المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 331 - ص 360)

(٨) ماذا حدث؟ ومتى ظهر التطبير؟(1)

____________

1- أصل المقالة باللغة الفارسيّة


الصفحة 332


الصفحة 333

ماذا حدث؟ ومتى ظهر التطبير؟

اتّفق الجميع على أنّ ظاهرة التطبير والشجّ، برزت في أوائل الدولة القاجاريّة، وبعد سيطرة الروس على إمارة القفقاز.

ولمّا بدأت الحرب، واشتدّت ضغوطات كبار الروس وساداتهم، وصاروا يعتقدون أنّها الدولة الفاتحة، حيث كانت تصل إمداداتهم إلى العساكر الإيرانيّة، وكانوا يأخذون الاُجور عليها.

ولذا كان الإيرانيّون يضربون على رؤوسهم وصدورهم من شدّة الغمّ والبأس والفاقة، والناس ـ غالباً ـ يبكون وينوحون ويلطمون على أثر المصيبة التي حلّت بهم، والأسف واليأس الذي يراودهم، بل حتّى يقدم البعض على الانتحار وإتلاف النفس.

وقد صادفت هذه الحالات أيام عاشوراء، ولذا فإنّ سياسيّ الروس كانوا يتعجّبون، ويسألون عن سبب ما يرونه من هذه الأحوال، فكان الإصلاحيّون يُرشدونهم إلى أنّ هذه الانفعالات إنّما هي لأجل مصائب وحوادث أيام محرّم وعاشوراء، وهي أنماط من العزاء والتفجّع على الحسين(عليه السلام) سبط رسول الإسلام.

وكان الروسيّون يسمعون منهم صراخ ونداء >حسين حسين<، و>شاه حسين< أي سيّدي حسين، و>واحسين<، فلذا آمنوا بأنّ هذه الانفعالات لأجل


الصفحة 334
إقامة العزاء والتفجّع لسبط نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله و سلم).

وكان الروس عادةً يُبدّلون حرف >الهاء< بـ >الخاء<، فلذا أطلقوا على هذه الأحوال: >شاخسين<.

وكذلك كان أكثر الاُروبيّين يبدّلون >الهاء< >خاءً<، فيقولون بدل >درهم<: >درخم<، لذا عرفت هذه الأفعال في بلاد العرب والعجم بـ >شاخسين<.

وبالطبع كان الروس قد اطمأنّوا من ناحية أنّ المسلمين لمّا وصلت أياديهم إلى هذه الأسلحة الجارحة، كالقامات والسّيوف، انشغلوا بضرب رؤوسهم وجرح أنفسهم، واستغنوا عن مقارعة أعدائهم بها.

ولهذا السبب صاروا يُمِدُّونهم ويهتمون بهم كثيراً، وكان هذا العمل مستمراً ومكرراً في كلّ سنة.

ولمّا كانت الحكومة القاجاريّة تركيّة الاُصول، وجارةً للقفقازيّين، كانت ترى لابديّة قبول هذه الإمدادات، بل كانت تُهيء الأجواء والمقدمات لذلك، ولذا تطوّر هذا العمل المنكر في إيران، حتّى سرى شيئاً فشيئاً إلى العراقيين.

وحيث كان المرحوم الدربنديّ(1) تركيّ الأصل، وكان رجلاً بسيطاً، فدخل هذه الدائرة متباهياً، وشجّع عليها، حتّى يُنقل عنه أنّه لمّا كان يخرج من طوره يصرخ ويقول: >من حسين اللّهيم تكفير كو؟< أي: أنا حسينيّ الإله فأين التكفير؟

وكان يقول هذا وهو يمشي عارياً حاملاً قامته.

____________

1- تقدّمت ترجمته في المقالة رقم ٢ «تأريخ العزاء الحسينيّ وإقامة المآتم».


الصفحة 335
يقول المؤلّف هبة الدين الحسينيّ: إنّنا سمعنا هذه المقولة التاريخيّة من ثقة الإسلام الحاج ميرزا محمود التبريزيّ، وننقلها مع كمال الدقّة والتحفّظ.

ولا منافاة بين هذا وبين ما نقله جناب السيّد حسن نقي زاده(1)، رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ الذي قال: إنّ مسألة التطبير وأمثالها ظهرت بعد الدولة الصفويّة.

هبة الدين الحسينيّ الشهرستانيّ

____________

1- السيّد حسن نقي زادة، من قادة نهضة المشروطة، ومن كبار السياسيّين زمن الحكم الپهلوي، ومن الشخصيّات العلميّة والثقافيّة الإيرانيّة.
ولد في شهر رمضان سنة ١٢٩٥ هـ ق = ١٢٥٧ هـ ش، والده السيّد تقي كان أحد الفضلاء وإمام أحد المساجد في تبريز.
بدأ السيّد حسن دراسته في الحوزة العلميّة، ثمّ درس في المدارس الحكوميّة، وأتقن اللغة الفرنسيّة، وسافر إلى دول كثيرة، واختلط بزعماء النهضة الحديثة، وتأثّر بأفكارهم، وعمل مع مجموعة من الشباب الإيرانيّ على نشر الأفكار الحديثة في إيران.
استلم عدّة مناصب عالية منها: سفير، وزير، عضو المجلس الوطني الإيرانيّ.
توفّي ـ عن عمر ٩٢ سنة ـ في اليوم الثامن من شهر بهمن الإيراني سنة ١٣٤٨ هـ ش = ١٣٨٧ هـ ق، ودفن في مقبرة ظهير الدولة.
اقتبسنا ترجمته من موسوعة «ويكى پديا».


الصفحة 336


الصفحة 337

(٩) قاعدة نفي الضَرر والضِرار


الصفحة 338


الصفحة 339

قاعدة نفي الضَرر والضِرار(1)

أجمع فقهاء الإسلام على صحّة قاعدة >نفي الضَرر والضِرار< في دين الإسلام، على سبيل الإجمال.

واستدلّوا بها في أكثر الأحكام، وادّعى بعضهم تواتر حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) >لا ضرر ولا ضرار في الإسلام<(2).

____________

1- في هامش النسخة الخطيّة لهذه الرسالة، وردت العبارة التالية:
«راجع في هذه المسألة، رسالة الشيخ أحمد البحرانيّ، الموجودة ضميمة مجموعة من مؤلّفات المؤلّف، رقم ١٥٢».

2- في وسائل الشيعة ٢٦: ١٤ حديث ٣٢٣٨٢، عن من لا يحضر الفقيه ٤: ٢٤٣ حديث ٧٧٧: «قال: وقال(عليه السلام) ـ أيّ النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) ـ : لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، فالإسلام يزيد المسلم خيراً، ولا يزيده شرّاً».
وفيه أيضاً ٢٥: ٤٢٨ حديث ٣٢٢٨١، عن الكافي ٥: ٢٩٢ حديث ٢، قال: «قال أبو جعفر(عليه السلام): إنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمرّ به إلى نخلته ولا يستأذن، فكلّمه الأنصاريّ أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاريّ إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم)، فشكا إليه وخبّره الخبر، فأرسل إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم)، وخبّره بقول الأنصاريّ وما شكا، قال: إذا أردتَ الدخول فاستأن فأبى، فلمّا أبى ساومَه حتّى بلغ به من الثمن ما شاء الله فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق يمدّ لك في الجنّة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) للأنصاريّ: اذهب فاقلعها وارمِ بها إليه، لا ضرر ولا ضرار».


الصفحة 340
وأيّدته أخبار صحيحة عن أئمّة آل محمّد(عليهم السلام)(1).

وفسّر الأكثر(2) اسم >الضرر< بتلف أو نقصان، أو خسران، حاصل في المال، أو في البدن، أو بشأن وعرض، أو بحقّ ونحوها، من دون تدارك لذلك بعوض يجبرها.

سواء حصل الضرر في نفس الفاعل وما يتعلّق به، أو ما يملكه. وسواء حصل منه في غيره، فرداً كان أو جماعة، ممّا يتناوله لفظ الضرر بعمومه وإطلاقه، حيث جاء لفظ >الضرر< نكرة في سياق النفي، فيعمّ كلّ ما فيه معنى >الضرر< شخصيّاً ومعنويّاً وماديّاً وأدبيّاً.

ولابدّ من تدارك هذا >الضرر< ـ حسب المفهوم من الخبر ـ بعوضٍ جابرٍ له، أو ضمان، أو توبة، أو استغفار، أو استرضاء.

أمّا الفرق بين >الضرر< و>الضرار<: فقد قيل بالعدم، وأنّهما من باب التأكيد، حينما الحمل على التأسيس أولى من التأكيد.

وقيل: إنّ >الضرر<: هو ما كان من الفاعل بنفسه، أو ما يتعلّق به، و>الضرار<: ما يتعلّق بغيره.

وقيل: إنّ >الضرر<: ما يتعلّق بواحدٍ، و>الضرار<: هو ما بين الاثنين؛ لأنّه مصدر باب المفاعلة(3) وأوّلهما أولاهما.

ثمّ اختلفوا في تفسير الخبر:

____________

1- انظر: وسائل الشيعة ٢٥: ٤٢٧ باب ١٢ من أبواب «كتاب إحياء الموات»: عدم جواز الاضرار بالمسلم.

2- انظر: عوائد الأيام للنراقيّ: ٤٨ .

3- انظر: عوائد الأيام: ٤٩ .


الصفحة 341
فعن البدخشيّ: إنّ >لا< ناهية، لا نافية، والجملة إنشائيّة بصورة الخبر، والمعنى: لا تضرّوا ولا تضارّوا(1) .

والأصح عندي: أنّها نافية وخبر، فتكون أبلغ وأعمّ وأظهر، كما في آية ﴿لاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ(2)، وحديث >لا صلاة إلّا بطهور<(3)، فتكون لنفي الماهيّة بتقدير: >أظهر صفاتها<، أعني المشروعيّة، فالمعنى:لا مشروعيّة لضررٍ أو ضرارٍ في الإسلام، وهذا التفسير هو اختيار المشهور.

وقد صرّح العلّامة النراقيّ(4) في >عوائده<(5) ـ بعد هذا الاختيار،

____________

1- شرح البدخشي «مناهج العقول في شرح منهاج الوصول» ٣: ١٧٢ .

2- البقرة (٢): ١٩٧ .

3- وسائل الشيعة ١: ٣٦٥ حديث ٩٦٠، عن التهذيب ١: ٤٩ حديث ١٤٤ .

4- «الشيخ أحمد بن مهدي ـ ويقال: محمّد مهدي ـ بن أبي ذر الكاشانيّ النراقيّ.
ولد سنة ١١٨٥ هـ ، وتوفّي سنة ١٢٤٥ هـ في نراق، وحُمل إلى النجف الأشرف فدفن خلف الحضرة الشريفة في الصحن المطهّر.
كان عالماً فاضلاً، جامعاً لأكثر العلوم، لاسيّما الاُصول والفقه والرياضيّ، شاعراً بليغاً بالفارسيّة، وكانت له شفقة عظيمة على الفقراء والضعفاء، وهمّة عالية في تحمّل أعبائهم وسدّ حاجاتهم وقضاء حوائجهم.
قرأ على والده في كاشان كثيراً، وعلى بعض أفاضل العراق يسيراً، مثل: بحر العلوم الطباطبائيّ، والشيخ جعفر النجفيّ، والشهرستانيّ، ويقال: إنّه لقي البهبهانيّ.
تلمذ عليه جماعة، منهم الشيخ مرتضى الأنصاريّ، ويروي عنه بالإجازة الأقا محمّد علي بن محمّد باقر الهزارجريبيّ النجفيّ الأصفهانيّ».
له مؤلّفات كثيرة، ذكر السيّد محسن الأمين منها ١٨ مؤلّفاً.
انظر: أعيان الشيعة ٣: ١٨٤ .

5- «عوائد الأيام من مهمّات أدلّة الأحكام، في بيان قواعد استنباط الأحكام الشرعيّة، مشتمل على ثمان وثمانين عائدة، ولها فهرس مبسوط، والعائدة الأخيرة في تراجم رواة الأحاديث، مرتّباً على الحروف، طبع في إيران سنة ١٢٦٦ هـ وعليه بعض الحواشي للشيخ الأنصاريّ، والردّ على مبحث تداخل الأسباب منه، اسمه: البوارق لكشف معضلات الحقائق، للأقا محمّد حسين ابن الأقا محمّد عليّ النجفي ابن الأقا محمّد باقر الهزارجريبي».
الذريعة ١٥: ٣٥٤ رقم ٢٢٧٠ .


الصفحة 342
ونقل تواتر الأخبار ـ بها، ثمّ قال: إنّ هذه القاعدة ليست كبعض القواعد والاُصول، وإنّما هي بذاتها دليل شرعيّ يستدلّ به، لا كأصل الإباحة أو أصالة العدم والاستصحاب، ممّا هو دليل حيث لا دليل، بل هي من الأدلّة المستقلّة في الحجيّة(1).

فإذا عرفت ما ذكرناه لك، وثبت شمول هذه القاعدة كلّ ضرر غير مجبور بالعوض ـ سواء من الفاعل فيما يتعلّق بنفسه، أو ما يتعلّق بغيره، شخصيّاً أو معنويّاً، ماديّاً أو أدبيّاً ـ عزّزنا ذلك بقول فقيه الأتراك، العلّامة المراغيّ، السيّد عبد الفتاح بن عليّ الحسينيّ(2)، في كتاب >العناوين<(3)، المؤلّف سنة

____________

1- انظر: عوائد الأيام: ٥٣ .

2- «السيّد مير عبد الفتّاح الحسينيّ المراغيّ، قرأ على أبناء الشيخ جعفر الفقيه النجفيّ، له كتاب «العناوين»، وتقرير شيخه الشيخ عليّ ابن الشيخ جعفر الجناجيّ النجفيّ تعليقاً على «الشرائع»، وله تقرير بحثه وبحث أخيه الشيخ موسى في الاُصول، فرغ منه في سنة ١٢٤١ هـ ، وله تقريرات بحث الشيخ موسى على بعض كتب الفقه من «الشرائع»، وعلى «اللمعة» وشرحها، تأريخ بعضها سنة ١٢٤٣ هـ ». توفّي سنة ١٢٧٤ هـ .
انظر: أعيان الشيعة ٨: ٣١ .

3- في الذريعة ١٥: ٣٥٠ رقم ٢٢٤٧:
«العناوين، للسيّد عبد الفتّاح بن عليّ الحسينيّ المراغيّ، من تلاميذ الشيخ عليّ ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، فرغ منه في ١٨ رمضان سنة ١٢٤٦ هـ ، مشتمل على ثلاثة وتسعين عنواناً من عناوين الاُصول التي تتفرّع عليها الفروع. طُبع مكرّراً: في سنة ١٢٧٤ هـ ، و ١٢٩٧ هـ . مشحون بالتحقيق من تقرير بحث اُستاذه المذكور واُستاذه الأقدم الشيخ موسى بن جعفر الكاشف».


الصفحة 343
١٢٤٦ هـ ، في أيّام الدولة القاجاريّة، قال في عنوان >نفي الضرر والضرار< ص٩٧، قال ما لفظه:

>أمّا البدن، فلا ريب في كون ما يوجب منقصةً في عينه ومنفعته، أو هيئته المتعارفة، ضراراً وإضراراً، سواء كان بجرحٍ، أو قطعٍ، أو إحداث مرض، أو ازدياده، أو بطء برئه، وكذا ما يوجب حدوث ألم فيه منافٍ للطبيعة.

وأمّا العرض فضابطه: ما هو داخل في احترام المكلّف؛ ليكون هتكه موجباً لذلّته وانكساره بين الناس.

فمن تعدّى على زوجته، أو تطلّع على عورته، أو دخل على عياله، أو ما يتعلّق به من المحارم ونسائه، أو اغتابه، أو اتّهمه، أو طعن عليه في وجهه، أو أظهر شيئاً ممّا لا يرضى بظهوره، فهو هتك للعرض وإضرار في الحقيقة، ومثل ذلك يعدّ ضرراً.

ودعوى انصراف الضرر إلى المال والبدن، أو عدم شموله لمثل ذلك، ممنوعة، بل الحقّ أنّ ذلك كلّه ضرر وإضرار، ويجيء توضيحه، ويدلّ عليه رواية سمرة كما مرّت(1).

____________

1- تقدّمت قبل عدّة صفحات.


الصفحة 344

ومثل ذلك فعل شيء يوجب الاستخفاف والمهانة، ولو بترك بعض التعارفات العاديّة، التي ليس من شأنها أن تترك بالنسبة إليه، فإنّ ذلك كلّه داخل في الإضرار بالعرض وإسقاط الاحترام< ... إلى أن قال في ص ١٠٠:

>ومحصّل البحث: كلّ ما يعدّ ضرراً في العرف في مالٍ: عيناً أو منفعةً، أو حقّ، أو بدن، أو عِرضٍ، غير جائز وغير واقع في الدين.

ولا فرق في ذلك بين نفس المالك وذي الحقّ وغيره، فكما لا يجوز إضرار غيره، لا يجوز إضرار نفسه أيضاً في شيء من ذلك.

وهل هو من الاُمور الاختياريّة القابلة للإسقاط؟ بمعنى أنّ الشارع منعه؛ لاحترام ذي الحقّ، فإذا رخّصه في ذلك فلا بأس؟ أم لا، بل هو حكم منجّز من الشارع لا ينفع فيه الرضى؟

مقتضى ما ذكرناه ـ من عدم جواز إضرار الرجل لنفسه أيضاً ـ الثاني؛ لأنّه إذا لم يجز له أن يضرّ نفسه، فليس له أن يرخّص غيره أيضاً في ذلك. فإذا لم يكن له ذلك، لم يكن برخصتها اعتبار، والرخص لا تُناط بالمعاصي.

ولا فرق أيضاً في عدم الجواز بين الضرر الكثير واليسير، بعد صدق اسم الضرر؛ لدخولهما تحت العموم، إذ هما نكرتان واقعتان في حيّز النفي، فيُفيدان العموم في عدم الجواز ...<(1) إلى آخره.

يقول المؤلّف هبة الدين الحسينيّ: إنّ فروعاً كثيرة ابتلينا بها بعد عصر هذا الفقيه المراغيّ، وابتلى بهنّ شيعة فقفاز وإيران والعراق، يظهر من كلامه جليّة أحكامها، وهي كما يأتي:

>فمنها: قيامهم في أيام عاشوراء بضرب القامات على الهامات، وجرح

____________

1- عناوين الاُصول: ١٩٦ .


الصفحة 345
الرؤوس في سبيل العزاء الحسينيّ، فيضمّخون بدمائهم، ويعالجون الجروح والقروح بعد ذلك ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(1).

ثانياً: إنّهم يأتون بأطفالهم وصبيانهم ويجرحونهم كذلك، بصورة تقشعرّ منه الجلود. وإذا لامهم العقلاء والمتشرّعون، اعتذروا بنذورهم، وأنّهم أعطوا الله عهداً: إذا أتاهم بمولود يفعلون به ذلك في كلّ سنة.

وقد علمت أنّ هذا الفعل محرّم ومنهيّ عنه بأدلّة الضرر، كما علمت بأنّ النذر لا يصحّ في فعل الحرام، ويجب أن يكون متعلّق النذر راجحاً، أو مباحاً على الأقلّ.

ثالثاً: إنّهم يشوّقون الأطفال والرجال على ما مرّ، وعلى أن يجعل المرأ نفسه تحت اختيارهم، فيشربونه الخمر والمسكرات والمخدّرات، حتّى يستلقي على قفاه بدون أدنى شعور، فيثقبون جسمه في مواضع بالمباضع، ويدخلون فيها الأقفال، حتّى إذا صحى من سكرته صباحاً، قدّموه بهذه الصورة المحزنة المخزية أمام المواكب، ليتجمهر الناس على رؤيته، وتجري عبراتهم من رؤيته.

ورابعاً: إنّهم ينظّمون السلاسل مجموعة، ويضربون بها على متونهم وظهورهم، بحيث تسودّ جلودهم وتتقرّح.

وربّما بلغت القساوة بأحدهم، أن يضع في حلقات السلاسل الموسي والمبضع، حتّى إذا ضرب بها متنه، انجرح وأضحت الجروح تنضح بالدماء.

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٢٣ .


الصفحة 346
إلى غير ذلك من الأعمال القاسية، المخالفة لشريعتنا الغرّاء.

وقد تبيّن لكم أيّها القرّاء الكرام من كلام السيّد المراغيّ الحسينيّ، فساد هذه الأعمال وأشباهها، ممّا لم ينصّ عليه الشرع المحمّديّ(صلى الله عليه وآله و سلم)، ونفاه فقه أهل البيت(عليهم السلام)؛ بدليل الضرر والضرار، المحكومان بالنفي والنهي من شرع الإسلام.

دفع مغالطة:

قد يتشبّث هؤلاء >الضرريّون<(1) لتحسين سمعتهم وترويج فعلتهم، بأنّ الضرر المنهيّ المنتفيّ إنّما هو الضرر الذي لا يقابله عوض جابر، كما قدّمت في صدر هذا البحث.

بينما أنّ الّذين يرتكبون هذه الأعمال الضرريّة في سبيل العزاء الحسينيّ، ينتظرون من الله سبحانه الثواب الجزيل والأجر الجميل، وشفاعة سبط الرسول(صلى الله عليه وآله و سلم).

إذاً، فهذا الضرر خارج عن مدلول الخبر موضوعاً وحكماً.

وجوابنا عن هذه المغالطة، لأنّنا أخرجنا من الضرر المنفيّ المنهيّ،

ما ثبت له في الشرع ثواب، وتقرّر له مساغ ومجوّز في أصل الشريعة، كالفصد والحجامة، ونحوهما من الأعمال التي يتحتّم بقول الطبيب الحاذق، ويثبت له عوض صحّي.

وأمّا إذا كان هذا المجوّز الشرعيّ نفس إدّعائكم، بأنّ الحسين(عليه السلام)

____________

1- قسّم المؤلّف رأي المؤمنين في الشعائر الحسينيّة إلى ثلاث طوائف: الاُصوليّة، والضرريّة، والسكوتيّة.
انظر: المقالة رقم ٤ «اختلاف الجماعات في العزاء الحسينيّ».


الصفحة 347
يرضى بهذا العمل، أو أنّ الله يثيبنا بالأجر عليه، فأوّل النزاع، ومجرّد دعوى فارغة بلا دليل، ويشبه للاستدلال به طريقة الدور المستحيل.

نعم، لو ثبت ـ فرضاً وجدلاً ـ آية صريحة، أو رواية صحيحة، أنّ الله يمنح الأجر والثواب على من يجرح نفسه في سبيل العزاء الحسينيّ، فنحن نقبل منكم ما ذكرتموه.

ولكنّه هيهات هيهات، وقد حرّمت الشريعة مثل هذه الأعمال بصورة عامّة، سواء في العزاء الحسينيّ، أو في أيّ عزاء آخر.

وأوصى سيّدنا الحسين(عليه السلام) اُخته ليلة عاشوراء، قائلاً: >إذا أنا قُتلت، فلا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولاتدعي بالويل والثبور<(1).

____________

1- عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين(عليهما السلام) أنّه قال ـ في حديث طويل ـ لاُخته زينب(عليها السلام): «يا اُختاه، إنّي أقسمت عليك فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عنده».
المعالم ـ الإمام الحسين(عليه السلام) ـ ١٧: ٢٤٦ ، عن الإرشاد للشيخ المفيد: ٢٥٩، وبحار الأنوار: ٤٥/١ .
وقال السيّد ابن طاووس في «الملهوف ـ اللهوف ـ على قتلى الطفوف» ـ : ١٤١، أنّه(عليه السلام) قال لها: «يا اُختاه، تعزّي بعزاء الله، فإنّ سكّان السموات يموتون، وأهل الأرض لا يبقون، وجميع البريّة يهلكون».
ثمّ قال: «يا اُختاه يا اُمّ كلثوم، وأنتِ يا زينب، وأنتِ يا رقيّة، وأنتِ يا فاطمة، وأنتِ يا رباب، اُنظرن إذا أنا قُتلت فلا تشققن عليّ جيباً، ولا تخمشن عليّ وجهاً، ولا تقلن عليّ هجراً».


الصفحة 348
فلم يسوّغ لها أو لغيرها هذه الأعمال؛ لأنّه(عليه السلام) قُتل لترويج شرع جدّه، لا لتغيير حدود الشريعة المحمّديّة، والعياذ بالله.

تحقيق لتأييد ما سبق:

قال العلّامة النراقيّ المولى مهدي(1) في >عوائده< ص٢٨ المطبوعة سنة ١٢٦٦ هـ ما لفظه:

>البحث السادس: قد أشرنا فيما سبق إلى أنّ نفي الضرر والضرار، إنّما يصلح دليلاً لنفي الحكم، إذا كان موجباً للضرر. وأمّا إثبات حكم وتعيينه فلا، بل التعيين يحتاج إلى دليل آخر ...<(2) إلى آخره.

____________

1- في هامش النسخة الخطيّة لهذه الرسالة، وردت العبارة التالية:
«هو من فقهائنا في أوائل الدولة القاجاريّة، وتوفّي سنة [١٢٤٥ هـ ] وعلى عوائده تعاليق تلميذه الشيخ مرتضى الأنصاريّ طاب ثراه».
وفي حاشية اُخرى من هذه النسخة الخطية، وردت عبارة: «وأقام جمع من فقهائنا البرهان العقليّ على صحّة هذه القاعدة من باب اللطف والعدل الإلهيّ ونحوهما، ومن فحوى قوله سبحانه { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} و{مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} فالقاعدة معزّزة بالأدلّة الأربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل».

2- عوائد الأيام: ٥٥ .


الصفحة 349

(١٠) جواب مغالطات جريدة >نواى خراسان<(1) ـ >صوت خراسان< ـ

____________

1- أصل المقالة باللغة الفارسيّة.


الصفحة 350


الصفحة 351

جواب مغالطات جريدة >نواى خراسان< ـ >صوت خراسان< ـ(1)

وأخيراً سوف يأتي اليوم الذي تُطَهَّر فيه عرصة خراسان المقدّسة، من أمثال هذه الأعمال المخالفة للدين والمذهب، وتُسجّل أسماء الأشخاص

____________

1- جريدة أسبوعيّة، صدر العدد الأول منها في مدينة مشهد المقدّسة، يوم الثلاثاء، ١٩ شهريور سنة ١٣٣٠ هـ ش، واستمرت بالصدور إلى شهر بهمن سنة ١٣٥٢ هـ ، تقع في ٤ إلى ٨ صفحات.
يدّعي المسؤولون عنها أنّها جريدة محايدة، لكن الذي يراجع مقالاتها، يجدها تؤيد حركة الدكتور مصدّق التي حصلت يوم ٢٨ مرداد سنة ١٣٣٢ هـ ش.
رئيس تحريرها ومؤسّسها حسين محموديّ ابن الشيخ أبو القاسم محموديّ، المولود سنة ١٢٩٣ هـ ش، الذي بدأ دراسته أوّلاً في الحوزة العلميّة، ثمّ عيّن موظفاً في وزارة الماليّة، وانتمى إلى الفرقة الصوفيّة «سلطان علي شاه»، وكان له مقالة في كلّ عدد من الجريدة بعنوان «ها عليّ بشر كيف بشر». وله مجموعة من المؤلّفات، منها: «نبرد سرنوشت»، و«تجدّد نامه»، و«رساله دينى وعنكبوت».
انظر: «رزنامه وروزنامه نگارى در خراسان از شهريور ١٣٢٠ تا ١ مرداد ١٣٣٢ هـ ش: ص٣٠٩ .


الصفحة 352
الّذين كانت لهم أدوار جهاديّة وآثار جبّارة، نحو السير قُدماً في هذا المجال، وستُكتب مقالات مؤثّرة مشفوعة بفائق الاحترام.

ولا عجب أن يتوسّل الدجّالون بالكذب والتزوير والبهتان والافتراء؛ لأجل إيصال نفع شخصيّ، أو تحقّق غرض نفسيّ؛ لأنّهم لا يملكون دليلاً مقنعاً للعوام، وإشباع مَنْ هم كالأنعام.

فلذا يسلكون سبيل المغالطة، فيدّعون تارةً: أنّنا نمنع إقامة العزاء واللطم وقراءة التعزية، والحال أنّه ما قدّس وما عَظَّم أحدٌ إقامةَ العزاء واللطم وقراءة التعزية مثلنا، ولم يقدّسها ويُعظّمها ـ كذلك ـ أحدٌ بعدنا.

ولم تحتوِي رسالتنا إلّا على رفض التطبير، والنهي عن ضرب السلاسل، ولكنّهم طبخوا تلك الطبخة، لكي يمرّروها على السُذّج من الناس، كمن يُظهر وثيقة عقد الزواج عوضاً عن وثيقة الطلاق.

وتارةً اُخرى يقولون: إنّنا نقلّد آية الله البروجرديّ(1)، فيُسكتون بهذه

____________

1- «السيّد حسين ابن السيّد عليّ الطباطبائيّ البروجرديّ، ولد في بروجرد ـ إيران سنة ١٢٩٢ هـ ، وتوفّي في مدينة قم المقدّسة سنة ١٣٨٠ هـ ، ودفن فيها.
نشأ وتعلّم أوّلاً في بروجرد على يد والده، ثمّ سافر إلى أصفهان لإكمال دراسته في الفقه والاُصول والفلسفة والرياضيات على يد أساتذة معروفين، كالميرزا أبي المعالي الكلباسيّ، والسيّد محمّد تقي المدرّس، والسيّد محمّد باقر درجه‌اى، والملّا محمّد الكاشانيّ.
وفي سنة ١٣١٩ هـ هاجر إلى النجف الأشرف، وحضر بحث الملّا محمّد كاظم الخراسانيّ، وشيخ الشريعة الأصفهانيّ، واشترك أيضاً في درس السيّد محمّد كاظم اليزديّ.
وفي سنة ١٣٢٨ هـ عاد إلى بروجرد، فسكن فيها مدّة، ثم سكن مدينة مشهد المقدّسة، يُدرّس ويحاضر في الفقه والاُصول.
وفي سنة ١٣٦٤ هـ هاجر إلى قم المقدّسة، وأصبح أحد مراجع الدين الكبار فيها، وتصدّى لتوسيع الحوزة العلميّة، وتربية عدد كبير من رجال العلم، إذ تخرّج من عالي درسه شخصيّات علميّة كبيرة وأساتذة عظام. خلّف مجموعة من الآثار، ذكر السيّد محسن الأمين منها عشرين مؤلّفاً». انظر: أعيان الشيعة ٦: ٩٤ .


الصفحة 353
الدعوى أفواه المُنفتحين، ويوقفونهم عن النهي عن المنكر.

والحال أنّ هؤلاء لم يلتزموا بفتاوى العلماء الأعلام، وليس لديهم معلومات حول الرسالة القديمة لهذا العالم الجليل، الذي أفتى فيها بالحرمة(1).

____________

1- في هامش الرسالة الاُولى «فتوى النائينيّ وكاشف الغطاء وأشباههما في إباحة السلاسل وغيرها» وردت العبارة التالية:
«فتوى سماحة آية الله الحاج السيّد حسين البروجرديّ الطباطبائيّ:
ورد في رسالة «مجمع الرسائل» لآية الله البروجرديّ ـ التي طبعها الحاج محمّد عليّ روغنيّ بروجرديّ، في مطبعة السعادة في بروجرد، في جمادي الثاني من عام ١٣٥٦ هـ ـ في صفحة ٤٢٥ ما نصّه:
(لا يحرم عمل الشبيه إذا لم يوجب أمراً محرّماً كالغناء، أو دقّ الطبل، وعزف المزمار، وغير ذلك من لبس الرجال ثوب المرأة، أو لبس المرأة لباس الرجل، أو قراءة الأشعار الكاذبة، أو اجتماع الرجال والنساء المستوجب لهذه المعاصي وغيرها، وغير ذلك من الاُمور المحرّمة كلّها، والله العالم).
هذه الفتوى توجد أيضاً في الصفحة ٣٢٤ من رسالة «مجمع الرسائل»، المطبوعة في طهران سنة ١٣٦٦ هـ ».


الصفحة 354
وكذلك لم يطّلعوا على فتاوى سائر العلماء في السنوات الماضية، حيث منع السيّد البروجرديّ ـ في قم ـ عن القيام بهذه الأعمال، حيث وَفَدتْ عليه المواكب وأعربت أنّها تُقلّده طيلة إحدى عشر شهراً وعشرين يوماً، وأنّها ترى أن يوكلها السيّد إلى أنفسها في السنة عشرة أيام فقط؛ فلم يقلّدوه في عشرة محرّم الاُولى، واستطاعوا بهذه الطريقة أن يُسكتوا أهل الغيرة عن النهي عن المنكر.

وثالثة يقولون: إنّ الهنود ـ في يوم عاشوراء ـ يمشون على وادٍ مشتَعل بالنار، ويحترقون عشقاً للحسين(عليه السلام).

والحال أنّ هذه القضيّة موضوعة ومُنكرة، لا أساس لها ولا أصل، وهي كاُسطورة غول الصحراء.

ولو صحّت ـ فإنّ اُلوفاً من الكفّار يعتنقون الإسلام، ومن أبناء السُنّة اُلوفاً يتشيّعون، والكلّ يعتقد صحّة هذا الدليل والبرهان.

ولو أنّ جريدة ـ >نواى خراسان< ـ >صوت خراسان< ـ كانت تعتقد ذلك، فلماذا لم تُعدّ وادياً مُشتعلاً بالنار؛ لإبراز العشق الحسينيّ، فيكونوا بذلك قدوةً للآخرين، وبرهاناً قاطعاً أمام الروس واليهود والنصارى.

ويُعلنون ـ بعض الأحيان ـ معاجز للمتطبّرين: كعدم موت أحدهم على أثر التطبير، وسلامته مع إراقة دمه، ولذا صار هذا الأمر سبباً لشفاء العميان شفاءً تاماً.

وأمثال ذلك من الإشاعات التي يقوم العوام بإذاعتها.

ونحن نخشى ـ مضافاً إلى التشهير الذي يقوم به أعداؤنا ـ أن تكون هذه الأعمال سبباً لإيقاف الاقتصاد ، وتصبح هذه المعاجز علّة في إغلاق


الصفحة 355
المستشفيات التي بناها الشاه رضا(1)؛ لأنّ الاستشفاء للأعمى والأصمّ ولسائر المرضى، سيعوّل على المواكب والمتطبّرين وضاربي السلاسل، فيداوون الجميع بمبلغ زهيد، ومن خلال أعمالهم التي يقومون بها.

واُخرى يدّعون: أنّ هذه الأفعال شعاراً للإسلام، وستراً للشيعة، ولذا يقومون بها. مع أنّ شعار الشيعة والعزاء المستحبّ إنّما هو في خصوص اللطم والبكاء وقراءة التعزية، ولا زالت هذه الاُمور موجودة على حالها.

أمّا التطبير ونحوه، فلم يكن له وجود في تاريخ الشريعة أبداً، وكلّ مَن ادّعاه فهو خاطىء.

ولم يكن للتطبير وضرب السلاسل أصلٌ ولا أثر، إلى حدود سنة ١٢٠٠ هـ ، مُضافاً إلى أنّ الشعار لا يتحقّق في الفعل المحرّم.

ولكن من أيام فتح علي شاه القاجاريّ تقريباً، واستيلاء الكفّار والروس على القفقاز، ابتُدعت مسألة الشجّ، إلى أن تطوّرت واشتهرت في زمن المرحوم الدربنديّ(2).

ومن المؤسف أن يتحوّل العزاء الحسينيّ المنصوص عليه عقلاً ونقلاً، إلى عمل مخالف للعقل والنقل، فيصبح نقطة ضعف علينا بيد أعدائنا.

____________

1- تقدّمت ترجمته في المقالة رقم ٤، «اختلاف الجماعات في العزاء الحسينيّ».

2- تقدّمت ترجمته في المقالة رقم ٢، «تأريخ العزاء الحسينيّ وإقامة المآتم».


الصفحة 356


الصفحة 357

(١١) ملامة الأعداء حول التطبير وعزاء الزنجيل)(1)

____________

1- أصل المقالة باللغة الفارسيّة.


الصفحة 358


الصفحة 359

ملامة الأعداء حول التطبير وعزاء الزنجيل

جاء في الخبر المعتبر المرويّ عن الإمام الحسن العسكريّ(عليه السلام) مخاطباً الشيعة: >كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا<(1).

وقد سمعت باُذني فرداً مصريّاً يقول: إنّ هذا اللطم وضرب السلاسل، عمل ليس فيه إلّا اتّصال الضرر والإيذاء، كما أنّه يُعطي حجّة بيد الظلمة الاُروبيّين بأنّ المسلمين اعتادوا على الظلم والأذى، ولا يستنتج الأعداء من هذه الأفعال إلّا هذا التصوّر.

ونقل قاضي القضاة أبو يوسف ـ السيّد أحمد كليدار ـ في خواطره الصيفيّة، حين سفره إلى فرنسا والنمسا أنه رأى ـ في حاشية إحدى الجرائد الإيرانيّة التي تُدار من قبل شخص يهوديّ ـ صوراً للقامات والسلاسل، ضدّ الإسلام ومذهب الشيعة، ثمّ أطلق العنان لقلمه، وكتب ما يحتشم من نقله القلم، ويستحي من ذكره اللسان.

وبهذه المناسبة وصل إلى المؤلّف مكتوب من اليابان، حيث يقول صاحبه فيه:

>إنّه حضر في مؤتمر الأديان والملل كمستمع فقط، فلمّا ابتدأ رئيس

____________

1- وسائل الشيعة ١٢: ١٩٣ حديث ١٦٠٦٣، عن أمالي الشيخ الصدوق: ٣٢٦ حديث ١٧ .


الصفحة 360
الجلسة بالكلام، أبدى شكره وتقديره للحضور، ثمّ أعرب عن تأسّفه الشديد لعدم حضور جملة من الأشخاص ـ ذكر أسماء بعضهم ـ وكانوا ممثليّ المذاهب الجديدة في الهند.

وقال: إنّكم تُريدون ديناً ومذهباً عقلائيّاً لأهل اليابان، والمذهب الشيعيّ الحسينيّ ليس كذلك؛ لأنّه يشتمل على جملة من الأعمال التي تُقام في يوم عاشوراء، من قبيل: شجّ الرؤوس، وجرح الأبدان بالمواسي، والضرب بالسلاسل، وتحريق الأبدان، ونحو ذلك، ممّا يعدّ دليلاً على المدّعى ، ممّا أوقع الكثير من أعضاء الجلسة في الغضب والتأسف<.

يقول كاتب الرسالة: >فتأسّفت كثيراً لعدم حضورك<؛ كي تُجيب المتكلّم جواباً شافياً ـ وتُدافع دفاعاً قويّاً. ولكن لأنّي قد حضرتُ في المؤتمر كمستمعٍ فقط، لم يكن لي حقّ الردّ والاعتراض عليه<.

وقد ورد كثير من هذه الملامات والتقريع في كتب وجرائد العالم، كما جاء مكرّراً في جريدة >الفتح< المصريّة، والمطبوعات الوهابيّة، وسائر المخالفين، وكُتبت في هذا المجال مقالات كثيرة كما شاهدنا وسمعنا.

لذا ينبغي على أصحاب الغيرة من الخطباء والكُتّاب والعلماء أن يتفضّلوا بمنع التقاط الصور لهذه الأعمال ونشرها.

وعلى كلّ حال، يجب الدفاع عن المذهب الشيعيّ الصحيح، وتكذيب هذه الأعمال، وعدم السماح بإطفاء المصابيح في مجالس العزاء ليلة عاشوراء، كي لا تكون سبباً في توجّه الاتهام إلينا من قِبل الأعداء.


الصفحة 361
الصفحة السابقةالصفحة التالية