك بالثقافة الفرنسية أن شعر بعض فئة المتنوّرين تلك أنّ شعبه متأخّر، وقد عزا ذلك إلى نظام الحكم الاستبدادي الإقطاعي في دوله.

____________

1- منير موسى، مرجع سابق، ص١٢.


الصفحة 190
ثمّ إنّ انحلال الإمبراطورية العثمانية زاد من شعوره ذلك، خاصّة أمام الهجمة الأوروبية واستيلاء الدول الغربية شيئاً فشيئاً على معظم أراضيها... وإذ ذاك تنادى أفراد ذلك البعض إلى الإصلاح(1).

وهكذا، فإنّه من الطبيعي أن يكون النظام السياسي للإمبراطورية العثمانية، والذي هو إفراز للنظام الاجتماعي الاقتصادي، فردياً مركزياً استبدادياً عسكرياً، إذ كان على رأس الحكم السلطاني العثماني الذي يمارس سلطانه على أساس ملكية وراثية مقدّسة، فيحصر بين يديه جميع السلطات العليا في الدولة، ويدّعي لنفسه اسم خليفة المسلمين، وبذلك كان زعيماً روحياً للعالم الإسلامي.

كما كان يُطلق على الحكومة المركزية الباب العالي، التي يترأسها الصدر الأعظم أو الوزير الأوّل أو الوزير الأعظم، ثمّ يلي الصدر الأعظم في الأهمّية الروحية والنفوذ الاجتماعي والقضائي والتشريعي، شيخ الإسلام الذي كانت تخضع له المؤسسات التشريعية الإسلاميّة والمحاكم والمدارس الملحقة بالمساجد، وأملاك الأوقاف، والقضاة الشرعيون والقضاة العسكريون، والمفتون.

وكان الجيش يحتل مكانة هامّة في تلك الدولة، وهذا أمر طبيعي في مثل هكذا نظام ; لأنّ النظام الإقطاعي والحكم الأرستقراطي كانا يعتمدان عليه، على رجال الدين في تثبيت دعائمهما(2).

____________

1- المرجع السابق، ص١٥.

2- المرجع السابق، ص٢٢.


الصفحة 191

إشكاليات المجتمع في تلك المرحلة

لقد تبيّن من الفقرة السابقة أنّ العلاقات داخل ذلك المجتمع هي علاقات سلطوية، (لأنّ أساسها الاستغلال ; فمالك الأرض يستغلّ الفلاح، وصاحب الرأسمال يستغلّ العامل. وهذا الاستغلال يؤدّي إلى احتكار الثروة والجاه والنفوذ)، تقوم على القهر والإذلال والقمع والكبت في شتّى نواحي الحياة... إنّها تسلّط شامل يجاوز العلاقات الاقتصادية إلى السياسية، (كما يظهر من علاقة الحاكم بالمحكوم).

ثمّ إنّها علاقات تغريبية ; حيث يتحوّل فيها الكادحون إلى أُناس عاجزين لا يسيطرون على وسائل عملهم وإنتاجهم ولا يستمدّون من نشاطاتهم أيّ شعور بالاكتفاء الذاتي والرضى والاعتزاز... كما أنّ إنتاجهم يتحوّل إلى مجرّد سلعة يتمُّ تبادلها في الأسواق التجارية بأية سلعة أخرى... وقد يؤدي ذلك إلى الكره المبطّن وإلى الحسد، ومن هنا كان تميّزها بالعدائية كذلك.


الصفحة 192
وإلى جانب ذلك فإنّ ما تتّصف به من التشديد على الاستهلاك (الاستفزازي)، ومظاهر الوجاهة والتنافس السقيم على الاقتناء والمكاسب والأزياء، وبالتعالي الطبقي والتفاخر الفارغ، ويتجنّب التفاعل وبالتنكّر للواقع جعل منها علاقات مزيّفة، (من مثل تنكّر الطبقة المتوسطة لأصولها الفقيرة).

ورغم بعض الحراك الاجتماعي الذي يؤدّي إلى رفع مستوى المعيشة، فإنّ اللامساواة والفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع بدل أن تضمحل... وبذلك تزداد البُنية الطبقيّة حدّة.

وهنا تتضح صفة أخرى من صفات تلك العلاقات، إنّها صفة التعصبية، التي تعني أنّ كلّ طبقة تحمل إلى الطبقات التي دونها صوراً سلبية تتصف بالتعالي والتحقير، (فالطبقة البورجوازية التقليدية تنظر إلى الطبقة البورجوازية الجديدة الصغيرة على أنّها حديثة النعمة، جاهلة الأصول واللياقات ودون نسب رفيع، كما تنظر إلى الكادحين على أنّهم دون طموح مؤهلات، وتنعتهم بالخشونة والجهل... وتتجلّى هذه العلاقة التعصبية في ندرة الزواج بين الطبقات وعدم الاختلاط فيما بينها...)(1).

وما يجب توضيحه هنا، هو تفاوت التحليلات حول مدى وجود وعي وصراع طبقيين في مجتمع الإمبراطورية العثمانية، ولهذا أقول: إنّه يجب أن نميّز بين الوعي الطبقي الخفي أو المستتر العفوي، (الذي ينعكس في مختلف

____________

1- حليم بركات، مرجع سابق، ١٦٢ - ١٦٣.


الصفحة 193
جوانب الحياة العربية الإسلاميّة ويتخذ أشكالاً متنوعة)، والوعي الطبقي المعلن المنهجي والمنظّم في نقابات وأحزاب وحركات، والذي يؤدي إلى صراع طبقي واضح.

فالنوع الأوّل من الصراع ينعكس في العلاقات الاجتماعية، وفي الصراع السياسي والمشاعر والآراء اليومية، وفي التكتلات والتنظيمات المحليّة والقومية، وفي الآداب والأغاني، والأمثال الشعبية.

والنوع الثاني ينعكس في حركات دينية، (كما حصل عبر التاريخ... من مثل حركة القرامطة وبعض الطرق الصوفية)، ولدى الفئات المحرومة، (مثل الزنج)، وفي مجتمعات الريف، (ثورات وتمرّدات وانتفاضات الفلاحين; خاصّة في مصر والجزائر وفلسطين)، ومن خلال نشوء النقابات والأحزاب السياسية والتنظيمات السرية(1).

والثابت هو أنّ البورجوازية التقليدية (الكبرى)، تعاونت مع الحكم العثماني وفيما بعد مع الاستعمار الغربي في سبيل الحفاظ على مواقعها كطبقة حاكمة مميّزة ; وقد كان همّها أن تحلّ محلّ الحكم الأجنبي، وتنشىء دولة مركزية تؤمّن مصالحها، لا أن تبدّل في طبيعة الحكم، ولا أن تؤسّس نظاماً جديداً يكفل الحرية والعدالة للشعب، ويمكّن المجتمع من مواجهة التحديات التاريخية التي تعصف به.

____________

1- المرجع السابق، ص١٦٤ - ١٦٥.


الصفحة 194
لابدّ لنا من إيجاز التغييرات التي مرّت بها الإمبراطورية العثمانية، ومنها مجتمع الإنسان العربي خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وانطلاقاً من مبدأ أن تطوّر الفكر الاجتماعي مرتبط بالتطوّر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع ارتباطاً عضوياً، فإنّه يمكن لنا أن نجعل تلك التغييرات قائمة في المراحل التالية:

١ - المرحلة الأولى: (أي النصف الأوّل من القرن التاسع عشر) إنّها فترة انحطاط الإمبراطورية العثمانية وقيام بعض الدول العربية.

٢ - المرحلة الثانية: (من خمسينيات القرن التاسع عشر حتّى سبعينياته) إنّها فترة:

(أ) انحلال الإقطاعية نتيجة تطوّر العلاقات التجارية، أي السلعية النقدية... إنّها الانتقال إلى الرأسمالية وتشكّل جماعات مميّزة للمجتمع الرأسمالي.

(ب) ازدياد التوسّع الاقتصادي والسياسي للدول الرأسمالية الأوروبية.

٣ - المرحلة الثالثة: (من سبعينيات القرن التاسع عشر حتّى بداية القرن العشرين) إنّها فترة تحوّل الإمبراطورية العثمانية (ومنها العالم العربي) إلى أشباه مستعمرات.

٤ - المرحلة الرابعة: (من بداية القرن العشرين وحتّى الحرب العالمية الثانية - يبدو أنّني في هذه المرحلة تجاوزت زمانياً، حدود الفترة موضوع الدراسة المحدّدة سابقاً... وهذا لا يضير بشيء بل بالعكس...) إنّها فترة:


الصفحة 195
(أ) تطوّر الحركة من أجل التغلّب على التخلّف الإقطاعي في تلك البلدان.

(ب) تشكّل الأيديولوجية البورجوازية.

(ج) انتشار نزعة الجامعة الإسلاميّة والإصلاح الإسلامي.

(د) ظهور النزعات القومية المحلّية (الخاصّة) والعربية.

(هـ) نشوء نمط الرأسمالية وعملية تشكّل الطبقات والفئات.

(و) تطور الوعي القومي.

والملاحظ أنّ هناك أسباباً وظروفاً ساعدت على ذلك من أهمّها:

(١) العلاقات مع أوروبا (أي علاقات الدولة العثمانية بعد انهزامها مع روسيا والنمسا، أي الحاجة إلى التقنية العسكرية والخبرات العلمية).

(٢) الحاجة إلى التشريعات الجديدة على أساس علماني.

(٣) تداعي مجمل نظام الحكم العثماني... إذ كان من نتيجته:

أ) ازدياد استغلال الإقطاعيين.

ب) اعتماد السكان (خوفاً من النهب والظلم) على الأمراء المحلّيين ; كالوهّابية والسنوسية التي لم تعترف بالسلطان التركي كخليفة، أي الحاجة إلى الأمن والنظام.

جـ) مظاهر النمو النسبي للرفاهية والتعليم بين فئات معيّنة من السكان خاصة في لبنان وسوريا (المسيحيين منهم)، والذي أدّى إلى تعزيز مكانة


الصفحة 196
المسيحيين في المجتمع - ويُردُّ هذا مباشرة إلى العلاقات التاريخية بين أوروبا والمشرق - ومن هنا يتبيّن ما كان لحركة «التنوير» في أوروبا (خاصّة في فرنسا)، من أثر بارز في تكوين الخلفية للحياة الأيديولوجية في الوطن العربي ; حيث كانت برامج وأطروحات الجمعيات والأحزاب التي نشأت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تعكس مصالح المجتمع العربي الإسلامي كلّه(1).

ويمكن الآن أن أُجمل سمات المجتمع العربي الإسلامي في تلك المرحلة، (تحت وطأة الحكم التركي)، بالتالي:

١) المجتمع العربي الإسلامي متنوّع: ويؤكّد هذا التنوّع البيئة أو الإقليم، والتنظيم الاجتماعي، والوضع الاقتصادي، وأسلوب المعيشة، والانتماء الطبقي والطائفي والأثني... فالوحدة لا تقوم إلاّ على التنوع وليس على التشابه...

٢) المجتمع العربي الإسلامي متكامل: إنّه مجتمع لأمّة مهما تألّبت عليه الظروف وحاول الأعداء أن ينقصوا من عناصر تكامله... (لغةً، ثقافةً، إيماناً، أرضاً...) فسمة التكامل هي الجوهر لذلك المجتمع حتّى وإن لم يبد محققاً بالواقع الفعلي، كما حصل ويحصل أيام الحكم التركي، فإنّ لكل ظرف أحكامه...

____________

1- حليم بركات، المرجع السابق، ص١٦٥.


الصفحة 197
٣) المجتمع العربي الإسلامي يعيش مرحلة انتقالية: حيث إنّ هذا المجتمع شهد (بالطبع في المرحلة التي أحصر فيها بحثي) صراعاً متأزمّاً بين التجميد والتطوير، بين قوة التجزئة وقوة الوحدة، بين الطبقات الحاكمة والمتحكّمة والطبقات المحكمة المحرومة المغلوبة على أمرها، بين الوطنية والتبعية... إنّه يختبر منذ أمد طويل (منذ بداية القرن التاسع عشر...) مرحلة نهوض انبثاق، (مهما استطالت زمانياً...) من تحت ركامها التاريخ، لكن في ظلّ التأثر بطابع العلاقات مع العالم وبخاصّة الغربي منه.

٤) المجتمع العربي الإسلامي يتّسم بالتخلّف: والمتخلّف يتمظهر في:

أ) ظاهرة الاستتباع المتجلّية بعدم السيطرة على موارده ومصيره.

ب) ظاهرة الفقر المتجلّية بوجود تلك الفجوة الواسعة بين الطبقات الغنية المالكة والمسيطرة والطبقات الكادحة المحرومة (وفي ظلّ هذه البنية الطبقية الهرمية، فالإنسان العربي المسلم يعاني من حالة تبعية داخلية شبيهة بالتبعية الخارجية).

ج) ظاهرة سلطوية الحكام: فهذه السلطة معادية للإنسان ; فهي في بُناها وأنظمتها واتّجاهاتها في تناقض مطلق مع تاريخ وأهداف وأصالة الإنسان العربي المسلم، الذي تعمل تلك السلطة على إحالته كائناً عاجزاً مغلوباً على أمره.

٥) المجتمع العربي يعيش حالة اغترابية: حيث إنّ الإنسان العربي المسلم يعاني داخل مجتمعه القومي حالة الاغتراب عن ذاته (على ما يبدو


الصفحة 198
من تاريخه الطويل) والمقصود باغتراب الإنسان العربي داخل أحداث مجتمعه ثلاثة أمور هي:

أ) عدم سيطرة المجتمع (الإنسان فيه) على موارده وثرواته ومصيره، إذ إنّها تُستغلّ على الأغلب لصالح فئة قليلة في الداخل أو لصالح دول أخرى معادية له. والذي يزيد المعاناة عمقاً هو أنّ العائدات تُنفق في مجالات الاستهلاك وليس في مجالات الإنتاج وتحقيق الإمكانيات وإغناء ذلك الإنسان.

ب) عدم امتلاك إرادته وعيشه مقموعاً مذلولاً.

ج) عدم سيطرته على مؤسّساته الإدارية والسياسية، حيث إنّ كلّ المؤسّسات والإدارات تتحكّم بالإنسان العربي المسلم، وأكثر من ذلك فإنّ تلك المؤسّسات تُستغلُّ لصالح الطبقات أو الفئات الحاكمة.

فبسبب تلك الأمور الثلاثة (أ (قدس سره) ب (قدس سره)ج) يُعتبر الإنسان العربي منهاراً في مجتمعه(1)، وهكذا يعيش ذلك الإنسان المنتج على هامش الوجود وليس في الصميم... وعليه أصبحت اهتماماته سطحية ومقتصرة فقط على توفير متطلبات استمراره حيّاً ليس إلاّ!!

إنّ تلك السمات هي وقائع متغيّرة أو متحوّلة بسبب كون المجتمع العربي الإسلامي يعيش - على ما يبدو وبشكل دائم - حالة دينامية.

____________

1- حليم بركات، مرجع سابق، ص ٢٠ - ٢١.


الصفحة 199
والجدير بالذكر هنا، أنّ عملية «أوربة» الحياة الاجتماعية والوعي الاجتماعي في أكثر ولايات - أقطار - المجتمع العربي الإسلامي قد بدأت، وبشكل حاد، في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، فإلى تلك المرحلة من التاريخ الحضاري يعود اتّساع علاقات بلدان العالم العربي بأوروبا، وتزايد تأثير الثقافة الأوروبية على العرب المسلمين.

وفي هذا الصدد قال القنصل الروسي في بيروت، الذي أقام في لبنان من سنة ١٨٣٩م إلى سنة ١٨٥٣م:

«إنّ التغييرات التي حدثت في وعي الشعوب القاطنة للإمبراطورية العثمانية عندما حلّ القرن التاسع عشر، ومع تقوية علاقات الغرب التجارية والسياسية، وبعد نزاع روسيا مع تركيا الذي استغرق ردحاً طويلاً من الزمن، كانت سبباً في تشكيل مفهوم الحقوق الإنسانية والشعبية للقبائل المعذّبة في الشرق العثماني.. لقد كانت تلك الفترة فترة انتعاش الحياة الثقافية بكاملها»(1).

وإنّني أضيف إلى ذلك بالقول: إنّ عوامل عديدة تضافرت لتكوين نهضة العرب في العصر الحديث من مثل:

* الاحتكاك المباشر بالعقلية الغربية عن طريق البعثات العلمية.

* مدارس الإرساليات التي أنشأها الغرب في بقاع الإمبراطورية العثمانية.

* الطباعة والصحافة.

____________

1- المرجع السابق، ص١٥٤.


الصفحة 200
*المستشرقون والمبشّرون.

* استلهام التراث وحيوية الأصالة.

والآن أُنهي هذه النقطة بأن أختصر إشكاليّات - هموم - إنسان المجتمع العربي الإسلامي في تلك المرحلة مصاغةً بالأسئلة التالية:

* ما هي أسباب ضعف الشرق - العالم العربي الإسلامي - حتّى تمكّن الغرب من اجتياحه في جميع النواحي والتغلّب عليه؟

* ما طبيعة التعامل - العلاقة - مع الغرب وبأية وسائل يتم ذلك؟

* هل نُقبل على الثقافة الغربية أم نرفضها كليّاً أو جزئياً؟

* كيف ننهض من كبوتنا ونصلح حياتنا؟ أو ما هي السّبل للخروج من حالة الركود والإنحطاط والجهل والتخلّف إلى حالة الحركة والتقدّم والعلم والقوة؟

* هل نُصلح المجتمع - تُحلّ إشكالياته - بالعلم أم بالدين أم بتفاعل الاثنين؟

* هل نحافظ على الخلافة الإسلاميّة القائمة - التركية - والثقافة الدينية السائدة، أم نستقلّ عنها ونقيم مجتمعات قومية علمانية؟

والتعرّض لتلك الإشكاليات إنّما يقوم على الكشف عن:

* العناصر المكوّنة لها.

* المنهجية أو الوسيلة لحلّها.


الصفحة 201
وهكذا أكون، بذلك التقديم، قد حدّدتُ معالم المقياس الذي سأعتمده في الدراسة المقارنة - بحثي هذا - لتُراثي الشيخ محمّد عبده والسيّد محسن الأمين.


الصفحة 202

المؤثّرات التي كونت ذهنية

الشيخ محمّد عبده والسيّد محسن الأمين

انطلاقاً من مضمون النقطتين السابقتين أنتقل إلى تحليل الظروف المباشرة المحيطة بكلّ منهما، منذ الولادة وحتّى بلوغ مرحلة المشاركة في الحياة العامّة.

فالبلاد المصرية كانت تعيش ظلمة الجور والفقر، وظلمة الشرور وفساد الأخلاق والآداب - خاصّة أيّام إمارة إسماعيل باشا - وظلمة تحكم الأجانب - الأتراك الإنجليز والفرنسيين - وسيطرتهم آنئذ على الحكومة المصرية بحجّة المراقبة المالية لما لهم من الديون على إسماعيل باشا، وسلطتهم على الرعية التي أغرقوها بكثرة الضرائب والجزى(1).

وفي نفس الوقت كانت بلاد جبل عامل ترزح تحت الوطأة الشديدة للأتراك، حيث التفرقة السياسية والمذهبية، والتعصّب الديني، التي كان

____________

1- السيّد محمّد رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام محمّد عبده، الجزء الأوّل، القاهرة، مطبعة المنار سنة ١٩٣١م، ص١٤٥ - ١٤٦.


الصفحة 203
ينتهجها الأتراك الذين نكّلوا بالناس - وخاصّة بعلماء الشيعة - واستحلّوا دماءهم، وشتّتوا شملهم، وصادروا مكتباتهم وجعلوا مؤلّفاتهم طعاماً للنار، وساروا بالبلاد على سياسة الإفقار والتدمير وجمع الأموال فقط، وخاصّة على أيّام أحمد باشا الجزّار وإثر استشهاد المناضل ناصيف النصّار وما تبع ذلك من حوادث(1).

والثابت هو أنّه من نتيجة تحكّم الأجانب وسيطرتهم على واقع ومصير إنسان المجتمع العربي الإسلامي، خاصّة في مصر ولبنان في تلك المرحلة

ـ حيث إنّ ظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تكاد تتطابق ـالخراب، والنفاق والوشايات وفساد النفوس وتنافر القلوب، واختلال الأمن وبوار الزراعة، وانحدار حال العلم والتعلّم ووصوله حدّ الجهل والتجهيل... على رغم سر ذلك الحال البدائي ; بكونه مقصوراً على كتاتيب المشايخ لتعليم القرآن الكريم ومبادىء القراءة والكتابة والحساب، فالتعليم على الأصول الجديدة لم يُعرف إلاّ فيما بعد تلك الأيام، أي في أواخر القرن التاسع عشر.

والآن نتعرّف على وقائع المراحل الأولى لحياة كلّ منهما:

فإذا كانت ولادة الشيخ محمّد عبده سنة ١٨٩٤م في قرية محلّة نصر من محافظة البحيرة في مصر، فإنّ ولادة السيّد محسن الأمين سنة ١٨٦٧م

____________

1- محمّد جابر آل صفا، تاريخ جبل عامل، بيروت، دار النهار سنة١٩٨١م، ص٧٤-٧٥، ٩٩.


الصفحة 204
في شقرا، إحدى قرى جبل عامل في لبنان الجنوبي. وكلّ منهما خرج من بيت علم وأصالة عربية إسلامية، حيث الفطرة السليمة والخلق القويم.

نسمع الأفغاني يقول لمحمّد عبده: «قل لي بالله أيّ أبناء الملوك أنت»؟

وكان ذكياً شديد الثقة بالنفس والاعتداد بها، محبّاً للتفوّق، جادّاً في سبيله، لكنّه حادّ الطبع، وقد مسّته شعلة من أستاذه ومثاله الأفغاني(1).

بينما الأمين كان مقتدياً بالإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من حيث احتقار المادّة والاعتداد بسلامة النفس، وبالعلم والعمل، وكان متواضعاً مجدّاً رصيناً.

ونسمع الشيخ محمّد جواد مُغنية يقول فيه: «ما تجلّت هيبة الحقّ في شيء كما تجلّت في حياته المتواضعة وزهده في زُخرف الأرض وزينتها... كانت له صورٌ للهيبة والجلال ; تتعدّد بتعدّد من ارتدى عمّة مثل عمّته ولبس جُبّة وقفطاناً كما لبس، وقد أعار لكلّ واحد صورة أكسبته احتراماً وتقديراً، حتّى إذا ذهبت تلك الصورة عدا الدخيل واستردّ المستعار برز الجميع عُراة إلاّ من لبس ثوبه وحاكه على نوله»(2).

____________

1- أحمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة سنة١٩٦٥م، ص٢٨٠.

2- حسن الأمين (تحقيق)، السيّد محسن الأمين حياته بقلمه وأقلام الآخرين، صيدا، مطبعة العرفان سنة ١٩٥٧م، ص٢١٩.


الصفحة 205
يبدو من التحليل السابق أنّهما توأمان، على الرغم من فارق سنة الولادة، فإن دلّ ذلك على شيء فإنّما يدلّ على ما في شخصيّتيهما من الأصالة العربية الإسلاميّة، ويدلّ أيضاً على ما كان يتمتّع به كلّ منهما من الاستعداد، سواء بالفطرة أو بالتربية، ليكونا مسلمين مثاليين.

وأمّا من حيث الدراسة الأولى وظروفها، فإنّ الشيخ محمّد عبده بدأ رحلته تلك من كُتّاب القرية... وقد تعرّض في هذه المرحلة لمصاعب كاد على أثرها أن يتخلّى عن طلب العلم والعودة إلى حياة الفلاحة وزراعة الأرض، وأقلّ تلك المصاعب هو في كون الواقع التعليمي مُحبطاً لطموحاته واستعداداته ولآماله المستقبلية.

لكن خاله لأبيه أنقذه من تلك الحالة... جاء بعد ذلك إلى الأزهر في القاهرة لمتابعة الدراسة... لكنّه اصطدم بواقع التعليم (مادةً ومنهجاً ومدرّساً) المتخلّف والمُحبط كذلك لطموحات المتعلّم، وقد بدأ رحلته الدراسية في الأزهر بكتاب شرح الكفراوي على الآجرومية بعد أن كان حفظ القرآن من كتّاب ضيعته وعلى أهله.

وأمّا السيّد محسن الأمين فقد بدأ رحلته الدراسية كذلك من كُتّاب ضيعته وكتاتيب الضيع المجاورة... وتحصل له مشاعر الإحباط بسبب كون مادة الدراسة وطريقتها بدائية، وهي لم تكن لترضي طموحه في التعلّم (فبعدما ختم القرآن وتعلّم الكتابة، شرع في قراءة علم النحو وتعلّم إجادة


الصفحة 206
الخط... ثمّ بعد ذلك أخذ يحفظ متن الآجرومية وإعراب أمثلتها غيباً كما هو المألوف).

ولذلك عزم على الذهاب إلى النجف في العراق لمتابعة تحصيله العلمي... حيث وصل العراق سنة ١٨٩١م وبقي فيها نحواً من عشر سنوات ونصف السنة.

والجدير بالذكر هنا، هو أنّ الأمين لم ينتقص طريقة التعليم في النجف ولا اعترض على مواد الدراسة... فلمّا أنهى دراسته عاد مباشرة إلى دمشق بطلب من شيعتها حيث وجد نفسه فيها أمام أمور (علل) كثيرة(1).

وإذا ما انتقلنا إلى معرفة الأثر الذي تركته بيئة القاهرة (الاجتماعية، والسياسية، والثقافية)، في الشيخ... والأثر الذي تركته بيئة النجف في شخصية السيّد... لقلنا: إنّ أهالي مصر (القاهرة) كانوا يرون شؤونهم العامّة والخاصّة ملكاً لحاكمهم الأعلى ولمن يستنيب عنه في تدبير أمورهم يتصرّف بها حسب إرادته، ويعتقدون أنّ سعادتهم وشقاءهم موكولان إلى أمانته أو خيانته، إلى ظلمه أو عدله، ولا يرى أحد منهم لنفسه رأياً يحقّ له أن يبديه في إدارة البلاد أو إرادة يتقدّم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيه صلاحاً لأمّته.

____________

1- المرجع السابق، ص٧٠.


الصفحة 207
ولا يعلمون من علاقة بينهم وبين الحكومة سوى أنّهم محكومون يتصرّفون بما تكلّفهم الحكومة به وتفرضه عليهم، وكانوا في غاية البُعد عن معرفة فاعلية الأمم الأخرى، سواء كانت إسلامية أو أوروبية... (هذا مع العلم أنّ كثيراً منهم ذهب إلى أوروبا وتعلّم فيها...).

والآن نسأل عن موقف الإمام تّجاه ذلك الواقع في القاهرة، فيجيبنا بأنّ سنّة الله قد حقّت في خلقه بأنّ عظائم الأمور تتولّد من صغارها كما أنّ ضخام الأشجار تتّسق من بذورها.

وإذا سألنا السيّد عن الأثر الذي تركته بيئة النجف فيه... لأجابنا: إنّ الدروس كانت منتظمة ومنظمة تنظيماً طبيعياً بحسب الكتب... وهذا ترتيب جيد ونافع ; إلاّ أن تطبيقه يرجع إلى الطلبة أنفسهم، فمنهم من يُوفّق إلى تطبيقه تطبيقاً كاملاً... لكن هناك خللاً كان يحصل أحياناً، باختيار الشيوخ، إذ لا يكون الشيخ صالحاً لتدريس هذا الفنّ أو لا يكون صالحاً أهلاً ويغتر به الطلاب.

هذا مع العلم أنّه ليس هناك من يُجبر على تطبيق هذا البرنامج، ولا على اختيار الشيوخ الصالحين للتدريس، ولا يمنع شيخ أحداً من درسه إن لم يكن من أهله... ولا يوجد امتحان ترتّب الدروس بحسبه... وكانت للسيّد ملاحظات على برامج التدريس والمناهج ولكنّها لم تصل حدّ الاعتراض عليها والطلب


الصفحة 208
بإصلاحها أو بتغييرها(1)، كذلك فقد أشاد كثيراً بمستوى المشايخ والمدرسين وبطرقهم...

ولابدّ لنا من أن نعرف علاقة كلّ من الشيخ والسيّد بالسلطات الحاكمة أو بسلطات الأمر الواقع على أيّامهما، (على أساس كون المدينة هي المركز وهو الذي يحتكر كلّ السلطات...).

فمن جهة الشيخ نجد أنّه كان مخلصاً للخديوي عبّاس حلمي غيوراً عليه... يسوؤه كلّ خذلان يحطّ من قدره... ويسّره أن يكون على خير حال في نفسه وفي منصبه، ويورد السيّد رضا النصّ التالي عن لسان الإمام:

«... وقد قال لي - قال الإمام للسيّد رضا - مرّة في محطة كوبري الليمون بمناسبة حادثة من الحوادث الخاذلة: إنّه يظنّ - أي الخديوي عبّاس - أنّني أُسرّ لخذلانه، وكيف ذلك وهو الرأس لنا؟ ولا يمكن أن يهبط الرأس ويكون ما دونه من الأعضاء عالياً رفيعاً، فأنا أشعر بأنّه كلّما سقط يسقطنا معه أو قال تحته»(2).

____________

1- المرجع السابق، ص٤٩ - ٥١.

2- تاريخ الأستاذ الإمام...، مرجع سابق، ج١، ص٥٧٥... وما بعدها... ويذكر السيّد رضا في ذلك المرجع ومن الصفحة نفسها مواقف وحوادث يومية توضح واقع أوضاع مصر، (القاهرة)، الاجتماعية والسياسية وبوجه خاص القيمية من مثل التملّق والنفاق لدى رواد المنافع الشخصية الذين يتزلّفون إلى الملوك والأمراء، بما يلذّ لهم من الإطراء والتذلل والاستحذاء... وكان من أولئك المتزلفين بعض شيوخ الأزهر الذين هم على صلة بالسلطة الخديوية... ص٥٧٦ - ٥٧٧.


الصفحة 209
ويستمر السيّد رشيد رضا في عرض علاقة الإمام بأصحاب الشأن... والحلّ والربط في القاهرة، على أيّامه، فيقول:

«.. ما كان من حسن العلاقة بين الشيخ - ويقصد الشيخ محمّد عبده - واللورد كرومر، فقد كان اللورد يجلّه ويقدّره ويستشيره في بعض المسائل الحكومية المهمّة... وكان الأستاذ - الإمام - يدار الإنجليز... لعلمه أنّه لا يستطيع البقاء في مصر بدون ذلك...»(1).

غير أنّ أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح في العصر الحديث يؤكّد على متانة العلاقة بين الإمام واللورد كرومر، خاصة أثناء نفي الإمام... (على عهد توفيق باشا)... حيث يقول: «... وأفعلُ شفاعة كانت - بطبيعة الحال - شفاعة اللورد كرومر»... ثمّ يضيف بالقول: «إنّ العفو صدر عن الشيخ محمّد عبده بسبب الضغط البريطاني... وينسب بعضهم الفضل الأوّل في العفو إلى مختار باشا، ولكن المطّلع على الأحوال في ذلك الوقت يعرف أنّه ما كان الخديوي توفيق يعفو إلاّ برضا اللورد كرومر أو ضغطه...»(2).

____________

1- المرجع السابق.

2- أحمد أمين، المرجع السابق، ص٣١٠. ولمزيد من معرفة ظروف العفو عن الإمام أرجو العودة إلى ذلك المرجع على الصفحات: ٣٠٣ - ٣١٥.


الصفحة 210
وهكذا جرّب السياسة العليا واكتوى بنارها ولم يُفد منها... وأحمد يؤكّد على أنّ الإمام لم يُعدّ نفسه ليكون زعيماً سياسياً يرمي إلى تحرير وطنه... فيظهر من تاريخ حياته (حياة الشيخ) كلّه أنّه لا يحبّ السياسة، بل يلعنها ويلعن مشتقاتها، ولم يشتغل بالسياسة إلاّ حين كان تحت تأثير أستاذه الأفغاني الناري المزاج في العروة الوثقى.

ويصح فيه القول: إنّه معلم منير للعقول، مدافع عن الإسلام (حسب فهمه هو...) ويتضح ذلك الرأي من علاقة الفتور التي طبعت صلة السيّد الأفغاني بالإمام محمّد عبده منذ افتراقهما في باريس... ومن حياة الشيخ في منفاه في بيروت(1).

وأمّا لجهة علاقة السيّد محسن الأمين بالسياسة فإنّني أقول: إنّ السيّد كان لبلده - شقراء - وللجوار مقصد أصحاب الحاجات طلباً لقضاء حاجاتهم (من مثل الحاجة إلى المال أو إلى المؤونة، وحتّى إلى القضاء بين متخاصمين... وكذلك حاجات المستفتين...). ولم تكن له علاقة مميّزة، أو حتّى مؤثّرة مع المسؤولين... بل بالعكس، إذ نسمعه يقول:

«كنتُ أخذتُ وثيقة بإمامة جامع فاضطررت إلى الذهاب إلى صيدا للتأشير عليها، وكان رئيس الدائرة بكباشياً اسمه إسحاق أفندي تحت يده أحد

____________

1- المرجع السابق، ص٣١١.


الصفحة 211
الصفحة السابقةالصفحة التالية