المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 07) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 241 - ص 270) وبذلك يمكن السير بها وتحويلها من نقطة الركود التي أصابت حياة المسلمين إلى حالة التحرّر...

فالإصلاح الديني، حسب السيّد، هو محاولة فكرية... تقوم على نقد بنّاء لرجال الدين ومفاهيمهم، ولأعمالهم... وقد قصد السيّد بـ «التجديد» فهم الدين بأصالته، والعمل بشرائعه، حتّى يستطيع الناس أن يُصلحوا أحوالهم...

كذلك قصد بـ «الدعوة إلى الوحدة الإسلاميّة» رفع العداوة بين المسلمين، ورفع الاضطهاد من المستعمرين.

ويمكن تلخيص دعوة السيّد عموماً إلى وحدة المسلمين بهذا الابتهال: «نسأله تعالى أن يُلهم المسلمين ما فيه الائتلاف والاتحاد ولاسيما في هذه الأعصار العصيبة عليهم»(1).

وإذا سأل سائل مستطلع: لماذا اختار السيّد محسن الأمين الأسلوب السلمي والهادىء (منهج الكشف... ثمّ الوعظ والإرشاد...) منهجاً له في ما ذهب فيه من أمور الإصلاح؟

فالجواب، وبعد استقراء تراثه، هو في أنّ هذا المنهج يتّفق وطبيعة الموضوع المعالج...

____________

1- محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج١، ط٢، ص١١٣.


الصفحة 242
وأقول: قد ينسجم السيّد في اتباع طريقة الوعظ والتربية (عبر المدارس ومناهجها...)، مع طبيعة الغاية التي هي الكشف عن القيم الذاتية للإسلام وإبعاد التحريف عنها...

ولكن السيّد يعيش الحياة البشرية في إطاريها المكان والزمان ; وعبر وقائع المحيط الاجتماعي بعلاقاته المتنوعة والتي تفرض عليه (كمصلح... «ديني»، حسب وعيه)، تحسّس واستقصاء خلفيات تلك الوقائع اللاإنسانية...

(ألم يعش السيّد محسن الأمين أحداث جبل عامل، والعالم العربي والبلاد التي حلّ فيها أو رحل إليها طلباً للعلم... خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين) كباحث مصلح، وبالتالي كواضع منهج يتفق وضرورات إصلاح ذلك المجتمع الأزمة...؟

وأتابع تحليلي لموقف الأمين بالقول: وهل من فصل في الحياة بين الدين والدنيا؟

والجواب بالنفي المطلق; ذلك أنّ الإيمان الملتزم لا يمكن إلاّ أن يُفهم كذلك... والسيّد الأمين يعي إسلامه، (قبل أن أُولَدَ...)، كذلك «الإسلام دين ودنيا» إنّه الالتزام أو الحياة بالتكليف الذي يجتمع فيه النظري والعملي متكاملين...

والذي لا يغيب عن البال هو أنّ السيّد محسن الأمين، في سيرة حياته، صرف جلّ همّه... ووقته إلى الناحية النظرية (البحث... الاجتهاد... التفقّه... فهذه من نعم الله على عباده... فأرجو أن تُفهم في هذا السياق فقط...).


الصفحة 243
لكن ذلك جاء على حساب التزامه العملي بأحداث يومه... وهو في سيرة حياته، بل من خلال تراثه كلّه يبدو زاهداً... وقاضياً... ومجيراً... وقنوعاً إلى حدّ الاعتزال عن مجريات الحديث اليومي لبلاده (خاصّة الحديث أو العلاقة السياسية التي من خلالها أو بها تُعرف حقائق الحياة الاجتماعية...).

أي أنّه انعزل عن واقعه (الواقع، كما نعرف من تاريخ تلك الحقبة...) الذي يجب عليه أن يعيشه بشحمه ولحمه وعظمه حتّى يكون، بحقّ ابناً له أو إفرازاً له، وبالتالي رداً طبيعياً منطقياً وعملياً عليه، (وهو الساعي دوماً ليكون من ذاته مصلحاً... حتّى لا أقول أكثر من ذلك...).

وأضيف: إنّ مفهوم الالتزام ليس بالابتعاد أو الانعزال عن أحداث الواقع درءاً للانغماس بأوحاله... وإنّما هو الإقدام بثبات على مواجهة ذلك الواقع بما فيه كحتمية حياتية تؤكّد إنسانية الإنسان مبدأً، ومنهجاً، وغايةً...

وأقول: يكفي تذكيراً للسيّد محسن الأمين، من خلال تراثه، تراث الصحابي الجليل أبي ذرّ الغفاري الذي تتلمذ على تراثه ونهجه الملتزم في الحياة كثير من المسلمين، وبخاصة أبناء جبل عامل (من علماء ومشايخ وأئمّة... و...)، والذي يعرفه السيّد محسن الأمين تمام المعرفة...

بل إنّني أذكّر بسيرة حياة مجاهد مؤمن...الشهيد ناصيف النصّار ابن جبل عامل الملتزم قضايا واقعه: حياةً وحتّى الممات...وربما كانت الثورة البيضاء التي شهدتها سوريا أثناء سنة ١٩٣٧م، ففي بيته وباقتراح منه تقرّرت الثورة البيضاء على الإفرنسيين سنة ١٩٣٧م، وهو ما عرف في تاريخ سوريا


الصفحة 244
بالإضراب الخمسيني الذي أضربت فيه سوريا كلّها خمسين يوماً (تراجع تفاصيله في المجلد الرابع من دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعية)، وكانت أوّل ثورة منتصرة في تاريخ سوريا وكانت بقيادته.

وفي نهاية هذه النقطة من بحثي هذا أقول: إنّه إذا كنت ركّزت على الأسلوب أو المنهج في المعالجة أو المواجهة التي اتّبعها كلّ من الشيخ محمّد عبده والسيّد محسن الأمين، فلأنّي أحصر قيمة جهد كلّ منهما (بجميع مستوياته)، بالفعل المعبّر عنه أو بالأثر الدالّ عليه أو بالتأثير المثبت له.

وكلّ ذلك مجاله الفعلي وقائع الحياة الاجتماعية التي هي بالنهاية مصب الدرس والتحليل...فكلّما ارتفعت أو ارتقت الوسيلة أو الطريقة في معالجة الإشكالية (أيّة إشكالية) درجة لتصل إلى مستوى التكافؤ أو التطابق مع طبيعة وطابع المشكلة (أي مع ما تقتضيه تلك الإشكالية من ضرورات الحلّ أو الرفع...)، كلّما بلغ ذلك الجهد مستوى من العلمية والموضوعية أدّى معه إلى النتيجة التي هي خير للإنسانية وتوكيد لفطرة الإنسان.

وهكذا تكون طبيعة المنهج أو الوسيلة من طبيعة الغاية أو الهدف، أو بتعبير أدق: طبيعة الغاية هي التي تحدّد طبيعة المنهج.

وبعد، إنّني في بحثي هذا، وبوصولي إلى النتيجة التي وصلت إليها، لستُ إلاّ في موقف المحاول الكاشف والمناقش بغية الفهم والاتعاظ...


الصفحة 245
وبالتالي التمثّل بما في تراث الإسلام والمسلمين من سير ومواقف أصيلة تستوجب التمثّل من المسلم الملتزم.


الصفحة 246

لو كان في الإسلام من مثله عدد الأنامل...

بقلم الاُستاذ وجيه بيضون

أخبار المرء في مآتيه وأحاديثه، وفي نوازعه وميوله، تحسر عن حقيقته في شخصيته بما لا تكشف أحياناً طوال الفصول تبحث هذه الشخصية وتحقّق فيها، أو بما لا تستوفي حقّ جلائها على حقّها.

ذلك بأنّ هذه الأخبار المتنوعة من الواقع والصميم التي تترجم عن خلائق صاحبها وطبائعه ترجمة صحيحة، ما تفتأ تنجلي بتعدّدها وتنوّعها في أوقات متباينة، لا تكون النفسية فيها واحدة بحسب ملابساتها إلى أن تؤدّي المعنى الخفي المستبهم والغاية الخالصة الناصحة، وتنشر نافذة النور على الصورة بألوانها المتداخلة المتشابكة.

هذا فضلاً عن أنّ أخبار المرء تختصر الطريق على الباحث فتجعله وجهاً لوجه تلقاء الحقيقة، وبخاصّة حين يلمّ بهاتيك الأخبار من شتى وجوهها ويعرضها على المقارنة ويربط ما بينها بأسبابها المغيبة.


الصفحة 247
وهذا هو الذي قصدنا إليه في هذا الحديث عن المغفور له العلاّمة المجتهد الأكبر السيّد محسن الأمين.

قصدنا إلى سرد جملة من أخباره الخاصّة المتفرّقة، كيما نوحي إلى القارىء بلسان الواقع بامتياز قدره وقدر امتيازه.

وقصدنا كذلك إلى أن يكون في أخباره المختلفة في ألوانها ما يحيط بالكلام عن حياته مجتمعة ; ليكون الحكم آخذاً في منزلته من السداد والصواب.

إنّ صلتي بسماحة المترجم قريبة متّصلة قوية، جاورته في مسكنه مذ كنت حدثاً صغيراً، فوقفت على الكثير من حياته. وكنت طالباً في المدرسة العلوية التي أنشأها، فما كان يغيب عنّي شخصه، وأذكر أنّ سماحته حضر أحد الفحوص السنوية، وكنت ما أزال في العقد الأوّل، فاستكتبنا إملاء عن اللغة وقيمتها، فكان في جملة ما أجبت: «للغة شأنها الخطير حتّى أنّ الإنسان ليقوّم بنسبة ما يتعلّم من أنواعها، فكلّ لسان بإنسان»، فاستحسن سماحته ما أنشأت ومنحني يومئذ العلامة الأولى.

وكثيراً ما كنت أجوز بعمّ زاهد كاسمه اتّخذ العطارة معاشاً، وهو من المصطفين عند سماحة المترجم يقصد إلى حانوته عصارى كلّ يوم ليقضي بعض الوقت: إمّا استجماماً من العناء، أو ترقباً لحلول المساء كيما يقضي الصلاة الجامعة في المسجد القريب.


الصفحة 248
فكان (رحمه الله) يستوقفني ليسألني عن حالي وأشغالي، ولحظ منّي ذات يوم أنّي أطالع بعض الأوراق، ولمّا علم أنّ بين يدي بعض الشعر من نظمي أكبر هذا السخف الذي أنتهي إليه، ثمّ تظاهر بالشكّ في أن يكون لي، كأنّما أراد أن يشجعني بذلك، وختم يشحذ همّتي للاستمرار في الكتابة والمطالعة بلا انقطاع ومن غير أن يخامرني الوجل، فكان لهذا الموقف أثره الذي لا أزال أذكره، وقد أعانني على المضي في حياتي الأدبية ما يلويني عنها نقد أو تثبيط.

وترجع صلتي بسماحته عن طريق الطباعة إلى أوائل الحرب العالمية الأُولى، إذ كان قد أسّس مع طائفة من المساهمين مطبعة أطلق عليها عنوان «المطبعة الوطنية»، واتّخذ لها مكاناً في شارع البزورية وخصّها بتآليفه تعمل في طبعها، وأذكر منها ديوانه الرحيق المختوم في المنثور والمنظوم وكنت أسفر برواميز التصحيح متنقلاً بين داره والمطبعة، وربما استعانني في مقابلة التصحيح، فتجوز بسمعي كلماته فأضبط عليها ما يكون سها على لساني ملتوياً غير مستقيم.

ثمّ عملت في بعض المطابع اثنتي عشرة سنة، فكنت وسماحته كالمتلازمين تجمعنا شؤون التأليف والطباعة. وحدث أن عهد إلينا بكتاب مشكول، وكان تنضيده من نصيبي، فمرت بي كلمة «الوحدة» وقد ضبطها بالكسر فجعلتها منصوبة، فلمّا أن مرّ بها تصحيحاً أوّلاً وثانياً وهي على حالها


الصفحة 249
من النصب كتب إزاءها موبخاً ومؤنّباً بما يشير إلى إهمالنا وقلّة انتباهنا. ولكنّه عاد يبارك في عملي حين لفت نظره إلى حقيقة ضبطها في المعاجم.

ومن هناته التباس بعض الحروف المتشابهة عليه كالضاد والظاء، فيخلط بينها في كتابته لجريها الطويل على لسانه خطأ في العراق إذ كان طالباً، وفي جبل عامل بلاده حيث ينزلون هاتيك الحروف بعضها منزلة بعض على غير انتباه.

ولمّا أن عزمت على الاستقلال بالعمل، والانفراد بمطبعة خاصّة، مضيت أستنصحه على عادتي في معظم شؤوني، فلقيت منه غاية التشجيع والتأييد.

وما كاد يبلغه، بعد حين، خبر توفّري على طباعة الكتب حتّى حوّل إليّ تآليفه التي لبثت من إخراج مطبعتي، مذيلة باسمها، إلى أواسط الحرب العالمية الثانية.

وزورته الأولى لمطبعتي كشفت لي عما زادني به تعلّقاً وإعجاباً، دخل عليّ وأنا في مكتبي، فسارعت إلى تحيّته ولثم يده. ثمّ لم يرُعني منه إلاّ وبصره يعلق بما عرض على الجدار من إعلانات للسينما وفنازج الرقص وهي تحمل رسوم الغيد الحسان في أوضاع من التخلّع والتهتّك تمجّها الكرامة، فأسقط في يدي، ولم يخرجني من ذهولي إلاّ سؤاله (رحمه الله) عما أطبع، فأشرت إلى هاتيك المطبوعات معترفاً أنّني أحمل منها المأثمة ولكن على مرغمة، فنظر إلي طويلاً ثمّ قال:


الصفحة 250
لا بأس عليك يا بني فالعمل خير من البطالة، والعمل يقصد فيه وجه الكفاف غير العمل يقصد فيه إلى الرذيلة، وللضرورة أحكامها. وحكمك في عملك أنّك كالصيدلاني يؤلّف وصفات الأطباء على ما فيها من سمّ أو ترياق فما تقع عليك التبعة.

ولو كان لك عن عملك معدى ولم تفعل أو كنت تأخذ بغير مهنتك سبب عيشك وعيالك للحقتك التبعة. ثمّ لو كانت التبعة تقاس بنوع كلّ طبعة لكان لك أن تنفض يدك من كلّ عمل في مهنتك ; لأنّ في الصحف وفي الكتب مثل ما في هذه الإعلانات وهذه الرسوم العريانة من معان كافرة وأضاليل منكرة ودعوات لا ترضي إلاّ الشيطان، فخذ بعملك إلى أن يتهيّأ لك غيره وهجره. و﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

وكنت في معيّته إلى بعض الورّاقين فسألته رأيه في إحدى الآيات القرآنية، فذكر لي مثل ما عرفت من معناها.

قلت: ولكنّه المعنى الظاهر.

قال: وهل لنا أن نأخذ بغير الظاهر ونحن أضعف من أن نغوص في المعاني العميقة التي انطوى عليها كتاب الله؟ ألا فخذ عنّي هذه الحقيقة: إنّ أكبر الأدمغة لأعجزُ عن الإحاطة بالمعاني القرآنية في مقاصدها البعيدة.

وجرى الحديث عن الذكاء العربي، فسمعت سماحته يصنّف هذا الذكاء فيجعله في مختلف الأقطار العربية متفاوت الدرجات، يعلو فيبلغ حدّ الألمعية، ويسفل فيتردّى تفاهةً وسخافةً. أمّا في بلاد الشام فيحتفظ بطابعه


الصفحة 251
الخاصّ من العدل حيث لا سموّ ولا إسفاف، وهذا في رأيه خير الأنواع موافقة للحياة.

وسيادته معجب بالخلق الأوربي العملي، قال لي ذات مرة: أتدري ما سرّ نجاح هؤلاء السكسونيين؟ إنّهم أخذوا عن الإسلام ثلاث فضائل، هي قوام ما بلغوا من قوّة ومنعة: التفكير العميق، والعزم المصمّم، والثبات الدائب. فهم يفكّرون مليّاً، ثمّ يعزمون عزماً أكيداً، ومتى جنحوا إلى العمل ثبتوا ثباتهم العجيب إلى أن يفوزوا بالغايات والمطاليب.

ومن أخبار وطنيّته ونزاهته وسموّه النفسي أنّ الفرنسيين عرضوا على سماحته منصب رئاسة العلماء والافتاء بمعاش كبير، مشفوعاً بدار للسكنى وسيارة خاصّة، وأرسلوا أحد الضباط من بيروت إلى دمشق كي يعرض عليه الرأي، فلمّا أن مثل بين يديه في صومعته الصغيرة، وكنت ترجمانه، قال الضابط: إنّه قدم لزيارته ثلاث مرات حتّى أسعده الحظّ بلقياه.

فما كان من سماحته إلّا أن أمرني بأن أكذّبه ; لأنّه لم يحاول الزيارة أكثر من مرّتين، فتلطّفت بنقل تكذيبه إلى الضابط الذي اعتذر للحال عن خطئه، وكان يترقّب كلّ جواب إلاّ الجواب السلبي الذي جابهه به سيّدنا الأمين إذ قال:

«إنّني موظّف عند الخالق العظيم وسيّد الأكوان، ومن كان كذلك لا يمكن أن يكون موظّفاً عند المفوض السامي، فاشكره بالنيابة عنّي على ثقته


الصفحة 252
بي، واحمل إليه أنّ المعاش الكبير والمركز الخطير والدار المنيفة والسيارة الرفيهة، كلّ أولئك قد أغناني الله عنه بالقناعة».

فبهت الضابط الفرنسي وقام متحاملاً على نفسه منصرفاً بين العجب والإعجاب.

وإجمال القول عن سماحة الأمين أنّه علم من أعلام الثقافة في عصرنا علماً وإصلاحاً وصلاحاً، بل أكبر مجتهد في زمنه بلا نزاع، ولكأنّه في فضائله الجمّة، وفي رأسها العزوف عن أباطيل الحياة الدنيا أحد الأئمّة في القرن الأوّل الإسلامي لا القرن الرابع عشر الحالي.

حمل رسالة العلم وصنّف، وأنشأ المعاهد وجمعيات التعليم قضاءً على الجهالة وتنويراً للأفكار وتغذيتها، وتربية للطباع وترقيتها.

وحمل رسالة الدين، فهذّب وهدى وطهّر وزكّى.

وحمل رسالة الإصلاح، فأسّس جمعيات البرّ والإحسان، وحقّق العدالة الاجتماعية بما أطاح من الأوهام التي أكسبتها قرون الظلم صفة القداسة.

ولو كان في الإسلام والعرب من مثله عدد الأنامل لكانت - والله - كلمتنا هي العليا، ورايتنا هي الخفّاقة، ومجدنا فوق الأمجاد جميعاً.


الصفحة 253

زعيم من زعماء الروحانية في هذا الشرق

رأي مجلة العرفان

كانت الفجيعة بفقيدنا العظيم السيّد محسن الأمين، من الفجائع التي لاعزاء عنها ; لأنّ الفقيد كان قليل النظر في الأُمم الإسلاميّة، من حيث كونه إماماً من أئمّة الدين الإسلامي، ومن حيث كونه زعيماً من زعماء الروحانية في هذا الشرق.

فأئمّة الدين كثيرون اليوم، وزعماء الروحانية ليسوا قلّة في الشرق، ولكن أين الإمام الديني والزعيم الروحي الذي يكون في مزايا الفقيد كلّها.

ليس الإمام الذي نريد اليوم هو الذي يجمع علوم الأوّلين والآخرين في الفقه، ويضطلع بأعباء الفتيا للمسلمين، وليس الزعيم الروحي الذي نرجوه فينا في هذا الزمن، هو الذي يحمل تقاليد الروحانية الشرقية القديمة بكلّ ما فيها من صالح وطالح، ونافع وضار، وبكلّ ما فيها من أثقال تعوق المسلمين عن


الصفحة 254
السير في طريق التطوّر الإنساني، وتؤخّر الأُمم الإسلاميّة عن اللحاق بالأُمم الأُخرى في مضمار الحياة والمنعة والقوة.

لا، ليس ذاك هو الإمام الديني الذي نريد، وليس هذا هو الزعيم الروحي الذي نرجوا. ولكن نريد الإمام الذي يجعل الفقه الإسلامي شريعة الله السمحة التي تراعي أحوال الناس في تعايشهم وظروف حياتهم وطريقة تفكيرهم ومدى قابلياتهم لفهم حقائق الشريعة، ومقياس قدرتهم على تطبيق أحكام الدين، حتّى يستطيعوا أن يوفّقوا بين حياتهم وقابلياتهم وطرائق تفكيرهم ومقاييس قدرتهم، وبين مقتضيات الشريعة في سلوكهم اليومي وفي تصرفاتهم في ميادين العيش والعمل.

ومعنى هذا أنّ الشريعة قادرة أن تساير الحياة، وأنّها لم تخلق لزمن واحد من الأزمان، بل خلقت لكلّ زمن ولكلّ جيل، ولهذا كان محمّد (صلى الله عليه وآله و سلم) خاتم الأنبياء، ولهذا كان «حلال محمّد حلالاً إلى يوم القيامة وحرام محمّد حراماً إلى يوم القيامة» أي أنّ شريعة محمّد قائمة في الناس إلى يوم الدين، وأنّها الشريعة المتميّزة بالسماحة والمرونة وقابلية التطوّر مع الحياة ما دامت الحياة، وما دام عامل التطوّر يدفع الحياة في كلّ جيل دفعة.

وما نقصد من سماحة الشريعة ومرونتها وتطوّرها أن تتبدّل أُسس أحكامها وأُصول قواعدها، بل نقصد عكس ذلك تماماً، نقصد أنّ هذه الأُسس والقواعد التي تقوم عليها الشريعة الإسلاميّة هي بذاتها صالحة أن تساير مقتضيات الحياة، وأن تكون على وفاق دائم مع أطوار الحياة مهما


الصفحة 255
اختلفت مظاهرها. وتلك هي عظمة الشريعة الإسلاميّة وميزتها الكبرى ومصدر بقائها خالدة إلى يوم القيامة، لا يتبدّل حلالها حراماً، ولا يتبدّل حرامها حلالاً.

ونحن نريد الإمام الديني الذي يجعل من الفقه الإسلامي شريعة الحياة، ويجعل شرعة الإسلام هي الشرعة الباقية الخالدة الحيّة أبداً ما بقيت الحياة. وهذه أولى ميّزات فقيدنا العظيم السيّد محسن الأمين، فقد اضطلع بالفقه الإسلامي وعلوم الشريعة كلّها، اضطلاع البصير بما في هذا الفقه وهذه الشريعة من عناصر الحياة والبقاء والخلود.

لقد أدرك - رضوان الله عليه - بثاقب فكره ونير عقله، ونافذ بصيرته، أنّ الشرع الإسلامي هو شرع الحياة الدائم، وأنّنا إذا اتّخذناه مادّة راكدة لا تتحرّك ولا تتطوّر، فقد حكمنا عليه بأنّه شرع فترة من الزمن، وشرع أمّة واحدة من الأُمم، وشرع جيل سانح من الأجيال.

ومعاذ الله أن تكون شريعة خاتم الأنبياء كذلك، ومعاذ الله أن يرسله تعالى خاتماً للأنبياء ثمّ يجعل رسالته رسالة فترة زمنية لأمّة واحدة وجيل واحد، فذلك نقيض العدل الإلهي.

ومن هنا كان الإمام السيّد محسن، إماماً دينياً عظيماً، وزعيماً روحياً صالحاً، فعظمته إذاً هي عظمة هذه الطريقة التي يفهم بها الدين ويفهم بها الفقه، ويفهم بها الشرع الإسلامي العظيم.


الصفحة 256
وليس سهلاً يسيراً أن يكون الإمام الديني بهذا العقل وبهذه الطريقة، ولكن من السهل اليسير أن يكون الإمام الديني ضليعاً بالفقه وعلوم الشريعة، بل هم كثيرون الذين يضطلعون بعلوم الأولين والآخرين من شؤون الشريعة والدين، ولكن أين فيهم البصير النير النافذ الفكر الواسع الأفق الذي ينظر هذه النظرة العلمية السمحة للشريعة؟

أين فيهم المفكّر بهذا اللون من التفكير الصالح المنتج، الذي يجعل من دين محمّد بن عبد الله دين الأزمان والأجيال، ومن فقه محمّد بن عبد الله أسلوب الحياة الدائم، ومن شريعة محمّد بن عبد الله شريعة الدنيا وشريعة الأُمم كافة؟

أين فيهم هذا بعد اليوم، أي بعد أن فجعنا بهذا الفقيد الكبير العظيم؟

لا نقول ذلك متشائمين قانطين يائسين، فإنّه ﴿لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.

ولكن نقول ذلك ونحن نتطلّع إلى الوجوه من هنا وهنالك، ونتطلّع إلى أنحاء العالم العربي والعالم الإسلامي معاً، نبحث عمّن يسدّ هذا الفراغ الهائل الذي أحدثه السيّد محسن الأمين الراحل، في صفوف الأئمّة الدينيين والزعماء الروحيين، فلا نكاد نجد ضريباً له ولا مثيلاً، وقد نجد ولكن في النفر الأقلين من الشيوخ الذين وقف بهم العمر عند مرحلة لا يستطيعون فيها النهوض بالعبء الضخم الذي كان الفقيد الأمين ينهض به على شيخوخته وأثقاله الجسيمة.


الصفحة 257
كان السيّد محسن الأمين بعقله وبصيرته وأسلوب تفكيره، يجاهد جهاد الأبطال من أجل أن يزيح هذا الركام الهائل من البدع والأوهام والأضاليل عن شريعة محمّد ودينه الخالد ورسالته الحيّة الدائمة

لقد عرفنا من طبعه ودينه وإيمانه وصلابة عقيدته، ما يبعث في عقله وفي نفسه معاً الحماسة والنشاط والعزم والمضاء في محاربة تلك البدع والأوهام والأضاليل، وعرفنا فيه إلى جانب ذلك، جرأة القلب وثبات الجنان وقوّة الصبر على الصعاب التي تعترض سبيله، وعلى الأعاصير التي تحاول أن تعوق سيره، وعرفنا فيه رحابة الصدر في احتمال ما يثور بوجهه من غبار الخصومات.

ولقد يكون في أئمّة الدين والزعماء الروحيين من تجتمع فيه هذه المزايا أو بعضها، ولكن ليس فيهم من يجمع إلى هذه كلّها، استمرار الدأب على نشاط لا هدنة معه، ولا وناء ولا فتور حتّى صار الدأب هذا طبيعة لازمة من طبائع الفقيد العظيم، وحتّى صار النشاط هذا خطاً مستقيماً يمتد طويلاً على مداه في السنين دون انحراف ولا انكسار ولا انحدار.

هذا آية رائعة كانت أظهر آيات العظيم الذي فقدناه، وهي التي كانت عونه الأكبر في إنتاج ما أنتج، وكانت العامل الحي في إخصاب يده وقلمه، حتّى استطاع أن يتدفّق في الأدب، والشعر، والفقه والنقد، والتاريخ، تدفّق المستوعب الممتلىء قلباً وعقلاً ونفساً بكلّ ما كتب وألف وحدّث.


الصفحة 258


الصفحة 259

(٣٠) اختلاف آراء العلماء في بعض أنواع العزاء في شهر محرّم

(ببليوغرافيا)

تأليف

المستشرق الألماني ورنر إنده (werner ende)

ترجمها إلى الفارسيّة: جعفر جعفريان

ترجمتها إلى العربية: أم علي مشكور


الصفحة 260


الصفحة 261

اختلاف آراء العلماء في بعض أنواع العزاء في شهر محرّم

إنّ(1) من أقدم الآداب الدينيّة التي يقوم بها الشيعة(2) سنويّاً في العشرة الأولى من شهر محرّم، وذلك إحياءً لذكرى استشهاد الإمام الحسين، الذي كان في سنة (٦٨٠ م ـ ٦١هـ)، مشهد الرجال الذين يضربون صدورهم بأيديهم وهم عُراة، ويدقّون متونهم وظهورهم بالسلاسل، ويشجّون جباههم في يوم العاشوراء بالقامات. وجلّ هذه الشعائر والطقوس التي تقام، إنّما تكون بهذه الأفعال، التي يُصطلح عليها عموماً بـ (التعزية)، وتُعرف بالعربيّة والفارسيّة بـ (العزاء).

____________

1- إنّ هذه المقالة نسخة (تقريباً مبسوطة) لمقالة ألقيتها في المؤتمر الثامن:
Union Europeenne des Qrabisants et Islamisants .
الذي عقد في Aix – en – provenece في فرنسا ١٩٧٦.
وكانت هذه المقالة جزءا من نتائج مشروعٍ تحقيقي حول النموّ الفكريّ والاجتماعي والسياسي في المجتمع الشيعي الإمامي في العالم العربي المعاصر.
وقد جمعت القسم الأعظم من المطالب الأوليّة التي استفيدت منها في هذه المقالة خلال سفري إلى لبنان والعراق وسوريا سنة ١٩٧٤، حيث كان على أثر دعوة وجّهت لي من قبل Deutsche forschungsgemeinschaft من بُن (Bon).

2- إنّ مصطلح الشيعة المستعمل في هذه المقالة يقصد منه الإماميّة الاثنا عشرية.


الصفحة 262
ومن جملة هذه الشعائر: التمثيليّات العاطفيّة التي تقام في يوم عاشوراء، والتي جلبت انتباه الغربيين علميّاً(1).

وقد أعرضتُ في هذه المقالة عن ذكر الأسئلة المكرّرة في ما تتعلّق بجذور هذه الدراماتيكا(2)، وسبب تطوّرها، واكتفيتُ بالبحث في ما سطّره كثير من الكتّاب لهذه المشاهد، التي أدّت إلى وقوع بعض علماء الشيعة في الشكّ والحيرة، بل الانتقاد الشديد لمضامين هذه الاستعراضات وأساليبها كما أشاروا إليه(3).

____________

1- إنّ أغلب المطالب المذكورة في هذه المقالة فيما يتعلّق بالعزاء، وخصوصاً العزاء في لغات الغربيّين، ذكرت في كتابين من كتب الفهارس المرتبطة بهذا الموضوع، وقد طُبعا في ألمانيا تحت عنوان:
H. mullre; st udien ٢um Persischen
Passionsspiei Diss. Freiburg Breisgau ١٩٩٦
و
D. Monchi – ٢adeh, taziyah das Persische Passionss el
في استكهلم ١٩٦٧.
وسنذكر المعلومات المشابهة لهذه المواضيع أو المرتبطة بها، ممّا ظهر في العشر الأخيرة في الهوامش الآتية بعد ذلك. تز دكترا (جامعة هاروارد، ١٩٧٥)، محمود م . أيوب
Redemptive Suf – fering in Islam: A study of the Devotional Aspects of Ashura in the Middle Ages
ولم أعثر عليها.

2- الدراماتيكا: كلمة مركبة من الدراما وهي المسرحية، وتيكيا: التخطيط، فهي المسرحية التخطيطية.

3- Muller، ص٥٣ في الهامش.


الصفحة 263
وعلى أيّ حال فإنّي ـ على قدر ما أعلم ـ لم أجد في أيّ لغة غربيّة تحليلاً مفصّلاً يعتمد على مصادر الشيعة، ويقضي بدور علمائها في ما يتعلّق بالعزاء، سواء العام منه، أو ما كان بأسلوب خاصّ(1).

ولم أبحث في هذه المقالة سوى عن ضرب الصدور، والإيلام بالسلاسل والقامات، فيكون محور البحث فيها إذاً مصطلح: (اللطم)(2).

قبل خمسين سنة تقريباً حصل جدال بين علماء الشيعة في مشروعيّة اللطم وغيره من آداب محرّم، ممّا أدّى إلى حدوث الأزمة في المجتمعات

____________

1- القضيّة في العموم: التصرّف الثنائي لدى علماء الشيعة في ما يتعلّق ببعض عقائد وخلفيّات الإسلام الشيعي عموماً، ومنها اللطم في محرّم.
وقد تمّ التحقيق في إحدى المقالات بواسطة عبد الجواد الفلاطوري أحد محققي الشيعة الإيرانيين، الذي كان مشغولاً في التدريس في ألمانيا.
Die zwplfer schia aus der sicht eines schiiten. Probleme ihrer Untersuchung
في festschrift Werner Caskel, كان التصحيح على يد E. Graf (ليدن، ١٩٦٨)، ٦٢ ـ ٩٥، بخصوص الصفحات التي برقم ٧١ ـ ٧٨.
وقد أشار الكاتب إلى سكوت كثير من علماء الشيعة قبال الأعمال التي يعتقدون حرمتها، ويظهر أنّه غير مطلع على آراء بعض المتقدّمين من علماء الشيعة الذين كانوا يدافعون عن اللطم علناً لأسباب مّا، كـ (النائيني، وكاشف الغطاء وغيرهم).
اُنظر: الصفحات: ٢٩ و٣١).
[المترجم: وكانت معلومات المؤلّف إلى سنة ١٩٧٩، يعني إلى سنة طبع هذه المقالة].

2- المترجم: ويقال: إنّ المؤلّف استفاد معاني ضرب الصدور والتطبير في العموم من مصطلح flagellation ولذلك اضطررنا أن نستعمل عبارة اللطم.


الصفحة 264
الشيعيّة في سوريا ولبنان، بحيث أطلق عليها كتّاب الشيعة: (الفتنة الكبرى)(1).

وسأورد بعض المقدّمات للتصدّي بدقّة إلى آداب العزاء عموماً حسب آراء محقّقي الشيعة، وسأذكر ما توصّلتُ إليه من خلال مطالعاتي حول أدبيّات هذا المطلب، والشرائط الاجتماعية والسياسيّة الحاكمة على هذا الجدال.

وأنّ انطلاقة هذه الفتنة في أواخر العشر الأولى من القرن العشرين الميلادي، يمكن أن تكون نقطة مفيدة للشروع في البحث واقعاً، والدّقة فيه، كي يتمّ التحقيق في المسألة بشكل عام.

ولم تؤخذ ـ في هذا البحث ـ الحوادث المشابهة والانعكاسات المترتّبة على هذه الجدليّة في إيران(2) بنظر الاعتبار، وإنّما العنصر الأساس في هذه

____________

1- يظهر أن الإشارة كانت فقط للفتنة الشيعيّة الكبرى، ولم تكن لحدّ الآن إلاّ خلال مقالة طبعت باللغة الغربية، وكانت سطحيّة المستوى كتبها J. Berque تحت عنوان:
Hier anagaf et Karbala
(في : Arabica ٩/١٩٦٢/٣٢٥ – ٤٢).
وقد اُمليت خطأً في أسمائها، وفهمت حوادثها غلطاً، ممّا يقلّل من شأن المعلومات التي ذكرها Berque في كتابه، مثاله: استنباطه معنى الأمّة من عبارة (الأمويين) التي كانت تدلّ على الإهانة طيلة الفتنة الشيعيّة.

2- للتحقيق في استمرار ممارسات محرم في إيران انظر:
E. Neubauer: Muharram – Brauche im heutigen persien
في Der Islsm ٤٩/٢ (نوامبر ١٩٧٢)، ص٧٢ ـ ٢٤٩.
العلاقات السياسية والاجتماعية العامة في العزاء، خصوصاً في إيران في عهد G. Thaiss تحت عنوان:
Religious Symbolism snd docial Change: The Drama of Husain.
Scholors, Saints and Sufis طبع في
(بركلي، ١٩٨٢)، ص ٦٦ ـ ٢٣٩، صحّحه N.R.Keddie وكذلك فصّله وحلّله.
وللبحث في أوضاع عراق اليوم انظر: الرسالة الجامعة (Freie Universitat Berkin) إبراهيم الحيدري تحت عنوان:
Zuir Soziologie des ; schiitischen Chiliasmus. Ein Beitrag zur Erforschung des ira Kischen Passionsspiel
(طبع فيFreiburg im Breisgsu ١٩٧٥).
المترجم : المتن العربي لهذا الكتاب تحت عنوان «تراجيديا كربلاء» (قم، دار الكتاب الإسلامي، ٢٠٠٢) مطبوع.


الصفحة 265
القضيّة، التي عُرفت في القرن العشرين بـ (فتنة الشيعة)، هو السيّد محسن الأمين العاملي (١٩٥٢/ ١٣٧١ق)، وهو صاحب أثر كبير من كتب التراجم تحت عنوان (أعيان الشيعة) (1).

ولد السيّد محسن في شقراء جبل عامل من جنوب لبنان سنة (١٨٧٦، أو ١٨٦٨) [١٢٨٤ق]، درس في النجف، ثم هاجر إلى دمشق، فتولّى قيادة المجتمع الشيعي هناك، وكتب في أوائل العشر الأولى من القرن العشرين كتاباً

____________

1- أعيان الشيعة، ج٤٠ (١٩٥٧) وقد اختصّ بالكامل بحياة السيّد محسن وآثاره (صحّحه: حسن الأمين) لمزيد من الاطلاع حول حياته راجع: مصادر الدراسة الأدبيّة ج٢/ ١، ص١٤١ ـ ١٤٦، مؤلّفين كتب، ج٥ ص٢٠٦ ـ ١٠، معجم المؤلّفين، ج٧، ص١٨٣ ـ ٨٥ .


الصفحة 266
يقع في خمسة فصول، يعنى بقضايا استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وغيره من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) موسوماً بـ (المجالس السنيّة)(1).

ومضافاً إلى ما ذكره من دفاع عن تقاليد الشيعة في صدر الإسلام، وبالخصوص تعظيم إقامة العزاء على الشهداء عموماً، انتقد بعض آداب العزاء التي تقام في محرّم وبالخصوص اللطم.

وأجاب على نقده هذا مباشرة أحد أبناء بلدته، وهو الشيخ عبد الحسين صادق، المتوفّى (١٩٤٢م/ ١٣٦١هـ ق)، وهو من أبناء النبطيّة(2).

وكان لهذه المنطقة دور في إقامة العزاء وبالخصوص في السنوات الأخيرة، فقد اشتهرت وعرفت بذلك(3) وسمّيت هذه الرسالة الجوابيّة بـ

____________

1- مصادر الدراسة الأدبية، ج٢/ ١، ص١٤٥ ؛ انظر مؤلفين الكتب، ج٥، ص٢٠٩ ؛ والذريعة، ج١٩، ص٣٦٠ في الهامش، رقم ١٦١٠، اعتماداً على هذه الرسالة.
المجلد الرابع المجالس السنيّة (طبع سنة ١٣٣٤هـ ق/ ١٩٢٤ ـ ٢٥)، وفيه ذيل تحت عنوان «إقناع اللائم في إقامة المآتم» وهو دفاع عن عزاء الشيعة على الإمام الحسين(عليه السلام) .
وكذا انظر الذريعة، ج٢، ص٢٧٥، رقم ١١١٥، مصادر الدراسة الأدبيّة، ج٢/ ١، ص١٤٣ طبع في الإقناع بتاريخ ١٣٤٤هـ ـ ق (١٩٢٥ ـ ٢٦)، والطبعات التالية للمجالس السنيّة في دمشق (الطبعة الثالثة ١٩٥٤) والنجف (١٣٨٠هـ . ق).

2- لمزيد من الاطّلاع حول حياة هذا الشخص راجع نقباء البشر، ج١/ ٣، ص١٠٣ ـ ٣٢، والحركة الفكريّة والأدبية في جبل عامل ٢٣٧، الهامش ١.

3- إبراهيم الحيدري .Die Taziya, das schiitische Passions
spiel im Libaoa, في ZDMG، اضافات ٣/ ١، ص١٩.
Deutscher Orientalistentsg (…), Vorerage, heg. Von Wolf–Frederic Maa – و
٤٣٠ - ٣٧ gang Voigt Voigt (Wierbaden, ١٩٧٧), touk; La Representstion de Imam Hussein a Peter Heine Munster بيروت،١٩٧٤ Nabatieh (Liban – Sud).
وقد جذب انتباهي المصدر الثاني، ولكنّي أتمكّن من الاستفادة من الهامش٢٦ فقط ؛ لأنّ المقالة في ذلك العصر قد نشرت في مراحل متأخّرة.


الصفحة 267
(سيماء الصلحاء)(1) ونشرت سنة (١٩٢٦) أو أوائل سنة (١٩٢٧) [١٣٤٥هـ ق].

وقد انتقدت من جانب السيّد محسن الأمين، الذي جعلها في كتيّب صغير ولكنّه لطيف جدّاً وسمّاها بـ (التنزيه لأعمال الشبيه) (2)، وقد كتب هذه الرسالة الصغيرة في محرّم سنة (١٣٤٦هـ)، (جولاي ١٩٢٧م) (3)، وطبعت في صيدا في أواخر (١٩٢٨م) (4)، وسنتكلّم حول هذه الرسالة بعد ذلك أكثر.

____________

1- اُنظر: الذريعة، ج١٢، ص٢٩٢، ش١٩٦١.

2- هذا الكتاب تحت عنوان (العزاء لغير المشروع) ترجمه جلال آل أحمد إلى الفارسيّة، (طبع بسعي السيّد قاسم الحسيني طهران ١٣٧١ش).

3- طبقاً للمعلومات الموجودة في آخر الكتاب في طبعته الجديدة (بيروت، الطبعة الثانية ١٩٧٣؟)، ص٣٢.

4- مصادر الدراسة الأدبيّة، ج٢/ ١، ص١٤٣ الهامش ؛ كذلك انظر الذريعة، ج٣، ص٤٥٥، ش ٢٠٢٧، وملاحظة مختصرة في مجلة (العرفان) الشيعيّة، ١٠١/ ١٩٢٩/ ١٧.


الصفحة 268
ومن هنا كانت انطلاقة فتنة الشيعة واشتعالها، ويصحّ القول بأنّها الأساس في هذه الحكاية.

ولم يكتفِ السيّد محسن الأمين بانتقاد اللطم، بل كان يعتقد بدعيّة وحرمة استعمال الآلات الموسيقيّة، وحضور النساء بلا حجاب في العزاء، وهنّ يمثّلن دور نساء الإمام الحسين (عليه السلام) وعائلته.

ومن هنا وجّه السيّد محسن حملاته ـ في كتاب التنزيه ـ على تلك المجموعة من علماء الشيعة الذين اختاروا السكوت عن هذه الأمور، بل ودافعوا عنها، وعرّفهم بأنّهم وقعوا في مكائد الشيطان.

فصار هذا الكتاب سبباً لسلسلة من الأجوبة الجدليّة، حتّى أدى ذلك إلى تجرؤ فرد واحد من الكتّاب فقط للدفاع عما كتبه بشكل علني، حسب ما يدّعي السيّد محسن نفسه(1).

وقد نشر هذا الدفاع(2) وغيره من الردود في العراق، وقد أخبر بهذه الردود ونشرها شيعة لبنان المخالفون للسيّد محسن الأمين الذين كانوا يعتقدون بأنّه قام بهجمة فاحشة على أصل التشيّع وأساسه.

____________

1- أعيان الشيعة، ج٤٠ (١٩٥٧)، ص١٢٣ الهامش، كذلك انظر: هكذا عرفتموهم [كذا، والصحيح: عرفتهم]، ج٣ ص٢٣٠.

2- كشف التمويه عن رسالات [كذا، والصحيح: رسالة] التنزيه، تأليف الشيخ محمد الگنجي) (في بعض المصادر : الگبنجي) طبع في النجف في ١٣٤٧ هجرية (٢٩ ـ ١٩٢٨)، في ٧٤ صفحة، ذكره هادي الأميني في معجم المطبوعات النجفيّة (النجف ١٩٦٦)، ص٢٨٤، رقم ١١٨٨، وكذلك في معجم المؤلّفين العراقيين، ج٣، ص٢٣٢، كذلك (ـ كـ : الذريعة، ج١٨، ص٢٤، رقم ٤٩٢، ومؤلفين الكتب، ج٥ ص٧٠٣. ولم أعثر على أيّ توضيح حول حياة هذا المؤلِّف.


الصفحة 269
وتصلح هذه الكتيّبات أن تكون مصادر مفيدة للمطالعة والتحقيق في مورد هذا البحث، ولكن يصعب الحصول عليها كثيراً، وسبب ذلك أنّها موجودة في مكتبات ـ وبالخصوص ما كان منها في العراق ـ لا يستطيع الفرد الأجنبيّ غير الشيعي أن يستفيد منها ؛ لأنّ الشيعة عموماً يتأهّبون من التحدّث مع الأجانب في هكذا مواضيع.

وفي الواقع، أنّي لم أعثر لحد الآن على الرسائل والردود التي كُتبت ضدّ مؤلّفات السيّد محسن، من قبيل المجالس السنيّة والتنزيه، ولكنّي وفّقت أن أتعرّف على أسماء مؤلّفيها مع كلّ المعلومات العلميّة التي اكتشفتها وأثبتُّ صحتها في هذا المدوّن، وسأذكر قائمة في تاريخ المجادلات الشيعيّة في قضيّة العزاء، كي يستفيد منها القرّاء والمحقّقون الذين يرغبون في التحقيق والاطّلاع أكثر في هذا الجانب:

أ) عبد الله السبيتي، رنّة العصا [كذا، والصحيح: الأسى] في تعظيم شعائر العزاء، بغداد، الطبعة الثانية (مطبعة النجاح)، وقد ذكر هذا الكتاب في: كتاب الذريعة ج٢، ص٢٥٤،، ش١٥٥٢، ومعجم المؤلّفين العراقيين، ج٢،


الصفحة 270
ص٣٢٦، ولمزيد من الاطّلاع تعرّفوا على مؤلّف هذا الكتاب: خانبابا مشار، مؤلّفين الكتب المطبوعة، ج٣، ص٩٩٢ ـ ٩٩٣.

ب) مرتضى آل ياسين، نظرة جامعة [كذا، الصحيح: دامعة] تبحث عن المظاهرات في عاشوارء كلّ سنة (محرّم)، بغداد (مطبعة الفرات)، وقد ورد هذا العنوان [٣٤١/ ١٩٢٨/ ١٧، Der Islam) وهو يختلف مع المذكور في معجم المؤلّفين العراقيين ج٣، ص٢٩١، وقد ذكر تاريخ طبع هذين المصدرين بأنّه في سنة ١٩٢٧، وعليه فلا يمكن أن يكون هو نفس الأثر المشار إليه في الذريعة (ج٤، ص٤٥٥) والذي كتب ردّاً على رسالة التنزيه، ولكنّه يصلح أن يكون ردّاً على المجالس السنيّة.

اُنظر: مرتضى آل ياسين في : رجال الفكر والأدب في النجف، ص٤٧٢، رقم: ٢٠٣٦.

ج) عبد الحسين الحلّي، النقد النزيه لرسالة التنزيه، النجف١٣٤٧ قمريّة(٢٩ ـ ١٩٢٨) اُنظر: معجم المؤلّفين العراقيين، ج٢، ص٢٢٧، نقباء البشر، ج١/ ٣، ص١٠٦٢ ـ ١٠٧٢.

وطبقاً لما جاء في المصدر الثاني: أنّ عبد الحسين الحلّي كتب ردّاً آخر على رسالة التنزيه للسيّد محسن تحت عنوان نصرة المظلوم ؛ ولكنّه كتبها باسم مستعار وهو : حسن المظفر، ويؤيّد هذا ما ورد في معجم المؤلّفين العراقيين، ج١، ص٣٣٢ و ج٢، ص٢٢٦. ولكن تاريخ طبعه هو: (١٣٤٥ق/ ٢٧ ـ ١٩٢٦) ولا ينطبق مع تاريخ طبع التنزيه: (١٩٢٨).


الصفحة 271
الصفحة السابقةالصفحة التالية