المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 361 - ص 390)

(١٢) تَعرّض جريدة >الفَتْح< لعزاء الشيعة وتبرئة يزيد >مَن هُم قَتلة الحسين؟<


الصفحة 362


الصفحة 363

تَعرّض جريدة >الفَتْح< لعزاء الشيعة وتبرئة يزيد

كَتَبت جريدة >الفَتْح< المصريّة(1) في عددها المرقّم ٨٥١ ، المؤرّخ: المحرّم سنة ١٣٧٦، بقلم صاحبها محبّ الدين الخطيب(2)، في الصفحة

____________

1- جريدة اُسبوعيّة، أصدرها السلفيّ الوهابيّ الماسونيّ، المعاند لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، محبّ الدين الخطيب (ت ١٣٨٩ هـ )، صدر العدد الأوّل منها في ٢٩ ذي القعدة سنة ١٣٤٤ هـ .

2- محبّ الدين ابن أبي الفتح بن عبد القادر الخطيب، أصلُ اُسرته من بغداد، من ذريّة الشيخ عبد القادر الكيلانيّ، هاجرت اُسرته إلى حماة من بلاد الشامّ، ونزع فرع منها إلى قرية عذراء، وفريق إلى مدينة دمشق.
ولد في حيّ القيمريّة سنة ١٣٠٣ هـ ، أنهى دراسته في بيروت، ثمّ انتقل إلى اسطنبول ودرس في كليّتي الآداب والحقوق، ثمّ سافر إلى دمشق واليمن ومصر.
أسّس المطبعة الأميريّة في الحجاز، وأسّس وأدار مجموعة من الجرائد والمجلّات منها: «القبلة»، و«العاصمة»، و«الزهراء»، و«الفتح»، و«الأزهر».
أسّس في مصر المكتبة السلفيّة ومطبعتها، وعمل على نشر الأفكار السلفيّة هنالك، وكتب ابن تيميّة، وتبنّى نشر أفكاره.
عُرف محبّ الدين الخطيب بمواقفه المعادية والمضادّة لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم، وقد وقف موقف المعاند والمحارب لحركة التقريب التي دعا إليها الشيخ محمّد تقي القميّ، وإنشائه في مصر سنة ١٣٦٨ هـ لدار التقريب وإصداره مجلة «رسالة الإسلام».
انتمى إلى الحركة الصهيونيّة العالمية الماسونيّة مع عدد من أعداء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) أنذاك.
خلّف مجموعة من الآثار، المطبوع منها ١٥ كتاباً.
توفّي في ٢٢ شوال ١٣٨٩ هـ في مصر.
انظر: الأعلام للزركلي ٥: ٢٨٥، عن عدّة مصادر .


الصفحة 364
السادسة، تحت عنوان >مَن هم قتلة الحسين؟<:

تُقام في يوم عاشوراء من كلّ عام، في كلّ مكان تُقيم فيه الشيعة، أو فيه طائفة منهم، مآتم لمقتل أبي عبد الله سيّدنا الحسين السبط رضوان الله ورحمته وسلامه عليه.

ويجري في هذه المآتم ما يسخط الله، ويُخالف سُنّة الإسلام وهديه، وعقلاء الشيعة أنفسهم ينكرون ذلك، ويُحاول أهل البصيرة منهم تحويله إلى مظهر آخر من مظاهر العظة والعبرة، ولكنّهم إلى الآن لم يُوفّقوا إلى ما يحاولونه.

وقد تساءل كثيرٌ من العلماء والمحقّقين، من سنة وقوع هذه الكارثة إلى اليوم، عن المسؤولين عنها والعاملين على وقوعها.

وكانوا في غنىً عن ذلك، لو أصغوا إلى المأثور عن زينب بنت عليّ، وعن علي بن الحسين رضي الله عنهم(1)، فقد أعلنا لشيعتهم من أهل الكوفة،

____________

1- يأتي نصّ كلامهما(عليهما السلام) قريباً.


الصفحة 365
أنّ الحسين وأهل بيته عليهم السلام لم يقتلهم أحد، إلّا هؤلاء الشيعة، الّذين أغروه بالقدوم إليهم، ومنّوه بالولاية عليهم، وألحّوا في ذلك، حتّى بلغ مقدار ما أرسلوه إليه من رسائل وقر بعير(1).

وسبط رسول الله من أعلم أصحاب رسول الله بشريعة جدّه صلّى الله عليه وسلّم في أمر الولاية والإمامة، وأنّها لا يُشترط فيها الأفضل، وأنّه إذا كان للاُمّة إمام مفضول، فلا يجوز القيام عليه؛ لإحلال الفاضل محلّه، إلّا إذا تحقّق أنّه يترتّب على ذلك فتنة.

وكان الحسين وأقاربه ومحبّوه على اجتهادين، عندما جائته رسائل الإغراء بالقدوم إلى الكوفة:

____________

1- في كتاب «نهضة الحسين(عليه السلام)»، للسيّد هبة الدين الشهرستانيّ: ٨٥:
«بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان، اجتمعت الشيعة في الكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعيّ، فذكروا معاوية، فحمد الله سليمان وأثنى عليه ثم قال:
«إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً أعلن على القوم خلافه، وخرج إلى مكّة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الفشل والوهن فلا تغرّوا الرجل في نفسه.
قالوا: لا، بل نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه.
فكتبوا إليه في أواخر شعبان، وشذّ أن ترى في الكتب المرسلة إليه كتاباً بإمضاء الواحد والاثنين، وإنّما هي رقاع «مضابط» موقّعة بأسماء آحاد وعشرات من وجهاء ورؤساء وشيوخ، يعترفون بإمامته، ويتمنّون قدومه إليهم، بألفاظ جذّابة ولكنّها كذّابة، ومواعيد جلّابة لكنّها خلّابة، والمشهور أحصوا عليه في أيام قلائل اثني عشر ألف كتاباً».


الصفحة 366
فكان ابن عمّه حَبر الاُمّة عبد الله بن عبّاس(1) ـ وكان الوالي لأبيه

____________

1- عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، صحابيّ جليل، وابن عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم)، حَبرُ الاُمّة وفقيهها، وإمام التفسير وترجمان القرآن، غنيّ عن التعريف.
وسبق لنا أن عرّفنا به وبآثاره، وذلك عند إكمال إصدارنا للموسوعة العلميّة التي كتبها عنه العلّامة آية الله السيّد محمّد مهدي الخرسان أطال الله في عمره المبارك، والتي تقع في ٢١ مجلّداً، فقد أجرى معنا الموقع الرسميّ للحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة لقاءً في شهر ربيع الآخر سنة ١٤٣٨، نورده هنا تعميماً للفائدة.
آية الله محمّد مهدي الخرسان قضى سبعين عاماً في تأليف موسوعة ابن عبّاس خاص بوكالة الحوزة ـ قال سماحة الشيخ الحسّون: إنّ «موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الاُمّة وترجمان القرآن» تقع في واحد وعشرين مجلّداً، ويجب أن نقول إنّ آية الله الخرسان قضى سبعين عاماً في تأليفها.
قال سماحة الشيخ محمّد الحسّون مدير مركز الأبحاث العقائديّة (التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيستانيّ) في مقابلة خاصّة مع وكالة أنباء الحوزة: إنّ «موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الاُمّة وترجمان القرآن» تقع في واحد وعشرين مجلّداً، ويجب أن نقول إنّ آية الله الخرسان قضى سبعين عاماً في تأليفها، وفيما يلي نصّ الحوار:
* نظراً للإصدار الجديد لمركز الأبحاث العقائديّة باسم «موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الاُمّة وترجمان القرآن» بقلم سماحة آية الله السيّد محمّد مهدي الخرسان، من علماء حوزة النجف العلميّة، نطلب منكم أولاً تعريف سماحة المؤلّف إجمالاً، ثمّ تبيين أسباب انتخاب ابن عبّاس موضوعاً للكتاب، ونهايةً تعريف الكتاب والموسوعة لنا.
+ هذه الموسوعة بعنوان «موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الاُمّة وترجمان القرآن» تقع في واحد وعشرين مجلّداً، بداية أسلّط الضوء على المؤلّف، ثمّ نتعرض إلى شيء مختصر عن صاحب هذه الموسوعة وهو عبد الله بن عبّاس، ثمّ إلى الكتاب.
* حسب ما أتذكره فإنّ إحدى آثار سماحة آية الله الخرسان، تمّ اختيارها بعنوان «كتاب السنة» في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، ونظراً إلى علاقتكم الوثيقة والقديمة مع سماحته نُفضّل الاطلاع على حياته العلميّة باختصار قبل الدخول إلى بحث الموسوعة.
+ بالنسبة إلى المؤلِّف هو السيّد محمّد مهدي ابن السيّد حسن الخرسان، ولد في مدينة النجف الأشرف سنة ١٣٤٧ هـ ق، يعني الآن عمره المبارك الشريف ٩١ سنة.
والده السيّد حسن الخرسان، من أوائل المهتمين بالتراث في ذلك الوقت، يعني قبل عشرات السنوات كان معروفاً باهتمامه بالتراث.
السيّد مهدي الخرسان حفظه الله ورعاه من تلاميذ السيّد الخوئيّ، وكذلك كان من تلاميذ المرجع السيّد محسن الحكيم، وهو ـ بالإضافة إلى اهتمامه بالتراث ـ رجل عالم فاضل، شاعر أديب، له الكثير من المؤلّفات والكثير من التحقيقات.
حسب اطلاعي فإن قسماً من آثاره لم تطبع بعد، وله ما يقارب أربعين أثراً وعنواناً
لا أربعين كتاباً. إنّه من الذين ساهموا في تحقيق «بحار الأنوار» الذي كان سابقاً مطبوعاً بالطبعة الحجرية، وبعد ذلك تمّ توزيعه على عدّة أشخاص لكي يقوموا بتحقيقه وطباعته بهذه الطبعة الحديثة التي تقع في ١١٠ مجلّداً، فالسيّد الخرسان حقّق تقريباً ١٢ مجلّداً من «البحار».
لديه أيضاً موسوعة ابن إدريس الحلّي، تقع في ١٤ مجلّداً، كتب فيها عن حياة ابن ادريس، وجمعَ كلَّ مؤلّفاته وحققها.
إضافة إلى موسوعة عبد الله بن عبّاس، التي طبعت الآن في ٢١ مجلّداً، ولديه كتاب «المحسن السبط؛ مولود اُمّ سقط»، وهو يتعرّض في هذا الكتاب إلى الحديث عن المحسن ابن الإمام عليّ بن أبي طالب وابن الزهراء سلام الله عليهم، ويعتبر هذا الكتاب من أفضل ما كُتب في المحسن سلام الله عليه.
له أيضاً كتاب آخر بعنوان «عليّ إمام البررة» وهو عبارة عن شرح الأرجوزة للمرجع السيّد الخوئي رحمة الله عليه. هذه القصيدة تتعلّق بإمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) وفضائله ومعاجزه والأدلة على إمامته، تقع في ١٦٦ بيتاً من الشعر، وهذه تعتبر آخر ما كتبها المرجع السيّد أبوالقاسم الخوئيّ رحمه الله، كتبها في سنة ١٤١٠ هـ ، وكلّف تلميذه السيّد مهدي الخرسان بشرح هذه الأرجوزة.
يعني السيّد الخوئيّ حينما يذكر في الشعر مثلا آية المباهلة، وأنّها نزلت في عليّ أو عليّ(عليه السلام) واحد من الذين نزلت فيهم الآية، هنا يأتي السيّد مهدي الخرسان ويشرح آية المباهلة، ويذكر المصادر.
السيّد الخوئيّ مع أنّه عربيّ في النسب، لكن لسانه ليس عربياً ولكنّه يكتب الشعر العربي الفصيح، وفي هذه الأرجوزة ذكر مناقب أمير المؤمنين(عليه السلام). والشيء اللطيف أنّه في آخر هذه القصيدة يقول: بأنّني لست شاعراً، ولست أديباً، ولكن من أجل الحصول على الثواب نظمت مناقب أمير المؤمنين في هذه الأرجوزة الشعريّة في ١٦٦ بيتاً من الشعر، فيأتي العلّامة السيّد مهدي الخرسان يشرح هذه الأرجوزة.
السيّد الخوئيّ كتب هذه الأرجوزة في سنة ١٤١٠ هـ ، وتُوفّي في سنة ١٤١٣ هـ ، ولكنّها طبعت هذه الأرجوزة بعد وفاة السيّد الخوئيّ، وكتب المرحوم آية الله العظمى السيّد عليّ البهشتي ـ وهو من كبار تلاميذ السيّد الخوئيّ ـ لهذا الكتاب مقدّمة كبيرة، وهذه تعتبر من مؤلّفات السيّد محمّد مهدي الخرسان.
السيّد الخرسان ـ حسب ما شاهدته ـ يتّصف بصفتين، قلّما يتصف بها الذين يهتمون بالتراث.
الصفة الاُولى: هي حينما أنت تجلس إليه تشعر كأنّك أمام مكتبة متحرّكة، لديه من المعلومات الكثيرة، ولا تتكلم أمامه عن أيّ كتابٍ أو عن أيّ موضوع، إلّا ويبدأ ويعطيك معلومات عن هذا الكتاب: أين طُبع، متى ألّف، في أيّ مكان طبع، من الذي حقّقه، بحيث هو يعتبر دائرة المعارف عن التراث وعن الكتب.
المرحوم السيّد عبد العزيز الطباطبائيّ اليزديّ كان في هذه الصفة شبيهاً للسيّد الخرسان.
الصفة الثانية التي يتصف بها السيّد مهدي الخرسان، وهذه لعلّها نادرة، وهي كرمه وسخاؤه بما عنده من الكتب ومن المخطوطات.
المعروف ممّن يمتلكون المخطوطات والتراث، هو أنّه يكونون نوعاً ما بخلاء بما عندهم من التراث، ولا يُعطون مخطوطة لأحد، أمّا السيّد محمّد مهدي الخرسان كريم بما عنده، يعني يُعطي حتّى قبل أن تسأله أنت أو تطلب منه.
أنا أتذكر حينما أخبرته بأنّني أعمل في جمع رسائل الشعائر الحسينيّة، هو بدأ وقال لي: هل عندك هذه الرسالة أو تلك الرسالة؟ ثمّ قال: هذه الرسائل موجودة عندي، وأنا أصوّرها لك وأعطيها لك، كريم ـ بكلّ معنى الكلمة ـ بما عنده من التراث.
وهاتان الصفتان قلّما تجدهما في شخص من المهتمّين بالتراث.
والسيّد لازال في قيد الحياة، وبما أنّه في هذا السنّ، ولكنّه يشتغل بالتأليف والتحقيق، وبين يديه كتاب مهم ـ حسب ما أخبرني ـ عن الزهراء سلام الله عليها، وعنده مجلّد من مذكّراته، كتب ما شاهده بنفسه فيه.
حينما نقول عمره ٩١ سنة، هذا يعني يعتبر هذا الكتاب مذكراته في قرن كامل من الزمن، ونحن نسأل الله تعالى أن يطيل في عمره حتى يكمل ما في يده من آثار ومن تراث، ويفيد به المسلمين والشيعة.
* حسناً، التوضيحات كانت وافية، فلنشرع في موضوع موسوعة ابن عبّاس، أتصوّر بأنّ سماحة آية الله الخرسان قد تناول موضوعاً مهمّاً، حيث إنّ ابن عبّاس شخصيّة هامّة في تاريخ الإسلام والشيعة، إلّا أنّه تطرح أحياناً بعض الروايات والشبهات حول هذه الشخصيّة، ممّا أتمنّى أن يكون قد تطرّق سماحته إليها في موسوعته.
+ أمّا في ما يتعلّق بابن عبّاس نقول: إنّه ولد لثلاث سنوات قبل الهجرة النبويّة، حينما حاصر الكفّار المسلمين وحاصروا بني هاشم في شعب أبي طالب، حينما كان النبيّ وبنو هاشم محصورين في شعب أبي طالب، ومعروف أن والده عباس بن عبد المطلب حينما ولد هذا الطفل (عبد الله) أتى به إلى النبيّ، والنبيّ دعا له دعاءه المشهور وقال: «اللّهم ألهمه التأويل وعلمه الحكمة».
وكذلك أصبح ابن عباس من كبار المفسّرين، ومن كبار العارفين بتأويل القرآن وبأسراره، وحتى أنّ الإمام عليّاً قال عن عبد الله بن عبّاس: «كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء الستر».
إذاً ابن عبّاس ولد لثلاث سنوات قبل الهجرة، وعندما توفّي النبيّ كان عمره ١٤ سنة، فهو يعتبر من الصحابة، ومن الذين شاهدوا النبيّ ونقلوا عن النبيّ، ويعتبر من الرواة، حتّى أنّه كان يسأل خالته ميمونة زوجة النبيّ متى يأتي النبيّ عندك؟ فتخبره ميمونة، فهو يذهب إلى بيت خالته، حتّى ينظر إلى النبيّ كيف يتوضأ، وكيف يصلّي، وكيف ينام، ولذلك ينقل وضوء النبيّ وينقل صلاة النبيّ وكيفية تهجده في الليل.
ابن عباس هو ثقة عند عموم المسلمين السُنّة والشيعة؛ يوثّقونه وينقلون عنه، بالأخص فيما يتعلق بالقرآن وتفسيره، بحيث أنت لا تجد تفسيراً من تفاسير المسلمين عموماً، إلّا وتجد المفسّرين ينقلون عن ابن عبّاس؛ لأن قوله معتبر عند السُنّة والشيعة.
طبعاً بعد وفاة النبيّ هو تتلمذ على يد عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، أكثر دراسته وتتلمذه وأكثر أخذه للعلوم كان من اُستاذه عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه، طبعاً ابن عبّاس توفّي سنة ٦٨ الهجريّة، وقد أصيب في آخر عمره بالعمى، فهو كان ثقة عند عموم المسلمين.
* أشرتم إلى أنّ الموسوعة تتكوّن من ٢١ مجلّداً؛ فما هي الأجزاء التي تشتمل عليها؟
+ أمّا في ما يتعلّق بالموسوعة، وهي موسوعة عبد الله بن عبّاس، يجب أن نقول: إنّ السيّد الخرسان قضى من عمره سبعين سنة في تأليف هذه الموسوعة، هذا الرجل قضى سبعين عاماً في تأليف هذه الموسوعة، وبداية كتبها في أربعة مجلّدات، وأراد أن يطبعها في أربعة مجلّدات، وفي سنة ١٣٧٤ هـ يعني قبل ٦٤ سنة كتب له السيّد هبة الدين الشهرستانيّ تقريظاً، حينما أراد أن يطبع تلك المجلّدات الأربعة، والمرجع الدينيّ السيّد عبد الهادي الشيرازيّ أيضاً كتب له تقريظاً، وهذان التقريظان موجودان الآن في الكتاب.
ثمّ إنّه رأى أن هذه الموسوعة تحتاج إلى بحث وشرح كثير، فاستمر في البحث عمّا يتعلّق بابن عبّاس، واستغرق هذا الكتاب من بداية تأليفه حتّى نهايته أكثر من ٧٠ سنة، فهذا يعتبر كتاب العمر، ذكر فيه كلّ ما يتعلّق بابن عبّاس مطلقاً: من ولادته دراسته، من علمه، وممّا قيل فيه، ومن أساتذته وتلاميذه، وآثاره، وتفسيره للقرآن، وكلّ شيء يتعلّق بابن عبّاس قد ذكره في هذه الموسوعة.
أتذكّر كنت قد ذهبت سنة ١٤٣٢ هـ في شهر شعبان إلى العمرة، وزيارة بيت الله الحرام، والمدينة المنوّرة، وهو حينئذٍ جاء إلى إيران وزار مشهد المقدّسة ثمّ قم المقدّسة، وحينما سمع السيّد جواد الشهرستانيّ بأنّه جاء إلى إيران، أخذوا له التأشيرة من العراق وجاء إلى العمرة، وبقي هناك عدّة أيام، وذهب إلى الطائف من أجل أن يقف عند قبر عبد الله بن عبّاس، ويقرأ له الفاتحة، ويطلب من الله سبحانه أن يرزقه العمر والصحة حتّى يكمل هذه الموسوعة.
هذه الموسوعة في الواقع تقع في أربع حلقات، وكلّ حلقة في خمسة مجلّدات، ما عدا الحقلة الأخيرة جعلها في ستّة مجلّدات، والمجلّد الأخير كأنّه مسك الختام، أو تعريف مختصر لهذه الموسوعة.
* بماذا تختصّ كلّ حلقة من هذه الحلقات من موضوعات ومباحث؟ سماحة الشيخ محمّد الحسّون
+ الحلقة الاُولى بعنوان «ابن عبّاس تأريخ وسيرة»، تحدّث فيها عن تأريخ ابن عبّاس منذ ولادته وحتّى وفاته؛ منذ ولادته في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم)، ثمّ بعد ذلك من بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) إلى آخر حكومة عثمان بن عفّان، ثمّ بعد ذلك في خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام)، ثمّ بعد ذلك في أيام الإمام الحسن(عليه السلام) وخلافته، وبعد ذلك في خلافة بني أميّة إلى وفاته سنة ٦٨ هـ ، بحيث يذكر كلّ ما يتعلّق بحياته، وذكر أيضاً الإشكالات التي أوردت وأجاب عليها، والأخطاء التي وجدها في الكتب التي ألّفت عن ابن عبّاس.
السيّد محمّد مهدي الخرسان جمعَ كلَّ ما يتعلّق بابن عبّاس من الكتب والمقالات، باللغات الفارسيّة والعربيّة والتركيّة والاُردو، وكذلك المخطوطات التي تتعرّض إلى ابن عبّاس.
حينما سافر إلى إيران سنة ١٤٣٢ هـ ذهب إلى مدينة مشهد المقدّسة، وهنالك المسؤولون في العتبة الرضويّة عرفوه ووضعوا المخطوطات تحت يده، وصوّروا له مجموعة كبيرة من المخطوطات، وذلك في حين أن المسؤولين في هذه العتبة غير معروفين بهذا الكرم في تصوير المخطوطات وبهذه السرعة، ولكن لما عرفوا بأنّ السيّد يكتب هذه الموسوعة، فصوّروا له ما يحتاج من المخطوطات.
وأيضاً كلّف بعض الأشخاص كي يصوّروا له بعض المخطوطات في المكتبات الرئيسيّة هناك.
فإذاً هو جمع كلَّ ما يتعلّق بابن عبّاس من الكتب المطبوعة والمخطوطة في كلّ اللغات؛ كي ينظر ماذا قالوا عن ابن عبّاس، ويردّ الأخطاء التي كتبها بعض الأشخاص عنه.
الحلقة الثانية أيضاً في خمس مجلّدات بعنوان «دراسة وعطاء»، ويذكر فيها دراسته وأساتذته؛ من أين أخذ الحديث، من أين أخذ العلم، ثمّ يذكر بعد ذلك منهجه العلمي في التفسير والأخبار، وما نقل عنه وما كتب عنه.
أمّا الحلقة الثالثة جعلها بعنوان «آثار ابن عبّاس»، عبد الله بن عبّاس ليس له مؤلَّف، بمعنى أنّه لم يؤلّف في حياته كتاباً، وإنّما مَن جاء من بعده جمع ما قال ابن عبّاس وجعله في كتاب، ومن أهمهم ابنه الذي كتب كتاباً ممّا سمع من والده من تفسير القرآن، وكتب عطاء ابن أبي رباح أيضاً عن تفسير ابن عبّاس.
والشيء المهم في هذه الحلقة أنّ السيّد الخرسان جمع فيها ١٨ مؤلَّفاً من المؤلَّفات المنسوبة لابن عبّاس؛ فصحّح قسماً منها، وناقش في القسم الآخر، لأنّ بعض الأشخاص نسبوا بعض الأقوال وبعض الكتب لابن عبّاس، خاصّة فيما يلائم منهجهم.
الحلقة الرابعة: وهي المهمة، تعتبر من اهتمامات مركز الأبحاث العقائديّة في ردّ الشبهات، وعنوانه «ابن عبّاس في الميزان بين الجرح والتعديل».
مثلاً هناك شبهة تُثار عن ابن عبّاس، حينما كان والياً على البصرة من قِبل الإمام عليّ سلام الله عليه، أخذ أموال البصرة، وذهب إلى مكّة أو إلى الطائف.
فهنا يأتي السيّد المؤلّف الخرسان، ويستعرض هذه الشبهة بشكل دقيق، ويذكر كيف وردت في كتب السُنّة، وكيف وردت في كتب الشيعة، وكيف تطوّرت هذه الشبهة، ويأخذها تسلسلاً من الناحية الزمنيّة والتأريخيّة.
وفي هذه الشبهة ـ التي ذكرناها ـ يذكر الرسائل التي حصلت بين الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وبين ابن عبّاس، يذكرها تسلسلاً، ثمّ يستنتج بأنّ هذه الشبهة ليست واقعة وغير ثابتة، ويثبت بطلان هذه الشبهة، وأنّ ابن عبّاس لم يفارق أمير المؤمنين(عليه السلام) يوماً واحداً، ولم يخنه.
وحينما قتل الإمام عليّ(عليه السلام) واستشهد في مسجد الكوفة، كان ابن عبّاس موجوداً في الكوفة عند الإمام عليّ(عليه السلام)، وقد شارك في تغسيل وتكفين الإمام عليّ سلام الله عليه، وهو من أوائل الأشخاص الذين بايع الإمام الحسن(عليه السلام)، بل دعا الناس إلى بيعة الإمام الحسن سلام الله عليه، وأصبح بعد ذلك والياً من قِبل الإمام الحسن(عليه السلام) على البصرة.
ولو كان خان أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام)، وأخذ أموال البصرة، كيف يمكن أن يجعله الإمام الحسن(عليه السلام) والياً على البصرة؟
طبعاً هذه الحلقة الأخيرة في غاية الأهميّة، وهي التي تدخل في موضوع ودائرة نشاطات وفعاليات مركز الأبحاث العقائديّة، والمركز طبع هذه الموسوعة من ضمن سلسلة ردّ الشبهات.
وهناك شبهات واردة على ابن عبّاس، ولذلك قام هذا الرجل المؤلّف بردّها.
واستغرق تصحيح ومراجعة هذه الموسوعة في المركز عشر سنوات، يعني نحن طبعنا الحلقة الاُولى سنة ١٤٢٨ هـ ، ونحن الآن في سنة ١٤٣٨ هـ ، فاستغرق تصحيحها ومراجعتها في المركز عشر سنوات، فنحن لم نقم فقط بطباعة هذه الموسوعة ونشرها، بل قام المركز بمراجعتها وتصحيحها، وكلّما كان هناك من ملاحظة كنّا نكتب إلى السيّد المؤلّف، وكان يبدي رأيه.
وبحمد الله تعالى خرجت هذه الموسوعة الآن في ٢١ مجلّداً، وهو كتاب العمر لهذا المؤلّف السيّد محمّد مهدي الخرسان، ونسأل الله تعالى أن يطيل في عمره الشريف والمبارك، وهو يعتبر من مشايخيّ، وأعطاني وزوجتي السيّدة اُمّ عليّ مشكور الإجازة في الرواية، ونحن نعتزّ بهذه الإجازة.
* هل تمّ توزيع هذه الموسوعة على المراكز العلميّة، وكيف كان استقبال هذه المراكز لها؟
+ نحن هنا في مركز الأبحاث العقائديّة لا يوجد عندنا بيع، وأكثر كتبنا نوزّعها على المراكز العلميّة وعلى الشخصيّات، وبعثنا للمؤلّف ٢٠٠ دروة من الكتاب، وهو أيضاً لا يبيعها، بل يوزّعها ويهديها، ولكن بعض هذه النسخ تُباع في قم في مكتبة البيع، وتباع بسعر زهيد جدّاً، ولعلّه المجلد الواحد يباع بثلاثة أو أربعة آلاف تومان، ونحن لا نبيعها لأنّ المركز تابع لسماحة المرجع آية الله العظمى السيّد عليّ السيستانيّ، وتحت إشراف مباشر لوكيله العام حجّة الإسلام والمسلمين السيّد جواد الشهرستانيّ، فلا يوجد عندنا بيع، وليس هدفنا الربح والاستفادة، ومع ذلك قسم منها يباع في السوق كي يستطيع بعض الأشخاص أن يشتريها، فهي موجودة في المكتبة بسعر زهيد جداً.
* أشرتم إلى أن تأليف هذه الموسوعة وطبعها قد استغرق أكثر من سبعين سنة من المؤلّف، هنا يطرح هذا السؤال: بأنّ عالماً كالسيّد الخرسان، لماذا اختار ابن عبّاس للتأليف فيه، وبذل هذا الكم من العمر والوقت؟
+ هو يجيب على هذا السؤال ويقول: بأنّ ابن عبّاس عَلَمٌ في الإسلام عموماً، وكلّ المذاهب الإسلاميّة تعتمد عليه، وتأخذ منه التفسير والتأويل، وكذلك الحديث والتأريخ، وله الكثير من المواقف في أيام الإمام عليّ سلام الله عليه، وله نقاش طويل مع عائشة، وحتّى أنّ عمر بن خطاب كان يقدّمه ـ وهو شاب ـ على الصحابة، ويسأله ويستفسر منه، لكن لم أجد شخصاً اهتمَّ به، وكانت آثاره متفرّقة بشكل قد حصلت هنالك ظلامة لهذا الرجل، فاهتم المؤلّف به وبآثاره، وأخرج هذه الموسوعة، وهو يقول في نهاية هذه الموسوعة: أنا آمل أن أنال شفاعة ابن عبّاس في يوم القيامة؛ لأنّه أظهر حقيقة أحد تلاميذ الإمام عليّ(عليه السلام).
* ما هو دور مركز الأبحاث العقائديّة في تحقيق وتصحيح هذه الموسوعة؟
+ المركز له فرع في النجف الأشرف، وأكثر أعمال الطباعة والتصحيح والمراجعة قام بها بعض الشباب في مركز الأبحاث العقائديّة في النجف، لأنّ الأوراق التي كتب عليها السيّد الخرسان، كان قد مضى على بعضها أربعون أو خمسون أو ستّون سنة، فكانت أوراقاً قديمة، تحتاج إلى التجديد وإعادة النظر من قِبل المؤلّف، ثمّ صف الحروف ومراجعتها، وهذا يحتاج إلى الإرتباط مع المؤلّف، وطوال هذه السنوات مركز الأبحاث العقائديّة في النجف الأشرف قام بهذه المهمة، وكان على تواصل مستمر مع المؤلّف، وعملنا نحن على مساعدتهم في استخراج هذه الموسوعة.
ثمّ حينما تأتي هذه الموسوعة إلى قم، راجعها المحقّقون هنا بشكل دقيق، واستخرجوا بعض الأشياء التي تحتاج إلى استخراج، وإذا كان لنا بعض الملاحظات فنكتب للمؤلِّف، وهو كان قد يجيز بعضها أو لا يجيز، وعلى أيّ حال كنا خلال عشر سنوات في تصحيح ومراجعة هذه الموسوعة، إلى أن تمّ إخراجها بهذا الشكل.


الصفحة 367


الصفحة 368


الصفحة 369


الصفحة 370


الصفحة 371


الصفحة 372


الصفحة 373


الصفحة 374


الصفحة 375


الصفحة 376


الصفحة 377

عليّ كرّم الله وجهه على البصرة، ويصرف أموال الناس في تلك الأنحاء ـ يرى أنّ هذه الرسائل لا قيمة لها، وأنّ ما زعموه ـ في أنّ الأمر يتمّ بلا فتنة ـ زعم خاطىء، وأنّ الإسلام سيُصاب بكارثة لا خير فيها إذا أصغى الحسين إلى إغرائهم وأجاب دعوتهم.

أمّا الحسين فإنّه ـ لصدقه وسلامة قلبه ـ صدّق شيعته وشيعة أبيه، واعتقد أنّ الأمر يتمّ بلا فتنة، ولذلك لا يكون بمسيره هذا مخالفاً لشرعة جدّه صلّى الله عليه وسلّم.

وأنّ تصديقه شيعته، بأنّ الأمر استتبّ له، وأنّ المسلمين لن يقتتلوا، ولن تسفك دماؤهم بسبب هذه الرحلة، ذهابه بنسائه وأطفاله، كما يذهب الوالي في حالة السلم ليتولّى الإمارة التي تنتظره.


الصفحة 378
فالحسين كان مجتهداً، وهو مثاب على اجتهاده وإن لم يوافق اجتهاده الواقع.

وابن عباس وأضرابه، كانوا هم أيضاً مجتهدين في استنكار هذا المسير، وهم مُثابون بأجرين اثنين على اجتهادهم، الذي لو عمل به الحسين عليه السلام لكان خيراً له وللإسلام.

إنّ يزيد كان إمامَ المسلمين(1)!! وهو ككلّ شخصيّة، تحزّبت الأحزاب

____________

1- العجيب من هذا المؤلِّف المعادي لأهل البيت(عليهم السلام)، كيف يحكم بكون يزيد بن معاوية إماماً للمسلمين؟! وقد سبقه بذلك بعضُ الشُذّاذ ممّن يدّعي العلم، كابن العربيّ الذي انتصر ليزيد انتصاراً كبيراً ودافع عنه، وردّ كلّ ما قيل فيه، وذهب إلى أنّ بيعته كانت شرعيّة. انظر: العواصم من القواصم، لابن عربيّ ص ٢٢٢ـ٢٢٧ .
وذهب أكثر علماء العامّة إلى تفسيق يزيد؛ للجرائم الكبيرة التي ارتكبها في أيام حكمه القليلة، خصوصاً قتله للإمام الحسين(عليه السلام).
ومنهم من قال بكفره: كابن عقيل، والآلوسي ـ انظر: تذكرة الخواص: ٢٦٠، وروح المعاني ٢٦: ٧٣ ـ .
إلّا أنّ أكثر علماء المخالفين لم يذهبوا إلى كفره؛ لعدم ثبوت الأسباب الموجبة للكفر، والأصل بقاؤه على الإسلام.
أمّا لعنه، فقد انقسم أعلام المخالفين إلى قسمين:
الأوّل: قالوا بجواز لعنه، منهم: أحمد بن حنبل، والقاضي أبو يعلى، وابنه أبو الحسن، والخلّال، وغلامه عبد العزيز، وابن الجوزي، وسبطه، والفاريني، وابن محبّ الدين الحنفيّ التفتازاني، والسيوطي، وغيرهم.
الثاني: لا يجوّزون لعنه، لكنّهم لا يحبّونه، وهو رأي جمهور علمائهم، منهم: ابن الصلاح، والغزاليّ، وابن تيميّة، وابن حجر الهيثميّ.
وقد ألّف ابن الجوزيّ، جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمّد (ت ٥٩٧ هـ ) رسالة مفيدة سمّاها: «الردّ على المتعصّب العنيد المانع من ذمّ يزيد»، كتبها ردّاً على عبد المغيث بن زهير الحربيّ البغداديّ، الذي ألّف كتاباً باسم «فضائل يزيد».


الصفحة 379
لها وعليها، يجب أن يُعاد النظر في كلّ ما قيل فيه لتمحيصه تمحيصاً علميّاً تأريخياً، يقضي به على الأقاويل التي هي من طبيعة التحزّب.

إلّا أنّ ممّا لا يشكّ فيه مسلم، أنّ الحسين وعبد الله بن عمر(1) وأمثالهما أفضل منه.

ولكن من آدم إلى الآن، لا يتولّى الولاة على أنّهم لا يوجد في عصرهم

____________

1- عبد الله بن عمر بن الخطّاب، ولد سنة ١٠ قبل الهجرة، محدّث وفقيه وصحابيّ، من صغار الصحابة، وأحد المكثرين في رواية الحديث، شهد مع النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) عدداً من المشاهد، وبعد وفاته(صلى الله عليه وآله و سلم) شارك في فتوح الشام والعراق وفارس ومصر وإفريقيا.
اعتزل الناس بعد قتل عثمان بن عفّان وموت معاوية بن أبي سفيان، ولم يقبل أيّ منصب آنذاك.
روى عن النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم)، وأبي بكر، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وأبي ذر الغفّاري وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه عدد كبير من الصحابة والتابعين.
توفّي سنة ٧٣ هـ ، وقيل: ٧٤ هـ ، وصلّى عليه الحجاج بن يوسف الثقفي، ودفن بفخّ في مقبرة المهاجرين، وقيل: دفن بالمحصب، وقيل: بسرق.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد: ٢٥ .


الصفحة 380
مَن هو أفضل منهم، فما مِن ولي أمرٍ من قديم الزمان إلى حاضره، إلّا وهو يعلم بينه وبين نفسه، ويعلم الناس جميعاً معه، أنّه قد يوجد في اُمّته عشرات يصلحون لهذا الأمر، أو يكونون أكثر صلاحاً له.

وهذا لا يكفي لإثارة الفتن، وإزعاج الأوطان، وسفك دماء الناس؛ ليتولّى الفاضل ويُنحّى المفضول.

لذلك كان الحكم الشرعيّ في هذه المسألة، أنّ إمامة المفضول جائزة وماضية، ولا يجوز الانتقاض عليها بالفتنة لتولية من هو أفضل منه؛ لأنّ مصلحة الاُمّة من ولاية الأفضل لا تعدل الفساد الذي يترتّب على الفتنة، والقاعدة الشرعيّة >أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح<.

وقد كان يجب على شيعة الكوفة أن يعرفوا بهذا الحكم الشرعيّ، قبل أن يغرّوا ابن بنت رسول الله، ويوهموه أنّهم أهلٌ للاضطلاع بما دعوه إليه من غير فتنة ولا سفك دماء.

لكنّهم جهلوا أقدار أنفسهم، وجهلوا حكم شريعتهم، وجهلوا ما يجب عليهم لابن بنت نبيّهم، فكان دمه في أعناقهم.

نقل علّامة الشيعة في هذا العصر، الشيخ هبة الدّين الشهرستانيّ، ما رواه الجاحظ عن خزيمة الأسدي، قال: >دخلت الكوفة، فصادفتُ منصرف عليّ بن الحسين بالذريّة من كربلاء إلى ابن زياد، ورأيتُ نساءَ الكوفة يومئذٍ قياماً يندبن، متهتّكات الجيوب، وسمعتُ عليَّ بن الحسين وهو يقول بصوت ضئيل قد نحل من شدّة المرض: >يا أهل الكوفة، إنّكم تبكون علينا!! فمن قتلنا غيركم؟<.

ورأيتُ زينب بنت عليّ(عليه السلام)، فلم أر والله خَفِرَةً أنطق منها، كأنّما تفرغ عن لسان أمير المؤمنين، فأومأت إلى الناس أن اسكتوا، فسكتت الأنفاس


الصفحة 381
وهدأت الأجراس، فقالت:

>الحمد الله، والصلاة على محمّد وآله الطيبين الأخيار، أمّا بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم. ألا وهل فيكم إلّا الصّلف النّطف، والصّر الشّنف، وملق الإماء، وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ.

أتبكون وتنتحبون؟ إي والله! فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل أبداً، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خبرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجّتكم ، ومُدرة سنّتكم. ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السّعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة.

ويلكم يا أهل الكوفة! أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم، وأيّ كريمة له أبرزتم، وأيّ دم له سفكتم، وأيّ حرمة له انتهكتم؟ ولقد جئتم بها خرقاء شوهاء، كطلاع الأرض، أو ملأ السماء، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ولعذاب الآخرة وأنتم لا تنصرون.

فلا يستخفنّكم المهل، فإنّه لا يخفره البدار، ولا يخاف قوة الثار، وإنّ ربّكم لبالمرصاد<.

يقول راوي هذه الخطبة: >فوالله، لقد رأيتُ الناس يومئذٍ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّت لحيته وهو يقول: بأبي أنتم واُمّي، كهولكم خير


الصفحة 382
الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا ينزى<(1).

ولقد أخذ الشباب المستنير، من اُدباء الشيعة المعاصرين، يُدرك هذه الحقائق ويطمئن إليها ويمضي بيانه على سجيّته في إعلانها، ووصف جناتها بما يستحقّون.

وبينما كانت العامّة الجهلاء منهم، يلطمون الخدود، ويشقّون الجيوب، ويدعون بدعوى الجاهليّة، في العشر الأول من المحرّم السنة الماضية ١٢٦٦، كان الأُستاذ موسى اليعقوبيّ النجفيّ(2) يصغي إلى قريحته في فاجعة الحسين

____________

1- نهضة الحسين(عليه السلام) للسيّد هبة الدّين الشهرستانيّ: ١٨٢ .

2- الشيخ موسى ابن الخطيب المعروف الشيخ محمّد عليّ اليعقوبيّ ابن الشيخ يعقوب.
ولد في مدينة النجف الأشرف سنة ١٩٢٦م، ونشأ في بداية أمره على والده الذي رعاه وأخوته الثمانية، فأدخله الكتاتيب النجفيّة لتعلّم القراءة والكتابة.
وعند بلوغه الثامنة عشرة من عمره، درس مبادئ العلوم الإسلاميّة في الحوزة العلميّة على يد الشيخ باقر القرشي، والشيخ عبّاس المظفّر، والشيخ محمّد عليّ الحلّي.
ثمّ تابع دراسته في المدرسة الأحمديّة، وتخرّج منها وعيّن معلّماً فيها.
سار على نهج والده في الخطابة، فارتقى المنبر الحسينيّ سنوات عديدة.
أسّس مع مجموعة من الأساتذة ـ وهو في عقده الرابع من العمر ـ «لجنة الشباب النجفيّ»، الهادفة لإحياء المناسبات الدينيّة، وتمجيد وتعظيم أهل البيت(عليهم السلام).
أصدر مجلّة «الإيمان» سنة ١٩٦٣م، واستمرت بالصدور إلى سنة ١٩٦٨م، وهي السنة التي سيطر فيها حزب البعث على السلطة في العراق، وأغلق أغلب الصحف والمجلّات.
جُمعت محاضراته ومجالسه في كتاب مخطوط اسمه «مناهل الورّاد».
وله كتاب آخر مخطوط سمّاه «المختار في رثاء النبيّ وآله الأطهار».
كان رحمه الله يكتب الشعر، الذي وصفه بعض الاُدباء بالسهل، والبعيد عن التكلّف.
في سنة ١٩٦٨م، انتقل إلى بغداد وكيلاً للمرجع الدينيّ السيّد محسن الحكيم في منطقة الفضيليّة، وكذلك وكيلاً للمرجع السيّد أبو القاسم الخوئيّ.
توفّي أثر ذبحة صدرية سنة ١٩٨٢م، ودفن في مدينة النجف الأشرف.
انظر: مقالة «الشيخ موسى اليعقوبي: دراسة وتحليل» لرياض غنيّ حمود .


الصفحة 383
بكربلاء فتقول له:
قَد (كاتَبَتهُ) اُوُلو الخِيانَةِ أنّهاجُندٌ وليسَ لها سواهُ إمامُ
لكنّهم خانوا الذمام ولم يفواأنى! وما للخائنين ذمامُ
بينما كان الأديب الفاضل محمّد جواد خضر(1)، يخلو بنفسه في ذلك

____________

1- محمّد جواد ابن الشيخ عباس ابن الشيخ عليّ آل خضر الجنانيّ.
ولد في مدينة النجف الأشرف سنة ١٣٣٣ هـ .
تلقّى مبادئ علوم اللغة العربيّة على عدد من العلماء في مدينة النجف الأشرف، إضافة إلى ما تلقّاه من الفقه والاُصول.
عمل معلّماً في التعليم الابتدائيّ، وظلَّ يتنقّل في الوظائف حتّى استقرّ ملاحظاً لمكتبة المعارف العامّة في مدينة الكوت.
كان شاعراً أديباً، أورد الخاقاني في «شعراء الغري» نماذج من شعره، ونشرت له جريدة «الهاتف» النجفيّة عدداً من القصائد، منها: قصيدته النونيّة، التي عارض فيها قصيدة الشاعر العراقيّ حافظ جميل، التي هاجم فيها المرأة، فدافع المترجم عنها.
وله ديوان مخطوط تشير إليه بعض المصادر.
يدور شعره حول المديح النبويّ، وفي الرثاء، وذكََّر بماضي الأجداد التليد، وأظهر تقديره لدور المرأة ومشاركتها الفعالة في صنع الحياة على الأرض.
وله إسهام في المعارضات الشعريّة، لغته طيّعة، وخياله نشط.
التزم الوزن والقافية في ما كتب من شعره، مع ميله إلى التنويع والتجديد.
انظر: شعراء الغري ٧: ٤٦٢، معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام ٢: ١٢٨ .


الصفحة 384
الوقت، فيلهمه الله كلمة الحقّ التالية في فاجعة الطفّ:


نوازع هم كلهنّ فواجعتثور فتبدي ما تضمّ الأضالع
غداة استغاثت بالحسين جموعهمإذا خفّ منهم تابع حلّ تابع
أن أقدم إلينا يابن أحمد أنّنالغير ابن بنت المصطفى لا نُبايع
فلبّى نداء المستغيثين منهمإمام لأنف البغي والشوك جادع
ويمّم نحو الرافدين بفتيةأهاب بهم داعي الرشاد فسارعوا
ومُذ نزلوا في عرصة الطفّ وانجلتحقيقة ما يخفى من الغدر خادع
وصرّح أهل الغدر بالغدر وانطوتعلى الإثم والعدوان تلك الطبائع
فقام أبيّ الضيم يدعو جموعهمإلى شرعة الإنصاف بالحقّ صادع


الصفحة 385

ألم تأتني يا قوم منكم رسائلٌعليها من الإخلاص والصدق طابع
ألم تطلبوني للعراق وتُقسموابأن تنصروني في اللقا وتبايع
فما لي أرى هذي القلوب تبدّلتأما فيكم يا قوم للبغي وادع
دعوني إن خنتم عهودي فإنّنيإلى يثرب من حيث أقبلت راجع
فباؤا بذلّ مهطين رؤوسهمحيارى وما في الجمع للنصح سامع
ولم يرعووا بل صاح صائح جمعهمبصوت له تستك منه المسامع
أن أنزل على حكم الأمير مبايعاًوإلّا فما غير الأسنّه شافع
وهكذا تتوارد الخواطر مغترفة من الحقّ الذي لا يتعدّد ولا يتناقض، فيقول الشاعر البغدادي حسين الأعظميّ(1):

____________

1- حسين بن عليّ بن جشيّ العبيديّ الأعظميّ.
ولد سنة ١٣٢٥ هـ = ١٩٠٧م في محلّة الحارة في الأعظميّة، وتعلّم قراءة القرآن فيها، ثمّ أكمل دراسته الابتدائيّة، وبعدها دخل مدرس الإمام أبي حنيفة وتخرّج منه سنة ١٩٢٤م، فدخل جامعة آل البيت وتخرّج منها سنة ١٩٢٧م، فعيّن مدرساً بكليّة الإمام الأعظم، ثمّ أكمل دراسة الحقوق وتخرّج منها سنة ١٩٣٦م، واشتغل بالمحاماة فترة من الزمن، ثمّ عيّن مُدرساً بالغربيّة المتوسطة، ثمّ عُيّن مدرّساً معيداً في كليّة الحقوق، ثمّ رئيساً لقسم الشريعة، وبعدها تولّى عمادة كليّة الحقوق.
كان أديباً شاعراً، فاضلاً، محبّاً للخير متواضعاً، غزير العلم، محبوباً لدى الخاصّ والعامّ، يسعى في مصالح الناس.
خلّف عدّة مؤلّفات منها: «أحكام الأوقاف»، و«اُصول الفقه»، و«مع ابن سينا»، و«الوصايا»، و«أحكام الزواج»، و«الاُصول الشخصيّة»، و«علم الميراث»، وديوان شعر فخم.
وطُبعت له رسالة بعنوان «مع ابن سينا»، وهي قصيدة عصماء فلسفيّة مع شرحها، وقد ألقاها في المهرجان الألفي الذي عُقد باهتمام الجامعة العربيّة، وقد اختاره العراق ليمثّله في هذا المهرجان، وأول القصيدة:

هلّا هبطت من المحلّ الأرفعروحاً لتشهد مهرجان المجمع

وهو يُباري قصيدة ابن سينا الفلسفيّة التي أوّلها:

هبطت إليك من المحلّ الأرفعورقاء ذات تعزّز وتمنّع

وله قصيدة حسينيّة ألقاها صبيحة يوم عاشوراء سنة ١٣٦٥ هـ ، أوّلها:

أيّ دمع نظمته الشعراءودماء ذرفتها الخطباء
في مصاب مادت الأرض لهوله اهتزّت من الهول السماء

وله قصيدة حسينيّة رائعة، ألقاها يوم العاشر من محرّم سنة ١٣٦٤ هـ ، أوّلها:

الدمع ينطق والعيون تترجمعمّا يضمّ اليوم هذا المأتم
اليوم قد ذُبح الحسين وآلهظلماً وفاضَ الدمع وانفجر الدم

توفّي سنة ١٩٥٥م، ودفن في مقبرة الخيزران بالأعظميّة.
انظر: أعلام العراق الحديث، لباقر أمين الورد المحامي .


الصفحة 386

هنالك أنصار دعوه فجاءهمبقلب شجاع لا يداخله ذعر
ولكن هي الأموال تعبث بالنهىوليس لها حكم إذا حكم القبر


الصفحة 387

فخانوا عهوداً أبرموها ولم يكنله منهم إلّا الخصومة والغدر
أحاطوا به يرمونه بنبالهموفي ظهره بيض وفي صدره سمر(1)

هذه هي الحقيقة السافرة، وقد وجّهنا السؤال مرّة إلى الأُستاذ تقي قميّ،

____________

1- من قصيدة بعنوان «الشهيد»، ألقاها شاعرها في الصحن الكاظميّ المقدّس يوم عاشوراء، منها:

نظمت وما غير المناحات لي شعرله من دمي شطر ومن أدمعي شطر
نظمت دم الأحرار لي قصيدةتنوح بها الدنيا ويبكي بها الدهر
نظمت دم الأحرار من آل هاشمإذا ما جرى والطفّ من دمهم بحر
نظمت دموع الهاشميات نادباًبدمع له مدّ وليس له جزر
فتى هاشميّ ثار حين تعطّلتشريعته الغرّاء واستفحل الشرّ
بمملكة فيها يزيد خليفةله النهي دون الهاشميّين والأمر
يزيد طغى في الأرض حتّى تزلزلتبطغيانه وانهدّ من ظلمه الصبر
وعاث فساداً في البلاد وأهلهافمادت وعمّ الناس في حكمه الجور
أيرضى إمامُ الحقّ والدين أن يرىعدوّ الهدى والدين في يده الأمر
يريدون منه أن يبايع فاجراًوفي بيعة الفجّار لو علموا فجر
أبى بيعة الباغي وخفّ لحربهبآل له في النصر آماله الغرّ
أتى الكوفة الحمراء ليثاً محرّراًوفي الكوفة الحمراء ينتظر النصر
هناك أنصار دعوه فجاءهمبقلب شجاع لا يداخله ذعر
فخانوا عهوداً أبرموها ولم يكنله منهم إلّا الخصومة والغدر
وقد منعوه الماء وهو أسيرهمفضاقت به الدنيا وضاق به الأسر
يرى النهرَ والأطفال يبكون حولهعطاشى وما غير السراب لهم نهر
قد اضطرمت أكبادهم فتساقطواعلى الأرض لا حولٌ لديهم ولا صبر
وجفّت ثدي المرضعات من الظماوأصبحن في عسر يضيق به العسر
ينادين قوماً لا تلين قلوبهموقد لان لو نادين صماءه الصخر
انظر: مجلّة الغري ـ السنة الثامنة .


الصفحة 388
فقلنا له: هل لو كان سيّدنا الحسين (ع) معاصراً لأيّ حكومة في الحكومات الإيرانيّة الشيعيّة، ودخل بلادها ليتولّى أمرها، يتنازل له عن الحكم؟ وكان الشيخ تقي قميّ منصفاً بقوله: لا.


الصفحة 389

(١٣) رسالتان إلى السيّد هبة الدّين الشهرستانيّ(1)

____________

1- أصل الرسالتين باللغة الفارسيّة.


الصفحة 390


الصفحة 391
الصفحة السابقةالصفحة التالية