المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 301 - ص 330)

وهذه المجالس التي تجذب إلى باحتها ـ كالمغناطيس ـ شتات المسلمين ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(1)، تصفّ أجنحتها حول منبر يرقى عليه الخطيب، فيفتتح الكلام بآيٍ من الذكر الحكيم، وتفسير علومها من أحاديث الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله و سلم)، ثمّ يتلو ذلك بفصول من التأريخ الإسلاميّ، أو تواريخ الرُسل السالفين، ويختم كلامه بتأريخ الحسين(عليه السلام)، وما جرى عليه وعلى آل بيت المصطفى عليه وعليهم أزكى الصلاة والسلام.

ولابُدّ أن يتخلّل هذه الخطابة، وعظ وإنذار، وتلطيف القرائح بلطيف الأشعار، ممّا يجعل مجلسهم هذا أشبه بمدرسةٍ، تلامذتها اُميّون أو من كبار العامّة، ودروسها ما يهمّهم من أمر الدين والدنيا والمعاد والمعاش جميعاً.

اللهمّ إلّا بعض الجاهلين، ممّن يقولون الخطبة بغير علم ولا هدى، ومن لا يجتنبون قول الزور.

ويُسمّى خطيب المنبر الحسينيّ: >روضه خوان<؛ لأنّ أمثاله ـ منذ قرون خلت ـ كانوا يقرأون على المنابر كتاب >روضة الشهداء<(2) تأليف المولى الحسين بن عليّ الكاشفيّ، المعروف بالواعظ البيهقيّ، المتوفى سنة ٩١٠ هـ(3).

وتُسمّى أمثال هاتيك المجالس الحسينيّة >المأتم<، أو >تعازي الحسين<.

فالناظر إليها لأوّل وهلة، يخالها تشكيلات تولّدت من عهد الملوك الصفويّة، أو هي من مستحدثات الأعاجم.

لكنّ المتصفّح لكتب التأريخ والآثار، يجد لهذه الاُمور، أدواراً وأطواراً

____________

1- الحجر (١٥): ٤٧ .

2- تقدّم الكلام عنه في المقالة رقم ٢ «تأريخ العزاء الحسينيّ وإقامة المآتم».

3- تقدّمت ترجمته في المقالة رقم ٢ «تأريخ العزاء الحسينيّ وإقامة المآتم».


الصفحة 302
في عصور سابقة على العصر الصفويّ، وفي اُممٍ لا مساس لها بالصفويّة.

فقد وصف ابن الأثير حوادث دمويّة، مسبّبة عن ذكرى عزاء الحسين(عليه السلام)، جرت بصورة فظيعة بين الحزب المتشيّع لآل البيت، وبين الحزب المخالف له، في ثنايا القرن السابع الهجريّ ببغداد عاصمة الهاشميين، بل وفي خلال القرن الخامس وما قبله أيضاً(1).

____________

1- نذكر بعضَ هذه الحوادث:
* سنة ٣٥٣ هـ :
فيها: «في العاشر من محرّم عملت الشيعة المأتم على سيّد الشهداء الحسين(عليه السلام)، وعُطّلت الأسواق، وأقامت النوح، فلمّا أضحى النهار يومئذٍ وقعت فتنة عظيمة في قطيعة اُمّ جعفر وطريق مقابر قريش، بين السنّة والشيعة، واقتتلا قتالاً شديداً، ونُهبت الأموال، ووقعت بينهم جراحات».
انظر: المنتظم ٧: ١٩، الكامل في التأريخ ٨: ٥٥٨، تاريخ الإسلام: ١٣ «حوادث ووفيات ٣٥١ـ٣٨٠»، البداية والنهاية ١١: ٢٥٣، النجوم الزاهرة ٣: ٣٣٦ .
«وقطيعة اُمّ جعفر: محلّة ببغداد عند باب التين، وهو الموضع الذي فيه مشهد موسى بن جعفر، قرب الحريم بين دار الرقيق وباب خراسان.
وقيل: قطيعة اُمّ جعفر بنهر القلّائين، ولعلّها اثنتان.
واُمّ جعفر هي: زبيدة بنت جعفر بن المنصور اُمّ محمّد الأمين».
[انظر: معجم البلدان ٤: ٣٧٦] .
* سنة ٣٥٤ هـ :
فيها: «في العاشر من المحرّم أقامت الشيعة العزاء على الحسين بن عليّ سيّد الشهداء، والنوح، واللطم، وعطّلت الأسواق».
وقال الأتابكي: «ولم يتحرّك لهم السنّة خوفاً من معزّ الدولة ابن بويه».
وقال ابن كثير: «ثمّ تسلّطت أهل السنّة على الروافض، فكبسوا مسجدهم مسجد براثا الذي هو عشّ الروافض!! وقتلوا بعض مَن كان فيه من القَومَة».
انظر: المنتظم ٧: ٢٣، تأريخ الإسلام ١٧ «حوادث ووفيات ٣٥١ـ٣٨٠»، النجوم الزاهرة ٣: ٣٣٩، البداية والنهاية ١١: ٢٥٥ .
* سنة ٣٥٥ هـ :
فيها: «في العاشر من محرّم أقامت الشيعة عزاءها على الحسين الشهيد(عليه السلام)، والنوح والبكاء، ولم يحدث شيء والحمد لله».
وقال ابن كثير: «في عاشر المحرّم عملت الروافض بدعتهم الشنعاء!! وضلالتهم الصلعاء!! على عاداتهم في بغداد».
انظر: المنتظم ٧: ٣٣، البداية والنهاية ١١: ٢٦٠، النجوم الزاهرة ٤: ١١ .
* سنة ٣٦١ هـ :
فيها: «وقعت فتنة عظيمة ببغداد، وظهرت العصبيّة الزائدة، وظهر العيّارون، وأظهروا الفساد، وأخذوا أموال الناس، وأحرق أهل السنّة دور الشيعة في الكرخ، وكانت معدن التجّار الشيعة، ونُهبت الأموال، وقُتل جمع غفير. وجرى بسبب ذلك فتنة بين النقيب أبي أحمد الموسويّ والوزير أبي الفضل الشيرازيّ وعداوة».
انظر: الكامل في التأريخ ٨: ٦١٩، البداية والنهاية ١١: ٢٧١ .
* سنة ٣٨٢ هـ :
فيها: «استولى الوزير أبو الحسن ابن المعلّم على اُمور السلطان بهاء الدولة كلّها ببغداد، ومنع الشيعة من أهل الكرخ وباب الطاق من إقامة العزاء والنوح في يوم العاشر من المحرّم على الحسين الشهيد بعد أن كان يُقام ثلاثين سنة».
انظر: المنتظم ٧: ١٦٧ـ١٦٨، مرآة الجنان ٢: ٤١٥، البداية والنهاية ١١: ٣١١، شذرات الذهب ٣: ١٠٢، تاريخ الإسلام: ١٢ـ١٣ «حوادث ووفيات ٣٨١ هـ ـ ٤٠٠ هـ»، العِبر ٣: ٢٠، دول الإسلام: ٢٠٧، النجوم الزاهرة ٤: ١٦٢ .
* سنة ٤٠٦ هـ :
فيها: «في غرّة محرّم يوم الثلاثاء وقعت فتنة بين أهل الكرخ وأهل باب الشعير، كان سببها أنّ أهل الكرخ جازوا بباب الشعير، فتولّع بهم أهله، فاقتتلوا، وتعدّى القتال إلى القلّائين، ثمّ سكّن الفتنة الوزير فخر الملك، ومنع أهل الكرخ من النوح يوم عاشوراء، ومن تعليق المسوح».
انظر: المنتظم ٧: ٢٧٦، البداية والنهاية ١٢: ٢، النجوم الزاهرة ٤: ٢٣٩ .


الصفحة 303


الصفحة 304

ويذكر المؤرّخان الشهيران: ياقوت الحمويّ في >معجمه<(1)، وابن خلّكان في >وفياته< قضيّة الناشئ الأصغر ـ عليّ ـ الشاعر المشهور، ومجالس النياحة على الحسين(عليه السلام)(2).

وفيها ما يدلّ على أنّ الاجتماعات كانت تنعقد في تلك الأعصار، باسم النياحة على الحسين(عليه السلام)، وينوحون عليه بقريض يُنشئه أو يُنشده الناشد منهم، ويسمّى >النائح<.

____________

1- تقدّم الكلام عن هذه القضيّة في المقالة رقم ٢ «تأريخ العزاء الحسينيّ وإقامة المآتم».

2- انظر «وفيات الأعيان» ٣: ٣٦٩، ولم ترد هذه القضيّة في ترجمة «الناشئ الأصغر»، ولعلّه ذكرها في ترجمة اُخرى.


الصفحة 305
وفي تواريخ الدولة العبيديّة(1) بمصر ترى اهتمام الملك الفاطميّ بأمر إقامة عزاء الحسين(عليه السلام) في خارج البيوت أيضاً، فكان النساء يخرجنَ في أيامه ليلاً، كما يخرج الرجال نهاراً(2).

ولابُدّ من العروج في التأريخ إلى الصدر الأوّل، وما يُسمّى >عهد الإمامة<، وعهد >السلف الصالح< وفيه نجد توارد الوفود على أئمّة آل البيت(عليهم السلام) من شعرائهم؛ لرثاء الحسين(عليه السلام) بين أيديهم، كما ثبت قدوم دعبل الخزاعي(3) وإبراهيم بن عباس(4) على الرضا علي بن موسى بن جعفر(عليهم السلام) في

____________

1- هي الدولة الفاطميّة التي اُنشئت أوّلاً في إفريقيا في المغرب العربيّ، ثمّ انتقلت إلى مصر.
وإنّما سُمّيت بـ «العُبيديّة» نسبة إلى مؤسّسها أبي محمّد عُبيدالله «وقيل: هو محمّد بن عبد الله بن ميمون بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم». الكامل في التاريخ ٨: ٢٤ .

2- في سنة ٣٦٦ هـ ـ كما قال الأتابكي ـ : «عمل في الديار المصريّة المأتم في يوم عاشوراء على الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ ، وهو أوّل ما صُنع ذلك بديار مصر، فدامت هذه السنّة القبيحة!! سنين إلى أن انقرضت دولتهم».
انظر: النجوم الزاهرة ٤: ١٢٦ .

وفي سنة ٣٩٨ ـ كما قال الأتابكي أيضاً ـ : «فأمّا مصر، فإنّه كان يُفعل بها في يوم عاشوراء من النوح والبكاء والصراخ وتعليق المُسوح أضعاف ذلك، ولا سيّما أيّام خلفاء مصر بني عبيد، فإنّهم كانوا أعلنوا الرفض».

3- تقدّمت ترجمته في المقالة رقم ٢ «تأريخ العزاء الحسينيّ وإقامة المآتم».

4- ذكره أبوالفرج الأصفهانيّ في كتابه «الأغاني» ١٠: ٢٧١ـ٢٩١ وترجم له ترجمة مفصّلة، وذكر أشعاره، قال: «إبراهيم بن العبّاس بن محمّد بن صول، وكان صول، رجلاً من الأتراك، ففتح المهلّب بلده وأسلم على يديه، فهم موالي يزيد».
ثمّ قال: «و أمّا إبراهيم بن العبّاس وأخوه عبداللّه فإنّهما كانا من وجوه الكتّاب، وكان عبد الله أسنّهما وأشدّهما تقدّماً، وكان إبراهيم آدبهما وأحسنهما شعراً».
وذكره الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٦: ١١٥ قائلاً: «أصله من خراسان، وكان كاتباً من أشعر الكتّاب، وأرقّهم لساناً، وأيدهم قولاً، وله ديوان شعر مشهور». ثمّ قال: وقد روى له إبراهيم بن العبّاس عن علي بن موسى الرضا، وتوفّي في سنة ثلاث وأربعين ومائتين».
وذكره أيضاً ابن خلّكان في «وفيات الأعيان» ١: ٦٩ قائلاً: «الشاعر المشهور، كان أحد الشعراء المجيدين، وله ديوان شعر كلّه نُخَبٌ وهو صغير». ثمّ قال: «وهو ابن أخت العبّاس بن الأحنف الحنفيّ الشاعر المشهور» ثمّ قال: «قال دعبل بن علي الخزاعي: لو تكسّب إبراهيم بن العبّاس بالشعر لَتَرَكَنَا في غير شيء».


الصفحة 306
مَرو بخراسان أيام ولاية عهده، وإنشاء الأوّل قصيدته التائيّة المشهورة التي يقول فيها:
مدارسُ آياتٍ خَلَت من تِلاوةٍومنزلُ وحيِ مُقفرُ العَرصاتِ
ديارُ رسول الله أصبحن بلقعاًوآل زياد تسكن الحجرات

إلى قوله:

أفاطمُ لو خلتِ الحسينَ مجدّلاًوقد ماتَ عطشاناً بشطِّ فراتِ
إذاً للطَمتِ الخدَّ فاطمُ عندهُوأجرِيتَ دمعَ العين في الوَجناتِ
إلى آخر أبياته المشهورة(1).

____________

1- جزء من قصيدة شعريّة تائيّة رائعة، قالها دعبل الخزاعي في أهل البيت(عليهم السلام)، وأنشدها أوّل مرّة بحضور الإمام الرضا(عليه السلام) في خراسان، بعد أن بُويع بولاية العهد في زمن المأمون.
وتُعتبر هذه القصيدة من أحسن الشعر وأسنى المدائح المقولة في أهل البيت(عليهم السلام).
وقد ذكر العلاّمة الأميني في «الغدير» ٢: ٢٤٩ أنّ عدد أبياتها هو مائة وواحد وعشرون بيتاً، والموجود في ديوانه المطبوع: ١٢٤ـ١٢٥ مائة وخمسة عشر بيتاً فقط.
علماً بأنّ كثيراً من المصادر لم تذكر القصيدة كاملة، بل من البيت الثلاثين منها: (مدارس آيات...); لأنّ دعبل أنشدها الإمام الرضا(عليه السلام) من هذا البيت، ولم ينشدها من أوّلها، والذي هو في التشبيب والغزل.
قال ابن شهر آشوب في المناقب ٢: ٢٩٤: قيل لدعبل: لم بدأت بـ (مدارسُ آيات...)؟
قال: استحييت من الإمام أن أنشده التشبيب فأنشدته المناقب.
وقد وصفت الكثير من الموسوعات التاريخية والأدبية كيفية إنشادها، وما حصل للإمام(عليه السلام) حين سماعها، وما جرى لدعبل بعد ذلك من أحداث.
قال الأصفهاني في «الأغاني» ٢٠: ١٦٢ـ١٦٣: قال دعبل: دخلت على عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) بخراسان، فقال لي: «أنشدني شيئاً ممّا أحدثت»، فأنشدته: (مدارسُ آيات...) حتّى انتهيت إلى قولي:

إذا وتروا مدّوا إلى واتريهمأكفّاً عن الأوتار منقبضات

فبكى الإمام حتّى أغمي عليه، وأومأ إليّ خادم كان على رأسه: أن اسكت. فسكتّ ساعة...
ثمّ قال لي: «أعد». فأعدتُ حتّى انتهيت إلى هذا البيت أيضاً، فأصابه مثل الذي أصابه في المرّة الأولى، وأومأ الخادم إليّ: أن اسكت. فسكت، ومكثت ساعة أخرى...
ثمّ قال لي: «أعد». فأعدتُ حتّى انتهيت إلى آخرها.
فقال لي: «أحسنت» ثلاث مرّات.
ثمّ أمر لي بعشرة آلاف درهم ممّا ضرب باسمه، ولم تكن دفعت إلى أحد بعد، وأمر لي مَن في منزله بحليّ كثير أخرجه إليّ الخادم، فقدمتُ العراق فبعتُ كلّ درهم منها بعشرة دراهم اشتراها منّي الشيعة، فحصل لي مائة ألف درهم.
قال ابن مهرويه: وحدّثني حذيفة بن محمّد: أنّ دعبلاً قال له: إنّه استوهب من الرضا(عليه السلام) ثوباً قد لبسه; ليجعله في أكفانه، فخلع جبّة كانت عليه فأعطاه إيّاها.
فبلغ أهل قم خبرها، فسألوه أن يبيعهم إيّاها بثلاثين ألف درهم، فلم يفعل، فخرجوا عليه في الطريق فأخذوها منه غصباً، وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل، وإلّا فأنت أعلم.
فقال لهم: إنّي والله لا أعطيكم إيّاها طوعاً، ولا تنفعكم غصباً، وأشكوكم إلى الرضا(عليه السلام).
فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين ألف درهم وفرد كمّ من بطانتها، فرضي بذلك، فأعطوه فرد كمّ، فكان في أكفانه.
وكتب قصيدة: (مدارسُ آيات...) ـ في ما يقال ـ على ثوب وأحرم فيه، وأمر بأن يكون في أكفانه.
وفي مكان آخر من «الأغاني» ٢٠: ١٥٥، قال: قال دعبل: لمّا هربتُ من الخليفة، بتُّ ليلة بنيسابور وحدي، وعزمتُ على أن أعمل قصيدة في عبد الله بن طاهر في تلك الليلة، فإنّي لفي ذلك سمعتُ ـ والباب مردود عليّ ـ : السلام عليكم ورحمة الله، أُنج يرحمك الله.
فاقشعرّ بدني من ذلك ونالني أمر عظيم.
فقال لي: لا تجزع عافاك الله، فإنّي رجل من إخوانك من الجنّ، من ساكني اليمن، طرأ إلينا طارئ من أهل العراق فأنشدنا قصيدتك: (مدارسُ آيات...) فأحببتُ أن أسمعها منك.
قال: فانشدته إيّاها، فبكى حتّى خرّ.
ثمّ قال: رحمك الله، ألا أُحدّثك حديثاً يزيد في نيّتك ويعينك على التمسّك بمذهبك؟
قلت: بلى.
قال: مكثتُ حيناً أسمع بذكر جعفر بن محمّد(عليه السلام)، فصرتُ إلى المدينة فسمعته يقول: «حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، أنّ رسول الله، قال: عليّ وشيعته هم الفائزون».
ثمّ ودّعني لينصرف، فقلت له: يرحمك الله إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل.
قال: أنا ظبيان بن عامر.
وقال ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» ١١: ١٠٣ ـ بعد أن ذكر قريباً ممّا في «الأغاني» ـ : كتب دعبل القصيدة في ثوب وأحرم فيه، وأوصى بأن يكون في أكفانه.
وحكى العلاّمة الأميني في «الغدير» ٢: ٣٥٢ عن الحافظ ابن عساكر في تاريخه قوله: إنّ المأمون لمّا ثبتت قدمه في الخلافة وضرب الدنانير باسمه، أقبل يجمع الآثار في فضائل آل الرسول، فتناهى إليه - في ما تناهى - من فضائلهم قول دعبل: (مدارسُ آيات...) فما زالت تردّد في صدر المأمون حتّى قدم عليه دعبل، فقال له: أنشدني قصيدتك التائية ولا بأس عليك، ولك الأمان من كلّ شيء فيها، فإنّي أعرفها وقد رويتها، إلّا أنّي أحبّ أن أسمعها من فيك.
قال: فأنشدته حتّى صرتُ إلى هذا الموضع:

ألم تر أنّي مذ ثلاثين حجّةأروح وأغدو دائم الحسراتِ
أرى فيئهم في غيرهم متقسّماًوأيديهُمُ من فيئهم صفراتِ
فآلَ رسول الله نحفٌ جُسومُهُموآل زياد غُلّظُ القصراتِ
بناتُ زياد في القُصُور مصُونةٌوبنتُ رسول الله في الفلواتِ
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهمأكفّاً عن الأوتار منقبضاتِ
فلولا الذي أرجُوهُ في يوم أو غدِتقطّع نفسي إثرهم حَسَراتِ

فبكى المأمون حتّى اخضلّت لحيته وجرت دموعه على نحره.
وفي «عيون أخبار الإمام الرضا(عليه السلام)» ٢: ٢٦٣ عن شيخ الإسلام أبي إسحاق الحموي، عن أحمد بن زياد، عن دعبل، قال: أنشدتُ قصيدة لمولاي علي الرضا(عليه السلام) (مدارسُ آيات...) فلمّا وصلت إلى:

وقبرٌ ببغداد لنفس زكيّةتَضمّنها الرحمن في الغُرُفاتِ

قال لي الرضا (عليه السلام): «أفلا أُلحق بيتين بقصيدتك»؟!
قلت: بلى يابن رسول الله.
فقال:

وقبرٌ بطوُس يا لها من مُصيبةألحّت بها الأحشاء بالزفراتِ
إلى الحشر حتّى يبعثُ الله قائماًيُفرّجُ عنّا الهمّ والكرُباتِ

قال دعبل: ثمّ قرأت باقي القصيدة، فلمّا انتهيت إلى قولي:

خُروُجُ إمام لا محالة واقعٌيقومُ على اسم الله بالبركاتِ

بكى الرضا بكاءً شديداً، ثمّ قال: «يا دعبل! نطق روح القدس بلسانك، أتعرف من هذا الإمام»؟!
قلت: لا، إلّا أنّي سمعتُ بخروج إمام منكم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
فقال: «إنّ الإمام بعدي محمّد، وبعد محمّد ابنه عليّ، وبعد عليّ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم، وهو المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. أمّا متى يقوم فإخبارٌ عن الوقت، لقد حدّثني أبي عن آبائه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم)، قال: مَثَلَهُ كَمَثلِ الساعةِ لا تأتَيكُم إلّا بَغْتةً».
ونذكر هنا عدّة أبيات من هذه القصيدة الرائعة، مع ترقيم كلّ بيت حسب التسلسل الوارد في ديوانه:

(١) تجاوبنَ بالإرنانِ والزّفراتِنوائحُ عُجمُ اللّفظِ والنَطقاتِ
(٢) يُخبّرنِ بالأنفاس عن سرّ أنفُسأُسارى هوىً ماضٍ وآخرَ آتِ
(٣) فأسعدنَ أو أسعفنَ حتّى تَقوضتصفوفُ الدُجى بالفجرِ منهزماتِ
(٤) على العرصات الخاليات من المهاسلامُ شبح صبّ على العرصاتِ
(١٨) رزايا أرتنا خُضرة الأفق حمرةًوردّت أُجاجاً طعم كُلّ فراتِ
(١٩) وما سَهَّلت تلك المذاهبُ فيهمعلى الناس إلّا بيعة الفلتاتِ
(٢٠) وما نالَ أصحابُ السَقيفةِ إمرةًبدعوى تُراث بل بأمرِ تراتِ
(٢١) ولو قلّدوا المُوصى إليه زمامهالزُمّت بمأمون من العثراتِ
(٣٠) مدارسُ آيات خلت من تلاوةومنزلُ وحي مقفرُ العرصاتِ
(٣١) لآلِ رسول الله بالخيفِ من مِنىوبالرّكن والتعريف والجمراتِ
(٣٢) ديارُ علي والحسينَ وجَعفروحمزةَ والسجّاد ذي الثفناتِ
(٥٣) أفاطُم لو خلتِ الحسينَ مُجدّلاًوقد ماتَ عَطشاناً بشطِّ فُراتِ
(٥٤) إذن للطمَتِ الخدَّ فاطمُ عندهُوأجريتِ دمعَ العين في الوَجناتِ
(٥٥) أفاطمُ قُومي يا بنةَ الخير وأندبينجومَ سماوات بأرضِ فلاةِ
(٥٦) قُبورٌ بكوفان وأُخرى بطيبةٍوأُخرى بفخٍ نالها صلَواتي
(٥٧) وقبرٌ بأرضِ الجَوزجان محلّهوقبرٌ بباخمرا لدى الغُبراتِ
(٥٨) وقبرٌ ببغداد لنفس زكيةتضمّنها الرحمن في الغُرُفاتِ


الصفحة 307


الصفحة 308


الصفحة 309


الصفحة 310


الصفحة 311


الصفحة 312

وقد أجازه الرضا(عليه السلام) ـ بعد أن بكى هو وأهله ـ بعشرة آلاف درهم من المسكوكة باسمه الشريف، وخلع عليه جبّته التي اشتراها القميّون بألف دينار.

أمّا إبراهيم بن عباس، فقد أنشد الإمام الرضا(عليه السلام) قصيدته الداليّة، التي يقول في أوّلها:

أزالَ عَزاءَ القَلبِ بعدَ التَجلّدِمصارعُ أولادِ النبيّ محمّد(1)
فأكرمه الإمام بمثل ما أكرم به أخاه الخزاعيّ.

____________

1- في الأغاني ١٠: ٢٧٧: «إنّ إبراهيم بن العبّاس الصولي دخل على الرضا لمّا عقد له المأمون ولاية العهد، فأنشده قوله:

أزالت عزاء القلب بعد التجلّدمصارع أولاد النبيّ محمّد

فوهب له عشرة ألاف درهم من الدراهم التي ضُربت باسمه، فلم تزل عند إبراهيم، وجعل منها مهور نسائه، وخلّف بعضها لكفنه وجهازه إلى قبره».
وفي «عيون أخبار الإمام الرضا(عليه السلام)» ٢: ١٥٣ـ١٥٤ روى الشيخ الصدوق بسنده عن هارون بن عبد اللّه المهلّبي، قال: «لمّا وصل إبراهيم بن العبّاس ودعبل بن علي الخزاعي إلى الرضا(عليه السلام)ـ وقد بويع له بالعهد ـ أنشد دعبل:

مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحي مقفر العرصات

و أنشده إبراهيم بن العبّاس:

أزالت عناء القلب بعد التجلّدمصارع أولاد النبيّ محمّد

فوهب لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التي عليها اسمه، كان المأمون أمر بضربها في ذلك الوقت. قال: فأمّا دعبل فصار بالعشرة آلاف التي حصّته إلى قوم، فباع كلّ درهم بعشرة دراهم، فتخلّصت له مائة ألف درهم، وأمّا إبراهيم فلم تزل عنده بعد أن أهدى بعضها وفرّق بعضها على أهله إلى أن توفّي رحمه اللّه وكان كفنه وجهازه منها».


الصفحة 313
نعم، إنّ إقامة العزاء الحسينيّ يرتقي تأريخه إلى عهد قديم في الإسلام، أو هو قريب العهد من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان.

غير أنّه من أوّل أدواره كان محدوداً جدّاً، وصغيرَ الحجم والشاكلة، شأن كلّ المؤسّسات في بادئ أمرها، >فأوّلُ السِّيلِ قطرٌ ثُمَّ يَنْهمِرُ<(1).

فكان هذا العزاء يعزّي كلّ مظلوم، وكلّ ذي حقّ حقّه مهظوم بأعظم السلوان، ويقال بمحضر أخصّ الناس بالحسين، كالأعلام من ذريّته، من مثل الإمام الرضا، أو جدّه الصادق جعفر عليه وعلى آبائه وأبنائه السلام.

فلمّا توسّع التشيّع، وخفّت وطأة السلطان العدائيّة، صار الموالي لآل الرسول(صلى الله عليه وآله و سلم)، يُقيم ذلك باسم النياحة والرثاء بمشهد الأئمّة من عترته، أو بمحضر مَن يوثق بتشيّعه.

وبعد ما دالت الأيام بالدولة إلى آل محمّد(صلى الله عليه وآله و سلم)، سواء في حكومة الفاطميّين بمصر، أو في حكومة الصفويّين بالعجم، أخذ العزاء الحسينيّ دوراً متّسعَ النطاق، في ظلّ عناية الهيئآت الحاكمة، ونالت كلّ حريّتها في إظهار رغباتها وشعائرها، ولحقَ بالاُمور ـ ضمن تطوّراته السريعة ـ كثيرٌ من الغرائب، شأن كلّ قضيّة فازت بقوّة النموّ في منبت خصيب، وفي تربة مساعدة بين السواقي المختلفة، ولابُدَّ لنا من كرّة اُخرى إلى استيفاء البحث حول هذا الموضوع إن شاء الله تعالى.

هبة الدين الحسينيّ الشهرستانيّ

____________

1- عجزُ بيتٍ استشهد به بعضُ الشعراء في قصائدهم، ووردت في بعضها «غيث» بدل «سيل»، و«قطرة» بدل «قطر».


الصفحة 314


الصفحة 315

(٦) اعتراض المخالفين على المنكرات التي عند الشيعة)(1)

____________

1- ذكر المؤلّف رحمه الله هذه الإشكالات دون الردّ عليها، والظاهر أنّه كان عازماً على ردّها، لكن لم تسنح الفرصة له بذلك، والله العالم.


الصفحة 316


الصفحة 317

اعتراضات المخالفين على المنكرات التي عند الشيعة

أصبحت الأسلحة التي تستعمل في هذه العصور، بين أرباب الأديان والمذاهب، أسلحةً باردة، لا كعصور سلفت، يتحاربون بينهم بإراقة الدماء، ويتقاتلون بالأسلحة الناريّة.

وإنّما الجهاد بينهم أدبيّ، والكفاح بين كُلٍ وكُلٍ لسانيّ أو قلميّ، فكلٌ ينازع الآخر بالدليل، ويُؤاخذه على خرافاته، والبدع الفاشية في اُمّته.

وفي جهة اُخرى يسعى العلماء والمفكّرون من كلّ اُمّة، أن يُطهّروا جامعتهم من الخرافات المرذولة، ويسلكون بهم الطرق المقبولة، ويثقّفونهم بالعقائد المقبولة على ألسنةِ دعاتهم والناطقين، وبأقلام كتّابهم والصحفيّين، حتّى يجلبون الناظرين إليهم والمستمعين ووو.

أمّا الشيعة في مختلف الأرض، فلا يملكون من طرق الدعاية والتذكيرات الدينيّة، إلّا البالي القديم، المشحونة بما لا يلائم أذواق هذه الأقطار والأمصار.

ولذلك انهالت عليهم الاعتراضات في الصحف والكتب، مقالات وخُطب. وعُزيت إليهم المنكرات المخالفة للشريعة، والمنافية لمصالح الطبيعة، وهاك الإشارة إليها:


الصفحة 318
١) التطبير.

٢) ضرب الزنجيل.

٣) مواكب اللطّامة على الصدور والظهور، بصورة مضرّة وجارحة.

٤) تمثيل الحروب وسباياها بتشبّه الرجال بالنساء، وبالعكس.

٥) تثليث أوقات الأذان، وإقامة الجماعات صبحاً وظهراً ومغرباً فقط.

٦) إذن الدخول في روضات المشاهد المشرّفة.

٧) الطواف بأمواتهم حول الضرائح.

٨) نقل جنائزهم إلى المشاهد المشرّفة ولو استلزم التعفّن والتفسّخ والهتك، ونبش القبور وتأمين الجثمان.

٩) الالتزام بالسجود على تراب كربلاء.

١٠) الالتزام بالشهادة الثالثة في فصول الأذان والإقامة.

١١) نذر صوم شاه پريون(1).

١٢) المتعة الدوريّة ولو بالساعات.

____________

1- صوم «شاه پريون» أو «شاه پريان»، كلمة فارسيّة، والمقصود بها: صيام ملكة الجنّ، وهي التي تُنسب إليها أعمال الخير في الأساطير الفارسيّة، وتقابل الشيطان «ديو» الذي ينسب إليه الشرور.
وهذا الصوم من الطقوس الشعبيّة الخاصة بالنساء في جنوب إيران، ولابُدّ فيه من التزام إحداهنّ بالصيام، إذ يُقام الحفل يوم السبت والأربعاء من شهر رجب، ويستمر الصيام حتّى الظهر، وبعده تفطر النساء بشيء من الحلوى، وبعد ذلك يجتمعن حول مائدة، فتقصّ عليهنّ قصّة ملكة الجن، ثمّ يصلين ركعتين ويطلبن حوائجهن.
انظر: كليات ناهيدي: ١٨٥ .


الصفحة 319
١٣) متعة الطفلة للمحرميّة ولو بيوم أو أقلّ.

١٤) عدم توريث الزوجة في العقار والأراضي.

١٥) إبقاء مَن غاب عنها زوجها وانقطع خبره إلى نحو مائة سنة ولو بدون منفق.

١٦) منع المرأة المطلّقة عن حضانة ولدها بعد الفطام.

١٧) قولهم بنجاسة اليهوديّ والنصرانيّ والمجوسيّ والناصبيّ والخطابيّ.

١٨) غسل اليدين في الوضوء في المرفقين ومسح أنملة للرأس.

١٩) قولهم بأنّ الماء إذا بلغ قدر كُرٍّ طهور ولو تغيّرت أوصافه الثلاثة.

٢٠) تأخيرهم الفريضة عن وقتها الشرعيّ المختصّ وتأثيمها عليه.

٢١) زخرفة المساجد والمقابر بالذهب والفضّة والمرايا والمناظر.

٢٢) تقديس تماثيل محمّد وآله(صلى الله عليه وآله و سلم) مفترات عليهم.

٢٢) الحلف الشرعيّ لأسماء غير الله في أوليائهم.

٢٤) النذور لغير الله بأسماء أوليائهم.

٢٥) شدّ الرحال إلى قبور الأولياء عموماً.

٢٦) التزامهم بتقليد الحيّ ولو لم يتحقّقوا صلاحيّته، وتركهم تقليد العلماء الأموات مهما كانوا بارعين ورعين.

٢٧) التزامهم نقل الوجوه الحسبيّة كالخمس والزكاة إلى مفتيهم الذي يقلّدونه.

٢٨) صرفهم سهم الإمام في غير ذوي القربى.

٢٩) تركهم ـ في الأكثر ـ فريضة الجمعة والعيدين.

٣٠) زيارتهم لإمامهم الغائب في سرداب سامراء، بزعم أنّه غاب هناك، في حين أنّ كتب علماء الإماميّة لم تذكر ذلك.


الصفحة 320
٣١ ) استشفاؤهم بشرب ماء الفرات، والأكل من تراب أراضي كربلاء.

٣٢) تفضيلهم كربلاء على الكعبة ومكّة، وتفضيلهم زيارة سيّدنا الحسين على الحجّ.

٣٣) إباحتهم سبّ الصحابة والخلفاء، ما عدا عدّة منهم ثبت ثباتهم مع علي(عليه السلام).

٣٤) تجويزهم بالصلوات المستحبة استقبال قبور الأئمّة بدلاً عن الكعبة، كما في الجامع العباسي.

٣٥) التوسّل بالمربعة لقضاء حاجاتهم.

٣٦) عدم ثقتهم بأخبار كتب الصحاح الستّة، ولا برواتها.

٣٧) عدم الثقة منهم في المذاهب الأربعة وفتاواهم، بل معاكستهم، وأنّ الرشد في خلافهم.

٣٨) عدم قبول شهادة الناصبيّ والمغاليّ، وعدم اتّباع أحكام القضاة منهما.


الصفحة 321

(٧) اعتراضات القصيميّ على بعض الأعمال العاشوريّة)(1)

____________

1- ذكر المؤلّف رحمه الله إشكالات القصيميّ دون الردّ عليها، والظاهر أنّه كان عازماً على ردّها، لكن لم تسنح الفرصة له بذلك، والله العالم.


الصفحة 322


الصفحة 323

اعتراضات القصيميّ على بعض الأعمال العاشوريّة

يهمّنا أن نتعرّض لاعتراضات الشيخ القصيميّ(1)، التي تعرّض بها على

____________

1- «عبد الله بن عليّ القصيميّ، مفكّر سعوديّ، يُعتبر من أكثر المفكّرين العرب إثارة للجدل، بسبب انقلابه من موقع النصير والمدافع عن السلفيّة، إلى الفكر الإلحادي، وبسبب مؤلّفاته المثيرة للجدل، ومن أشهرها «العرب ظاهرة صوتيّة».
ولد سنة ١٩٠٧م في «خب الحلوة » الواقعة في الغرب من مدينة «بريدة» النجديّة، ونشأ في ظروف سيئة للغاية، فإضافة لفقدان حنان والديه، فقد كانت الأحوال المعيشيّة سيئة جدّاً، الأمر الذي دعاه إلى مغادرة قريته إلى الأبد وهو في سنّ العاشرة من عمره.
درس أوّلاً في مدرسة الشيخ عليّ المحمود، ثمّ أخذه التاجر عبد العزيز الراشد معه إلى العراق والهند وسوريا، فدخل في مدرسة الشيخ أمين الشنقيطي في الزبير قضاء البصرة، ثمّ انتقل إلى الهند ودرس فيها عامين، ثمّ عاد إلى العراق والتحق بالمدرسة الكاظميّة، ثمّ سافر إلى دمشق، ثم إلى القاهرة، ودخل جامعة الأزهر، لكنّه سرعان ما فُصل منها بسبب تأليفه كتاب «البروق النجديّة في اكتساح الظلمات الدجويّة».
ألّف القصيميّ عدّة كتب يُهاجم فيها علماء الأزهر، ويدافع عن فكر المذهب السلفيّ، وكذلك هاجم مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في كتابه «الصراع بين الإسلام والوثنيّة»، الذي يتّهم فيه أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بالخروج عن الدين؛ وذلك ناشيء من الفكر التشكيكيّ الذي كان يسيطر عليه.
ثمّ انقلب على الفكر السلفيّ وحاربه أشدّ محاربة، وأصبح ملحداً، وألّف عدّة كتب تدلّ على إلحاده، منها: «هذه هي الأغلال»، و«يكذبون كي يروا الله جملاً»، و«العرب ظاهرة صوتيّة».
ونتيجة لكتاباته هذه تعرّض لعدّة محاولات اغتيال في مصر ولبنان، وقامت الحكومة المصريّة بسجنه مدّة من الزمن بسبب دعوته الإلحاديّة وتأثيره على بعض الشباب.
وهناك مَن يدّعي بأنّ القصيميّ عاد إلى الإسلام في آخر حياته، وعكف على تلاوة القرآن. إلّا أنّ المرافق له إلى آخر لحظة من حياته وصديقه إبراهيم عبد الرحمن، نفى هذا، مؤكّداً أنّه مات على فكره الإلحاديّ، ونَقلَ هذا الاعتراف الكاتب عبد الله القفاري في مقالاته المعنونة «خمسون عاماً مع القصيميّ» التي نُشرت في جريدة الرياض.
خلّف مجموعة كبيرة من المؤلّفات، مطبوع أغلبها.
توفّي مشرّداً مطروداً عن وطنه وأهله، في القاهرة سنة ١٩٩٦م، ودفن فيها».
منقول من مقالة بعنوان «عبد الله القصيميّ ـ قصّة إلحاد وحكاية ملحد» موقّعة باسم «صخرة الخلاص».


الصفحة 324
بعض أعمال عاشوريّة، تقوم بها الفرقة الضرريّة(1) من الشيعة، في كتابه

____________

1- قسّم المؤلّف رأي المؤمنين في الشعائر الحسينيّة إلى ثلاث طوائف: الاُصوليّة، والضرريّة، والسكوتيّة.
انظر المقالة رقم ٤ «اختلاف الجماعات في العزاء الحسينيّ» .


الصفحة 325
الموسوم بـ >الصراع بين الإسلام والوثنيّة< ج ٢ ص ٤٧، ما نصّه:

>فعند القوم أنّ هذه المواكب المخجلة الفاضحة، التي يزعمون أنّ فيها تأسّياً بالحسين وآله، ومواساة له ولهم، يزعمون أنّ هذه المواكب من شعائر الدين، وأنّ تعظيمها من تقوى القلوب، وأنّ فيها منافع لهم وللإسلام، وأنّها من أعظم شعائر الشيعة الإماميّة، وأنّ السؤال عنها ومحاولة التشكيك فيها من دسائس الوهابيين والأمويين، يشيرون بهذا إلى الكفر والشرك.

ويزعمون أنّ هذه المواكب بصراخها وعويلها، وما فيها من لطم ولدم ومنكرات.

يزعمون أنّها هي قوام الدين وحياته.

ويزعمون أنّ في إحيائها إحياءه، وإنّ في إماتتها إماتة الأئمة الطاهرين، وإماتة ذكراهم.

ولا شكّ أن هذا كفر صراح عندهم، بل هو عندهم من شرّ أنواع الكفر.

ويزعمون أنّ هذه المواكب من أعظم الوسائل إلى نيل الشفاعة، وإلى النجاة من النار.

ويزعمون أنّ تمثل أشخاص بأنّهم عداة الحسين وقاتلوه، داخل في هذه الفضائل المزعومة المكذوبة.

ويزعمون أنّ في ذلك كلّه أسراراً وحكماً سامية مقدّسة، يعجز عن بيانها اللسان والبيان.


الصفحة 326

ويزعمون أنّ إقامة هذه المآتم أو المآثم قيام بفرض الاستشهاد الحسينيّ، ومحافظة على حكمة شهادته.

ويزعمون أنّ إبطال المآتم إبطال لشهادته ولحكمتها وغرضه منها.

يزعمون هذا كلّه، ويزعمون غيره ممّا ذكروه في هذا الكتاب(1) وفي غيره، وممّا يفعلونه في أيام عاشوراء.

ولا ريب أنّ هذه المزاعم من أشنع المخازي الإنسانيّة، التي عرفها التاريخ في كلّ أطواره وعصوره، والتي وقع عليها بصر الوجود، قديمه وحديثه، وأنّها عار وشنار يلحقان فصيلة الإنسان أين كانت ومتى كانت، ويلقيان بأنف كبريائها تحت الرغام!

أيّ شيء هذه المواكب والمآتم والمآثم؟

وأيّ عقل أو دين يجيزها أو يرضاها؟

ومتى أجاز الدين، أو أجازت العقول، أن يكون الناس العقلاء مثل النساء النوادب المعولات في الطرقات، يضربن الصدور والخدود، ويشقّقن الجيوب وينتفن الشعور، وينادين بالويل والثبور؟

أيّ شيء هذا، وأيّ عقل أو دين يجيزه؟

ذاك كلّه خزي بيّن، ولكن أشدّ هذا الخزي زعمهم أنّ إقامته والقيام به

____________

1- يقصد به «الآيات البيّنات في قمع البدع والضلالات» ـ المواكب الحسينيّة ـ للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (ت ١٣٧٣ هـ )، إذ أنّ القصيميّ عقد باباً خاصاً للردّ عليه بعنوان «مواكب البكاء والعويل واللطم واللدم هي الدين عند الشيعة»، فذكر أوّلاً رسالة الشيخ كاشف الغطاء، وقام بردّها.
انظر: الصراع بين الإسلام والوثنيّة ٢: ٤٤ .


الصفحة 327
من أعظم مظاهر الدين، وأعلى مراتب الكمال.

وزعمهم أنّ في إحيائه أحياء الدين، وفي إماتته إماتته، ثمّ زعمهم أنّ ذلك كلّه من أعظم شعائر الشيعة!! برأ الله خير الأديان من هذا الخزي.

هم يدّعون أنّ هذه المآتم مظاهرات، نعم، مظاهرات، ولكن يراد بها التظاهر على مَن؟

إن كانوا يتظاهرون بها على يزيد وقاتلي الحسين، فما أجهل مَن يتظاهرون على الأموات!

وإن كانوا يتظاهرون بها على المسلمين من أهل السنّة، فأهل السنّة ينقمون من قاتلي الحسين أشدّ النقمة، ويحمّلونهم تبعة ذلك ووزره. فما وجه التظاهر عليهم إذن، وهم ينكرون قتل الحسين، ويكرهون قاتليه؟ فعلى مَن التظاهر إذن؟

ثمّ هم يزعمون أيضاً أنّ البكاء والعويل، وضرب الخدود والصدور، وسائر الجسم بالسيوف وبالخناجر والسلاسل والآلات الحادة وإن أفضى إلى الموت، من دين الله، وممّا يرضي الله ويرضي النبيّ والحسين وآله، ونحن نقول لهم:

إذا كان هذا كلّه من الدين، وكان فيه مواساة للحسين وتأس به، فما تقولون في قتل المرء نفسه لهذا الغرض نفسه؛ تأسياً بالحسين، ومواساة له، وجزعاً عليه وعلى ما ناله من السوء والظلم والبلوى؟

إن قلتم: إنّ هذا جائز ودين مشروع.

قلنا: ياليتكم صدقتم وفعلتم.

وإن قلتم: غير جائز وغير مشروع.

قلنا لكم: وكيف جاز جرح المرء نفسه بالسيف وبالحديد وإدماء


الصفحة 328
جسمه، ثمّ امتنع قتله نفسه، والعلّة في الأمرين واحدة.

فإن قلتم: إنّ في القتل إزهاقاً وفناء، وأمّا الضرب والجرح فليس فيهما شيء من ذلك.

قلنا: نعم، ولكن القتل أدلّ على المواساة، وعلى التأسّي، وعلى قوّة الجزع وغزارته من الضرب بلا قتل، وأنتم تزعمون أنّ الحسين قتل نفسه تعمّداً، وتزعمون أنّ إظهار أقصى غايات الجزع عليه مطلوب مشروع مثاب عليه، وأقصى غاياته هو القتل والفناء.

وإذا كان من الجزع المشروع على الحسين: ضرب الجسم والبدن بالسيف، وبالحديد القاطع، كان من الجزع المشروع عليه بلا شكّ قتل النفس. فإنّه إذا دلّ الضرب على الوفاء والجزع والتأسّي، كان القتل أدلّ على ذلك.

ولا يوجد دليل واحد يدلّ على جواز ضرب الجسم والنفس بالحديد وبالسيوف والخناجر والسلاسل، إلّا ويدلّ على جواز قتل النفس وإزهاق الروح.

وذلك أنّ القوم إذا سُئلوا: ما الدليل على جواز ضربكم أجسامكم بالآلات الحادة القاتلة؟

قالوا: الدليل: أنّ هذا الفعل يدلّ على التأسّي بالحسين، والمواساة له، والجزع عليه. وهذه الاُمور مطلوبة مثاب عليها.

وحينئذٍ يقال لهم: قولوا إذن: إنّ القتل جائز مشروع مثاب عليه؛ لأنّه أدلّ على هذه الاُمور التي زعمتموها مطلوبة مشروعة. وهذا أظهر وأولى من ذلك؛ لوجوه كثيرة مفهومة.

فإذا قالوا: إنّ الله قد نهى عن قتل النفس، وعن قتل المرأ نفسه.

قلنا: وكذلك نهى عن الجزع والحزن وإيذاء النفس أو الجسم عند


الصفحة 329
مصيبة، وأمر بالصبر والتسليم له ولإرادته وحكمه، ورغّب المصاب في أن يقول عند مصيبة: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. وقد قال تعالى: ﴿ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(1).

وقال في جزائهم: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ(2).

وقد نهى نبيّه وعباده المؤمنين كثيراً عن الحزن والجزع، وحثّهم على الاستمساك بعرا الصبر، والاحتساب والتسليم لقضائه وقدره وقدرته. وهذا لا يحصى في كتاب الله، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْلاَ تَأْسَوْا(3) الآية.

وهذا باب لا يحاط به، ولا يحتاج إلى بيانه؛ لأنّه معروف مشهور<(4).

____________

1- البقرة (٢): ١٥٦ـ١٥٧ .

2- البقرة (٢) ١٥٧ .

3- الحديد (٥٧) ٢٢ .

4- الصراع بين الإسلام والوثنيّة ٢: ٤٧ـ٥٠ .


الصفحة 330


الصفحة 331
الصفحة السابقةالصفحة التالية