المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 271 - ص 300)


الصفحة 272


الصفحة 273


الصفحة 274


الصفحة 275


الصفحة 276


الصفحة 277


الصفحة 278


الصفحة 279


الصفحة 280


الصفحة 281

ولم يثبت عن أهل البيت النبويّ، بل ولا في الدول الحرّة التي تشكّلت لآل محمّد(صلى الله عليه وآله و سلم)، أو لزعماء الشيعة من عهد المختار الثقفيّ، رضوان الله عليه، ومن بعده، حتّى ولا في الدولة الصفويّة وما قبلها، لا في بلاد العرب، ولا في بلاد العجم، ولا في بلاد الهند والترك والديلم، أن يدخلوا في العزاء الحسينيّ شيئاً من المحرّمات: من ضرب القامات على الهامات، أو السلاسل على الظهور.

وإنّما هذه المستحدثات دخلت من بعض الشيعة القفقازيّين سامحهم الله(1).

____________

1- قبل سنوات عديدة، كتبتُ مقالة عن «التطبير» وهيئته، وأرجعتُ تاريخه إلى ما لا يزيد على قرنين من الزمن ـ تقريباًـ معتمداً على بعض المصادر، منها مقالة للكاتب طالب علي الشرقيّ، الذي استندَ في كلامه إلى سماعه من المعمّرين عن أبائهم و أجدادهم.
وعند شروعي بكتابة هذه الأسطر، بحثتُ عن تلك المقالة ـ لأستعين بهاـ فلم أجدها، لكنّي وجدتها ـ مع بعض التعليقات والردود عليها ـ منشورة في موقع «شبكة هجر الثقافية»، نقلاً عن مجلّة «الموسم»، فأوردتُ محلّ الشاهد منها؛ لما فيها من معلومات كثيرة عن تاريخ التطبير وهيئته:
طالب علي الشرقي.
مجلّة الموسم (مجلة فصلية تُعنى بالآثار والتراث لأهل البيت(عليهم السلام).
العدد الثاني عشر.
المجلد الثالث (١٤١٢هـ. ١٩٩١م).
الصفحة: ٢١٢.
«أولاً: أهمل الكتّاب والمؤرّخون تثبيت تاريخ ممارسة عملية التطبير في العراق، وكلّ ما قيل فيه لايتعدّى التقدير، وهناك من يربط بين التطبير في العراق وبين العبادات الدموّية القديمة، وهذا أمر يحتاج إلى دليل بعد افتقاره للسند التاريخي.
إضافة إلى أنّ الدين الإسلاميّ يخلو من الحثّ على مثل تلك العبادة، بل وينهي عن كلّ ما يؤذي الجسد، ويذهب إلى أبعد من ذلك فيسقط بعض الواجبات الدينيّة عند الخوف من حصول الأذى.
كلّ ما يُعرف عن التطبير في النجف هو الشائع على ألسنة معمّري البلدة، وهو أنّ الشيعة من القفقاسيّين عندما يأتون إلى زيارة الأئمة في كربلاء والنجف،كانوا يستخدمون ظهور الحيوانات في سفرهم، وأسلحتهم السيوف، وتستغرق مدّة السير من ثلاثة إلى أربعة أشهر حتّى يصلوا إلى العتبات المقدّسة، وكلّهم لهفة لرؤية قبور الأئمة، ونفوسهم مفعمة بالحبّ لآل البيت.
فصادف أن دخلت إحدى قوافل الزائرين القفقاسيّين إلى كربلاء يوم العاشر من المحرّم، وكانت المدينة صورة صادقة للحزن، ولقد سوّدت المساجد والجوامع وواجهات المحل، والبكاء واللطم على أتمّه.
ومقتل الحسين يُقرأ في الشوارع، أو في الصحن الحسينيّ الشريف.
واتفق أن يكون أحد القفقاسيّين جاهلاً بهذه الأمور، فشرح له أحد العارفين باللغة التركية معركة الطفّ، وأظهر له بشكل لايطيقه قلب محبّ، الصورة المؤلمة التي مرّت على الحسين ومن معه، فأثّر ذلك في نفسه، وأفقده صوابه.فسلّ سيفه وضرب رأسه ضربة منكرة مات على أثرها، وتحوّلت مواكب العزاء الى تشييع ذلك الرجل الزائر.
استحسن أحد رؤساء مواكب العزاء (وكان تركياً) هذه العمليّة، فنظّم في السنة التي تلت تلك الحادثة عزاءً، مكوناً من مجموعة صغيرة من الأفراد، يلبسون الأكفان ويحملون السيوف.
ذهب بهم إلى المكان المعروف اليوم بالمخيم (خيمكاه) وجاء بحلاّق فحلق شعر رؤوسهم، وجرح كلّ فرد منهم جرحاً بسيطاً في رأسه، وخرجوا بهذه الهيئة متّجهين إلى مرقد الحسين(عليه السلام)، وهم يندبون (ياحسين) حتّى وصلوا إلى الصحن الشريف،وبعد عويل وبكاء تفرّقوا.
ثمّة رواية أُخرى تُفيد أنّ الشيعة من أتراك آذربايجان وتبريز وقفقاسية، قدموا العراق لزيارة العتبات المقدّسة، وذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، فدخل جماعة منهم في العاشر من محرّم الحرام إلى صحن الحسين(عليه السلام)، واجتمعوا قرب الباب المعروف اليوم بالزينبية، ومعهم القامات، وهو سلاحهم التقليدي الذي يلازمهم خلال سفرهم.
ثمّ أقاموا مجلساً للتعزية في المكان المذكور، وأخذ مقرؤهم يشرح لهم واقعة الطفّ باللغة التركية، بشكل أهاج مشاعرهم، فأخرجوا قاماتهم وأخذوا يضربون رؤوسهم من دون أن يحلقوها وبشكل عنيف، حول صخرة بارزة في المكان المذكور.
وقد توفّي اثنا عشر شخصاً من هؤلاء الأتراك بعد عملية التطبير المذكورة مباشرة، حيث لم تسعفهم الجهات الصحية في حينها؛ لأنّها لم تتوقّع إقدامهم على مثل هذا العمل، ولم تتهيأ له.
نستخلص من الروايتين: أن التطبير لم يكن معروفاً قبل حادثة الزوار الأتراك، وإنّما هو حدث طاريء فرضته الظروف النفسيّة التي مرّ بها أولئك الزوار.
وأرى أن الرواية الأولى أقرب إلى القبول من الثانية، مع وجود التشابه الكبير بينهما، حيث تظهر العفويّة في الأولى وشيء من التنظيم في الثانية.
ثمّ إنّ موت اثنى عشر شخصاً في يوم واحد، وبسبب واحد، يندر أن يهمله التاريخ، فلا يدوّن الحادث، أو يصف المشاعر على الأقل.
ثانياً: قلنا: إنّ بعض رؤساء المواكب استحسن العمليّة فأخرج موكباً صغيراً للتطبير، واقتفى أثره جماعة من الأتراك الموجودين في النجف، فشكّلوا عزاء في النجف قبل ما يقارب من مائة وخمسين سنة، حسب ما رواه بعض معمريّ البلدة.
وكان العزاء الأول والوحيد، وكان مقتصراً على الأتراك أنفسهم، فلم يسمحوا لأيّ شخص غير تركي بالاندماج معهم، وكذلك لم يسمحوا لشبابهم بالاشتراك في العزاء في الغالب.
وكانوا يخرجون ليلة العاشر من المحرّم، وهم يلبسون الملابس القفقاسيّة، وهي (كلاو) من الفرو على الرأس، وعلى الصدر (دميري) يصل إلى حدّ الركبة ويكون أسود اللون، وبنطلون يسمّى (كمرجين)، والحزام خيط (خراطة)، وفي الأرجل (بوتين)، ويعلّق في الحزام مسدس يقال له: (پشتو)، وكذلك القامة، أو القليج أو الجنتيانه أو اليغطان أو السيف، وهذه كلّها آلات جارحة تختلف فيما بينها بالشكل والحجم، ويحمل بعضهم الشموع للإنارة.
إنّ هذه الصورة وقبل إخراج الدم من الرؤوس يسمّونها (مشق) أي تدريب، وفي أثناء المشق يرّددون بعض العبارات باللغة التركية وهي:
بكن كربوبلا ويران البدي.
وتعني: اليوم كربلاء أصبحت مبعثرة.
حسين أزكونا غلتان البدي.
وتعني: الحسين مضرجاً بدمه.
نجه كان أغلا ماسوق داش بكن.
وتعني: كيف لا يبكي الحجر دماً هذا اليوم.
كسلب يتمشى ايكي باش بكن.
وتعني: في هذا اليوم ذبح ٧٢ رأساً.
وفي صبيحة اليوم العاشر، وقبل بزوغ قرص الشمس، يذهبون إلى بيت بحر العلوم وعليهم الأكفان، ويجرحون رؤوسهم جروحاً بسيطة، ويأتون على صورة موكب منظم إلى الصحن الشريف.
ويعتبر كل من «القهواتيّ كلّ محمّد» و «مشتي باقر الزورخانجيّ» وشخص ثالث كان طبّاخاً من الأعضاء البارزين أو المؤسّسين لعزاء الترك.
واستمر هذا العزاء الوحيد مدّة طويلة، ولكنّه لم يبق وحيداً، بل انبرى جماعة من النجفييّن لتنظيم مواكب مشابهة، فشكّل خليل الأعمى الإيرانيّ الأصل موكباً.
وشكّل ميري ابن أبو الدلال الإيرانيّ موكباً آخر.
ونظّم ناجي خشة من آل السيّد سلمان عزاءً.
وانشق السيّد عباس على الأتراك وشكّل عزاءً مستقلاً عرف باسمه.
وكان علي أكبر التركي من الأشخاص البارزين في عزاء التطبير، يذكره كلّ مَن يتحدّث عن التطبير في النجف، لتحديه أوامر الأتراك واقتحامه (القلّق) سراي الحكومة، وإخراج السجناء واشراكهم في التطبير، حتّى صار في كلّ سنة يطلق سراح بعض المحكومين بمدد قصيرة تكريماً للعزاء.
وخلاصة ما تقدم:
أنّ التطبير ليس عربيّاً ولا فارسيّاً ولا تركياً، إنّما هو محض مصادفة كانت على يد تركي، فتبنّاها الأتراك، وشجّعها الفرس، وساهم فيها العرب».


الصفحة 282


الصفحة 283


الصفحة 284


الصفحة 285


الصفحة 286
ولا جاء في أثرٍ تأريخيّ إدخال الغناء الحرام في تعازى سيّد الشهداء(عليه السلام).

وإنّما قيّدنا الغناء بالحرام؛ لأنّ الغناء مُشتبه الحالّ موضوعاً وحكماً، ومختلف فيه بين الفقهاء، فالقدر المسلّم والمتيقّن المحرّم: إنّما هو الغناء الذي يُطرب ـ بترجيعات الصوت ونغماته ـ سامعيه، ويُخرجهم عن الاتّزان والاختيار، أو يشتمل على فعلٍ محرّم.

ولا فرق في هذا القدر المسلّم، أن يصدر بعنوان الفرح أو الحزن، وسواء كان في غير العزاء الحسينيّ أو فيه على صاحبه السلام.

هبة الدين الحسينيّ الشهرستانيّ


الصفحة 287

(٤) اختلاف الجماعات في حدود العزاء الحسينيّ)(1)

____________

1- أصل المقالة باللغة الفارسيّة


الصفحة 288


الصفحة 289

اختلاف الجماعات في حدود العزاء الحسينيّ

اتّفق جميع الشيعة، على أنّ إقامة العزاء أمر مُثاب ومستحبّ مؤكّد، خلافاً لمن خالف الدين والمذهب، ممّن كان يعتقد بدعيّة هذا الأمر، وتعارضه مع المصلحة العامّة.

ولقد قمتُ بإبطال ادّعائهم بالأدلّة الشافية الوافية، كما أنّي بيّنت ذلك من قبل في كتاب >نهضة الحسين(عليه السلام)<(1) قبل ثلاثين عاماً(2)، وكتبتُ في ذلك مقالات في عدّة مجلّات في أيام تحريم الشاه الراحل(3)، وكذلك ردّاً

____________

1- تقدّم الكلام عنه في المقالة رقم ٢ «تأريخ العزاء الحسينيّ وإقامة المآتم».

2- تأريخ تأليف هذا الكتاب، هو الرابع والعشرون من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٤٣ هـ ، كما أثبته مؤلّفه في آخر مقدّمته له.
وهذا يدلّ على أنّ السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، كتب هذه المقالة سنة ١٣٧٣ هـ .

3- رضا شاه بهلوي ابن عباس قلي خان سواد كوهيّ، المشهور بداداش بيك.
ولد سنة ١٢٩٥ هـ ق (١٢٥٦ هـ ش) في قصبة «آلاشت» من توابع «سواد كوه» مازندران.
بدأ أمره جنديّاً في فوج «سواد كوه»، وفي الثانية والعشرين من عمره دخل في كتيبة «القوزاق»، وظلّ يترقّى في مناصبها مؤدياً بعض المهام في بعض المدن، إلى أن أصبح في سنة ١٢٩٤ هـ ش رئيساً لفوج قوزاق همدان.
وفي الثالث من شهر إسفند سنة ١٢٩٩ هـ ش قام هو والصحفي السيد «ضياء الدين الطباطبائي» بانقلاب عسكري تاريخيّ، أصبح بعده قائداً للجيش ورئيساً لكلّ كتيبة القوزاق.
ثمّ صار وزيراً للحربيّة في أول وزارة تشكّلت بعد الانقلاب، وظلّ في هذا المنصب في ثلاث وزارات جاءت بعدها، إلى ٣٦ خرداد سنة ١٣٠٢ هـ ش.
وفي ١٦ آبان سنة ١٣٠٢ هـ ش أصبح رئيساً للوزراء، وظلّت بيده وزارة الحربيّة، وبقي في هذا المنصب إلى ١٧ مرداد سنة ١٣٠٤ هـ ق.
وفي ٥ آذر من تلك السنة استطاع أن يحمل الجمعية التأسيسية على اختياره ملكاً على إيران، وخلع «أحمد شاه قاجار». وبذلك انتهى عهد الاُسرة القاجاريّة الملكيّ، وبدأ عهد الاُسرة البهلويّة.
وفي ٢٥ آذر سنة ١٣٠٤ هـ ش تولّى مهامّ العرش.
وفي ١٤ ارديبهشت سنة ١٣٠٥ هـ ش، توّج».
توفّي سنة ١٣٦٣ هـ ش.
انظر: مستدركات أعيان الشيعة ٥: ١٦٨ـ١٦٩ .
ومن عجائب هذا الرجل الظالم لنفسه وشعبه، وسوء عاقبته، أنّه في بداية وصوله إلى السلطة، كان يشجّع الشعائر الحسينيّة، ويحضر بنفسه ويشارك في مآتم العزاء للمولى أبي عبد الله الحسين(عليه السلام).
ولكن بعد أن تُوّج شاهاً على إيران، وثبتت قدمه في السلطة، حارب هذه الشعائر الحسينيّة، ومنع من إقامتها، وعاقب بأشد العقوبة المقيمين لها.
يقول السيّد حسن الأمين في «مستدرك أعيان الشيعة» ٥: ١٨٨:
«وفي مطلع شهر المحرّم من سنة ١٣٤٠ هـ ق اُقيمت في حسينيّة الثكنة القوزاقيّة مراسم العزاء الحسينيّ المعتادة في إيران، ووقف قائد الجيش ووزير الحربيّة «رضا خان» يستقبل مواكب العزاء موكباً موكباً. وكلّ موكب منها ينتمي إلى فئة من الأهالي، وهي مواكب تطوف في المدينة أيام المحرم، وتؤم في أثناء طوافها المجالس التي يعقدها الأعيان والعلماء للعزاء الحسينيّ، فتتوقف فيها قليلاً ثمّ تمضي في طوافها.
فكان «رضا خان» كلّما دخل موكب منها إلى الثكنة، استقبله بالبشاشة والتودّد، وأهدى رئيسه شالاً، ودعا إلى قراءة السيرة الحسينيّة في الثكنة كل قرّاء التعزية في طهران، وأهدى كلّ واحد منهم مبلغاً من المال.
وأقبل الناس على حضور هذه المجالس إقبالاً عظيماً من كلّ الطبقات، حتّى إنّ الشاه نفسه حضر إليه في اليوم الثامن من المحرّم.
وفي يوم عاشوراء شكّل القوزاق موكب عزاء منهم، وجعلوا في أوّله فرقة موسيقيّة تعزف لحناً حزيناً، وسار في مقدّمته «رضا خان» وقد حسر عن رأسه وعفّره بالتراب، علامة الحزن، ووراؤه الضبّاط، وراؤهم الجنود، وقد فعلوا فعله، حسروا عن رؤوسهم وعفّروها بالتراب، وأخذوا يطوفون في المدينة.
وكان «رضا خان» يواظب على حضور المجالس الاُخرى، وأكثر حضوره كان في مجلس أصحاب الحرف. وكان بعض الوعاظ وقرّاء التعزية إذا حضر مجلساً، ذكروا اسمه على المنبر وأثنوا عليه ودعوا له، فيعرف الجمهور أن وزير الحربيّة حاضر في المجلس.
وفي مساء اليوم العاشر ليلة الحادي عشر من المحرم، المعروفة عند الإيرانيين باسم «شام غريبان» «أمسية المغرّبين»، خرج وزير الحربية قائد الجيش «رضا خان»، على عادة الإيرانيّين في تلك الليلة، حاسر الرأس حافياً، وفي يده شمعة، ووراؤه جنود القوزاق حاسرين حفاة، وفي يد كلّ منهم شمعة، وساروا إلى مجلس التعزية الذي يقام في المسجد الجامع، والمجلس الذي يُقام في مسجد الشيخ عبد الحسين، وهما من أكبر مجالس طهران، فطافوا، وهم على هذا الوضع، حول كلّ من المجلسين.
وقد فعلت هذه المظاهر فعلها في نفوس العامّة، واكتسب «رضا خان» شعبيّة واسعة؛ إذ أنّ ولاء أهل البيت متمكّن في نفوس الإيرانيين، ولهم عناية فائقة بإقامة مراسم العزاء الحسينيّ، وحرص شديد على المشاركة فيها وإدامتها. وثبت في نفوسهم أنّه ناصر للدين. وظلّ مواظباً على هذه المظاهر في أشهر المحرّم من كلّ سنة. وكانت هذه السيرة إحدى وسائله لتثبيت مكانه».
وقال أيضاً في هذا الكتاب ٥: ٢٠٨:
«ظلّ «رضا شاه بهلوي» يتملّق للعامّة ورجال الدين بالتظاهر بالتديّن، وإقامة الشعائر المذهبيّة، إلى أن استتبّ له الأمر، وجمع في يده زمام السلطة المطلقة.
وعندئذ تنكّر للدين وكلّ ما يتصل به، فبعد أن كان يجلّل ثكنة القوزاق بالسواد أيام المحرّم، ويواظب على إقامة العزاء الحسينيّ، ويقف بنفسه يستقبل الوافدين إلى المجلس، وينعم على الخطباء بالهدايا، أمر بإبطال ذلك كله، وأمر بمنع الناس من إقامة مجالس العزاء الحسينيّ إلّا بإذن من الشرطة.
وبعد أن كان يشكّل موكباً من القوزاق، يشارك يوم عاشوراء المواكب الحسينيّة، التي يسيّرها الأهالي في أنحاء المدينة، ويسير هو في مقدّمته، حاسر الرأس معفّراً بالتراب؛ علامة الحزن، أمر بمنع الناس من تسيير هذه المواكب، وحرّض على تسيير المواكب «الكرنفال».
بل اتفق في إحدى السنين من أيام ملكه، أن سارت مواكب «الكرنفال» في شوارع طهران في ليلة عاشوراء نفسها، وكانت عدّة من الكميونات جهّزت على النحو المعروف في تجهيزات «الكرنفال»، وفيها الراقصون والموسيقى، ومظاهر الابتهاج والهزل والتهريج.
وبعد أن كان يسير حافياً؛ إظهاراً للأسى والأسف والخشوع، في مقدّمة موكب القوزاق ليلة الحادي عشر من المحرّم، المعروفة عند الإيرانيين باسم «شام غريبان» (أمسية المغرّبين)، لم يتورّع عن أن يدخل بحذائه إلى المقامات المقدّسة، غير مراعٍ حرمتها، متعمداً إهانتها، وتحدّى شعور الناس الدينيّ، كدخوله يوماً مع جلاوزته إلى مقام السيّدة «معصومة» في قم، ودخوله إلى مقام الإمام الرضا(عليه السلام) في مشهد؛ لتعقب بعض المعارضين من رجال الدين ومعاقبتهم».
وهذا الأمر بعينه تكرّر في حكومة البعثيّين الظالمة، فبعد وصولهم إلى الحكم في العراق سنة ١٩٦٨ م، كانوا في بداية أمرهم يشجّعون الشعائر الحسينيّة، ويقدّمون المساعدات الماديّة والمعنويّة للمواكب والهيئآت والحسينيّات.
وأتذكّر جيّداً قائم مقام مدينة النجف الأشرف السيّد عبد الرزّاق الحبوبيّ، كان يتجوّل على المواكب والهيئآت الحسينيّة، ويقدّم لهم هدية الرئيس العراقيّ ـ آنذاك ـ أحمد حسن البكر.
ثمّ استمرّ الأمر هكذا عندما أصبح السيّد الحبوبيّ محافظاً لمدينة كربلاء المقدّسة، ثمّ محافظاً لمدينة النجف الأشرف.
وبعد أن ثبتت أقدام البعثيّين في السطلة، وتخلّصوا من معارضيهم ومنافسيهم، قاموا بمحاربة الشعائر الحسينيّة بشكل تدريجي، إبتداءً من سنة ١٩٧٥ م.
وفي سنة ١٩٧٧ منعوا الناس من الذهاب إلى زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) مشياً على الأقدام، إلّا أنّ الشباب المؤمن تحدّا هذا المنع، وخرجوا بمظاهرات كبيرة من النجف الأشرف، متوجّهين إلى كربلاء المقدّسة، وقام رجال الأمن آنذاك باعتقال عددٍ كبير منهم وإيداعهم السجون، ثمّ تقديمهم للمحكمة، وإعدام عددٍ منهم، وسجن آخرين.


الصفحة 290


الصفحة 291


الصفحة 292


الصفحة 293


الصفحة 294

على الوهابيّين وغيرهم.

ولكن مع الأسف اختلف جماعتنا في هذا الأمر إلى ثلاث طوائف:

الطائفة الاُولى: >الاُصوليّون<، وكانوا يَرون أنّ إقامة العزاء على الأئمّة أمرٌ مستحبّ، مُجمَع عليه في قواعد الإسلام الاُصوليّة، وفقه آل محمّد(عليهم السلام)، بشرط أن يكون خالياً من الفعل المحرّم، كالإضرار بالأجساد.

إذاً هو مستحبّ كما هو معروف ومتداول عند العرب والعجم، ومصاديقه: البكاء، والصراخ، والنياح، والندب، وإنشاد النياحة، وقراءة التعزية، واللطم، ولبس السواد الذي يُطلق عليه عند العرب بـ >الحداد<.

وكان هذا الأمر متداولاً من صدر الإسلام إلى القرن الثاني عشر، أي حتّى انقراض العهد الصفويّ، فلم يكن العزاء مشتملاً على فعلٍ محرّم، ولم يُسمع على طيلة القرن الثاني عشر خبر، ولم يُروَ أثرٌ عن التطبير وجرح الأبدان أو ضرب السلاسل.

واُطلق اسم >الاُصوليّون< على هذه الطائفة من جهة تقويتهم، وكناية


الصفحة 295
عن عملهم بالاُصول والقواعد الاسلاميّة العامّة، حتّى يجدوا دليلاً معتبراً يُخصّص لهم تلك العمومات.

ويقابل هذه الطائفة طائفتان اُخريان:

إحداهما: >الضرريّة<، التي تعتقد عدم كون جرح البدن إضراراً به.

والاُخرى القائلة باستثناء هذا الضرر من الإضرار المحرّم؛ لوجود الدليل عليه، وسنعرض في هذه الرسالة أدلّة الطوائف الثلاثة جميعاً.

وطائفة اُخرى >السكوتيّون<، ويوجد من بين العلماء الأعلام والمقدّسين عند العوامّ، مَن سكت عن هذا الجدل والنزاع، واختار السكوت. فلم يشارك في هذه الأعمال، ولم يعترض على مرتكبيها، ولا ينكر عليهم. وحجّتهم في ذلك: أنّنا لا نتدخّل في القضايا المرتبطة بالإمام الحسين(عليه السلام)، ولا نتصرّف بشيء.

طبعاً، أنّهم كانوا يتدخّلون في بعض الجوانب السياسيّة، وكانت لديهم تحرّكات في الحكومات والملل المخالفة للدين والمذهب، ولم يكن لنا علم تامّ بكلّ هذه التحركات، ولم نطّلع على كلّ هذه الأسرار.

هبة الدين الحسينيّ الشهرستانيّ


الصفحة 296


الصفحة 297

(٥) تاريخ العزاء الحسينيّ


الصفحة 298


الصفحة 299

تأريخ العزاء الحسينيّ

بقلم سماحة آية الله العظمى الشهرستانيّ، السيّد هبة الدين الحسينيّ دامت بركاته العالية.

نقلاً عن مجلّة >المرشد< البغداديّة(1)، ص ٣٠٥، من المجلّد الأوّل، سنة

____________

1- «تعدّ مجلّة «المرشد» البغداديّة، من أغنى المجلّات الفكريّة والأدبيّة التي صدرت في بغداد، فـ «المرشد» يمكن عدّها الامتداد الطبيعيّ لمجلّة «العلم» التي أصدرها السيّد هبة الدين الشهرستانيّ سنة ١٩١٠ م في النجف الأشرف.
صدرت «المرشد» في العقد الثالث من القرن العشرين نهاية عام ١٩٢٥ م، وبالتحديد في جمادى الاُولى سنة ١٣٤٤ هـ ، أي بعد تأسيس الحكم الوطني بأربع سنوات وبضعة أشهر، وهي حقبة نشطت فيها الصحافة المقروءة، وعملت في جوّ فكريّ، سادت فيه نسمة من رياح الحريّة في التعبير والتفكير والكتابة والخطابة.
ومجلّة «المرشد» من المجلّات المتخصّصة ذات الصبغة المهنيّة، وهي من أبرز المجلّات الفكريّة والأدبيّة غير السياسيّة، إذ عَرَّفت نفسها على وفق ترويستها في عددها الأوّل من السنة الثالثة بأنّها: مجلّة دينيّة علميّة أدبيّة شهريّة، تصدر في بغداد مرّه في الشهر، أسّسها السيّد محمّد الحسينيّ (ابن خالة السيّد هبة الدين الحسينيّ)، والسيّد صالح الشهرستانيّ، وفي الحقيقة بعد التحريّ الدقيق ظهر أنّ السيّد هبة الدين الشهرستانيّ هو الذي يموّل هذه المجلّة ويرسم سياستها ويحرّر ويراجع عدداً من أبحاثها».
انظر: مقالة «مجلّة المرشد البغداديّة: دراسة تحليليّة تاريخيّة ـ ١٩٢٥ ـ ١٩٢٩م، للدكتور حميد مجيد هدو، في مجلّة كليّة الآداب، العدد ١٠٣.


الصفحة 300
١٣٤٤ هـ ق = سنة ١٩٢٥ م، في أوائل قيام الپهلوي رضا شاه إيران بمنع الناس من مجالس التعزية الحسينيّة(1) وهذا لفظه:

السؤال:

تقام في البلاد مجالسٌ لعزاء سيّدنا الحسين (عليه السلام)، وبيان مأتمه الفجيع، بصورة مشهودة ومشهورة. نرجوا التفضّل ببيان تأريخ إقامة هذه المآتم؟

وهل هي حادثة في هذه القرون الأخيرة؟ أو هي قديمة؟

جماعة من البصريّين

الجواب:

كلّ من جابَ اليوم عواصم الممالك الإسلاميّة، سيّما المجتمعات الشيعيّة في العراق والهند وفي إيران، يرى المباني الضخمة التي يدعوها العرب >الحسينيّة<، والهنود >إمام پاره<، والفرس >ماتم سرا<.

ويرى فيها المجالس المُقامة لذكرى فقيد الإسلام، سيّدنا الحسين، سبط نبيّنا المصطفى، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.

____________

1- تقدّم الحديث عنه في المقالة رقم ٤ «اختلاف الجماعات في حدود العزاء الحسينيّ».


الصفحة 301
الصفحة السابقةالصفحة التالية